تفسير رسالة رومية أصحاح 9 د/ موريس تاوضروس

الأصحاح التاسع

أمانة الله في وعوده علي الرغم من عدم أمانة اسرائيل (رو1:9 -33).
حزن الرسول بولس بسبب اسرائيل

1 أقـول الصدق في المسيح لا أكذب وضـمـيـري شـاهـد لـي بـالـروح الـقـدس 2 ان لي حـزنا عظيـمـا ووجـعـا في قلبي لا ينقطع 3 فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي مـحـروما من المسيح لأجل أخـوتي أنسـبـائي حسب الجسد 4 الذين هـم اسرئيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشـتـراع والعبادة والمواعيد 5 ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن علي الكل إلهـا مباركا الي الأبد أمين ( رو9: 1-5 ) .

أقول الصدق في المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس

يؤكد الرسـول هنا أنه يقـول الصـدق أو الحق كـانسـان عـرف المسيح وارتبط معه بعلاقة شديدة فلا يكذب . ويشهد علي قوله ، ضميره الذي استنير بواسطة الروح القدس .

– عبارة – “الصدق في المسيح ” تعني الصدق النابع من الاتحاد بالمسيح ، فـالاتحاد بالمسيح يمنع ارتكاب الخطيئة، أو يجعل ارتكاب الخطيئة أمرا غير ممكن أو كـمـا قال الرسول بولس في الاصحاح الثامن من نفس الرسالة ، أن الذين هم في المسيح لا يقـعـون تحت الدينونة لأنهم يسلكون حسب الروح وليس حسب الجسد ، ان اتحادنا بالمسيح يمثل أكبر قـوة تحصننا ضـد ارتكاب الخطايا.

– لا أكذب : ما أكده الرسول بالايجاب عندما قال “أقول الصدق” يؤكده بالسلب في قوله “لا أكذب”.

– ضميري : الضمير هنا يشخص . ومن الملاحظ أن الرسول بشير هنا الي ثلاثة شهود : المسيح ، الروح القدس ،الضمير ..وقد أكد الرسول صدق كلامه ازاء افتراءات اليهود نحوه ، فقد اتهموه باتجاهاته العدوانية ضدهم . ومعني ذلك أنه ازاء خطر تكذيبهم لكلامه وعدم تصديقهم لما يقول . هذا بالاضافة الي أن الرسول سوف يشير الي حزنه الداخلي الذي لا يقع تحت الحس.

ان شـهـادة الـضـمـيـر وحـدها لا تكفي ، بل يجب أن تتـأيد هذه الشـهـادة من قـبـل الـروح القدس.لا بد لضمائرنا أن تستنير بالروح القدس حتي تصدق شهادتها.

ان لي حزنا عظيماً ووجعا في قلبي لا ينقطع

يؤكـد الـرسـول ما يحـس به من حزن داخـلـي عمـيق ، مـسـتمـر لا ينقطع ، يسـتـحـوذ علي أعماق قلبه ، وذلك بسبب عدم ايمان اليهود الذين هم أخوته .

– لاحظ التدرج في تعبير الرسول بولس عن مشاعره :فهو يشير أولا الي حزنه ثم يشير الي نتيجة هذا الحـزن ، وهـو الوجع أو الألم ، وهـو ألم عظيم لأنه الم مستمـر يـصـبغ كل لحظات الحياة. وتعبر كلمة ، قلب ، عن عمق هذا الألم فهو يمتد بجذوره إلي أعماق النفس البشرية .

فاني كنت أود لو أكون أنا نفسي محروما من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد.

اذا كان الرسول بولس قد أكد في الأعداد الأخيرة من الأصحاح السابق ، ان أي شئ لا يستطيع أن يفصله عن محبة المسيح، فهو يظهر هنا استعداده لأن يحرم من المسيح ، اذا كان هذا من الممكن أن يكون ، وذلك من أجل أخوته اليهود الذين لم أنسباؤه حسب التناسل الجسدي . ان الرسول يقصد أن يؤكد رغبته الشديدة في رجوع اليهود وايمانهم بالمسيح ، ويقصد أن يعبر عن قوة محبته لهم ، خاصة وأنه – كما قلنا – أشـار في الأعداد السابقة( رو 8: 38، 39) الي شدة تمسكه بالمسيح وبان شيئا ما لا يستطيع أن يفصله عن محبته .فالرسـول اذن هنا ، لا يقصد أنه من الممكن أن يضحي بالمسيح ، بل قصد بهذه العبارة ان يظهـر استعداده للبذل والتضحية ، وضرب مثلا لذلك باعز شئ عنده ، وذلك كله لكي يؤكد شدة غيرته ومحبته لبني إسرائيل .هذا فضلا عن أن ارتباط اليهود بالمسيح لا يستلزم ولا يتطلب حـرمـان بولس من المسيح ، أي ان تمسك بولس الرسول بالمسيح لا يقف عثرة في سبيل إيمان اليهود ولا يقف عقبة في سبيل قبولهم للمسيح .

محروما تعني الكلمة anathema لعن حرمان. طرد. من الفعل anathematizw يحرم ، يلعن يطرد ، (أنظر مت 14: 71 ، أع 23: 12، 14، 21: 8 ،  1کو 12: 3 ،  16: 22 ، غل 1: 8و9).

– حسب الجسد : أي أن صلة القرابة بين الرسول بولس واليهود لم تكن فقط صلة روحية ولكنها أيضا صلة الدم .

وعلي العموم فان مشاعر الرسول بولس نحو أمته اليهودية تعكس مشاعر موسي النبي في العهد القديم نحو الشعب اليهودي ، فكلاهما كان يغار علي الأمة اليهودية وكلاهما قد عبر عن حزنه وألمه الشديد بسبب خطايا الشعب ، وكلاهما أيضا أظهر الإستعداد للحرمان الشخصي ، قال موس البنى « ؟ه قد اخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب والآن ان غفرت خطيتهم والا فامحني من كتابك الذي كتبت ، ( خر 32: 31، 32 ) . 

الذين هم اسرائيلـيـون ولهم التبني والمجـد والـعـهـد والاشتراع والـعـبـادة والمواعيد.

ان الاسرائيليين قد ابتعدوا عن الخلاص الذي أعده المسيح مع أنهم أحفاد يعقوب ، وقد أخذوا اسم اسرائيل كتكريم لهم ، ، ومن امتيازاتهم أن الله تبناهـم وظهر لهم في مجد ،وأعلن لهم العـهـد القديم ، وكذلك أعطي لهـم الـنـامـوس ، والـعـبـادة ، والمواعيد . قال الرب لوسي « تقول لفـرعـون : هكذا يقول الرب ، إسرائيل أبني البكره (خر4: 23) : لأنك أنت شـعب مـقـدس للرب الهك ، إياك، قد اختار الرب الهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين علي وجه الارض. ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التـصـق الرب بكم واختاركم لأنكم أقل من سائر الشعوب ، بل من محبة الرب أياكم وحفظه القسم الذي أقـسـم لآبائكم اخرجكم الرب بيد شديدة وفداكم من بيت العبودية مـن يـد فـرعـون ملك مـصـر . فاعلم ان الرب الهك هو الله الاله الأمين الحافظ العهد والاحـسـان للـذين يحبونه ويحفظون وصاياه الي ألف جـيل …. يحفظ لك الرب الهـك العـهـد والاحسان اللذين أقسم لآبائك … ( تث7: 6-12) .

لاحظ معني العبارات التالية :

التبني : أي حالة البنوة التي صـار الـيـهـا أسـرائـيل مـن قـبـل الرب وإسرائيل ابني البكره (خر 4: 22) أنتم أولاد للرب (تث 14: 1 ) أليس هو أباك ومقتنيك: هو عملك وانشاك ( تث 32: 6 ) لما كان اسرائيل غلاما أحببته ومـن مصر دعوت ابني ( هـو 11: 1). علي أن بنوة أسرائيل لم تكن بهذه الدرجة وبهذا العمق التي صارت الآن للمسيحيين .

– المجد : تشير الي ظهور الله بينهم في مجده ؛ وحل مجد الرب علي جبل سيناء ، وغطاه السحاب ستة أيام ،وفي اليوم السابع دعي موسي من وسط السحاب ، وكان منظر مجد الرب کنار اكلة علي رأس الجبل أمـام عـيـون بني اسرئيل ( خر 24: 15- 17) ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن ، فلم يقدر موسي أن يدخل خيمة الاجتماع لأن السحابة حلت عليها وبهاء الرب ملا المسكن ، ( خر 40: 34، 35). ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملا بيت الرب ، ( 1مل 8: 11) .

– والعـهـد :اعطي الله العـهـد وكـرره اولكن أقـيـم عـهـدي مـعـك فـتـدخـل الفـلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك ، ( تك6: 18). وها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدتم ) (تك9: 9 ) وفي ذلك اليـوم قطع الرب مع أبرام مـيـثـانـا قـائلا لنسلك أعطي هذه الأرض من نهرمصر الي النهر الكبير نهر الفرات ، ( تك15: 18) : فاجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيراً جدا ،(تك17: 3). فسمع الله أنينهم فتذكر الله ميثاقه مع ابراهيم واسحق ويعقوب »( خر2: 14).

– والاشتراع: الاشارة الي ناموس موسي

– الـعبـادة: أي ما يتضمنة الناموس من وصايا وترتيبات واحتفالات وذبائح خاصة بالعبادة

– المواعيد: وخاصة المواعيد التي ترتبط بالمسيا والتي أخذها أباؤهـم ابراهيم واحق ويعقوب وداود

 ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن علي الكل الها مباركاً الي الابد آمين 

الاسرائيليون هم الآباء الذين منهم المسيح جـاء حـسـب الجسد ، والمسيح هو الله المبارك الذي بيده السلطان علي الكل والذي يسبح ويتبارك ويتمجد الي الابد ، وأهتم كل من القديسين متي ولوقا أن يتحدث عن نسب السيد المسيح فأثبت أن المسيح حـسـب الـجـمـد ينتمي الي الاسرائيليين ،كمـا اهتم القديس يوحنا أن يتحدث عن الوجود الالهي للمسيح ، ويقرر الرسـول يوحنا في رساله الاولي هذه الحقيقة فيقول ونعلم ان ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح . هذا هو الاله الحق والحياة الأبدية ( 1يو 5: 20 ) .

مشكلة الاختيار رو9: 6-33

 

مقدمة عامة

ان الاختيار ليس معناه ان الله حدد للبشر منذ الأزل مصيرهم ، فعين للبعض النعيم الأبدي ، وللبعض الهلاك الأبدي ، والا لكان معني ذلك أن الله قضي علي الحرية البشرية ، وأن كل مايفعله الانسان هو مجرد أنه يكتشف حياته التي سبق وصاغتها الارادة الالهية بطريقة جبرية لا دخل للانسان في تحديدها .

أن علم الله السابق بأن فلانا سيكون خيرا أو وأن فلانا سيكون شريرا ، هذا العلم السابق ليس هو الذي يحدد للأول طريق الخير وللثاني طريق الشر . اذا كان الله يعلم سابقا أن آدم سوف يخطيء أو أن يهوذا سوف يسلم المسيح ،فليس معني ذلك أن الله شاء لآدم أن يخطئ أو شاء ليهوذا أن يسلم المسيح ، ولو كان الأمر هكذا فان آدم لا يكون مسئولا عن خطئه وكذلك لا يكون يهوذا مسئولا عن تسليمه للمسيح ، فكلاهما فعل ماشاءه الله لهما وما حدده لمصيرهما ،ولن يكون لأحدهما مسئولية عن تصرفه ، وبالتالي لن يكون مستحقا للعقاب ، والا لكان الله يعامل البشر بالظلم .

وأحيانا كثيرا ما يثير البعض هذا التساؤل : اذا كان الله يعلم سابقا ان آدم سوف يخطئ ، فلماذا لم يمنعه من خطئه ؟

ومرة أخري نقول : إن علم الله السابق لا يتدخل علي الاطلاق في تحديد مصير هذا أو ذاك من البشر . ولعل كلمة السابق هي التي توحي لنا بهذا الفهم الخاطيء لأنها توحي بأن الانسان ليس عليه الا ان ينفذ ماسبـق وقد اختاره الله له ، وأن هذا الاختيار في الماضي البعيد هو الذي يقود الحاضـر ويتحكم في المستقبل ، لأن الماضي قد سبق وحدد للحاضـر ، وكذلك حدد للمستقبل مايجب أن يكون عليه كل منهما .

اذا قلنا أن الله يعلم سابقا أن آدم سـوف يخطئ ، فان هذه المعرفة لم تبطل حرية آدم في أن يتصرف كما يشاء وحسب الطريق الذي يختاره .اننا يجب أن نتفهم مدلول الـزمـان بالنسبة لله علي نحـو مـخـالف لما نفـهـمـه مـن مـدلـول الزمان بالنسبة للانسان . بالنسبة للإنسان الزمـان ينقسم الي ماض وحاضر ومستقبل ،ولكن ليس هكذا الأمر بالنسبة لله ، عندما يولد الانسان لا يكون هو أول الكائنات علي وجه البسيطة ، فهناك كثيرون قد ولدوا قبل أن يولد ، أي أن هناك زمنا يسبق يوم ميلاده ، ومن أجل ذلك فقد تعلم أن هناك ماض وجد قبل أن يوجد .ثم يعيش الانسان في زمن حاضر فيتعلم معني الحاضر ، ثم ينتظر الانسان حدوث أمور لم تحدث بعـد وسوف تحدث فيما بعد ، فيتعلم معني المستقبل ، ولذلك فليس غريبا أن يجهل الانسان الأحداث التي لم تقع بعد ولم تتم والتي يمكن أن تقع في المستقبل. أما بالنسبة لله فالأمر مختلف تماماً ، فلم يكن هناك زمن ماض يسبق الله في وجوده حتي يقال أن هناك ماض لله ، وليس هناك أيضا ما يمكن أن يجهله الله من أحداث في هذا الكون، سواء وقعت أو لم تقع بعد، والا لكان يعني ذلك أن معرفة الله ليست كاملة ، وأن ثمة أحـداثا جديدة كان يجهلها الله وسوف يكتسب معرفتها ، فهذا لا يتفق مع علم الله الكامل الذي يطوي الماضي والحاضر والمستقبل بكل ما يقع من أحداث . وأن مـاهـو جـديد بالنسبة لنا نحن البـشـر ، ليس جديداً بالنسبة لله بل هو حاضر أمام الله يراه رؤيا العين .فلا يوجد بالنسبة للـه الا الحاضر الدائم . أي أن كل شئ يحدث في العالم أو حدث في الماضي أو سوف يحدث فيما بعد ، هو بالنسبة لله ماثل أمامه في حاضره الدائم . فاذا كان الله يعرف ما يكون عليه مستقبل آدم ،فإن هذا لا يعني أكثر من أن الله يري ما يفعله آدم ، وبموجب هذه الرؤية التي هي بالنسبة لله حاضرة ماثلة في زمن حـاضـر حـتـي بـالـنـسـبـة للأحداث التي لم تقع بـعـد بـالنسبـة للانسان يكشف الله عن مسلك آدم ومصيره .

دعنا نبسط الأمر كذلك:

طالب رسب في امتحان آخر العام ، الله يعلم سابقاً أن هذا الطالب سوف يرسب . بالنسبة لنا نحن نجهل هذا الأمر لأنه لم يحدث بعد ، وهو يقع في مجال الـنبـوة بأمـور مـسـتـقـبلة. أما بالنسبة لله الذي تمر أحداث المستقبل أمـام بصره في زمن الحاضر الدائم ، فهو يري الطالب وقد تقدم لتأدية الامتحان ، ثم يري أوراقه وقـد صححت ثم يري الدرجات التي حصل عليها ، ويري أخيرا النتيجة النهائية لامتحاناته ، ثم يري بيان النتيجة وقد علق علي الحائط وكتب أمـام اسم الطالب كلمة راسب ، فاذا كشف الله بموجب علمه السابق عن نتيجة هذا الطالب ،، وأنه راسب فعلي الرغم من أن الطالب لم يكن بعد – بالنسبة لنا – قد تقدم لأداء الامتحان ، فانه بالنسبة لله يكون كل شئ حاضرا أمامه فيعلن لنا – مسبقا – نتيجة هذا الطالب ، والأمر واضح هنا ، أن علم الله السابق بـرسـوب هذا الطالب لم يتدخل مطلقا في تحديد مصير هذا الطالب ،وأن الطالب يجني ثمرات استحقاقه وأهماله ، وأما بالنسبة لله فقد كان الله يشاء له أن ينجح وأن يتفوق ، لأن مشيئة الله هي دائما خيرة .

ولنضرب مثلا آخر :

الله يعرف سابقا أن يهوذا سوف يسلم المسيح ، الله يري يهوذا وقد اختاره المسيح رسولا من الرسل الاثني عشر ، علي الرغم من ان هذا الأمر لم يكن قد تم بعـد بالنسبة لنا نحن البشر لأن يهـوذا لم يكن قـد ولـد بعـد ، ولكن بالنسبة لله ، قـد ولـد يـهـوذا وقـد اخـتـاره المسيح بين من اختارهم من تلاميذه ، ورأي الله كيف كـان يـهـوذا يـخـون سـيـده ويتأمـر مـع الـيـهـود لقتله ،واتفق معهم علي تسليم المسيح للموت ، ورأي الله أيضا يهوذا وقـد أصابه الياس واقدم علي قتل نفسه . وبموجب هذه الرؤية ليهوذا ولسيرة حياته ، يكشف الله عن مصير يهوذا ويعلنه علي فم أنبيائه فيكون الأمر بالنسبة لنا نبـوءة تتصل بأحـداث مسـتقبلة. وأما بالنسبة لله فيكون الأمـر كـشـفا ورؤية تتصل بالزمن الحاضر الدائم لله . فمـا نقرؤه في العهد القديم عن يهوذا كنبؤة أعلنها الله علي فم أنبيائه ، لا تكون هكذا بالنسبة لله ، فان الله يعلن أمرا يراه تحت عينيه ويقع تحت بصره . وعلي ذلك ، فان ماسبق وقد تنبأ به الأنبياء عن يهوذا ، معلنا لهم من قبل الله ، لم يكن هو الذي دفع يهوذا لأن يتصرف هذا التصرف ، ويسلك هذا المسلك، ويكون بهوذا مسئولا مسئولية كاملة عن تصرفه .

وهكذا يمكننا أن نقول :

الله يعرف سابقا أن يهـونا الاسخريوطي سيسلم المسيح ، ويعرف أن يعقـوب سيتـصـرف تصرفا صالحا ، ولمكن هذه المعرفة ليست هي السبب الذي دفع يهوذا لأن يسلم المسيح ،ولا هي التي دفعت يعقوب الي ان يكون انسانا صالحا .نحن نسميها معرفة قبلية سابقة لأنها تسبق حدوث الواقعة . فهي بالنسبة لنا معارف مـتـقـدمـة سـابقة ، ولكن ليس الأمـر هـكذا بالنسبة لله . بالنسبة لنا يوجد حاضر ومستقبل وماض ، فنحن نقول أن هذا الفعل وقع في الماضي أو واقع الآن ، ولم يقع بعد وانما سيقع في المستقبل ، نحن نحدد الحوادث تحديدا زمنيا لأننا نعيش في زمن ، أما بالنسبة لله فليس هناك تحديد زمني لأنه هو خارج عن الزمن ، فما هو مستقبل بالنسبة لنا ، هو حاضـر بالنسبة له ، وما سوف يحدث بعد مئات والـوف السنين بالنسبة لنا ، هو حادث الآن بالنسبة لله ،يراه كما لو كان واقعا . وعلي ذلك فـان مـعـرفة الله للأمور المستقبلة هي . عبارة عن رؤية الله لهذه الأمـور كما لو أنها واقعة وحادثة في الوقت الحاضر ، فكما تتكلم أنت عن شئ تراه الآن ببصرك أو تسمعه الآن بأذنك أو تلمسه الآن بيديك- هكذا يتكلم الله عـن الأمور المستقبلة فهي تقع الآن تحت بصره أوسمعه أو لمسه.

من كل هذا نخلص الي القول بأنه لا يقصد بمعرفة الله السابقة أن الله حدد لأن يكون هذا الانسان خيرا أو شريرا ،بارا أو أثيما . ان الله لا يخلق بعض البشر للنعيم الأبدي وبعضهم للهلاك الأبدي ، انما الله يريد أن الـجـمـيع يخلصـون والي مـعـرفـة الـحـق يقبلون . ليس الله هو الذي يحدد وضعنا من حيث النعيم الأبدي أو الهـلاك الأبدي ، وإنما نحن أنفـسـنـا الـذين نحدد بأيدينا وارادتنا واختيارنا ومشيئتنا حالتنا التي سنكون عليها في المستقبل . فأذا كـان الله يعرف سابقا أن هذا الانسان سيكون صالحا فليس معني ذلك أن الله فـرض علي هذا الإنسان أن يكون صالحاً ، بل معناه أن الله رأي صلاح هذا الانسان وتـقـواه فحكم أنه صالح حتي وان كان هذا الانسـان لـم يولد بعد ، لأنه كما قلنا : ان من لم يولد بعد بالنسبة لنا نهو موجود وحاضر بالنسبة لله . وكما يحدث بالنسبة للظواهر الطبيعية الفلكية ان علماء الفلك يتمكنون من معرفة ما سوف يقع بالنسبة للظواهر ، كظاهرة خسوف الشمس وكسوف القمر ، يعرفون هذا قبل وقوع الظاهرة بمدة طويلة ، وذلك بناء علي عمليات حسابية علمية، هكذا الأمر بالنسبة لله مع الفارق – فانه يعرف قبل أن يولد الانسـان مـاسـوف يكون عليه هذا الانسان . وكمـا أن مـعـرفة علماء الفلك للظواهر الطبيعية ليست هي علة حدوث هذه الظواهر ، فهكذا الأمر بالنسبة لله ،فان معرفة الله بالنسبة لما سوف تكون عليه حياة الانسان المستقبلة ، ليست هي السبب في الكيفية التي سيكون عليها الانسان ان خيرا أو شـرا .

فالاختيار اذن لا يعني المصير المحتوم ولا يعني القضاء والقدر ، وغير ذلك من المفاهيم التي لا تتفق وروح المسيـحـيـة ، والتي لا تقيم وزنا للعامل الإنساني ، وتتجاهل الحرية الانسانية والارادة البشرية ، وتجعل من الانسان كائنا مغلوبا علي أمـره ، ليس بيده تـصـريـف أمـوره ، وتسلب حق الانسان في تحديد مصيـره وفي رسم مستقبله ، وفي تحمل مسئوليته ، وفي تأكيد استقلاله وحريته .

ولكن ليس هكـذا حـتـي أن كلمـة اللـه قـد سـقطت ، لأن ليس جـميع الذين من اسرائيل هم اسرائيليون

ان انفصال اليهود عن المسيا ورفضهم الخيرات التي حملها الينا المسيح ، ليس يعني كما يمكن أن يتصور شخص ما ، أن الكلام الذي أكد به الله عهوده قد فقد قيمته ولم يعد له نفع ، ذلك لأن الاسرائيليين الحقيقيين ، ليسـوا هـم هـؤلاء فقط الذين تناسلوا بالجسد من اسرائيل .

كلمة الله :يشير بها الي كلمة العهـد التي قطعها الله مع ابراهيم ونسله ، وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه ، وتتـبـارك فـيـه جمـيـع قـبـائل الارض ، ( تك 12: 3 ) “فالآن ان سمعتم لصـوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الأرض ، وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة” ( خر 19: 5، 6 ) .

ولا لأنهم من نسل ابـراهـيـم هـم جـمـيـعـا أولاد ابـراهـيـم، بل باسحق يدعي لك نسل

ولا لأنهم بالجسد أحفاد لابراهيم يكونون جميعهم أولادا لابراهيم ولهم الحق في ميراث مواعيده ، ولكن كما يقول الكتاب ، إنه من اسحق سيكون أحفادك وتسلك الـحـقـيـقي، اسحق هو بداية نسل الموعد واحفاد الموعد.

أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يحسبون نسلا

وفي كـلـمـات أخـري : إن أولاد اللـه لـيـسـوا هـم الاولاد الـجـسـديين الذين يولدون حسب النواميس الطبيعة ، بـل هـم الاولاد الذين يصـيـرون أولادا وفقا لمواعـيـد الله ، هؤلاء هم الاولاد الحقيقيون الذين يمثلون النسل الحقيقي .

لأن كلمة الموعد هي هذه . أنا آتي نحو هذا الوقت ، ويكون لسارة ابن

يشير الرسول هنا الي ما جاء في تك 18: 10، 14 حيث يقول ” فقال إني ارجع اليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امراتك ابن … هل يستحيل علي الرب شئ ، في الميعاد ارجع اليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن . هذه هي كلمة الموعد التي نطق بها الله والتي تضمنت مـواعـيـده لابراهيم عندما بشر بميلاد اسحق ، الذي هو الابن الوارث الوحيد لابراهيم .

وليس ذلك فقط بل رفقة أيضا وهي حبلي من واحد وهو اسحق أبونا

لم تلد فقط سارة حسب كلمة الموعد، ولكن أيضـا رفقة أخـذت كلمـة المـوعـد من الله لكي يكون لها نسل من أسحق أبينا ، كما جاء في سفر التكوين وصلي أسـحـق الي الرب لأجل امراته لأنها كانت عاقرا ، فـاسـتـجـاب له الرب فحبلت رفقة امرأته ، وتزاحم الولدان في بطنها فقالت ان كان هكذا فلماذا أنا ، فمضت لتسأل الرب ، فقال لها الرب ، في بطنك أمتان ، ومن أحشائك يفترق شعبان ، شعب يقوي علي شعب وكبير يستعبد لصغير”، (تك 25: 21-23 ) .

لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعـلا خيرا أو شرا لكي يثبت قصد الله حسب الإختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو، قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير

وأما كون رفقة أيضا قد أنجبت بحسب وعد الله ، فهذا يبدو من أنه قبل أن يولد لها أبناء وقبل أن يفعل ابناها يعقوب وعيسو خيرا أو شرا ، قيل لها ان الكبير أي عيسو ، يستعبد للصغير أي يعقوب ، ولقد تم هذا لكي يظهـر أمـر الله ثابتا ، لا يـعـتـريه أي تغير . لهذا الأمـر الالهي أو لهذا القصد الالهي يقوم أساسا علي الاختيار ولا يعتمد علي اعمـال الانسان أي يقوم علي دعوة الله وسابق تعينه ، ويلاحظ أن الرسول بولس لا يقصد أن يقلل من شأن الأعمال في تأكيـد خلاص الانسان لأن الانسان بلا شك سيجازي بحسب أعـمـالـه ، وإنما قصد هنا أن كلمة الله لا تسقط (رو 9: 6) وأن مـواعـيـد الله وعـهـوده وأوامـره لا بد أن تنفذ ولا بد أن تتم ،فماذا حدث أن الناس لم يكونوا أمناء فـيـمـا اؤتمنو عليه ولم يسلكوا كـمـا يجب فليس معني ذلك أن عدم أمانتهم وعدم سلوكهم أسلوك الحسن يمكن أن يعطل مقاصد الله ومواعيده .

كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو

والحق أن مواعيد الله هذه قد صدقت وتمت وفق ماذكره النبي ملاخي حيث قال ،أحببتكم قال الرب ، وقلتم بما أحببتنا ، أليس عيسـو أخا ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب وأبغضت عيسو وجعلت جباله خرابا وميراثه لذئاب البرية ، لأن أدوم قال قد هدمنا فنعود ونبني الخرب . هكذا قال رب الجنود هـم يبنون وأنا أهدم ،ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذي غضب عليه الرب الي الأبد ،فتري أعينكم وتقولون ليتعظم الرب من عند تخم اسرائيل ( ملا 1: 1-5) .

وخلاصة هذا الذي قلناه حتي الآن ، أن الرسول بولس يبدأ حديثه عن مشكلة الاختيار بالتفرقة الواضحة التي أقامها بين أولاد الجسد و أولاد الموعد . وقدم الرسول أمثلة عن الذين ولدوا حسب الموعد ، فقد ولدت سارة حسب كلمة الموعد ، وكذلك الأمر بالنسبة لرفقة، فقد أخذت كلمة الموعد من الله لكي يكون لها نسل من اسحق أبينا .

ويبدو واضـحـا من كلمات الرسول ، أن قـصـد الله يـقـوم أساسا – كما قلنا سابقا – . علي الاختيار ،وكما لو كان لا يستند الي أمر يتصل بالانسان . فلله مطلق الحرية في أن يختار من يختار ويرفض من يرفض .وبدون شك فان الله قد رأي سابقا (بمقتضي علمه السابق ) ما فعله يعقوب من خير ، وما اقترفه عيسو من شر ، وبدون شك ايضـاً ،فان علة تفضيل يعقوب علي عيسو ، مردها الي هذا العلم السابق بخير يعقوب وشر عيسو ،بل إن هذا الاختيار لا يتعلق اصلا بالخلاص النهائي ، ولكنه – فيما يري بعض المفسرين – يرتبط فقط باحداث زمنية ، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور أن الله في حريته المطلقة بتصرف في ظلم وجور ولا يقيم وزنا لمقاييس العدالة والبر ،ولكن مع ذلك، فان الرسول يبدو أنه يهتم أساسا في هذا المجال – دون انکار لأهمية الأعمال والاستحقاقات البشرية ،أن يؤكد أن اختيار الله ليعقوب كان متحررا من الارتباط بلاستحقاق، وأن الأمر يرد أصلا الي حرية الله المطلقة التي بموجبها يمكن أن يرفض من رفض ، ويختار من يختار .

ويشير الرسول بولس في معرض حديثه عن يعقوب وعيسو ، الي ما ذكره عنهما ملاخي . ومعني هذا أن مواعيد الله وعـهـوده الخاصـة بيعقوب وعيسـو فـد تحققت في التاريخ المقدس وتأيدت بأحداثه .ولكن لم يتم هذا في صورة محاباة ، أي لم يكن نتيجة محاباة الرب ليعقوب أن صارت أحداث التاريخ تبرز يعقوب عن عيسو ،بل الأصح أن يقال ، أن ملاخي النبي قد وجد في أحداث التاريخ مايعلل به ويؤكد ما سبق وذكره سفر التكوين عن تفضيل يعقوب وترجيحه . أي ان مـحـبـة اللـه لـيـعـقـوب وبغضـه لـعـيسـو ، كل ذلك تم في عـدالة ودون مـحـاباة ، ولذلك فـقـد أنكر الرسول بولس أن يكون الله قد تصرف بظلم نحو عيسو .

فـمـاذا نـقـول ، ألعل عند الله ظـلمـا ، حاشا ، لأنـه يـقـول لموسي اني أرحم من أرحم ، وأتراءف علي من اتـراءف، فاذن ليس لمن يشاء ولا لمن يسعي بل الله الذي يرحم

اذا كان الاختيار يعتمد أساسا علي الله الذي يدعو الانسان ، فماذا اذن نقول : هل سلك الله نحو عيسو بالظلم ؟ حاشا لله أن يفعل ذلك، ولنحذر من أن يخطر علي بالناشئ من هذا . يقول سفر التثنية عن عدالة الله ، هو الصخر الكامل صنيعه ، أن جميع سبله عدل ، اله أمانة لا جور فيه صديق وعادل هوا ( تث 32: 4 ) ويقـول سـفـر حـزقيال عن عدالة الله عند رجوع البـار عن بره وعند عمله اثمـا فانه يموت به ، وعند رجوع الشرير عن شره وعند عمله بالعدل والحق فانه يحيا بهما ، وأنتم تقولون أن طريق الرب غـيـر مـسـتـوية اني أحكم علي كل واحد منكم كطرقه يا بيت اسرائيل ( حز 33: 18-20) . 

علي أننا يجب أن نلاحظ أن هذا المسلك الذي سلكه الله نحـو يعقوب وعيسـو ، سلكه دائما مع شعبه ، فان الله يتصرف مع شعبه حسب اختياره وحسب ارادته واني ارحم من أرحم واتراءف علي من اتراءف. فـاذا كنـا قـد تساءلنا قبل ذلك : هل سلك اللـه نـحـو عـيـسـو بـالظلم ؟ فـانه من الممكن أن نتساءل أيضا : هل يسلك الله نحو شعبه بالظلم ؟

اذا كان يبدو حقا أن الله يتصرف وفقا لمشيئته ، فاننا يجب أن نلاحظ ان الله لا يتصف فقط بالقدرة علي أن يفعـل مـايـشـاء ، بل يـتصـف أيضـا بـصـفـات أخري في ضـوئهـا يـتـمـم عـمـله ومسلكه نحو البـشـر . وهل يمكن ان نتصور أن الله يتصف بالمحاباة حتي يمكن أن يرحم يعقوب ويتراءف عليه أكثر من عيسو ، وبذلك لا تقوم معاملته للبشر علي أساس من الـعـدالة ؟ثم اذا قال الله اتراءف علي من اتراءف فهل يمكن أن نتصور أن الله يتراءف علي من لا يستحق الرافة، ثم لا يتراءف علي من يستحق الراقة .

 أننا يجب أن نفهم أخـتـيـار الله ، لا علي أنه سلطة يتـوفـر فـيهـا العامل الالهي فقط ، دون اعتبار للعامل الانساني ، فان الله يبني حكمه علي البـشـر حسب تصرفاتهم وأعمالهم . واذا قال الرسـول ، فاذن ليس لمن يشاء ولا لمـن يسـعي ، بل الله الذي يرحم ، فان ذلك لا يعني ان الله لا يقيم هنا وزنا للمشيئة الانسانية أو السعي الانساني . وتذكرنا هذه العبارة ، بعبارة شبيهة نطق بها الرسول بولس في رسالته الاولي الي كورنثوس وهو يتحدث عن عمل الـخـادم في الخدمة، فقال : اذن ليس الغارس شيئا ولا الساقي بل الله الذي ينمي (1کو 3: 7 ) فهل يفهم من هذه الآية أن الله الغي عمل الـغـارس أو الغـي عـمـل السـاقي ؟ وهل من الممكن للزرع أن ينـمـو دون أن يكون هناك من يؤدي عملية الغرس أو يقوم بعمل الغارس ؟ وكذلك لا يكفي فقط عمل الساقي بل يستلزم الأمر قـوة النمـو التي هي من قبـل الله . وهكذا فان الأمـر يـحـتاج الي تعاون كل هذه العوامل : قوة النمـو – الغرس – السقي . أما قـوة النمو فهي من قبل الله ،وأمـا الغرس والسقي ، فهما من قبل الانسان .وهذا أيضا يحدث بالنسبة لخلاص الانسان ونعمته . فاذا كان الأمر حقا لا يكفي فـيـه السـعي والمشيئة من قبل الانسان لأن الأمر يتوقف علي رحمة الله ، لكن ليس معني ذلك أننا هنا نلغي قيمة هذا السعي ونلغي قيمة هذه المشيئة، بل بدون هذه المشيئة وهذا السعي لا تتم رحمة الله ، كما أنه بدون الفرس والسقي لا تتم عملية النمو . فلا يوجد اذن في هذه الآية ما يؤيد الفهم الخاطئ لعمل النعمة الالهية والذي بموجبه ينكر البعض قيمة العامل الانساني ويؤكد فقط العامل الالهي.

لأنه يقول الكتاب لفرعون ، اني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي ولكي ينادي باسمي في كل الأرض. فاذن هو يرحم من يشاء ويقسي من يشاء

ومعني هذا ان الله اختار فرعون وجعله ملكا لكي يظهر بواسطته قوته ، وأيضا لكي ينادي باسم الله في كل الأرض ، أي أن اختيار فرعون قد تم بتدبير الهي .

علي أن ذلك لا يعني أن الله شاء أن يقسي قلب فرعون لكي يظهر قوته ، فمعصية فرعون ترد الي ذات فـرعـون لا الي الله . اننا يجب أن نلاحظ أن إرادة الله ومشيئته تعـتـمـد اسـاسـا علي علمه السابق وعلي عـدلـه ، فلا يقـصـد هـنـا أن الله يرحم من لا يستحق الـرحـمة أو أنه يقسي من ليس له اسـتـعـداد واتجاه للقـسـوة. فـالـرسـول هـنا يفـتـرض صـفـات الله التي منها العدالة وألـبـر والصلاح . ومثل هذه الصفات تنفي أن ينسب الي الله أي ظلم في تصـرفه أو أي حكم تعسفي لا يبني علي الحق .

علي أن تفهم مشكلة الاختيار عند الرسـول بولس ، يصبح سهلا ميسورا أذا أمكننا أن نقف علي الدوافع وراء هذه العبارات التي استعملها الرسول والتي يبدو فيها كمن لا يقيم وزنا علي الاطلاق للعمل الانساني ، ويرد الأمر كله الي ارادة الله.

لـقـد كـان الـيـهـود ينكرون علي الله ان يضم الي حظيرة الخلاص الأمميين وهم الذين لم في يكونوا في نظرهم من شعب الله .لقد كان هناك اذن احتجاج من اليهود علي الله وتنكر لتصرفه ، كأنما أرادوا أن يحـددوا سلطانه وملكوته . ان هذا الموقف مـن قـبـل الـيـهـود يسلب من الله سلطانه المطلق ، وينكر عليه قدرته : أن يتصرف بموجب مشيئته وإرادته ، لقد كان أساس المشكلة التي ناقشها بولس الرسول هنا هي : قدرة الله وهل هي مطلقة أم نسبية ؟! أن اليهود تنكر ا لهذه القدرة المطلقة ، لأنهم أنكروا علي الله أن يضم الأمميين الي شـعـبه ، فـبـمـاذا كان يمكن ان جيب الرسول علي هذه الاعتراضات ؟! وهل كان من الممكن أن يتحدث الرسول عن الله فيحدد ،سلطانه ويحد قدرته ويقيد نصرفاته بالبشر؟!

هب أنك تريد أن تتحدث عن الله وعن صفاته ، فهل يمكن أن تنسب اليه صفة نسبية غير مطلقة ؟ ألا تقول : أن الله قادر علي كل شئ وأنه لا يوجد ما يحد الله في ، سلطانه وفي جبروته ؟ بلا شك ، أننا ننسب الي الله صـفـات مـطـلقـة. وهـذا هـو مـاحـدث مع الرسول بولس وهـو يريد أن يدافع امام اليهود عن صفات الله المطلقة التي لا تقيد ولا تحد ، ولذلك تحدث عن الله الذي يرحم من يرحم ويتراءف علي من يتراءف . علي أننا اذا قلنا ان الله قادر علي كل شئ ، فأننا لا نقصد من ذلك أن قدرته يمكن أن يشـوبها أي ظلم أو أية شائبة ، ذلك لأن قدرة الله المطلقة ترتبط أيضا بيره المطلق وبعدالته المطلقة وبقداسته المطلقة ، ولا يمكن أن تتناقض صفات الله بعضها مع بعض . هذا هـو مـا قـصـد الي توكيده الرسول بولس وهـو يتحدث عن الله ، فقد كان لابد للرسول ، ازاء افتراءات اليهود ، أن يؤكد لهم قدرة الله المطلقة التي لا تحـد ، فاذا شاء أن يرحم أو يفسـو ، فهو يفعل ذلك في حرية مطلقة غير محدودة بشئ، علي أن عبارات الرسول لا يقصد منها أن الله لا يقيم وزنا للانسان ولأعماله ،بل يقصد منها فقط ، أننا عندما نتحدث عن الله فلا يمكن أن ننسب اليه الا القدرة الكاملة والسلطان الكلي . فاذا أضفنا الي هذه القدرة عدالة الله وصلاحه ، فان معني هذا أن الله علي الرغم من قدرته المطلقة فهو يقيم علاقته مع البشر علي أسس من العدالة والصلاح . فلا يمكن أن يغفل الله المجهود أوالـجـهـاد الذي يصدر عن الانسان، ولا يمكن من ناحية أخري أن يهب إنساناً لا يستحق بركاته ،بينما يمنع نعمه ، عن انسان يسـتـحـقـها ، وذلك فقط بدافع من ممارسة سلطانه المطلق.

فستقول لي لماذا يلوم بعد ، لأن من يقاوم مشيئته

يتصور الرسول بولس أن القاريء لرسالته أو المستمع لتعاليمه ، يثير هذا الاحتجاج : اذا كان الله يقسي من يريد فلماذا اذن يحاكم القساة ، لأنه من من البشر يستطيع أن يقاوم مشيئته ؟أي اذا كان الله قـد قـسـي قلب فـرعـون فـلـم يعـد هـناك مـن مـوجب للحكم علـيـه و ادانته ،لأنه لا يستطيع فرعون أن يقاوم مشيئته .

بل من أنت أيهـا الانسان الذي تجاوب الله ، ألعل الجبلة تقـول لجابلهـا لماذا صنعتني هكذا

يستنكر بولس الرسول علي الانسان بوجه عام أن يحتج علي مشيئة الله ، ويؤكد أنه ليس من حق اي انسان أن يقاوم مـشـيـئـة الله أو يحتج علي ارادته ،فان الخليقة لا تستطيع أن تقـول لخالقها لماذا صنعـتـنـي لـهـذا الأمـر ولـم تصـنعني لأمـر أخـر ، أو لماذا صنعتني بهذه الصورة ولم تصنعني بصورة أخري ، أو كما يقول الرسول في الرسالة الثانية إلي تيموثيؤس “ولكن في بيت كبير ليس أنية من ذهب وفضة فقط بل من خشـب وخزف أيضا ، وتلك للكرامة وهذه للـهـوان” (2تي 2: 20) .

ويقول الرب علي لسان أشعياء النبي «يالتحريفكم .هل يحسب الجابل كالطين حتي يقول المصنوع عن صـائعه لم يصنعني أو تقول الجبلة عن جابلها لم يفهم» ( إش 29: 16)؛ ويل لمن يخاصم جابله ،خزف بين اخزاف الأرض ،هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع أو يقول عملك ليس له بدان ، ويل للذي يقول لأبيه ماذا تلد وللمرأة ماذا تلدين ، ( إش 45: 9، 10 ) الكي يعلموا من مشرق الشمس ومن مغربها أن ليس غيري … مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر ، أنا الرب صانع كل هذا ، ( إش 45: 6 ، 7 ) . في كل هذا تأكيد لسلطان الله المطلق الذي لا يحد بسلطان أخر وليس علي البشرية المخلوقة أن تعترض علي خالقها .وفي تأكيد هذا السلطان . ينسب الي الرب خلق الظلمة وخلق الشر ، فمن جهة السلطان الالهي ، يجب تأكيد هذا السلطان دون تقييد ، ويجب اطلاقه دون شروط، دون أن يعني ذلك أن الله في سلطانه المطلق ينصرف بدون مراعاة للحق أو للعدالة.

هــاك فارق بين أن نتحدث عن الله من جهة سلطانه الالهي وبين أن نتحدث عنه من جهة تصرفه من البشر ،فمن جهة السلطان الالهي ، هو سلطان مطلق غيـر مـقـيـد بشئ ، ومن جهة تصرفه مع البشر ، ويجازي كل واحد – كما يقول الرسول بولس – حسب أعماله .

أم ليس للخزاف سلطان علي الطين أن يصنع من كتلة واحدة اناء للكرامة، وآخر للهوان

يشبه الرسول بولس سلطان الله علي البشر ، بسلطان الخزاف علي الطين، فهل يفهم من هذا التشبيه أن الرسول بولس يؤكد فقط سلطان الله المطلق في علاقته بالبشر ، دون أن يقيم أي وزن للعمل الانساني؟

بلا شك كـمـا للخزاف سلطان ليصنع من كتلة واحدة أوان بعـضـهـا للاستعمال الكريم والأخـري لغير ذلك ، هكذا فـان الله يستطيع أن يـخـتـار بعض البـشـر للنعيم الأبدي وبعضهم للهلاك الأبدي . ولكن هل يؤخذ من هذا التشبيه أن هذا الاختيار لا يبني علي استحقاقات البشر ، ويتم فقط وفق مشيئة الهية لا تلتزم بأي مقياس في تصرفاتها ؟ الواقع أن مثل الخزاف لاينتهي بنا الي مثل هذه النتيجة التي فيها تنكر تام لعمل الانسان وحـريـتـه ، وذلك لأن الخـزاف وان كان ذا سلطان مطلق لأن يصنع من الطين مـايشاء من أوان للكرامـة وأخري للـهـوان ، فما لا شك فيه أن الخـزاف يتصرف وفقا لنوع الطين فيختار الأفضل ليصنع منه أوان للكرامة. أي أن سلطان الخزاف المطلق لا يغفل نوع الطين ،أو بمعني أخـر فـان نوع الطين هو الذي يحدد للخزاف أن يصنع أوان للكرامة أو أوان للهوان ، علي الرغم من سلطانه المطلق في تشكيل الطين وتهيئته كما يشاء .

وعلي هذا النحـو ، اذا تحدثنا عن الله في تصرفاته مع البشر ، فاننا نقول أن الكتلة هنا تشير الي البـشـر ليس كما خلقهم الله ، بل كما وجدهم ، أي أن الله لم يخلق منذ البداية إنساناً يجعل مصيره الهلاك وأخـر يجعل مـصـيـره النعيم الأبدي ،بل إن الله ، بحسب تصرفات البـشـر ومسلكهم ، يري مصيرهم ، فان كان الله قد صنع من كتلة واحدة أوان للكرامة واخري للهوان ، فان الاختيار بين الكرامـة والـهـوان يرد الي الانسان الذي جعل نفسـه امـا أنـية للكرامة وأمـا أنـيـة للهوان ، فالله لا يجعل انسانا معدا للكرامة آنية للهوان ولا يجعل إنساناً مـعـدا للـهـوان ، أناء للكرامة .

فالأمر اذا الذي يتصل بمصير الانسان ، يرد الي الانسان نفسه : كيف شاء هذا الانسان لنفسه أن يكون . إن إختيار الله يرد الي نوع الاختيار الذي إختاره الانسان لنفسه . هل اختار أن يكون اناء للكرامة أوان يكون اناء للهوان . ان الله كما يشير الكتاب ذو ارادة خيرة ، وهذه الارادة الخبرة تريد أن الـجـمـيـع يخلصون والـي مـعـرفـة الحق يقـبـلـون .ومعني ذلك أن الله يريد أن يكون الجميع أوان للكرامة. لأن هذا فـقـط هـو مايتفق مع ارادته الخيرة. فاذا صنع الله أوان للهوان ، فلا يكون هذا صـادرا عن ارادته بل وفقا لحالة الانسان الذي يكون وضعه كالطين الذي لا يصلح لأن يصنع منه شئ الا أوان للهوان . فالله اذن يتصرف مع البشر مـحـتـرمـا ومـقـدرا ارادتهم وحريتهم ، ونحن بارادتنا وحريتنا أيضا نقاوم مشيئته ، فلا نصلح الا أن نكون أنية للهوان . فالانسان بحريته واختياره يـحـدد مـا يمكن أن يكون عليه ، وهذا العامل الانساني أو الحرية الانسانية في تحديد مصير الانسان يؤكدها الرسول بولس في قوله ” فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون اناء للكرامة مقدسا نافعا للسيد مستعدا لكل عمل صالح” ( تي 2: 21) .

ان سلطان الخزاف يتضح في أنه قادر علي أن يشكل الطين كما يشاء ، فالطين بيده طائع مساغر ، وهكذا أيضا سلطان الله علي البشر يفعل بهم كما يشاء ، وليس عليهم الا ان يطيعوا صاغرين دون احتجاج ،ولكن لا ننسي في الحالتين سـواء بالنسبة للخزاف أو بالنسبة لله ، لا بشار هنا الي السلطان الأعمي غير البصير ، لأننا عندما نتحدث عن سلطان الله ، يجب كما ذكرنا سابقا – أن نقيم وزنا لصفات الله الأخري من صلاح وبر وعدالة

فماذا ان كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته احتمل بأناة كثيرة انية غضب مهيأة للهلاك

ان الله وهـو يشـاء ان يظهـر غـضـبـه ويبين قوته ، احـتـمـل في صـبـر واناة هذه الآنية التي تستحق غضبه والتي هيأت نفسها بنفسها للهلاك . وهنا نلاحظ أن الله لم يصنع هذه الآنية المهيأة للهـلاك بـل احـتـملها ،ولـو كـان هـو قـد صنعها لما كان عليـه أن يظهـر غضبه نحوها . فـأيـن اذن هـو المـبـرر لكي نري في تصـرفـات الله أي ظلـم أو تعـسـف ؟ يظهر غضبه يمكن أن تشير بصفة خاصة الي موقـف فـرعـون وعلي الـعـمـوم تشير الي مـوقـف الله من الذين يعصونه ويخالفونه ، فهؤلاء يكونون مجالا لاظهار غضب الله مثل سـلـوم وعـمـورة .ومن كل هذا يتضح أن الله يتصرف بعـدالة ومحبـة نـحـو الـبـشـر ، وليس من حق الانسان أن يحتج علي صنع الله ، لأن الله لا يظلم أحدا ولا يتعسف بأحـد ولا يغضب علي من لا يستحق الغضب ولا برحم من لا يستحق الرحمة لمجرد ممارسة سلطانه المطلق.

ولكي يبين غني مجده علي أنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد

اذا كانت أنية الغضب مجالا لاظهار غضب الله ، فان أنية الرحمة مجال لاظهار غني مجده . فالله اذن من أجل أن يظهر مجده الغني ، ومن أجل أن يظهر رحمته نحو البشر الذين يستحقون هذه الرحمة ، قد سبق بحسب علمه السابق وأعد هذه الآنية لتكون أنية رحمة لا أنية غضب: السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد أظهر لقديسيه ،الذين أراد الله أن يعرفهم ماهو غني مسجد هذا السر في الأمم ، الذي هو المسـيـح فـيـكـم رجـاء المجد ، ( کو 1: 27) فيملأ الهي كل احتياجاتكم بحسب . غناه في المجد في المسيح يسوع ا ( في 4: 19).

التي أيضا دعانا نحن اياها ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضا

هؤلاء الناس الذين دعاهم للمجد ، هم نحن ، الذين لم نكن من اليهود فقط بل وأيضا من الأمم ،أي أن رحمة الله لم تقتصر فقط علي شعب اليهود بل شملت أيضا الأمم .

كـمـا يـقـول في هوشع أيضا سأدعـو الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة

أي أن مايقوله الرسول بولس يتفق مع ماسبق ونطق به هوشع ( أنظر ص 2: 23) ، فالله سوف يدعو الأمميين شعباً له – وهم الآن ليسوا شعبه -وسوف يدعو محبوبة تلك الكنيسة التي سيكون أفـرادها أيضا من الأمميين ، الذين هم الآن بعيدين عن التمتع بمحبته ، ويقـول الـرسـول بطرس ، الذين كنتم غير مرحومين وأما الآن فمرحومون ، ( 1بط 2: 10) .

ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي أنه هناك يدعون أبناء الله الحي

في المكان الذي كان يتعبد فيه الأمميون للأوثان ، وحيث قد قيل لهم أنكم لسـتـم شـعبي ، هناك سسيدعون أبناء الله الحي (أنظر هو 1: 10) بسبب إيمانهم .

وأشعياء يصرخ من جهة اسرائيل ، وان كان عدد بني اسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص

اذا لم يكن كل اسرائيل سوف يحصل علي الخلاص .الا أن البعض منهم الذين قد اختيروا ، هؤلاء سوف ينالون الخـلاص ، يقـول الـنـبـي أشـعبـاء ، ويكون في ذلك اليـوم أن بقية اسرائيل والناجين مـن يـعـقـوب لا يعـودون يتوكلون أيضـا علي ضـاربهم بل يتوكلون علـي الرب قدوس اسرائيل بالحق . ترجع البقية بقية بعقوب الي الله القدير ، لأنه ان كان شعبك يا اسرائيل كرمل البحر ترجع بقيه منها (إش 10: 20-22) – وسـوف نشـيـر الـي مـفـهـوم الخـلاص بالنسبة لاسرائيل فيما بعد.

لأنه مـتـمـم أمر وقاض بالبر ، لأن الرب يصنع أمرا مقضيا به علي الارض ، وكـمـا سـبـق أشـعـيـاء فـقـال لـولا أن رب الجنود أبقي لـنـا نسـلا لصـرنـا مـثـل سـدوم وشابهنا عمورة

يتحدث الرسول بولس عن حكم الله الذي قـضي به سابقا ، والذي يقوم علي العدل ، وهو حكم لا بد أن يتم نفاذه ويتحقق علي الأرض . فالرب يتمم كلامه علي الارض اتماما كاملا كما سبق وتحدث أشعياء النبي عن البقية التي سوف تخلص ، لولا أن الرب قـد أبقي بقية من اسرائيل وجعل من احفادهم بعض النسل الصالح المختار ، لصاروا مثل سدوم وشابهوا عمورة .

فماذا نقول ان الأمم الذين لم يسـعـوا في أثر الـبـر أدركـوا الـبـر ، البر الذي بالايمان ولكن اسرئيل وهو يسعي في أثر ناموس البر لم يدرك نأموس البر ، لماذا ، لأنه فعل ذلك ليس بالايمان بـل كأنه بـأعـمـال الـنـامـوس فانهم اصطدمـوا بـحـجـر الصدمة ، كما هو مكتوب ، ها أنا أضع في صهـيـون حـجـر صدمة وصخرة عثرة وكل من يؤمن به ، لا يخزي

يميز الرسـول بين المصير الذي أنتهي اليه اليهود ، والمصير الذي انتهي اليه الأمميون ،اما بالنسبة للأمميين فقد أدركوا البر ، واما بالنسبة لليهود فانهم لم يدركوا البر . ومعني هذا – وهو بالتالي النتيجة لما سبق وقاله الرسـول حتي الآن – أن مـواعـيـد الله لم تفقد قوتهـا وأن كلمات الله صادقة وليس فيها كذب ، فان الشعب الوثني الذي لم يكن يسعي في أثر البر ، حصل علي التبرير بواسطة الايمان ، وهكذا تحققت وصدقت مـواعـيـد اللـه ، اما اسرائيل وهو يسعي في أثر البـر لـم يدركه لأنه فعل ذلك ليس بالايمان بل بأعمال الناموس .

ان الاسرائيليين الذين كان لهم الناموس ، والذين كانوا يهـدفـون لأن يتبرروا أو يحصلوا علي البر بواسطة المحافظة علي وصايا الناموس ، هؤلاء لم يفلحـوا في الحصول علي الـوسـيلة أو الكيفية التي تقودهم الي التبرير . وبسبب عدم ايمانهم بالمسيح أصطدموا بحجر الصدمة وتعثروا فيه ، فهم كالعميان الذين بسبب عدم ايمانهم لم يدركوا جـوهـر رسـالة المسيح . المسيح انن حجر صدمة أو سمي هكذا بالنسبة لهؤلاء الذين لا يجعلون أساس خلاصهم مبنيا علي الايمان بالمسيح بل علي العكس يرفضون المسيح فيخطئون ويتعرضون للجزاء .

ان المسيح قد صار لليهود حجر صدمة وصخرة عثرة ، وفقا لما قاله النبي أشعياء و لذلك هكذا يقول السيد الرب ، هأنذا أؤسس فـي صـهـيـون حـجـرا ، حـجـر امـتـحـان ، حجر زاوية كريما أساسا مـؤسـسـا مـن أمـن لا يهرب ؛ ( إش 28: 16) ويكون مقدسا وحجر صدمة وصخرة عثرة لبني اسرائيل وفخا وشركا لسكان أورشليم ،فيعثر بها كثيرون ويسقطون … ( إش 8: 14 ، 15) ويقول الرسول بطرس «لذلك يتضمن أيضا في الكتاب هأنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختارا كريما والذي يؤمن به لن يخـزي ، فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأمـا الذين لا يطيعون فالحجر الذي رفضه البناءون هو قد صـار رأس الزاوية ، ،وحجر صدمة وصخرة عثرة ، الذين يعثرون غير طائعين للكلمة الأمر الذي جعلوا له ( 1بط 2: 6-8) .وقال سمعان الشيخ في تـسـبـحـته أن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل ولعلامة تقاوم ( لو 2: 34) ويقول الرسول بطرس أيضـا الذي اذ تأتون اليـه حـجـرا حـيـا مـرفـوضـا من الناس ولكن مختار من الله كريم ( 1بط 2: 4 ) .

تفسير رومية 8 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 10

د/ موريس تاوضروس

تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى