تفسير رسالة رومية اصحاح 2 د/ موريس تاوضروس

الاصحاح الثاني

غضب الله المذخر ضد الشعب اليهودي رو2: 1-8

” 1لذلك انت بلا عذر أيها الإنسان، كل من يدين لأنك في ما تدين غيرك تحكم علي نفسك لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها 2 ونحن نعلم أن دينونة الله الذين يفعلون مثل هذه 3 أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها انك تنجو من دينونة الله 4 أم تستهين بغني لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلي التوبة 5 وكذلك من أجل قساوتك وقلبك غير النائب تذخر لنفسك غضبا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة 6 الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله 7 أما الذين بصبر في العمل الصـالـح يطلبون المجد والكرامـة والـبـقـاء فـبـالـحـيـاة الأبدية، 8 وأمـا الـذيـن هـم مـن أهـل التحزب ولايطاوعون للحق بل يطاوعون للاثم فسخط وغضب» (رو2: 1-8).

“لذلك أنت بلاعذر أيها الإنسان، كل من يـدين، لأنك في ما تـديـن غيـرك تحكم علي نفسك لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها”.

يوجه الرسول بولس إنذاره الي الشعب الـيـهـودي. كان الـيـهـود يـعـتـقـدون أنهم يتميزون عن غيرهم من الشـعـوب لأنهم هم وحدهم الذين يعرفون الله الحقيقي وهـم وحدهم الذين أعطيت لهم الشريعة الإلهية. وبموجب هذا الإعـتـقـاد كـانـوا يـحـسـبـون انفسهم أنهم سينجـون من غضب الله وعـقـابه، لكن الرسول يوضح لليهود خطأ ما إنتهت إليه استدلالاتهم العقلية. فإذا كانوا يعرفون أن الله يغضب علي الخطاة، وإذا كانوا هم أنفسهم يدينون الخطأة على سوء مسلكهم، فإنهم بإدانتهم للآخرين يحكمون علي أنفسهم بالدينونة والتعرض لعقاب الله وغضبه لأنهم يفعلون «تلك الأمور بعينها، التي يدينون بها الآخرين. فليحذر اليهودي إذن من سـوء المغبة وسوء العاقبة. لقد نصب اليهودي من نفسه ديانا للآخرين، ولكنه في نفس الوقت الذي أخذ فـيـه مـوضـع الديان والحكم على الآخرين، يفعل نفس الأمور التي يدين الآخرين عليها. وهنا نذكر قول الرب يسوع الاندينوا لكي لاتدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذي الذي في عين أخيك وأمـا الخشبة التي في عينك فلاتفطن لها. أم كيف تقول لأخيك دعني أخـرج القذي من عينك، وها الخشبة في عينك، يا مرائي أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذي من عين أخيك» وقـد حـدث مرة أن قـدم الـكـتـبـة والـفـريسـيـون إلي السيد المسيح، امـرأة أمسكت في زنا ولما أقـامـوهـا في الـوسـط قـالـوا له يامعلم : هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وأما يسوع فأنحني إلي أسفل وكان يكتب بإصبعه علي الأرض وقال لهم : امن كان منكم بلا خطيـة فليرمها أولا بحـجـر. فلما سمعوا وكانت ضـمـائـرهـم تبكتهم، خرجوا واحــدا فـواحـدا مبتدئين من الشيوخ إلي الآخرين.

“ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق علي الذين يفعلون مثل هذه”.

يوضح الرسول أن دينونة الله تختلف عن دينونة البشر، فكثيرا ما يدين البشر الآخرين علي غير وجه حق، وكم من أبرياء يحكم البشر عليهم بالظلم، وكم من أشرار هـم أبرياء في نظر الناس، أما دينونة الله فهي حسب الحق، أي أنها دينونة لاتقوم علي أسس باطلة ولكنها تتم حسب مايستحقه الإنسان فهي دينونة عادلة، وفي هذا المعني قال السيد المسيح “وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق” .

«افتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله».

غابت عن ذهن اليهودي عـدالة الله ودينونته الـحـقه، وظن أنه سوف اينجو من غضب الله علي الرغم من أنه يفعـل مـايـسـتـحق أن يدان عليه. وفي هذه الآية، يبعـد الرسول عن ذهن اليهودي أنه سينجو من دينونة الله إذا فعل الأعمال التي تستحق الدينونة، «ام تستهين بغني لطفه وإمهاله وطول أناته غيـر عـالـم أن لطف الله إنما تقتادك إلى التوبة. يكشف اليهودي عن سوء تقديره للأمور، وسـوء فهمه لطبيعة الله ومشيئته، وهو لايزن الأمور بالميزان الصحيح السليم ويستند إلي أمال وأوهام خاطئة، فهو يستهين بغني لطف الله وإمهاله وطول أناته. إنه يسىء الفهم لغني رحمة الله وصلاحه وعظيم صبره. إن الله حقا يعامل البشر بالمحبة والرحمة واللطف، ويطيـل أناته ولا يتعجل العقاب ، علي أن البشر يجب أن يدركوا حكمة الله من ذلك. فالله لايمكن أن يسـتـسـيـغ الشر ولا يمكن أن يصمت عليه الي النهاية. فإذا أطال الله صـبـره ولطفه، فإنما يفعل ذلك لكي يقتادنا إلى التوبة، يقول الرسول بطرس الايتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قـوم التباطؤ، لكنه يتأني علينا، وهو لايشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلي التوبة، “واحسبوا أناة ربنا خلاصا، كما كتب اليكم أخونا الحبيب بولس أيضا حسب الحكمة المعطاة له”.

“ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غيـر التـائب تذخر لنفسك غـضـباً في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة”.

هناك قلوب كثيرة لاتحركها رحمة الله ولايؤثر فيها لطفه. هكذا كان قلـب اليهودي في قساوة الشر وغلاظة الاثم وفي عناد إرادته الشريرة، فإنه لم يتحرك نحو التوبة ولم يشعر بحاجته إليها، وأصر علي أن يظل حيث هو في انخداعه وضلاله. إن بعض الناس قد يرفضون الله بعقولهم، زعما منهم، أنه لم تتوفر لهم الأدلة العقلية والمنطقية الكافية لإقناعهم بالإيمان به. ولكن ليس أقل شرا من هؤلاء، أولئك الذين يرفضون الله علي الرغم من أنهم يؤمنون به بعقولهم، يرفضونه بقلوبهم غير التائبة. هذا الرفض الأخير لايتسبب عن جهل، ولكنه رفض ينبع عن قلب عنيد، علي الرغم من توفر الأسباب الداعية إلى التوبة.

علي أن الله الذي يتصف بالرحمة، يتصف أيضا بالعدل. وإذا كانت رحـمـة الله تبـدو في طول أناته وصبره، فإن عدل الله لابد أيضا أن يتخذ مجراه. إن رحمة الله تقـود إلي التوبة ، فإذا لم يتب القلب وإذا لم يتحول عن شره، فإن الإنسان ايذخر لنفسه غضبا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، .

الذي سيجازي كل واحـد حسب أعماله.

ان الله يعامل الإنسان حسب تصرفاته. الله يزن القلوب. عدالة الله مـيـزان دقـيـق، يزن تصـرفـات الإنسان ويقـدر قـيـمـتـهـا وهـو لايقتصر علي تقييم الأفعال الظاهرة بل وأفعال القلوب افيرد علي الإنسان مثل عمله.

“وأما الذين بصبر في العمل الصالح يطلـبـون المجـد والـكـرامـة والبـقـاء فبالحياة الأبدية، وأما الذين هم من أهل التحزب ولايطاوعون للحق بل يطاوعون للاثم فسخط وغضب”.

الناس فئتان : فئة الذين يعملون بصبر ويطلبون الحياة الأبدية، وفئة الذين يعملون بتحزب ويتعرضون لسخط الله وغضبه :

الفئة الأولي : هم هؤلاء الذين يعملون كل ماهو صالح في صبر وأناة، فئة تتميز بالعمل المالح الذي يتم في صـبـر. فئة لاتقف عند مـجـرد مـعـرفـة مـا هـو الـخـيـر ومـاهـو الصالح، ولكنها تتخطي المعرفة إلي مجال العمل والممارسة والسلوك. ما أيسر علي المرء أن يقف عند مجال المعرفة ولكن ما اصعب أن يسلك بموجب هذه المعرفة. ليس يكفي أن نعرف ماهو الصالح، ولكن المهم هو ان نسلك في هذا العمل الصالح، . كثيرون يمكن أن يكونوا معلمين وقليلون هم العاملون. الفضيلة ممارسة وعمل وتنفيذ وسلوك وتصرف وليست مجرد معرفة وفهم وإدراك. الإيمان عمل وليس مجرد معرفة ذهنية. إن الرسول بولس يؤكد في هذا المجال أهمية العمل، وكثيرون أخطأوا مفهوم الإيمان عند الرسول بولس عندما ظنوا أنه إيمان الفكر لا إيمان العمل، ومما يؤكد أهمية الجانب العملي في حياتنا الروحية، إن الرسول بولس يقرن العمل الصالح هنا .. بالصبره ، فليس علينا أن نعمل فقط، بل يجب أن نعمل «بصبره . كثيرون يبدءون يعملون ولكنهم لايواصلون العمل، إنهم يبدءون العمل في الساعات الأولي من النهار، ولكنهم سرعان مـا يـحسـون بالإرهاق والتعب، أنهم لا يواصلون عملهم ولا يـسـتـمـرون طويلاً. لا يقدرون أن يحتملوا ثقل العمل وحرارة النهار. ينقصهم الصبر ويفتقدون القدرة علي الاحتمال. إن العمل الروحي الناجح هو العمل الذي لايكل ولايفتر ولا يضعف ولايصيبه الهرم والخور، فلا يمكن للعمـل أن يكلل إلا بعد جهاد طويل مرير، ولابد من الجهاد الحسن، ولابد من استكمال السعي، ولابد مـن السير في الطريق حـتي النهاية إذا كنا نريد أن نحظي بإكليل المجد. كذلك يظهر الصبر في إحتمال المشقات والمتاعب التي تنبت كالأشواك في طريق الجهاد.

هذه هي صفات الفئة الأولي التي تحدث عنها الرسول بولس : العمل بصبر. وتتميز أيضا هذه الفئة بأنها ترنو ببصرها علي الدوام نحو السماء بصبر في كل عمل صالح، والذين يشغفون بالمطالب الروحية ، ينالون الحياة الأبدية والمجد السماوي.

الفئة الثانية : هم هؤلاء الذين تحكمهم روح الـتـحـزب، أي الذين يهـدفـون إلي إنتـصـار مايخصهم ( والـرسـول هـنـا يـوجـه كـلامـه الـي الـيـهـود الذين كانوا يفضلون إنتصـار الـيـهـوديه عن انتصار الحق)، روح التحزب تعمي الفكر وتحجب البصـر عن رؤية الحق والصواب، يجب أن نفرق بين التمسك بالحق وبين روح التحزب . روح التحزب تدفع بـصـاحـبـها إلي الـتـمـسـك برايه وإلي العناد وإلي تغليب إتجـاهـاته علي إتجـاهـات الآخرين. وهو لا يقيس الأمـور هـنـا بمقياس الصدق والكذب أو الحق والباطل، ولكنه يقيسها بروح الأنانية وحب الذات والرغبة في الإنتصار والـظـفـر علي الآخرين، حتي لو كان هذا علي حساب الحق وعلي حساب الصواب. روح التحزب لاتدفع المرء للتمسك بالحق ولكنها تدفعه للتمسك برأيه، ولايهـمـه في ذلك مايكون عليه رأيه من خطا أو ضلال. بهذه الروح – روح التحزب – كان اليهود يقاومون دعـوة المسيحية، جاءت المسيحية تحمل الحق والنور والحياة للعالم، ولكن اليهـود رفضوا الحق ليسلكوا في الباطل، وحـجـبـوا النور لكي يستتروا بالظلام، ولم يؤمنوا بالمسيح الحي ليرقدوا في قبور الخطيئة. أن ماكان يحتاجه اليهود في عصر الرسول بولس مايحتاجونه في كل عصر، أن يبعدوا عن فكرهـم روح التحزب، وأن يتطلعوا إلي الأمور بعين الحق، ولو فعلوا ذلك لأدركوا جمال المسيحية وأمنوا بالمسيح. أما وأنهم لم يفعلوا ذلك، فقد حذرهـم الرسول مما ينتظرهم في يوم الدينونة من سخط الله وغضبه.

الله لايحابى رو2: 9-11

“9 شـدة وضيق علي كل نفس إنسان يفعـل الشـر، أليـهـودي أولا ثم اليوناني 10 ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح، اليهودي أولا ثم اليوناني 11 لأن ليس عند الله محاباة” (رو2: 9-11)

 كان اليهودي يخدع نفسه عندما يحس بامتيازاته الخاصة، متـوهما أن الله قد اختاره هو دون سائر الشعوب الأخري، وميزه بالناموس والعهد مما يجعل له وضعا خاصا، واعتقد أن الله سوف يعامله معاملة مغايرة متميزة، وكأنما سوف يحاكمه بقانون سماوي خاص بينما يحاكم البشر الآخرين بقانون آخر.

وبمعني آخر، كـان الـيـهـود يـفـصـلـون شـعـبـهـم عن باقي شـعـوب الـعـالـم ويـتـوهـمـون أن الله يحابي اليهود في المعاملة فلايسـوي بينهم وبين الآخرين. ومن أجل ذلك فقد أوضح الرسـول أن أحكام الله تصـدر «علي كل نفس إنسان، ، مبطلا بذلك هذا التقـسـيـم الـزائف الذي وضعه الـيـهـود بين شـعبـهـم وشـعـوب الـعـالـم الأخري. أن الله لايفرق في ثوابه أو عـقـابه بين جنس وجنس أو بين شعب وشعب «الله لا يأخذ بوجه إنسان»، «لأنه ليس عند الرب الهنا ظلم ولامحاباة ولا إرتشاء، «الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحده ، «بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه، بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البـر مقبول عنده»، «وأما الظـالـم فـسينال ماظلم به وليس محاباة.

لـقـد أكـد الـرسـول عـدالة الله في أحكامه مع البشر. وتظـهـر هـذه الـعـدالة، أولا : في أن الله لا يحابي ولكنه يسـوي بين البـشـر أجمعين، وتظهر ثانيا : في أنه يجازي بالشدة والضيق علي فعل الشر» و «المجد والكرامة والسلام علي فعل الصلاح .

أما عبارة «اليهودي أولا ثم اليوناني» فهي لاتتضمن معني التفضيل بل تشير إلى أن عهود الله قد أعطيت لليهود أولا، فهناك تقدم في الزمن لا في الكرامة.

بين الناموس المكتوب والناموس الطبيعي رو2: 12-16

12لأن كل من أخطأ بـدون الـنامـوس فـبـدون الـنـامـوس يهلك وكل من اخـطـا في الـنامـوس فبـالـنـامـوس يدان 13 لأن ليس الذين يسـمـعـون الـنـامـوس هـم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هـم يبررون 14لأنه الأمم الذين ليس عندهـم النـامـوس مـتـي فـعـلـوا بالطبيعـة مـاهـو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هـم نـامـوس لأنفسهم 15 الذين يظهرون عـمـل النـامـوس مكتوبا في قلوبهـم شـاهـدا أيضـا ضـمـيـرهـم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة 16 في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح، (رو2: 12-16).

“لأن كل من أخطأ بدون الناموس فـبـدون الـنـامـوس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان”.

إذا كان الله قد أعطي اليهود نامـوسـا مكتوبا، فإنه أيضاً قد زود غير اليهود من الأمميين بناموس طبيعي. فكل إنسان يولد بالفطرة مزودا بهذا الناموس الأخلاقي الطبيعي، وليس الناموس المكتوب في الواقع إلا إبرازاً لهذا الناموس المسطور على صفحات القلوب وعلي ذلك فاليهودي يحاكم وفق الناموس المكتـوب ، أما غير اليهودي، فإن محاكمته تجـري وفقا للناموس الطبيعي غير المكتوب.

“لأن ليس الـذيـن يـسـمـعـون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون”.

كان اليهود – كما قلنا – يفتخرون بمجرد مالهم من ناموس ، وكانوا يستمعون إلي الناموس في المجمع، فأوضح لهم الرسـول، أن الأبرار عند الله ليسـوا هـم هؤلاء الذين يسمعون الناموس فقط أو يعرفون ماجاء فيه، بل هؤلاء الذين يتـصـرفـون حـسـب الناموس ويحافظون عليه في حياتهم ومسلكهم وعلاقاتهم. ولو كان مجرد الاستماع إلي الناموس يكفي لتبرير الإنسان لكان يمكن القول أن الأمميين أيضا قد يكون منهم من استمع الي الناموس أو قرأه أو عرفه. هكذا الشان أيضاً بالنسبة للمسيحيين. فقد يصعب علينا أن نتصور أن تعاليم المسيحية يمكن أن تكون مجهولة في أية بقعة من بقاع العالم. ولكن الأمر لا يقتصر علي مـجـرد المعرفة، بل يتم التبرير، بالعمل وفقا لوصايا الرب.

“لأن الأمم الذين ليس عندهم النامـوس، مـتـي فـعـلـوا بالطبـيـعـة مـاهو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة”.

يؤدي الناموس الطبيعي للأمميين، ما يؤديه الناموس المكتوب لليهود، ذلك لأن الأمم الذين لم يأخذوا ناموسا مكتوبا ولكنهم يكـرمـون الله ويسلكون بالفضيلة مـقـوديـن بـنامـوسـهـم الطبيعي أنفطري الأخلاقي وهكذا يفعلون مايأمر به الناموس المكتوب، فإنهم (أي الأمميين) علي الرغم من أنه ليس لهم ناموس مكتوب، هم أنفسهم ناموس لأنفسهم، أي لهم ناموس الضمير. إن الوظيفة التي يؤديها الناموس المكتوب، من حيث إنه ينير بصائر الناس، ليميزوا بين الحق والباطل وبين الخير والشر ، إن عمل الناموس هذا ، يظهر الأمميـون بـتـصـرفـهـم أنه مكتوب في قلوبهم ، وذلك عندما يشهد ضـمـيرهـم علي كل عمل، وعندما تثور أفكارهم الداخلية فيما بينها بالشكاية والاحتجاج علي تصرفات الإنسان. إن الضمير يقف من الإنسـان مـوقف الناموس المكتـوب منه، فالضمير الصالح يقوم بعمل الناموس المكتوب في الفصل بين الخير والشر والحق والباطل. إن الضمير، إن أجلا أو عاجلا، سوف يؤدي شهادته بكل صدق وأمانة وقوة. في الوقت الحاضر قد يمكننا أن نضـعف من صوت الضـمـيـر ومـن تأنيـبـه. لكنه سيجيء الوقت الذي يدوي فيه صـوت الضمير بكل قوة وجبروت، ويعلو عن صوت ألف فم، وتكون شهادته أقوي من شهادة ألف شاهد، لأن الناس يشهدون علي مايقع تحت بصـرهـم من أفعال ظـاهـرة، أما شهادة الضمير فهي تتضمن أيضا الأفعال الباطنة بما فيها من نية وقصـد وفكر لم يخرج إلي حيز التنفيذ. إن الضمير يعكس صوت الله في الإنسان، يحمل كل ما لهذا الصوت من صفات القوة والسلطة وحب الخير وكراهية الشر. إن الرسـول يشبه باطن الإنسان بمحكمة لها شريعة طبيعية فطرية، وتجري فيها شهادة الضمير، وتقوم فيها الأفكار، بالشكاية والاحتجاج.

“في اليوم الذي فيـه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح”

يشير الرسـول إلي أن الذين يحافظون علي الناموس سوف يحكـم بـبـرهـم فـي اليـوم الذي فيه يدين الله أعمال الإنسان الظاهرة والخفية، وذلك حسب الإنجيل الذي كرز به الرسول (إنجيل يسوع المسيح) وسوف يحكم علي سرائر الناس بواسطة يسوع المسيح الذي هو الديان العادل.

اليهودي بين المعرفة والسلوك رو2: 17-24

17هـوذا أنت تسمي يهوديا وتتكل علي الـنـامـوس وتـفـتـخـر بالله 18وتعـرف مـشـيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلما من الناموس 19 وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة 20ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس 21فأنت إذن تعلم غيرك الست تعلم نفسك الذي تكرز أن لايسرق أتسرق 22الذي تقول ان لايزني أتزني الذي تستكره الأوثان اتسـرق الـهـيـاكـل 23الذي تفـتـخـر بالناموس ابتـعـدي الناموس تهين الله 24لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب، (ور2: 17-24).

«هوذا أنت تسمي يهوديا وتتكل علي الناموس وتفتخر بالله».

في الاصحاح الثاني ابتداء من العدد السابع عـشـر الـي الـعـدد الرابع والعشرين، يظهـر البون الشاسع في حياة ليهودي، بين معرفته بالناموس وبين تعديه للناموس ومخالفته لوصايا الله. كأن اليهودي يحمل لقبه كيهدوي بفخر، وكان يتكل علي الناموس كما لو كان يستند الي أساس مأمون، وكان يفتخر بالله كما لو كان الهه وحده دون غيره.

“وتعرف مشـيـئـته وتميـز الأمـور المـتـخـالـفـة مـتـعـلـمـا من الناموس”.

يشير الرسـول إلي أن اليهودي كان يعرف إرادة الله، ويميز الاختلاف بين الخير والشر، لأنه قد تعلم وتثقف بالناموس. فالناموس أعطي لليهودي المعـرفـة والقدرة علي الـفـصل بين الحق والباطل، واليهودي كان يطبق الناموس تطبيقاً نظرياً لا عملياً.

وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة.. لليهودي ثقة كبيرة في نفسه فهو يتوهم أنه قائد ومرشد لـعـابـدي الوثن ذوي العيون المظلمة، وأنه قد وضع من الله ليكون، نورا وهاديا لهؤلاء الذين يولدون في ظلمة الجهل وفي خداع العبادة الوثنية الباطلة. 

“ومهذب للأغـبـياء ومـعـلـم للأطفال ولك صـورة العلم والحق في الناموس”.

إعتقد اليهودي في نفسه أنه مرب ومهذب قادر علي أن يبصر الذين لايفهمون، وقادر علي أن يعلم ويؤدب الذين لازالوا في طفولة الحياة الروحية، وأن له المعرفة التامة والـعـلـم الحق الذي يتضمنه الناموس.

“فأنت اذن الـذي تـعـلـم غـيـرك الـسـت تـعـلـم نـفـسـك، الذي تكرز أن لا يسـرق أتسرق» .

إن اليهودي، علي الرغم من معرفته بالناموس، فإنه يسلك سلوكا مشينا مختلفا تمام الاختلاف مع ما أوصي به الناموس، وكأن مهمته اقتصرت فقط علي مجرد المعرفة والعلم أو علي مجرد التعليم، دون أن يلتزم هـو بما يعلم أو بما يعرف. والحق إن معرفة الناموس والعلم، تحمل معها مسـئـوليـة أكـبـر ودينونة أعظم لمن لايلتزم بما يعـرف أو يعلم، فـقـد قال يعـقـوب الاتكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعاً. ولذلك قد حمل اليهود أنفسهم دينونة أعظم، لأنهم فيما يدعون العلم والمعرفة، وفيما يفخرون فيما لديهم من ناموس، فهم يسلكون مخالفين لما تعلموا. لقد وضعوا أنفسهم معلمين للغير ولكنهم لايلتزمون بما يعملون به أو لا يعلمون أنفسهم ولذلك يقترفون نفس الأعمال التي ينهون الناس عنها، فهم يسرقون في الوقت الذي يكرزون فيه للناس أن لايسرقوا .

“الذي تـقـول أن لايزني أتزني، الذي تستكره الأوثان أتسـرق الـهـيـاكل ، الذي تفتـخـر بالناموس ابتعدي الناموس تهين الله، لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كـمـا هـو مـكتـوب”.

يكرز الـيـهـود بالفضيلة والسلوك الخيـر ويـوصـون غـيـرهـم أن لايرتكبوا أي فـعـل مـخالـف كالسرقة والزني وعـبـادة الأوثان، ومع ذلك فهم يرتكبون نفس هذه الأفعال التي يحذرون الناس من اقترافها، فهم يزنون ويسرقون وينهبون الهياكل الي غير ذلك مما يـحـرمـونـه علي غيـرهـم من أفـعـال ومما يناقض ماجاء به الناموس من وصايا. كان هذا هو خلق اليهودي كما أقر به الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد :

قال النبي ميخا : واسمعوا هذا يارؤساء بيت يعقوب وقضاة بيت اسرائيل الذين يكرهون الحق ويعوجون كل مستقيم، الذين يبنون صهيون بالدماء، وأورشليم بالظلم، رؤساؤها يقضون بالرشوة وكهنتها يعلمون بالأجرة، وأنبياؤها يعرفون بالفضة.

وقال النبي داود مخاطبا اسرائيل : “إذا رأيت سـارقـا وافـقـته، ومع الزناة نصيبك، أطلقت فمك بالشر ولسانك يخترع غشا”.

وخاطب السيد المسيح اليهـود قـائلا «أليس مـوسـي قد أعطاكم الناموس وليس أحـد منكم يعمل الناموس» ، كما خاطب السيد المسيح الجموع فحـذرهـم من معلمي الناموس قائلا «علي كرسي موسي جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمـالـهـم لاتعلموا لأنهم يقولون ولايفعلون، فإنهم يـحـزمـون أحمـالا ثقيلة عسرة الـحـمل ويضعونها على اكتاف الناس وهم لايريدون أن يحركوها بإصبعهم”.

وهكذا فإن اليهود الذين كانوا يفتخرون بالناموس، كانوا بتعدي الناموس يهينون الله. بسبب عصيانهم وتمردهم يهان اسم الله ويجدف عليه بين الأمم، وفي هذا يقول الرب علي لسان أشعياء النبي “ودائما كل يوم اسمي يهان”. كما يقول الرب علي لسان حزقيال “فيعلم بيت اسرائيل أني أنا الرب الههم من ذلك اليوم فصاعدا، وتعلم الأمم أن بيت إسرائيل قد أجـلـوا بأثمهم لأنهم خانونی، فحجبت وجهي عنهم وسلمتهم ليد مضايقيهم فسقطوا كلهم بالسيف كنجاستهم وكمعاصيهم فعلت معهم وحجبت وجهي عنهم”.

نقص العبادة اليهودية رو2: 25-29

25فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس، ولكن إن كنت متعديا الناموس فقد صار ختانك غرلة 26إذن إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختانا 27وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والخـتـان تـتـعـدي الناموس 28لان اليهودي في الظاهر ليس هـو يـهـوديا ولا الخـتـان الذي في الظاهر في اللحـم خـتانا 29بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وخـتان القلب بالروح لابالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله، (رو2: 25-29)

فان الختان ينفع إن عملت بالناموس، ولكن إن كنت مـتعـديا الناموس فقد صار ختانك غرلة.

يتـحـدث الـرسـول بولس في هذا الجزء من الاصـحـاح ابتداء مـن الـعـدد الخامس والعشرين الي الـعـدد التاسع والعشرين، عـن نقـص الـعـبـادة الـيـهـودية الذي يتمثل في مظهرين :

1- عدم الإلتزام بكل ما أوصي الرب.
۲ – الاهـتـمـام بالعبادة الظاهرية دون الباطنية. وبالنسبة لعدم الالتزام بكل ما أوصي به الرب، كان اليهودي يقتصر علي بعض وصايا الناموس دون الأخـري، فقد كان يهتم بتنميم وصية الختان بمفه….ها الحرفي ثم ينصرف عـن الوصايا الأخري، فأوضح الرسول أن الإلتزام بمـجـرد الختان لا يفيد علي الإطلاق. فالختان لا يفيد إلا إذا ارتبط بالمحافظة علي مايطلبه الرب من وصايا أخري، أما إذا أكتفي اليهودي بالختان وخالف وصايا الرب الأخري، فإن هذا الختان يفقد قيمته أمام الله ويصير كما لو كان غرلة أو كما لو لم تتم عملية الختان.

إذن أن كان الأغرل يـحـفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلتـه ختانا، وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تكمـل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والخـتان تتعدي الناموس، . ان غير المختتن من الأمميين، إذا كان يحفظ بالتمام وصايا الناموس الإلهي المسطور في باطنه، فإن غرلته تحسب خـتـانا، وهكذا فإن الأممي الأغرل يمكن أن يدين اليهودي ، الذي قد أخـذ ناموسا مكتوبا واختتن ولكنه يتعدي وصايا الناموس الأخري، فالاختتان الحقيقي الذي أوصي به الرب هو الذي يكمل بنزع غرل القلـوب. يقول أرمـيـا النبي اخـتـتنوا للرب وانزعـوا غرل قلوبكم يارجـال يهوذا وسكان أورشـلـيـم لئلا يخـرج كنار غيظي فـيـحرق وليس من يطفيء بسبب شر أعمالكم،  ويقول الرسول بولس في رسالته الي غلاطية وها أنا بولس أقول لكم أنه أن اختتنتم لاينفعكم المسيح شيئا، لكن أشهـد أيضا لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس. قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس، سقطتم من النعمة، فإننا بالروح من الإيمان نتـوقـع رجـاء بـر، لأنه في المسيح يسـوع لا الـخـتـان ينفع شـيـئا ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة.

“لأن اليـهـودي في الظاهر ليس هـو يـهـودياً ولا الخـتـان الذي في الظاهر في اللحم ختانا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان”.

في هذين العددين، يتمثل مظهر النقص الثاني في العبادة اليهودية، من حيث إنها عبادة تهتم بالظاهر دون الباطن، فقد اهتمت العبادة اليهودية بالجسد دون الروح، وكانت تتفهم وصايا الناموس تفهما حرفيا. فالختان لايفهم إلا كمجرد عملية ظاهرية نمس جسد الإنسان دون باطنه. والواقع أن وصـايـا الـرب في العـهـد الـقـديـم لـم تكن تـقـصـد فـقـط مـجـرد ممارسات ظاهرية، ولكنها تهدف الي تطهير الإنسان وإلي تنقية ضميـره وقلبه. ولذلك أعطي الرسول بولس تعريفا لليـهـودي بمقتـضـاه يتحدد اليـهـودي الـحـقـيـقي في أنه ليس هـو الذي يظهر يهوديته في مظهـره الخارجي فقط، وكذلك الأمر بالنسبة للختان، فليس الختان كعملية تمس الجسد فقط هو الختان الحقيقي . اليهودي الحقيقي هو الذي يكرس حياته الباطنيه الخفية، وكذلك الختان الحقيقي هو خـتـان القلب الذي يتم بواسطة الروح القدس وليس بواسطة أحرف الـنـامـوس الموسوي الذي لايستطيع أو ليست له القوة على تغيير القلب وتجديده. والعـهـد الـقـديم نفسه أشار إلى الحياة الباطنية وإلي ختان القلب، فقد جاء في سفر التثنية ويختن الرب الهك قلبك وقلب نسلك لكي تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتـحياه. وفي خطاب اسطفانوس الشهيد أمام المجمع قال لليهود «ياقساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان.

الذي مـدحـه ليس من الناس بل من الله:

مثل هذا اليهودي الحقيقي الذي يهتم بخنان القلب، لاينتظر مدحا من الناس، لأن مدح الناس يستند الي علاقات ظاهرة يمكن أن تكون في نفس الوقـت خـادعة، ولكنه يـحـوز رضي الله الذي يعـرف خـفـايـا الـقـلـوب ومكنوناتهـا. يقـول الرسول بولس في رسالته الأولي الي كورنثوس «ولكن الذي يحكم في هـو الرب، إذن لاتحكمـوا في شيء قبل الوقت حتي يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهـر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله.

تفسير رومية 1 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 3

د/ موريس تاوضروس

تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى