تفسير رسالة رومية أصحاح 14 للقمص متى المسكين

الأصحاح الرابع عشر
ارتفاع قيمة الحرية المسيحية
على أن يكون مصدرها الإيمان والتقوى
ودراسة في حل مشاكل الضمير

1-  14: 9-1و14 : بين الطاهر والنجس في الطعام :
تقدير شخصي ، والضمير هو المسئول وليس الله .

بين المقدس وغير المقدس في الأيام :
تقدير شخصي، والضمير هو المسئول وليس الله . 

2- 14: 10- 13: لا يحكم أحد على آخر أو يدينه فيما يمليه عليه ضميره

3 – 14: 15- 19 : حرية المسيحي محكومة بعدم المساس بمشاعر القريب ، وهدفها البنيان العام .

4- 14: 20- 23 : العمل أو التصرف بضمير مرتاب يحسب ضد الإيمان ، وهو خطية .
العمل أو التصرف الذي يسيء إلى ضمير غيري يحسب ضد الإيمان، وهو خطية.
العمل أو التصرف بدون ارتياب وبحسب الإيمان يحسب نعمة .

“طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه” .

مقدمة:

هذا الأصحاح يحمل نصائح حيوية للغاية للجماعة المسيحية التي تجمع بين اليهود والأمم المـتـنـصـريـن . أما النصائح في حد ذاتها فسهلة وواضحة وضوح النهار. ولكن إذا حاول المفسّر أن يبحث عن أسبـابـهـا والـعـلل التي تختفي وراءها فإنه يغوص في عوائص الأمور. فالنصائح تتوزع بالتبادل بين من اعتبرهم ضعافاً في الإيمان والأقوياء في الإيمان .

والنصائح تشمل نوعين من الأمور الواقع عليها الاختلاف في النظرة : الأطعمة، وبخاصة اللحم والخمر، وتقديس أيام خاصة دون الأيام الأخرى .

فنصائح ق. بولس إلى هنا لا تخرج عن أن الأقوياء يجب أن يحتملوا الضعفاء في تدقيقاتهم ولا يحتقروهم ، والضعفاء لا يدينوا الأقوياء في حريتهم .

أما المـوضـوع : فهو أن الأقوياء في الإيمان استطاعوا أن يبلغوا درجة عالية في الروح ، فلم يعودوا ينظرون إلى أكل ما ، أنه يزيد أو يُنقص من العبادة، خاصة من جهة أكل اللحم وشرب الخمر الاعتيادي على الأكل، كذلك أنه لا نجس ولا طاهر في الأكل والشرب .

وأما الضعفاء فلا يزال فكرهم متردداً وضميرهم موسوساً من جهة أن العبادة تقوى ، والتقرب إلى الله يزداد بعدم أكل اللحم وشرب الخمر، وأيضاً أن أكل اللحم نجس وشرب الخمر حرام .

إلى هنا ويمكن أن يكون الشرح والتفسير مفهوماً، ولكن السؤال الذي حير كل المفسرين والعلماء حتى اليوم هو: من هؤلاء الذين يمتنعون عن أكل اللحم وشرب الخمر؟ هل هم اليهود الـذيـن تـنـصـروا ؟ هذا غير مـعـقـول لأن اليهود لا يحرمون اللحم ولا الخمر، ربما يكونون هم الذين يعتبرون اللحم المذبوح للأوثان نجساً، ولكن كيف يعتبرون الخمر حراماً وهم كانوا يشربونها رسمياً في العشاء الأسبوعي كل سبت؟

من هنا جاءت الاحتمالات التي بلا نهاية، فمن قائل أنهم يهود متنصرون متمسكون ببعض التقاليد اليهودية الخاصة وأحكامها الضيقة جداً، وآخرون يقولون إنهم يهود يمتنعون عن اللحم والخـمـر الـتـي للأوثان والأمم عموماً . وكلا الرأيين خاطىء ، فلا ناموس موسى يحرم اللحم والخمر، ولا روما عدمت مذابح خاصة لليهود لأن اليهود فيها كانوا جالية بمئات الألوف ، والخمر كـان يـبـاع حراً في الأسواق وليس عند الأوثان . علماً بأن هذا الأصحاح برمته لا يتكلم قط عن ذبائح الأوثان .

كذلك يفسّر العالم الألماني إيكهورن أنهم جماعة النباتيين (Vegetarians ) ، أي العائشون على الخضروات فقط دون اللحم ومشتقاته ، ولكن هؤلاء أيضاً يشربون الخمر.

كذلك يفسّر العالم رتشل ومعه العالم ماير أنهم أحفاد جماعة الأسينيين المتنسكين الذين سبوا في روما و بـقـوا فـيـها إلى أن تنصروا وصاروا مسيحيين ، ولكن احتفظوا بعاداتهم الأولى ، إيماناً أنهم مدعوون لحفظ التراث الكهنوتي اليهودي بلا دنس، ولكن كلام ق . بولس لا ينطبق عليهم. إلى من قال إن هؤلاء هم جماعة الإيبيونيين Ebionites [1]، ولكن هذا الرأي مردود عليه لأنهـم لـم يـكـونوا يؤمنون بألوهية المسيح ورفضوا رسائل بولس الرسول ، فمن غير المعقول أن يذكرهم ق. بولس كضعاف الإيمان وحسب لأنهم هراطقة من كل الوجوه .

ومـنـهـم مـن قـال إنهم كانوا من الأمم الذين تنصروا في روما ومن جماعة المنتمين إلى مبادىء فيثاغورس وكانوا يسمون بالفيثاغوريين الجدد  Neo Pythagorean أو من أتباع أورفيو وكانت مـبـادئهم تدعى Orphism. ولكن توصيفهم عند ق. بولس بالضعفاء في الإيمان لا يتناسب مع اعـتـزاز هؤلاء بفلسفتهم وغرورهم . كذلك فإن هذه الشيعة لم تكن تعتبر أنه توجد أيام مقدسة وغير مقدسة .

أمـا نـحـن فـنـرى أنـه يـوجـد حل لهذا الأصحاح (14) نلخصه بأنه كان هناك يهود متنصرون يمتنعون عن أكل اللحم وشرب الخمر، بعد دخولهم الإيمان المسيحي، كنوع من التنسك الذي كان في اعتقادهم يعوض لهم عن تركهم لتمسكاتهم الكثيرة السابقة لبنود الناموس ، كما يقربهم إلى الله كشريعة النذير في الناموس الذي كان ممنوعا عليه بحسب الطقس أكل اللحم وشرب الخمر إذ اعتبروا أنفسهم بدخولهم في عهد المسيا أنهم صاروا نذراء الله. ولكنهم غالوا في نسكهم غير أنهم لـم يحـسـبـوا أنفسهم منفردين في صحة عبادتهم ولكن فقط كان لهم ضمير يتشكك من جهة مجاراة الآخرين من المسيحيين الأمميين في حريتهم في الأكل والشرب.

كذلك فـمـن خصائص هؤلاء الذين نذروا أنفسهم للمسيح بالتنسك بأن يقدسوا أيام الصلاة وأوقاتاً معينة لمزيد من الصلاة سواء في اليوم مثل السواعي المعروفة منذ أيام داود النبي : «في منتصف الليل أقوم لأحمدك على أحكام برك» (مز119: 62)، «سبع مرات في النهار سبحتك على أحكام عدلك» (مز119: 162)، «سبقت عيناي وقت السحر لألهج بأقوالك.» (مز119: 148)

كذلك فالمتنسك يجعل من مواسم الأعياد والسنين وغيرها مواسم عبادة، وتصير الأيام عنده مخصصة لمزيد من الصلوات كما نصت الشريعة قديماً. هؤلاء المتنسكون كانوا مشدودين بالروح ، فلما دخلوا الإيمان المسيحي ازدادوا التهاباً ونسكاً وعبادة دون أن يستخفوا بحقائق إيمانهم المسيحي، ولكن لم يستطيعوا أن يكيفوا إيمانهم على الحرية التي حرر بها المسيح أولاده من جهة كل ما للناموس، سواء السبت أو الأعياد أو رؤوس الشهور أو وصايا التطهير. وهذا لم يحسبه ق . بـولـس عـيـبـا عـلـيـهـم، كون هؤلاء اليهود المتنصرون لم يكونوا مثل أهل غلاطية مقاومين للإيمان المسيحي وللقديس بولس عن قصد العودة إلى أحكام العبادة اليهودية ، ولكن كان هذا مجرد آثار نفسية لاصقة بهم ولم يكن لهم تأثير سلبي على الآخرين. لذلك لم يعنّفهم ق. بولس كما عنّف أهـل غـلاطـيـة وكـورنـثـوس وكـولـوسي . وفي اعتقادي أن هؤلاء يكونون بذرة الرهبنة الأولى في المسيحية[2]. وأما مسألة ضعف الإيمان الذي وصفهم به ق. بولس ، فهو بسبب أنهم لم يقبلوا على هذا النسك بحرية أولاد المسيح، ولكن تمشكوا بتقاليد الناموس القديمة، الأمر الذي لا ينطبق على الرهبنة الآن في المسيحية التي جمعت بين شريعة النذير للرب ومنتهى حرية أولاد الله في العبادة، مع قوة وإيمان لا يجاري .

هذا الشرح يتفق مع أسلوب ق. بولس في تقديم النصيحة لهم بلطف فائق موافقاً على موقفهم وأسـلـوبـهـم في الحياة والعبادة والإيمان، إذ لم يخطئه ولا هو انتهرهم كأنهم خرجوا عن الإيمان المسيحي الصحيح، وإنما أوصاهم أن يتنسكوا لأنفسهم ولا يدينوا الذين يأكلون ويشربون، ولكن اعتبرهم من جهة قوة الإيمان المسيحي الذي نال الحرية الكاملة من ناموس الأكل والشرب : أنهم ضعفاء !! مردداً في مسامعهم : «إن ملكوت الله ليس أكلاً وشربا».

أمـا مـسـيـحـيـو الأمـم فلم يراجعهم هم الآخرين أيضاً في حريتهم فيما يأكلون ويشربون، إنما أوصاهم بأن يكون لهم الضمير غير المنقسم ، فإذا كان ضميرهم لم يعثر بسبب وجود أمثلة الآخرين المتنسكين فليأكلوا ويشربوا كما يشاءون ، ولكن إن تعثر ضميرهم وشك، فإن ذلك يحسب لهم خطية: «وأما الذي يرتاب فإن أكل يدان لأن ذلك ليس من الإيمان . وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية . » (رو14: 23)

وهـنـا أدخـل ق. بولس لأول مرة في لاهوت الإيمان المسيحي «صحة حكم الضمير غير المرتاب»: «ألك إيمان. فلـيـكـن لـك بنفسك أمام الله ، طوبى لمن لا يدين نفسه فيما بسنحسنه» (رو14: 22). وهو المبدأ اللاهوتي المتناسق مع مبدأ ق . يوحنا اللاهوتي: «أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله . » (1يو3: 21) : 

لذلك نستطيع أن نقول إن هذا الأصحاح يعتبر أصحاحاً سلامياً ـ توفيقياً : يجمع النقيضين في تواضع المحبة. وكنا قد قلنا أن ق. بولس إنما يعطي وصايا الرب للكنيسة الجديدة على خلفية ذهنية قائمة في أعماقه ، وهو النظام اليهودي في العبادة، كذلك . يبني وصايا الرب الأخلاقية والسلوكية على أصول لاهوتية قد سبق وأكملها المسيح ، وسبق ق. بولس أن شرحها وأودعها قلب الكنيسة .

فما هي هذه الخلفية اليهودية أولا ؟ وما هو الأساس الذي يبنى عليه هذا الأصحاح ؟ أولاً: أما الخلفية اليهودية التي في ذهن ق. بولس فهي الأنظمة اليهودية المختلفة التي كانت تضمها العبادة في إسرائيل الشعب الواحد الموحد : فكان هناك نظام الفريسيين في الأكل والشرب والسلوك، وكان هناك نظام «الأتقياء» أو الصديقين الذي ظهر في إسرائيل، كذلك نظام الأس أسينيين. وكـل مـن هذه الأنظمة يختلف عن الآخر في كل شيء، ولكن كانت تضمهم عبادة ولـيـتـورجـيـة واحدة واسم واحد. كذلك كانوا يتبادلون الاحترام بعضهم لبعض، مع ميول قليلة في العزلة والتعالي عن بعضهم . ولكن كانوا جميعاً شعب إسرائيل الواحد المحبوب المختار. فلماذا يتفرق المسيحيون في العبادة الواحدة حتى ولو كان يفرقهم الجنس، يهود و هود وأمم ؟ أو الوضع الاجتماعي عبيد وأسياد ؟ أو طريقة المعيشة في الأكل والشرب بين متسع ومتزمت ؟

ثانياً : ثم الأساس اللاهوتي الذي يبني عليه ق. بولس هذا الأصحاح وقد سبق ووضعه وسلمه إياهم، هو:

أـ وحـدة الأعضاء في الجسد الـواحـد مـهـما تباينت وظائفها ومواهبها وأدوارها ، فالوحدة المسيحية تحتم أن لا يتعالى أحد على آخر ولا يدين أحد الآخر فيما يأكل ويحيا .

ب- المحبة التي تقوم على بذل الذات وقبول الآخر قبولاً عن صدق ودعاء وصلاة.

ج ـ أما من جهة الـقـوة والضعف فالمسيح صلب من ضعف مع أنه قام بقوة الله (2کو13: 4)، فالضعيف إنما يحتمي بالصليب والقوي إنما يلتصق بالقيامة ، والضعيف مع القـوي هما الإنسان الجديد الواحد الذي مات مع الرب وقام، فالضعف والقوة هما الإنسان الواحد الجديد .

د- الـقـبـول المشترك كل واحد للآخر بدون فحص، فالمسيح قبلنا ونحن كلنا خطاة وتحت الحكم.

هـ – اليهودي والأممي في المسيح صارا واحداً في الإيمان، فعلى الأممي أن يدرك أن المسيح الذي يعبده قـد اخـتـتـن وحـفـظ السبت والأعياد والعوائد، وكل ذلك لكي بالنهاية يكمل الناموس ويخلص الأمم. فالأمم مهما كان تحررهم من كل ما لليهود فهم دائماً مديونون للختان والسبت والأعياد والمواعيد وكل عوائد اليهود، لأن الخلاص أصلاً جاء من اليهود !

أما اليهود المتنصرون فليعلموا أنه لولا خلاص الأمم وكل العالم ما تجسد المسيح وما صلب وقام : «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . » (يو16:3)

[9-1:14] بين الطاهر والنجس في الطعام :

تقدير شخصي والضمير هو المسئول وليس الله .

بين المقدس وغير المقدس في الأيام :

تقدير شخصي والضمير هو المسئول وليس الله .

1:14 « ومن هو ضعيف في الإيمان فاقتلوه لا لمحاكمة الأفكار» .

قبل أن نخوض في تفسير هذه الآيات التي تقوم على الأقوياء والضعفاء في الإيمان، يلزم أن نرجع إلى أساس الإيمان عند ق . بولس : فما هو الإيمان الصحيح القوي أولا وقبل كل شيء ؟ – هو هكذا: «وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء . بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق .» (رو3: 21و22)

فالإيمان الصحيح القوي هو قائم على أن بر الله لا يمنح بأي عمل آخر غير الإيمان ولا بأي نسك أو عبادة أو تقديس أيام أو أنواع صلوات أو امتناع عن لحم أو خمر أو الاكتفاء بـالـبـقـول . فالإيمان يختص بعمل المسيح على الصليب والقيامة من الأموات خلواً من أي تدخل بشري .

لذلك فلا الأكـل يضعف الإيمان ولا الصوم يقوي الإيمان بل العكس، فالإيمان هو الذي يـقـوي الـصـوم . فالإنسان الـقـوي في الإيمان يأكل ما يريد ويصوم كما يريد . أما الإنسان الضعيف في الإيمان فهو يحاول أن يقوي إيمانه بالصوم . ولكن بالرغم من أن هذا غير صحيح ولكن لا ينبغي أن ندين مثل هذا الإنسان ولكن نحترس من جهة الهدف : «لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربا . » (رو17:14)

ق. بولس هنا يخاطب الأقوياء في الإيمان وذلك باعتبارهم الأغلبية، ونحن علمنا بعد البحث أن الأغلبية في روما هم من الأمم . إذا يتحدد بصفة مبدئية أن ضعاف الإيمان هنا هم بعض اليهود المتنصرين الذين يستفزون الأغلبية بطريقة عبادتهم الخاصة والتي بلغت حد الإعثار.

«ضعيف الإيمان»: 

الضعف في الإيمان هنا لا يمثل ضعفاً في صميم الإيمان لاهوتياً، وإنما بالمقارنة مع جميع الـتصاريـف التي جاءت لهذه الكلمة يتضح أنها تعني عدم الثقة في الإقدام بالإيمان على عمل معين، أي أن هناك نقصاً في الجرأة على استخدام كل صلاحية الإيمان . كإنسان لا يؤمن أن تغفر خـطـايـاء بمجرد الإيمان، فلابد في نظره من الصوم والنسك لكي تغفر خطاياه ويصير إيمانه صحيحاً. والشخص نفسه هنا لا يحسب نفسه أنه ضعيف في الإيمان بل يرى في نفسه أن إيمانه هو الصحيح . فلو طبقنا هذا الضعف على أن الشخص لا يؤمن بالخلاص إلا إذا امتنع نهائياً عن أكل اللحم وشرب الخمر لأنه لا يؤمن بأن أكل اللحم وشرب الخمر هو في حدود الإيمان الصحيح ، لذلك يحجم عن الأكل والشرب لئلا يكون مخالفاً للإيمان معتبراً أن اللحم نجس وكذلك الخمر، يصير مثل هذا الإيمان . عند ق. بولس ضعيفاً ويكون سبباً ومثار لنزاع ومشاكل ومحاكمات .

«فاقبلوه » : 

أمر واضح مباشر يخاطب به ق. بولس الجماعة التي تمثل الأغلبية ذات الإيمان القوي . وهذا يضيف إلى صحة القول بأن الأغلبية كانت من الأمم المسيحيين وأنهم كانوا أصحاب إيمان صحيح بحسب تعاليم ق . بولس . وهكذا صار على الأغلبية التزام إيماني أن يقبلوا ضعاف الإيمان كأصحاء في الإيمان وبـلا لـوم كـإخـوة في المسيح يسوع . وهنا يعتقد العالم كايسمان أن القبول يختص بـالـقـبـول في معاملات الحياة اليومية، أما ميشيل الألماني فيعتقد أن القبول هو بخصوص القبول في الـعـبـادة الـرسـمـيـة. ولكن الأمر واضح جداً لنا أن الأمر بالقبول هو القبول في كل شيء داخل الكنيسة وخارجها ، داخل البيوت وخارجها ، في شركة الأعمال الواحدة والفكر الواحد ، لأن هذه هي كنيسة المسيح .

«لا لمحاكمة الأفكار»: 

«محاكمة» هنا تفيد الإدانة. و بعض العلماء ، مثل كايسمان(۱۰)، يرون أن الإدانة تختص بمنطق العمل وليس الفكر الحر كمبدأ، لأن القبول هنا ينصب على القبول العملي في الجماعة وليس مجرد قبول فكر حر . وهذا في الحقيقة عين الصواب . فالمحاكمة هنا واقعة على وسوسة الضمير الذي أنشأ إحجاماً عن أعمال تختص بصميم الحياة والعبادة .

«أفكار»:

لا تفيد الأفكار الحرة أو النظرية ، بل «میزان تقدير المرء » Balancing of accounts . فهنا يظهر جمال المعنى أي اقبلوه دون أن تحكموا على ميزان تقديره للأمور! هنا يدخل في ميزان التقنين المسيحي ـ من جهة الأحكام على الناس بسبب تصرفها الشخصي من جهة أكل أو شرب أو أمـور الجـسـد عـمـومـا سـواء بالنسك أو الحرية في التصرف في مثل هذه الأمور ـ قاعدة عامة أن يقبل الجميع طالما الإيمان اللاهوتي الأساسي سليم .

14: 2 « واحد يؤمن أن يأكل كل شيء، وأما الضعيف فيأكل بقولاً ».

هنا ق. بولس يشرح مثلاً من أمثلة ضعف الإيمان من جهة تقييم الأطعمة. فالقوي بحسب الإيمان المسيحي يـأكـل كل شيء دون أن يـرتـاب الـبـتـة : «ما طهره الله لا تدنسه أنت » (أع10: 15). ثـم يـأتـي دور ضـعـيـف الإيمان، فهو ينظر إلى الطعام نظرة منقسمة : بعضه طاهر وبعضه نجس ، بعضه يحل أكله وبعضه يحرم أكله، هذا ليس أكثر من ضعف ظاهري في الإيمان ولكنه لا يتم إطلاقاً عن ضعف حقيقي في العلاقة بالمسيح والله ، ولكنها مجرد رؤية شخصية تتحكم فيها أشياء خارجة عن الإيمان، كأن تكون توصية من الأسلاف كما كان عند الركابيين من جهة شرب الخمر:

+ « وجـعـلـت أمـام بـنـي بـيت الركابيين طاسات ملآنة خمراً وأقداحاً وقلت لهم اشربوا خمراً . فقالوا لا نشرب خمراً لأن يـونـاداب بن ركاب أبانا أوصانا قائلاً لا تشربوا خمراً أنتم ولا بنوكم إلى الأبد. » (إر35: 18و19)

+ « وقال إرمـيـا لـبيت الركابيين هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل : من أجل أنكم سمعتم لوصية يوناداب أبيكم وحفظتم كل وصاياه وعملتم حسب كل ما أوصاكم به، لذلك هـكـذا قال رب الجنود إله إسرائيل . لا ينقطع ليوناداب بن ركاب إنسان يقف أمامي كل الأيام . » (إر35: 18 و19)

هذا في الحقيقة يمثل أمامنا كيف أن الله ليس من أجل أنهم كفوا عن شرب الخمر أعطاهم هذا الوعد بالحياة، ولكن لكونهم سمعوا لوصية يوناداب أبيهم في الخير وحفظوا الوصية وعملوا بها ب كل ما أوصاهم به !!

فضعيف الإيمان ينظر إلى الطعام كأن له قيمة دينية في ذاته ! هذا غير وارد في المسيحية بل وغير مـعـقـول ، فـالـقـيـمـة الدينية الإيمانية هي دائماً في الإنسان وليس في الطعام . كذلك، فإن ضعيف الإيمان يعتقد أن علاقته بالله تتطلب أن يمتنع عن الطعام، في حين أن علاقة الإنسان بالله تتطلب حقاً أن يمتنع الإنسان عن الخطية، والطعام في حد ذاته ليس خطية .

والـقـديـس بـولـس لا يتعرض هنا طبعاً للصوم أو الانقطاع عن الأكل إلى فترات معينة للنسك وضبط الجسد، لأن هذه كلها تحتسب ترتيبات صحيحة ليحتفظ الإنسان بعفته وانضباط جسده . وهذا لا يدخل في إطار الإيمان الشخصي بل هذه ترتيبات الكنيسة بصورة عامة لصحة انضباط النفس والجسد .

القديس بولس يرى الضعف يزحف نحو الإيمان حيثما تدخل هذه الترتيبات في الإيمان نفسه ، كأن يرى الإنسان خلاصه قائماً على أكل البقول وعدم شرب الخمر وتقديس أيام دون أيام . ولكن الـذي يـريـده ق. بولس هو أن يـظـل الإيمان شيئاً وهذه الترتيبات شيئاً آخر، وأن لا تدخل هذه الترتيبات في علاقة المحبة والوحدة الروحية بين أعضاء الكنيسة .

3:14 «لا يزدر من يأكل بمن لا يأكل، ولا يدن من لا يأكل من يأكل، لأن الله قبلة».

هنا ق. بولس يـبـدأ بـالـكـشـف عن الضربة اليمينية التي تصيب الأقوياء، وهي الاعتداد بالذات والشعور بالتفوق الروحي وبالتالي التعالي بالحرية على الضعيف . وعلى القارىء أن يلاحظ انـتـبـاه ق. بولس الحسّاس من جهة عثرة الأقوياء في هذا الأصحاح ، كيف يستطيع الشيطان أن يستخدم تفوق الإنسان في الثقة بالإيمان وحريته في الله في إسقاطه في الكبرياء ليسلب منه تفوقه في الإيمان، وبالتالي يسلب منه النعمة التي هي أصل تفوقه .

«لا يزدر» ـ «لا يدن»:

خطية الأقوى في مقابل خطية الأقل : الأقوى أصيب بالكبرياء بسبب إحساس نفسه بالتعالي ؛ والأقل أصـيـب بـضـيـق الـرؤيا وقصر النظر بسبب انحصاره في ذاته وفقدان اتساع رؤية الإيمان . والخـطـورة هنا أن كـل فـريـق أفرز الفريق الآخر من دائرة المحبة والوحدة والقبول ، هنا تفسّخت الـكـنـيـسـة و بدأت أعـضـاؤهـا تـنـحـل وتتنافر، هنا جسد المسيح يشكو من جهالة الأقوى وجهالة الأضعف كليهما . والخطيتان متساويتان أمام الله . هذا يوضح لنا أن تعاملنا مع بعضنا البعض إن جاء من منطلق رؤيتنا الشخصية فهو خاطىء ومعثر ويجلب الفرقة في الجسد الواحد . ولا حل إطلاقاً للحفاظ على وحدة أعضاء الجسد إلا بالالتزام الحتمي بقبول كل عضو للآخر دون فحص نظري أو إدخال الـشـعـور الـذاتـي أو تحليل الأخلاق والصفات بالمفهوم الإنساني. لأن الله يرى الكل رؤية واحـدة ، والـضـعـيـف عـنـد الله ربمـا يـكـون في محـل عـطف وعناية أكثر: «كنت غريباً» «كنت مريضاً» «كنت محبوساً» (مت25: 35و36). ويلاحظ أن خطية الازدراء لذوي الإيمان الأقوى جاءت أقـوى مـن خـطـيـة الدينونة التي هي خطية ضعاف الإيمان . فالازدراء دينونة واحتقار مع كبرياء وتباهي بالمقدرة معاً !! وهذا طبيعي لأن خطية الأقوياء نابعة من وذات متعالية ، لهذا كان خطر سقوط الأقوياء شديداً.

«لا تدينوا لأن الله قبلهم » :

هنا ضعاف الإيمان الذين امتنعوا عن أكل اللحم وشرب الخمر وقدسوا أياماً دون أيام يدينون الأقوياء الذين اتسع إيمانهم ليأكلوا كل شيء دون ارتياب . وقد قلنا إن ضعاف الإيمان هم اليهود المـتـنـصـرون المتنسكون ، هؤلاء يعتزون بملكيتهم الله كيهود أصلاً ، وهذا جعلهم ينظرون إلى الأمم ( الـذيـن إيمـانـهـم هـو الأقـوى إذ قد تحرروا من بند الناموس فيما هو طاهر ونجس وفيما يؤكل ولا يؤكل) باعتبار أن أكلهم لكل شيء دون تمييز هو دليل على بعدهم عن الله وعن وصاياه . لهؤلاء الـيـهـود المـتـنـصـريـن يـؤكد ق. بولس أن لا تدينوا الأمم الذين آمنوا بالمسيح : «لأن الله قبلهم » : وانتهى من قبولهم !

هنا يكشف ق. بولس عن عقيدة أن الله لا ينظر إلى ما يأكله الإنسان وما لا يأكله، بل ينظر إلى ما يؤمن به من جهة المسيح الذي مات من أجله وقام . فإن كان إيمانه صحيحاً ثابتاً كان أكله وشربه وكل ما يعمله صحيحاً: «طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه » (رو14: 22)، «لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً.» (رو17:14)

4:14 «من أنت الذي تدين عبد غيرك ؟ هو لمولاه يثبت أو يسقط . ولكنه سيثبت لأن الله قادر أن يثبته».

ق. بولس لا يزال ينتهر ضعيف الإيمان الذي لا يأكل ويدين من يأكل. وهنا يأتي الانتهار على أساس أن الاثنين هما عـبـدان في بيـت سـيـد واحـد، ليس لأي منهما سلطان على الآخر. فالسلطان الوحيد على الاثنين هو في يد السيد . فلماذا تدين ، أنت أيها العبد، عبدأ غيرك ؟ هو لـسـيـده، أي تحت أمره وعنايته أيضاً. فإن سقط ـ عن الحق ـ فسقوطه ليس لك بل لسيده، وإن ثبت ـ في الحق ـ فهو ليس لك بل لسيده. ولكن اعلم أيها العبد الذي تدين عبداً آخر مثلك أن سيد هو الله نفسه. فإن سقط ، فالله قادر أن يقيمه وهو سيثبته ـ في الحق ـ لأنه قادر أن هذا يثبته .

هنا أيضاً يكشف ق. بولس خطراً من أخطار الدينونة الذي يرتد على الذي يدين، فمن كلام ق. بولس يمكن أن نستخلص : إن أنت دنت إنساناً حتى ولو كان ساقطاً ، فحف واخش الله جداً واحـتـرس ، لأن الله قادر أن يـقـيـمـه وتسقط أنت ولا يقيمك !!! و بهذا تبقى دينونتك عليك أنت مضاعفة لأنك دنت و وقعت في نفس الدينونة، فالله سيدينك على دينونتك قبل سقوطك وسيدينك بسبب سقوطك . فانظر أيها القارىء وتمعن عمق وصايا الله ومخاطر الاعتداد بالنفس والفكر وإلقاء الـديـنـونـة على الآخرين لأي سبب ، حتى ولو كانوا ساقطين في أسفل السافلين ، فالله قادر جدا أن يقيم منهم قديسين وعظماء وتبقى أنت واقعاً في دينونتك .

وهنا قصة المسيح عن الدينونة ذات اعتبار عظيم : « لذلك يشبه ملكوت السموات إنساناً ملكاً أراد أن يحـاسـب عـبـيـده. فلما ابتدأ في المحاسبة قدم إليه واحد مديون بعشرة آلاف وزنة. وإذ لم يكن له ما يوفي أمر سيده أن يباع هو وامرأته وأولاده وكل ما له ويوفى الدين . فخر العبد وسجد له قائلاً يا سيد تمهل علي فأوفيك الجميع . فتحئن سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين. ولما خرج ذلك العبد وجد واحداً من العبيد رفقائه كان مديوناً له بمائة دينار. فأمسكه وأخذ بعنقه قائلاً أوفني ما لي عـلـيـك . فخر العبد رفيقه على قدميه وطلب إليه قائلاً تمهل علي فأوفيك الجميع . فلم يرد بل مضى وألقاه في سجن حتى يوفي الدين . فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدا وأتوا وقصوا على سـيـدهـم كـل مـا جـرى. فدعاه حينئذ سيده وقال له أيها العبد الشرير كل ذلك الذين تركته لك لأنك طلبت إلي، أفما كان ينبغي أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا ؟ وغضب سيده وسلمه إلى (أيدي) المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه . فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته . » (مت18: 23-35)

5:14 «واحـد يـعـتـبـر يـومـاً دون يـوم (آخر)، وآخر يعتبر كل يوم، فليتيقن كل واحد في عقله » .

« يعتبر يوماً دون يوم » : 

‏تعني أفـضـل أو أميز، والمقصود أن أياماً أقدس من أيام أخرى في الاعتبار عند بعض المؤمنين . وهذا طبعاً يجيء في غرف الجماعة ضعيفة الإيمان التي تمتنع عن أكل اللحوم وشرب الخمر. ولـكـن لا يـوجـد أي أساس أو تلميح في الآية وما بعدها لتقديس الأيام لاعتبار الـصـوم . والذي يمنع هذا التفسير نهائياً هو قول ق. بولس بعد ذلك : « وآخر يعتبر كل يوم » ، فهل اعتبار أو تفضيل أو تقديس كل الأيام يكون للصوم ؟

إذاً، واضح أنها مشكلة تختص بتقديس الأيام في حد ذاتها دون اعتبار للأكل، إذ ليس في کلام ق. بولس علاقة بين تقديس الأيام والامتناع عن الأكل . فكل توصية قائمة بذاتها، الأكل قـائـم بـذاتـه والأيـام قـائمة بذاتها : « فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب ، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة . » (كو2: 16و17)

« وآخر يعتبر كل يوم » : 
بمفهوم أن الأيام كلها ذات اعتبار أو قداسة .
المعنى الهام الذي يقصده ق. بولس يتضح في تكميل الآية هكذا :

«فليتيقن كل واحد في عقله » : 

المعنى في الترجمة العربية تسرب من المترجم ، فالمعنى أنه سواء بتقديس يوم عن يوم أو تقديس الأيام كلها يلزم أن يكون العقل قد تثبت والتصرف ليس فيه أي ارتياب من جهة الإيمان سواء عند الذي يقدس يوماً دون . يوم أو الذي الأيام . عنده كلها متساوية ومقدسة .

والـقـصـد أن ق. بولس لا يمانع إطلاقاً في أن جماعة تقدس يوماً دون يوم، أو أن يقدس الآخرون كـل يـوم، فـغـايـة الـقـصـد مما يسلط عليه ق. بولس النور ليوضح صحة الإيمان والعقيدة هو أن الذي يقدس يوما عن يوم يقدس عن تعقثل إيماني متيقن وليس عن ارتياب أو تردد. كذلك الذي يقدس كل يوم هو على صحة إيمانية وعقيدية إن هو صنع ذلك بدون تردد أو ارتياب .

فـالـقـديس بولس لا يحكم أيهما أصح وأيهما خطأ، أو يفصل إيمانياً بين عملهما بالنسبة لـتـقـديس الأيام . فلا دخل للإيمان المسيحي في موضوع تقديس يوم عن آخر أو تقديس كل الأيام. ولكن الإيمان المسيحي يهتز جداً إذا كان تدبيراً أي منهما فيه شك أو تردد أو ارتياب. هذا طبعاً شيء جديد تماماً عن الإيمان اليهودي الذي كان قائماً أساساً على تقديس يوم عن يوم، وشهر عن شهر وسنة عن سنة، واعتبار الطعام منه ما هو طاهر ومنه ما هو نجس في ذاته، وامتناع عن أكل هذا والتصريح بأكل ذلك، أي أن موضوع التعامل مع الماديات في الأكل وغيره، والزمان في الأيام وغيرها ، كان داخلاً دخولاً جوهرياً في الإيمان والـعـقـيـدة والعبادة اليهودية ـ أما في المسيحية فلم . . الأمر كذلك، فكل الأيام هي أيام الله لأنه لم يعد للمسيحي تعامل مع الزمن بل مع الخلود !! فنحن الذين نقدس الأيام وليست الأيام هي التي تقدسنا، ونحن نحول الزمن إلى خلود بالصلاة والعبادة وتقديس الفكر والحياة. كذلك لم يعد الطعام والشراب والأكل عموماً داخلاً في الإيمان أو العبادة فلا تعامل لنا مع المادة إيمانياً فالطعام لا يقدسنا، بل نحن نقدسه بالكلمة والصلاة مع الشكر فيتحول فينا من مادة وأكل وشرب إلى روح ونعمة وقداسة وحياة .

وكل ما يطلب من المسيحي هو ثقته وتأكده التام في إيمانه من جهة صحة تصرفه في الأيام أو الطعام. وسوف يزيد ق. بولس في الآيتين (20 و23 ) من صحة هذا الكلام وقوته .

 «فليتيقن كل واحد في عقله » :

إذاً، فقد وضح الآن مـاذا يـقـصـد ق . بولس من قوله هذا، فهو يطلب أن يرافق التصرف في الأيام أو الطعام «يقين»، وهو هنا يخصصه باليقين العقلي vot ، فالقديس بولس لا يخاطب العاطفة أو مجرد الإرادة بل يخاطب العقل وليس التأمل والخيال والظنون . أي أن اليقين الذي يريد ق. بولس أن يكون في صميم إيماننا من جهة تصرفاتنا هو يقين قائم على الرضا الفكري والثبات العقلي مع الإيمان الواثق . وطبعاً معروف أن الإيمان نفسه يقوم على يقين روحي وليس عقلي . ولكن اليقين العقلي المطلوب هو أن يكون في التصرف في أمور الزمن والمادة يقين عقلي متفق تمام الاتفاق مع يقين الإيمان الروحي. كيف ؟ بمعنى إني أقدس يوم الأحد لأن المسيح قام فيه من الأموات ، ليس لأنه مقدس في ذاته بل لأن المسيح قام فيه فقدسه وقدس به كل الزمن ، فأصبحت كل الأيام مقدسة في يوم الأحد. ففي اليهودية كان يوم السبت مقدساً كسابع يوم فقط في كل أسبوع ، ولكن جاء يوم الأحد فابتلع يوم السبت ورفعه من حالة الزمن المحدود إلى خلود ، وابتلع معه باقي الأسبوع و باقي الأيام وكل الزمن، فلم نعد نتعامل في يوم الأحد مع الأسبوع والراحة الجسدية والزمن بل مع الـقـيـامـة من الأموات والخليقة الجديدة وزمن الله للخلاص . لقد انتهى يوم السبت مع الخطية ومع الناموس الذي وضع تقديس السبت، لأن السبت لم يكن معروفاً قبل الناموس فإبراهيم لم يقدس الـسـبـت !! لقد انتهى السبت مع زمن الشقاء والدموع جملة . و بفجر الأحد دخلنا في يوم خلاص الرب الذي لا تغرب له شمس، وأشرق علينا بر الله في وجه يسوع المسيح القائم من الأموات بمجد الله، وبلغنا عـتـبـة الأبدية حيث الراحة العليا التي لن يعقبها شقاء، فنحن في هذا الدهر نحيا الآخرة والحياة الأبدية بالإيمان وننتظرها بالرجاء . هذا هو يقين تقديس الأحد على مستوى تحقيق وثبوت العقل ، وتحقيق وثبوت الإيمان بالروح معا.

ولقد وُجد فعلا في الـزمـان الأول المسيحي من كان يقدس كل الأيام، هؤلاء الذين كانوا يـعـيـشـون في ملء زمن الخلاص ولا يـفـرقـون بين يوم ويوم مثل الآباء الأول قبل أن يظهر قانون الأحد. لأن مسيحيي روما لم يكن في زمانهم قد تقرر الأحد كيوم للرب بعد ، فكانت أيامهم كلها خلاصية وسعيدة لأنهم كانوا يعيشون في ملء القيامة، ولكن حتماً كان منهم من يقدس السبت ، فـالـيـهـود كـانـوا يقدسون السبت كسبت راحة زمني، والمسيحيون كانوا يقدسون كل الأيام كأزمنة الخلاص والحياة بالقيامة من الأموات ، أو ربما لا يقدسون الأيام أبدأ باعتبارها زمن العالم «الزمن الشرير» الذي ينبغي أن نفتديه بالصلاة .

وواضح جداً أن ق . بـولـس هـنـا يبارك على الذين يقدسون يوماً دون يوم ، ويبارك على الذين يقدسون كل الأيام كأزمنة خلاص في الرب ، أو لا يقدسونها بالمرة كأزمنة العالم المرفوض الذي صلب لي وأنا له .

6:14 «الذي يهتم باليوم فللرب يهتم، (والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم). والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله».

هذه الآية صدرت في الطبعات المراجعة عن مخطوطات يونانية موثوق بها بدون هذا الجزء الموضوع بين قوسين ( والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم ). واعتبره كثير من العلماء المحدثين أنه مضاف ليكمل الوزن المنطقي الحرفي للكلام وأنه في عرفهم خطأ ويفسد المعنى وقد أسقطه أغلب المفسرين المحدثين، والذي يرجح عـنـدهـم أن هذا الجزء مضاف هو غيابه في كثير من أوثق المخطوطات الـقـديمة، وثانياً أن ق. بولس سبق أن قال في الآية السابقة مباشرة ( الخامسة ) : « واحد يعتبر يوماً دون يوم ، وآخـر يـعتبر كل يوم»، ولم يقل وآخر «لا يعتبر»، كما جاءت الآية السادسة بكلمة « والذي لا يهتم ». فهنا انقلب المعنى بحسب ما جاء في الآية الخامسة : من شخص يقدس جميع الأيام، وهـذا جـيـد ومـقـبول، إلى ما جاء في الآية السادسة أن هذا الشخص لا . (لا يقدس) جميع الأيام. ولـكـن في غرفنا أن هذا جائز أيضاً بحسب ما سبق وشرحنا أعلاه بحسب رؤيتنا أن كلا التسجيلين للآيتين الخامسة والسادسة صحيح، لأن كلمة «يعتبر الأيام كلها » هي صحيحة لأن تقديس الأيام كلها سليم إذا أخذنا المعنى أنها أيام الرب = زمن الفداء الذي نحن فيه = زمن الخلاص الأبدي الذي وهب لنا أن نعيشه في الرب . كذلك «لا يهتم بالأيام» صحيحة إذا أخذنا بأنها أيام العالم، أيام الخطية والشقاء المرفوضة، فهو يحيا فوق الزمن بروحه ناظراً إلى فوق .

هنا ق. بولس يوجه الفكر المسيحي باتساع روحي وإيماني في منتهى القوة والأصالة والصحة : أن هـذا مـثـل ذلك ولا فرق على الإطلاق! لأن الهدف واحد وقد أوضحه ق. بولس بالتكرار، أن الاهتمام بالأيام، أو تقديس يوم أو تقديس كل الأيام ليس بسبب الفكر الخاص الاهتمام أو عدم أو المزاج الخاص أو الأيام في ذاتها؛ ولكن التصرف هو موجه الله « فللرب » يهتم، «فللرب » لا يهتم، «فللرب يأكل » « فللرب لا يأكل»، «فللرب يشكر»، آكلا أو صائماً. فإذا كان هدف العمل هو الله ولا شيء غير الله ، كان هذا العمل مقبولاً أمام الله .

ولـكـن يـلـزم أن ننتبه إلى مدى دقة واتساع التدبير الإيماني العالي الذي يضعه ق . بولس هنا لأهل رومـيـة ومـن بـعـدهـا لـكنيسة الله في كل العالم . فبكل اختصار ووضوح كان يوجد يهود يـقـدسـون الـسبت ولا يقدسون باقي الأيام ، فكانوا في نظر المسيحيين الأمميين موضع ازدراء لأن هذا كان في اعـتـبـار المسيحيين رجعة إلى الوراء ناتجة عن ضعف واضح في الإيمان المسيحي خاصة بـالـقـيـامـة مـن الأموات، التي أعطى المسيح بها حياة جديدة بأزمنة جديدة للإنسان ، انتهى فيها الناموس بكل وصاياه ومن ضمنها السبت الذي كان لراحة الجسد، والجسد في عرف المسيحيين قد مات مع المسيح وقام ودخل معه راحته العليا الروحية الأبدية ولم يعد له وجود ولا اعتبار ولا راحة هنا على الأرض .

وإزاء هذا كان المسـيـحـيـون لا يقدسون السبت ولا يحترمونه ولا يعتبرونه قط ، فكان اليهود يستشـيـطـون غـضـباً عليهم لأنهم يهينون السبت الذي كان . عندهم مقدساً للغاية في حدود مفهوم الناموس ، لذلك كان اليهود يدينون المسيحيين أشد إدانة باعتبارهم أنهم يكسرون وصية الله .

وهكذا كان أمام ق. بولس خطر انقسام الكنيسة ودخولها في شقاق ونزاع لن يلتئم بين اليهود المتنصرين وبين المسيحيين من الأمم . ولكن رؤية ق . بولس الإلهية الحادة اكتشفت العلة وأدركت الحل . فالعلة عند اليهود كانت ضعف إيمانهم بالمسيح ، وعدم بلوغهم الحرية الكاملة التي أعطيت للمسيحي، أيا كان، أن ينالها بالإيمان المسيحي أنه لم يعد مديناً للعالم ولا للجسد ولا الناموس ، فقد رفعت خطاياه ونال بر الإيمان بالقيامة من الأموات و بدأ ميلاده الجديد السمائي بالروح . فلا نـامـوس ولا خطية ولا جسد ولا عالم ولا راحة لجسد بعد أن دخلنا الراحة الأبدية لنعيشها بالإيمان والـرجـاء . فاليهودي لا يزال يتمسك بالسبت لأنه لم يتل ملء حرية الإيمان في المسيح . والعلة عند المسيحي، أنه بحصوله على الإيمان الذي أعطاه حرية الروح وجعله يتجاوز الناموس بوصاياه ومفهوم الراحة الجسدية، بدأ يزدري باليهودي الذي آمن بالمسيح ولا يزال ممسوكاً من خلف بالناموس ووصاياه . فاليهودي يدين أخاه المسيحي، والمسيحي يزدري بأخيه اليهودي في المسيح !!

الحل المقدس:

جيد لليهودي أن يقدس السبت ولكن ليس لموسى بعد بل للمسيح . باعتبار أن المسيا « هو رب السبت أيضاً» (مت12: 8)، فاليهودي المسيحي حر في تقديسه « لليوم» الذي يختاره ولكن في حدود الإيمان بالمسيح، وأعطى ق . بولس قانون اليهودي الجديد ـ الذي يعتبر يوم (السبت) دون يـوم «ويـهـتـم بـالـيـوم » ( السبت ) ــ هو هكذا « الذي يهتم باليوم (السبت) فللرب يهتم » . وبهذا يـكـون ق . بولس قد أحاط باليهودي وأدخله في عمق الإيمان المسيحي، هو مع سبته، ورفع مـن الـوسـط بينه وبين المسيحي علة الازدراء أنه يقدس السبت باعتباره يهودياً ، فالآن هو يقدس الـسـبـت بـاعـتباره مسيحياً ، وهكذا انتفت علة النزاع والشقاق . والصلح واضح أنه أتى عن طريق الالتصاق بالمسيح، لهذا فهو صلح مقدس وقانون مقدس يتحتم أن يسري على الكنيسة كلها مدى الـدهـور. فالإنسان حر في أن يقدس اليوم أو الأيام، إنما من أجل المسيح وفي يقين الإيمان به وليس لأية علة أخرى خارجة عن المسيح أو خارجة عن الإيمان بالمسيح .

وهـنـا ندخل على بينة من جهة نظام الكنيسة الآن، فالكنيسة تقدس أياماً ـ ولكن في المسيح ـ سـواء كـانـت أعـيـاداً كبرى للمسيح أو أعياداً صغرى أو أعياداً للعذراء القديسة مريم أو أعياداً للـرسـل أو الـشـهـداء أو الـقـديـسين من الرهبان ، ولكن كل هذا في المسيح ! فعندما نعيد لشهيد أو قديس ، نـعـمـل اجـتماعاً عاماً «سيناكسي» للكنيسة، ونقيم قداساً «للرب »، ومن داخل القداس نذكر الشهيد أو القديس ونمدح سيرته كيف عاش للمسيح ومات . فتقول كنيسة روما مثلاً نحن نقدس ذكرى للقديس أنطونيوس في يوم الأربعاء مثلاً، فنقول ونحن نقدس ذكراه في يوم الجمعة. يقول ق. بولس : سيان، المهم أن لا ترتاب كنيسة روما ولا كنيسة مصر في اليوم الذي حددته على أن تكون الذكرى في المسيح الواحد ومن أجل المسيح الذي يوحد الكل في ذاته .

بهذا القانون و بهذه الروح المتسعة و بهذا الوعي الإلهي المسيحي العالي يستطيع ق . بولس أ يـسـتـوعـب نـظـم الكنيسة التي تبدو متباينة، طالما هي في المسيح ومن أجل المسيح وبيقين الإيمان ودون ارتياب ، على أن لا یدین أحد أحداً آخر، ولا يزدر أحد بأحد آخر.

«والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله ، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله»:

وعلى نفس المنوال السابق، فالمسيحيون الأمميون يأكلون كل شيء، وهنا المضمون المستتر هو بعض اللحوم وهي الأطعمة التي هي في عرف اليهود نجسة، إذ كان لليهود أطعمة خاصة للأكل منها ما هو نجس ومنها ما هو طاهر، أو ما هو ممنوع وما هو مصرح به. فكان هذا يثير حفيظة مسيحيي الأمم إذ كانت حريتهم في المسيح قد رفعت من ضميرهم أية قيمة لأنواع الأكل في ذاته أو من جهة ما يؤكل وما لا يؤكل، فكانوا أيضاً يزدرون باليهود المسيحيين المتحفظين . أما اليهود الـذيـن كـانـوا يـعـتـبـرون أنواعاً ممنوعة وأنواعاً مصرحاً بها وأنواعاً نجسة وأنواعاً طاهرة فكانوا يدينون الأمميين المسيحيين حينما كانوا يأكلون ويشربون أمامهم دون تمييز لما هو طاهر ونجس . 

وهكذا أيضاً في الأكل، كـان مـسـيـحـيون يدينون الآخرين ومسيحيون يزدرون بالآخرين ، وكانت الكنيسة على شفا الانقسام .

الحل المقدس :

ق. بولس أيضاً إذ يرى العلة والأساس في إيمان اليهود المتنصرين الذين لا يزالون متمسكين بـأنـواع أطـعـمـة مقبولة ومرفوضة، طاهرة ونجسة، وفي إيمان الأمميين المتنصرين الذي لا يسع ضعف الضعفاء و يـأكـلـون كل شيء وكأنهم أفضل من الذين يمتنعون ، يعطي . حله المقدس أن مسيحيي الـيـهـود الذين يمتنعون عن الأطعمة هم على صحة إن كان امتناعهم يتم بتقديم ذبيحة شكر بـالـصـلاة مع الأكل للرب يسوع المسيح، وهكذا يصير امتناعهم هو لحساب الرب . يسوع واسمه وليس للناموس، و بهذا تنتفي علة الازدراء عند الذين يأكلون كل شيء؛ وأن مسيحيي الأمم إن قدموا ذبيحة شكر بالصلاة للرب على ما يأكلون يكون أكلهم كل شيء على صحة أمام الله والـنـاس، وبهذا تنتفي علة الكبرياء والتفوق ، لأن ما يعملونه لا يكون تفوق في الإيمان بعد بل إنما هو للرب يسوع المسيح وفي اسمه يأكلون .

وبهذا تـنـتـفـي الدينونة وينتفي الازدراء ، ويصبح عدم الأكل والأكل سواء بسواء هما للرب يسوع المسيح وليس لحساب الناموس أو لحساب الذات .

وهـنـا نـدخـل على بينة في أمر الأكل والأصوام في الكنيسة المقدسة المرتشدة بروح الله وتعاليم الـرسـل، أن الامتناع عن الأكل بالأصوام هو صحيح ، فقط إن كان يقدم للمسيح كذبيحة شكر على مـا أعـطـانـا من إيمان، وليس عن عادة أو تقليد أو فرض مقدس . من أجل هذا تحتم أن يرافق الـصـوم صـلاة حارة للمسيح ليقبل الصوم من أيدينا كذبيحة شكر وإلا سقط الصوم من حساب الأعمال الصـحـيـحـة وصار للبر الذاتي؛ وأن الأكل من كل شيء إن كان لعلة مرض أو نصيحة طبيب ، ولكن ليس ازدراء بالصوم ، يكون صحيحاً إن قدم عليه شكر للمسيح كذبيحة صلاة . من أجل هذا تحتم علينا الصلاة على كل أكل ليخشب عملاً صحيحاً في المسيح .

أما المضمون الإلهي والروحي في هذا التوجيه هوا أنه لا الصوم في ذاته ولا الأكل في ذاته بقيمة أساسية في الإيمان[3] ، فهـو لـيـس عـمـلاً جوهرياً في الإيمان وإنما تقديم الصوم وتقديم الأكل للمسيح بالصلاة هو المحسوب في الإيمان. لذلك فالذي يصوم أو يأكل بارتياب إيمانياً فهو خطية ، والخـطـيـة ليست من الإيمان . بمعنى أن الصوم والأكل كليهما يحتسبان عالة على الإيمان ونقصاً في إن لازمـهـمـا تـشـكك أو وسـوسـة أو ارتياب ، إذ لابد للذي يصوم أن يصوم وهو متيقن عقلياً لماذا يصوم ، والذي يأكل يأكل وهو واثق إيمانيا أنه على صحة.

وفي الاثنين يقدم ق . بولس المعيار الإلهي للتصحيح هكذا :

+ «فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً ، فافعلوا كل شيء لمجد الله . كونوا بلا عثرة للـيـهـود ( أيها الأممـيـون ) ولليونانيين (أيها اليهود) ولكنيسة الله (أيها المستبيحون) كما أنا أيضاً أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا . » (1کو10: 31-33)

14: 7و8 «لأن ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لأننا إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن » .

ق. بولس يرتفع بالفكر المسيحي فوق محيط الأكل والشرب والأعمال الزمانية التي تختص بهذا الزمن، إلى أفق أعلى إيمـانـيـا وحـيـاتـياً، فالقديس بولس يسمو بالإيمان المسيحي فوق أعمال هذا الزمان ليضع الإنسان المسيحي في وضعه النهائي مع المسيح الذي يحتضن الجميع في شخصه .

فليست الأعمال وحـدهـا ينبغي أن تعمل لأجل المسيح ؛ بل الحياة برمتها، فمن منا يعيش لنفسه ؟ بل هل أحد يموت لنفسه ؟ فحياتنا كما أنها من الله ، بالأولى جدأ تكون الله !! ليس الحياة الأرضية فقط: «لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد» (أع17: 28)، بل بالأولى الحياة الروحية التي تتحكم بالفعل في حياتنا الأرضية وكل أعمالها : «فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي » (غل2: 20). كذلك الموت ، فحتى الموت لم يعد يخصنا نحن لأننا وهبنا موت المسيح ودخلناه فصار موتنا هو موت المسيح : « إن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام . » (2کو5: 14و15)

هـكـذا صـار مـن صميم الإيمان المسيحي أننا نعيش للرب ونموت للرب ، ولم يعد لأنفسنا حياة خاصة ولا مـوت خاص، لا حياة خاصة تعبث فيها حريتنا الذاتية ولا موت خاص ترتعب منه نـفـوسـنـا. وهـكـذا ينجمع المسيحيون عن صحة إيمان وأعمال في حياة واحدة، وموت واحد أيضاً، فـأيـن تـوجـد الـديـنـونـة أو أين يحتل التذمر والازدراء في حياة واحدة وموت هو واحد ؟ وإن كانت عـيـشـتـنا هكذا وموتنا أيضاً هو للرب، فهل يمكن أن تحتمل عيشتنا انقساماً ونحن ذاهبون إلى موت واحد ؟

إن هذا الأفق المسيحي العالي الذي يضعنا فيه ق. بولس يجعل وحدتنا المسيحية في كنيسة واحدة بفكر واحد وعمل واحد أمراً لا مفر منه.

9:14 «لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات».

ومرة أخرى يطرحنا ق. بولس من هذا الأفق العالي الذي حلق بنا فيه ليلقينا في صميم . حقيقة و واقعية الإيمان المسيحي. فيقول إن عيشتنا الواحدة معاً بالعمل الواحد والفكر الواحد التي ستنتهي حتماً بموت واحد لا تنبع من خيال ، بل يحكمها أعظم قانون إلهي ظهر على الأرض. فلكي يكون للناس عيشة واحدة وعمل واحد وفكر واحد يجمعهم معاً، مات بنا ابن الله وقام بنا بجسده البشري الجـديـد لـنـعـيـش عـيـشـة جديدة تنبثق منه هو وحده الواحد الأحد، فنحن في واحد مثنا وفي واحد نعيش الآن، علماً بأن موت المسيح على الصليب ماته من أجل جهالا تنا وأخطائنا وخطايانا ، فلماذا الجهالة بعد حكمة «أننا متنا معه » ؟ وهذا الواحد الرب يسوع المسيح أصبح بالضرورة الحتمية يملك على موتنا فيه وحياتنا فيه، أي على كل الذين يموتون في المسيح و يعيشون في المسيح ، فنحن الذين مثنا في المسيح وفيه نعيش الآن، نحن واحد، عن حتمية مصدر الموت الواحد للحياة الـواحـدة الـتـي فينا. فمهما تعددت أسباب موتنا وشكله ، ومهما تعددت أساليب حياتنا، فنحن الذين نستقي حياتنا من المسيح ونصبها فيه، والتي تتنوع إلى الآلاف من الأشكال والألوان والميول والعواطف والمواهب والأعمال، فليس فيها شكل واحد ولا عمل واحد ولا حركة واحدة يمكن أن تصلح لدينونة أو بغضة أو ازدراء أو انقسام . فإن كنا في «الواحد » نحيا جميعاً ونموت ، فكيف لا نكون واحداً؟ « لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح . » ( في1: 21)

أنـواع الحياة كثيرة جداً ومتعددة جداً، ولكن روح «الحياة» المسيحية في ذاتها وهدفها واحد: إنها حياة المسيح ! وصنوف الموت والإماتات التي تفرض على الإنسان أو التي يفرضها هو على نفسه هي أيضاً متعددة، ولـكـن حـقيقة «الموت» المسيحي في ذاته واحد : إنه «موت المسيح » على الصليب الذي أنهى به على جهالات الإنسان وحكمه للخلاص الأبدي. فمن غير المعقول أن يدين أو يزدري مسيحي مسيحياً آخر، وهما يستقيان روح الحياة من مصدر واحد، إن في الموت أو في الحياة. فإن عشـنـا فـلـلـرب نعيش وإن متنا فللرب نحن !! فأين تكون دينونتنا أو ازدراؤنا بعضنا لبعض والموت واحـد والحياة واحدة ونحن محكومون بالواحد يسوع المسيح الذي به متنا عما هو لنا وها نحن فيه وله نعيش ؟

أما الذي بعد هذا كله وبالرغم من ذلك كله يدين و يزدري ، مسيحي بمسيحي، فإنه يذخر لنفسه دينونة وازدراء أبدياً : « وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية ، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي . » (دا12: 2)

[ 13-10:14 ] لا يحكم أحد على آخر أو يدينه فيما يمليه عليه ضميره

 

14: 10 « وأما أنت فلماذا تدين أخاك. أو أنت أيضاً لماذا تزدري بأخيك؟ لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح » .

فالآن إن كنا قد متنا مع المسيح عن جهالاتنا وقمنا مع المسيح لنستمد منه حياتنا ، وإن كان المـوت يجمعنا بكل أشكاله والحياة تضمنا في حزمة واحدة في كف المسيح وروحه ، و والمسيح يحكم موتنا بموته ويحكم على حياتنا بحياته ، وبهذا أصبحت أعمالنا وأفكارنا وتصورات قلبنا كلها مكشوفة أمـامـه وعـريـانـة، فـكـيـف أو بالحري لماذا، لماذا تدين أو تزدري بأخيك ، الذي معك مات ومعك يعيش ، أليس في موت واحد شهرتم صهراً كذهب يصفى من أكداره ؟ وفي حياة واحدة تعيشون مـن مـصـدر الطهارة ؟ نعم من أين تأتي بكدر الدينونة والمسيح طهركم بموته ؟ ومن أين تأتي بوسخ الازدراء والمسيح قدسكم بحياته ؟ إذاً، فبالنهاية هو حكم واحد يحكم عليك هل أنت مع المسيح تعيش أم عليه ؟

إن كنت مع المسيح تعيش ، فالسؤال سيكون قاطعاً مانعاً خطراً كل الخطر فلماذا تدين أخاك الذي مات المسيح لأجله؟ وإن كانت حياتك مستمدة من المسيح ، فالسؤال أشد خطراً فلماذا تزدري بـأخـيـك وحـياته هي مثل حياتك في يدي المسيح ؟ فكر الآن وتدبر فيما تقول حينما تقف أمـام كـرسي الـديـنـونـة ليسألك المسيح لماذا صنعت ؟ بأي عذر تعتذر؟ بأي لسان ترد ؟ بأي منطق تجيب ؟ علماً بأنك لابد أن تجيب فبماذا ستجيب ؟ جرب الآن واعط عذراً وإجابة ؟ فإذا استحال عليك الأمـر فـلـمـاذا تدخل نفسك في المستحيل ؟ لماذا تحمل نفسك وزرأ يتعذر عليك حمله، وعاراً وازدراء أنت في غنى عنه. القديس بولس يضيق عليك الآن ليعطيك فرصة لتحطم قيودك من اليوم لتعيش حراً بلا قيود ، بلا دينونة : لا دينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع الذين يعيشون ليس حسب انفعالات الجسد ولا جهالات الفكر ولا ظنون النفس ؛ بل يستلهمون الروح والحق من المسيح .

عزيزي القارىء، إنها فرصتك اليوم أن تعيد كل حساباتك التي بها حكمت على غيرك فرداً أو جماعة ، سواء بالفكر أو الفم أو القلب ضد أخ لك في المسيح أو هيئة أو كنيسة ما للمسيح، في عمل أو في إيمان أو في عقيدة . فالدينونة للديان وحده . إلزم أنت صحة إيمانك واعمل عملك في يقين إخلاصك بعقيدتك لمسيحك، لأن على إيمانك وأعمالك ستنال إكليل الحياة، وعلى دينونتك للناس ستدان، وعلى ازدرائك بالآخرين ستأخذ حكم ازدراء: «لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح » .

«نقف أمام كرسي المسيح » :

نقف ، كرسي  يعني مـنـبـر الـقـضـاء الرسمي حيث تصدر الأحكام . وهو اصطلاح قضائي شرعي يأخذ معنى هيبة الوقوف الحقيقي أمام منصة القضاء العالي .

 يلاحظ هنا أن ق . بولس يضع المسيح موضع الله القاضي والديان الوحيد ، لأن المسيح يقضي لحساب الله ، وهـو الـوحـيـد الذي له حق الدينونة للناس، لأنه حمل الدينونة كاملة عن كل خطاة الأرض ، فهو يقضي عن جدارة لأنه صاحب قانون العقوبات والبراءة، ولأنه حقاً قال : « من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه . الكلام الذي تكلمت به هو يدينه . » (يو12: 48)

فـإنـجـيـل المسيح هو القانون الذي بمقتضاه تضاهي أعمال الناس وضمائرها على كلماته ، وكل واحـد يـدرك دينونته من ضميره؛ بل ومن الآن تبتدىء هذه الدينونة عينها ، لأن بنود قانون القضاء قـائـمـة بالإنجيل أمام أعيننا، والضمير قد تعلم قدرة القراءة على بنود هذا القانون : « في اليوم الذي فيه يدين الله سـرائـر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح » (رو2: 16). فالله يدين بيسوع المسيح أسـرار الـنـاس بمقتضى إنـجـيـل المسيح حيث يقف : «ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة . » (رو2: 15)

عزيزي القارىء، الإنجيل بين يديك اقرأه جيداً لأنك ستحاكم بمقتضاه، افهم بكل قلبك ماذا يقوله المسيح لك ويريده منك ، لأن الذي يقوله لك الآن سيحاكمك به بعد، ولكن ثق تماماً أنك لو أطعـت كـلـمـاتـه بـكـل قلبك وفكرك ولكن عجزت عن ضعف وقصور عن تتميم شيء كما كنت تتمنى وكما كان يتمنى لك المسيح ، فضميرك بالروح القدس سيدافع عنك، والمسيح حينئذ لا يعود لك قاضياً بل محامياً وشفيعاً : «من سيشتكي على مختاري الله ؟ الله هو الذي يبرر. من هو الذي يـديـن. المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً ، الذي هو أيضاً عن يمين الله ، الذي أيضاً يشفع فينا . » (رو8: 33و34)

14: 11و12 «لأنه مـكـتـوب أنا حي، يقول الرب، إنه لي ستجثو كل ركبة، وكل لسان سيحمد الله . فإذا كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً الله » .

المـكـتـوب هـنـا هـو لإشعياء النبي (نسخة بيروت ) : «بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع إنه لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان » ( إش45: 23). وبالسبعينية : «بذاتي أقـسـم ، سـبـخـرج الـبـر من فمي، لا ترتد كلماتي أن ستجثو لي كل ركبة وأن كل لسان يخلف الله ». وقد وضعها ق. بولس على مستوى الإعلان هكذا : «لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ، و يعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في2: 10و11). القديس بولس هنا يزيد من قوة وخطورة وهيبة الوقوف أمام كرسي المسيح ، إذ أعطاه الله بالقسم أن تجثو له كل ركبة، وباسمه يقسم كل من يقف أمام كرسيه أن يقول الحق ولا شيء غير الحق . فإن كان هذا سيكون موقفنا أمام الديان العادل لنعطي حساباً عن أنفسنا ، فكيف نجري دينونة ما، ونحن هنا الآن على الأرض ، أو حتى نشترك فيها ، بينما سنعطي حساباً عنها وندان أمام الله والمسيح ؟

قوانين سلوكية صارمة ومحددة للكنيسة

14: 13 «فلا نُحاكم أيضاً بعضنا بعضاً. بل بالحري احكموا بهذا أن لا يوضع للأخ مصدقة أو معثرة».

الآن وبعد أن وضع كل فريق في الكنيسة ـ يهوداً وأمميين ـ في موضعه الصحيح والسليم ، وحيث أصبح لا توجد بؤرة للنزاع والدينونة والازدارء بعد؛ إذا فعلى الاثنين يصدر القانون الكنسي .

«لا نحاكم، بل احكموا » : 

لا نحاكم بعضنا بعضاً، أي ممنوع إصدار أحكام في الكنيسة من فريق ضد فريق آخر. ولكن لـتـجـتـمع الكنيسة معاً بدون انقسام وتحكم حكماً واحداً أن لا يوضع للأخ ، مصدمة أو معثرة!! أي لـتـرفـع عـوائـق الإيمان والمحبة، أي عوض أن تحكموا عليه احكموا له، عوض أن تحاكموا بعضاً احـكـمـوا مـعـاً لخير بعضكم لتفادي الحكم على بعض. فعوض السلوك السلبي الذي يضر الكنيسة والجسد والمسيح اسلكوا بالإيجاب واعملوا لصالح الكنيسة والجسد والمسيح .

« مصدمة أو معثرة » :

هنا إثارة لشجون اليهود، فالمسيح كان لهم صخرة صدمة وحجر عثرة، لم يكونوا مستعدين لظـهـوره ولا على مـسـتـوى الوعي والفهم النبوي لمعرفته ، فلما ظهر لهم اصطدموا به وقاوموه ، ولما اصـطـد مـوا بـه عـثـروا فيه وصلبوه !! فالآن يا أمم المسيح الذين أخذتم المسيح بلا صدمة ولا عثرة ، كفى الـيـهـود المتنصرين أوجاع الماضي وذكرى أحزان الصليب ، فلا تقدموا لهم المسيح ليكون لهم مرة أخرى سبب صدام أو مصدر عثرة، لا تجعلوا حريتكم في المسيح تصور لهم المسيح وكأنه ضد الـيـهـود أو ضـد عـوايـد اليهود ـ التي لا تتعارض مع الإيمان القويم ـ كتقديس الأيام أو مراعاة الأصـوام، ولـكـن اقبلوهم بفرح ففيهم رائحة الآباء القديسين ومنهم الوعد والعهد . احتملوا ضعف إيمـانـهـم وعـوايـدهـم وطهارة أكلهم، فلا تأكلوا النجس أمامهم، ولا تعملوا ما يشككهم في أكلهم وشـر بـهـم وحـيـاتـهـم، اشتركوا في ولائم محبتهم وأشركوهم في ولائم محبتكم ، أكرموا السبت[4] كـرامـة للأحـد حتى يكرموا هم القيامة وأحد القيامة فيعم الحب ويرفع الحاجز المتوسط استعداداً لأيام الفرج وعودة البقية المنفية : « فالبقية ستخلص» !! (رو9: 27)

14:14 «إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجساً بذاته إلا من يخيب شيئاً نجساً فله هو نجس» .

«إني عالم ومتيقن في الرب يسوع » :  = «علم و يقين رسول » : إنه على مستوى القسم المغلظ ، لقد اعتاد ق. بولس أن يقول فقط إني «متيقن في الرب » (غل5: 10، في2: 24 ، 2تس3: 4). هكذا يتبين لنا أن ما يقوله ق. بولس هنا هو قانون رسولي، السلطان الرسولي فيه مرتكز على حق مطلق.

والأمر هنا لا يحتاج إلى نقاش أن بولس الرسول إنما يتكلم بفم المسيح عن إعلان مؤكد.

فقوله: «في الرب يسوع» هو نُطق من المسيح بغير نطق، حيث المسيح هنا هو واضع القانون ، بشهادة ق. بولس وهذا القانون المسيحي الجديد يلقي بضوئه مرة أخرى على أمر الناموس في المفهوم المسيحي. وواضح الآن أن قاعدة الناموس في الطاهر والنجس إنما كانت أمرأ يخص جيله وزمانه وناسه فقط، وبظهور المسيح «الذي صار لنا حكمة من الله وبرأ وقداسة وفداء» (1کو1: 30)، فقد تطهر الإنسان أو بالحري «طهر بالإيمان قلوبهم» (أع15: 9)، فصار كل ما نمشه يتطهر، وكل طعام «إنما يقدس بكلمة الله والصلاة» (1تي4: 5). وهكذا يطابق ق . بولس ما قاله الرب واضحاً بلا لبس أو إبهام: «ثم دعا كل الجمع وقال لهم اسمعوا مني كلكم وافهموا ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخـل فـيـه يقدر أن ينجسه لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان» (مر7: 14و15)، « فقال بطرس كلأ يا رب ، لأني لم آكل قط شيئاً دنسأ أو نجساً . فصار إليه أيضاً صوت ثانية ما طهره الله لا تدنسه أنت . » (أع 10: 14 و15)

هذا هو الإيمان المسيحي الذي قبله الأمم من تعاليم بولس الرسول المبني على قول الرب وإعلانه لبطرس الرسول أو لبولس الرسول . وهنا نفهم سر قول القديس بولس في مطلع الأصحاح الرابع عشر مشيراً إلى مسيحيي اليهود بقوله : « ومن هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه». فالأمم استلموا حقاً وبالفعل إيماناً قوياً غير مـتـزعـزع وبلا أي ارتياب فيه : «كل شيء طاهر للطاهرين » (تي1: 15)، لأن للإنسان المسيحي الذي تقدس بعطية الروح القدس قوة أن يقدس كل شيء بالكلمة والصلاة. هذا هو الإيمان القوي في مقابل إيمان الطاهر والنجس ولا تمش ولا تدق !! ولـكـن تـعـالـيـم ق. بولس الرسولية التي تقول بالمشاركة مع مسيحيي اليهود، إلى حين، تاركين إيمانهم الأقوى ومشاركتهم للأضعف من أجل وحدة الجسد والمحبة هي إضافة قوة إيمانية جديدة على إيمانهم القوي : «صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. » (1کو9: 22)

«نجساً بذاته » : 

الكـلـمـة الـيـونـانـية لا تعني في أصلها اللغوي “نجساً” بالمرة ولكن تعني عاماً أو “عمومياً “. فكيف انقلبت وصارت تعني “نجسا؟ فمعروف أن الطاهر ترجمة لكلمة Kadapés ، وهي تعني ” ليس نجساً not – unclean ، ولكن المقدس الذي هو أصل “الطاهر“ هو «المخصص» لله . فإذا كان شيء غير مخصص لله فهو دنس، وهنا الدنس يكون هو العام أو العمومي لأنه غير مخصص لله . من هنا جاءت هذه الكلمة اليونانية  وتعني “عام” ولكن في اللغة اليونانية الطقسية تعني “دنس‘‘.

« ليس شيء نجساً بذاته » :

الـقـديـس بـولـس يكشف ملخص أو معيار القانون الذي يضعه الآن بضمان المسيح نفسه ، أن طبيعة الأشياء كطعام أو خلافه ليست نجسة في ذاتها، ولكن إذا اعتقد الإنسان في ضميره أن شيئاً نجس فهو يكون نجساً له حسب اعتقاده . هنا ق. بولس يأتي في صف الناموس ـ بالنسبة لليهودي المتنصر، فالناموس علم بالطاهر والنجس، واليهودي آمن واعتقد ووثق في ضميره بالأشياء النجسة فهي نجسة له حتماً ونجسة في ذاتها بالنسبة لليهودي فقط، أما بالنسبة للمسيحي وبناء على قول المسيح وتقديسه للإنسان وضمير الإنسان فلم يعد شيء نجساً في ذاته بالنسبة للمسيحي .

هنا تأتي الخطورة : فالمسيحي اليهودي يعتقد في ضميره تماماً بسبب تعاليم الناموس السابق أن هذا الشيء نجس، والمسيحي الأممي يعتقد في ضميره تماماً أن هذا الشيء نفسه ليس نجساً. هنا يضع ق. بولس القانون :

+ إذا أكل المسيحي اليهودي هذا الشيء النجس مخالفاً ضميره ومرتاباً في تصرفه يحسب له خـطـيـة ـ لأنه يحسب له أنه أكل نجساً، لذلك فالارتياب في الضمير هو خطية وكل خطية ليست من الإيمان. لذلك ممنوع على اليهودي المتنصر أن يخالف ضميره .

+ وإذا أكل المسيحي الأممي من هذا الشيء النجس وهو في ضميره لا يحسبه نجساً فهو ليس خـطـيـة، ولكن إذا أكله أمام اليهودي المسيحي فإنه يغيره، ولهذا يحسب أكله للشيء النجس خطية.

في الحقيقة إن هذا القانون يقف في صف الإنسان المسيحي ليرفع من سعة محبته وقبوله للذين يخالفونه في أسلوب الحياة سواء في الأكل أو الفكر أو السلوك . فإن كان لا شيء بالمرة نجساً في ذاته بالنسبة للإنسان المسيحي القوي ، لذلك تكون إمكانيات المسيحي للمجاملة هائلة سواء تجاه الـيـهـودي المتنصر أو تجاه كل من يخالفه في الكنيسة فيما هو طاهر ونجس، لكي إذا قبل الضعيف ولم يصده أو يعثره فسوف يدعم حياة المحبة والوحدة الضرورية بين الأعضاء المتباينة : «أما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس» (أع10: 28)، وصرت « للذين بلا ناموس كأني بلا ناموس مع أني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح لأربح الذين بلا ناموس . » (1کو9: 21).

واضح أن هذا القانون الرسولي الذي يضعه ق. بولس في هذا الأصحاح إنما هو جوهرة نفيسة في قلب الإنسان الكارز، فكيف نكرز للخليقة كلها وفي ضميرنا تحفظ، هذا دنس وهذا نجس، كيف نخرج خارج السياجات (سياجات القوانين والأصول والمبادىء والطهارة والعفة والتعقل) وتلزم الناس بالدخول ؟ وهم بين دنس ونجس؟

ق. بولس أعطى الكنيسة قوة مضاعفة لكي تتمشى مع أضعف أعضائها ، بل تماشيه وتقبله ، بل تحبه وتصادقه مهما كان الدنس الذي فيه ومهما بلغت نجاسته . فتقول له عن صدق : دنسك علي يا ابني، نجاستك أنا أحملها ، فقط تعال وذق محبتي واسمع لتعاليمي، فالنعمة قادرة أن تخلع من عليك رداءك الذي تدنس لتلبسك ثياب البر والقداسة، تزيح من قلبك هم الخطية وتلبسك إكليل الأبدي : « ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم . ابتهاج الفرح وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد . » ( إش35: 10)

[ 19-15:14 ] حرية المسيحي محكومة بعدم المساس بمشاعر القريب وهدفها البنيان العام

 

15:14 «فإن كان أخـوك بـسبب طعامك يحزن فلست تسلك بعد حسب المحبة. لا تهلك بطعامك ذلك الذي مات المسيح لأجله».

ق. بولس يدخل بالقانون السالف إلى حيز عملي.

نعم، أنت لك حرية وقوة في الإيمان بالمسيح قادرة أن تتخطى كل الحدود الضيقة التي يؤمن ويعتقد بها الآخرون. ولكن الحرية في المسيح يسوع تتجلى في أعلى مراحلها حينما تتخلى عنها كلية من أجل خلاص الآخرين : « فإني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين . » (1کو9: 19)

أنت في المسيح صرت حرأ تأكل أي طعام حتى ولو كان أخوك يحتسبه نجساً في ضميره، ولكن إن كنت بطعامك هذا تحزن أخاك فقد صارت حريتك إثماً وقتلاً للمحبة .

إن هذا هو العجب أن يوهب لنا نحن المسيحيين أن نقدم حريتنا على مذبح المحبة لكي لا تُعثر من كان ضعيفاً في الإيمان !! وكأن خلاص أخي يوازن حريتي حتى يلغيها ! وبهذا تكون الحرية المسيحية أخذت تعريفاً أو معياراً جديداً، فالحرية المسيحية تبلغ منتهى صدقها في التضحية بها ذاتها من أجل خلاص أخي .

 

 «يحزن » : 

هذا هو المعيار الذي يوزن به مدى الأثر المدمر الذي ينشأ من استخدامك لحريتك ، « فحزن » النفس من جراء جرح شعورها ، اعتبره ق. بولس بمثابة «هلاك» لها . إلى هذا الحد أصبحت حرية الإنسان محفوفة بالمخاطر، فأنت تلهو بحريتك، وفي لهوك تقتل نفساً اشتراها المسيح بدمه . القديس بولس يتكلم عن «إحزان» الأخ لنا في الإيمان لا على مستوى الفكر نظرياً بل على مستوى جرح الضمير، على مـسـتـوى إغاظة النفس في الداخل وحرق مشاعرها حرقاً. هذا يعتبره ق. بولس هو الهلاك الذي تجوزه النفس من فرط حزنها ، والهلاك للمشاعر والضمائر قد يؤدي إلى هلاك النفس أيضاً.

الإنسان المسيحي الخادم يبدو لنفسه أحياناً أنه حر يتكلم وينادي بالمبادىء، أليست ، هي صحيحة ؟ أليس أن الكنيسة تقول ذلك؟ ويسلط كلامه كالحراب بالحرم والقطع، فيسمعه ضعيف الإيمان فيدخل كلامه كالسيف في كبده، فيعتصره الحزن ويأكل ضميره الكمد ويشيح بوجهه عن الكنيسة، عن الإيمان، عن العقيدة التي جرحته بل قتلته : «لا تهلك بكلامك ذلك الذي مات المسيح لأجـلـه » !! … وأنت يمكنك أن تبلغ كل ما كنت تريده من إذاعة الحق والصحيح ولكن بكلمات اللطف والمحبة .

«مات المسيح لأجله » :

هـنـا مـقـارنـة مرعبة، أنت تهلك نفساً مات المسيح لأجلها . هو خلصها من الهلاك بدم نفسه ؛ وأنـت تـهلكها بحرية نفسك !! هو مات ، تنازل عن ماله كإله وأخذ شكل العبد ليحييها ؛ وأنت تمارس حق الحريـة لـتـمـيـتها ! المعنى هنا خطير، فأنت بحريتك التي تستخدمها دون حرص على المحبة والمودة واللطف الإلهي تقاوم عمل الخلاص وتفسده من جهة الآخرين، تضيع تعب المسيح وتلغي فعل موته وقيامته تجاه أخيك الذي مات المسيح لأجله . «أحارس أنا لأخي» ؟ (تك4: 9). نعم أنت حارس لخلاصه طالما ذقت أنت الخلاص، وخلاصه محسوب عليك، فإن كنت لا تستطيع أن تضع نفسك لتخلصه فلا أقل من أن لا تتلف خلاصه !! 

فالحرية المسيحية إن كان يغذيها الإيمان، فالمحبة تحدها وقد تلغيها !!

+ «إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين» (1کو9: 19)
+- « فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح لأجل إخوتي …» (رو9: 3)

16:14 «فلا يفتر على صلاحكم».

هي جملة تعقيب حزينة، وهي موجهة لنا :

إن أصلح ما في الإيمان المسيحي هو الحرية المنبثقة من صحة الإيمان وقوته وشموله كما رأينا ، فلا تستخدموا حريتكم ـ التي هي عنوان صلاحكم ـ استخداماً جارحاً للآخرين حتى لا يحذف الناس على صلاحكم، على إيمانكم، على حريتكم !! لأنه لو زاد تجاهلي لمصلحة أخي وخلاصه في استخدامي لحريتي فسوف ينتهي بالافتراء على صلاحي.

17:14 «لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس» .

أخـيـرا يـعـقب ق. بولس على سبب هذا الشقاق الحادث بين المسيحيين من أصل يهودي ومن أصل أممي، الذي تركز في الأكل والشرب الذي هو من أعقاب تعاليم الناموس التي أ أورثت الكنيسة الأولى معظم النزاعات التي أقلقتها جدا وتسببت في محن وأضرار. فنحن لا ننسى ما حدث في بـدايـة نشأة الكنيسة بـعـد حلول الروح القدس، وما أنشأه الروح في الكنيسة من حالة فقر إخـتـيـاري وتوزيع الثروات وحـيـاة الشركة على أعلى ما تكون الشركة في المحبة والهناء والمسرة ، وكانت هذه صـورة ساطعة لمعنى ملكوت السموات الذي جاء المسيح ليؤسسه بين الناس وعلى الأرض بالمستوى المحسوس والمنظور .

+ « وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له بل كان عندهم كل شيء مشتركاً. وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ، ونعمة عظيمة كانت على جميعهم . » . » (أع4: 32و33)
+ «وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون . » (أع2: 46و47).

ولكن عن طريق الأكل والشرب دخل أول شقاق وكان من جهة اليونانيين :

+ « وفي تلك الأيام إذ تكاثر التلاميذ حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين أن أراملهم كن يغفل عنهن في الخدمة اليومية … فاختاروا إستفانوس رجلاً مملوءاً من الإيمان والروح القدس وفـيـلـبـس و … و …. فـكـانـوا يـرجمـون إسـتـفـانـوس وهـو يدعو ويقول أيها الرب يسوع اقبل  روحي … فالذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة . » (أع6: 1و5 ، 7: 59 ، 8: 4)

وها هو ق. بولس يدخل مرة أخرى في المشكلة عينها، ولكن هذه المرة يأتي الشقاق والقلق من جهة اليهود المتنصرين، إذ كان يجرح ضميرهم كل يوم وسط باقي المسيحيين الأمميين حينما كانوا يتناولون أطعمة نجسة أمامهم غير عابئين بآلامهم النفسية، وكان الشقاق وشيكاً.

وبعد عالج ق. بولس المشكلة رفع القضية من مستوى الأكل والشرب إلى مستوى ملكوت الله الذي كان على الكنيسة أن تعيشه وتحققه في العالم شهادة للمسيح، وركز مفهوم الملكوت على البر والسلام والـفـرح : فعوض الأكل والشرب الذي انشغلت به كنيسة روما ، نبه ذهنهم أن القضية في مبدئها ومنتهاها هي قضية ملكوت الله المؤسس على «البر»، الذي منحه الله مجاناً بالمسيح يسوع، والذي نلنا به الفداء والمصالحة والتبني وحق الميراث المعد، وعلى السلام الذي وهبنا الله لنعيشه : «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله» (رو5: 1)، وعلى فرح الروح القدس الذي يرفع عنا أثقال وهموم العالم الحاضر وأتعاب الجسد وأوجاعه ويلهب قلوبنا للمحبة والصلاة والتسبيح مع الشكر.

والرب يسوع المسيح كان أول من سبق ومهد لهذا كله وبكل وضوح النعمة :

+ «لا تـهـتـمـوا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس … لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم . » (مت6: 31-33)

البر: + « طوبي للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون » ؛
السلام : + «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون » ؛
الفرح : + «افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات . » (مت5: 6و9و12)

المسيح أخذ على عهدته أننا إذا اهتممنا بملكوت الله وبره المجاني فلن يتركنا نجوع أبدأ أو نعطش أبدأ إلا إلى البر، هذا وعد الرب .

لقد جربه كثير من القديسين بصورة واقعية وارتموا عليه بكل كيانهم يطلبون ملكوت الله وبره في أعـمـاق الـبـراري والجبال، فأرسل لهم قوتهم ولبسهم. وها هو إيليا وهو في كربه لم يهتم بأكله وشربه وسار أربعين يوماً في البرية طالباً وجه الرب ، ولكن أسعفته الملائكة بالأكل والماء في الطريق مرتين ( 1مل19: 4-8) !! والأمثلة قديماً وحديثاً صادقة وناطقة بصدق وعد الرب .

وإن كانت حاجة الجسد هي إلى طعام، فحاجة النفس هي إلى سلام، وحاجة الروح إلى فرح، والله وعد وأكمل الوعد أن بره سيتكفل بكل أعواز الإنسان لا على الأرض فقط بل وفي السماء . هذا هو ملكوته كما عرفناه، بل أقول كما ذقناه، هذا هو شغلنا الشاغل الذي ولدنا الله ثانية خصيصاً له، وألهلنا لميراثه، وأعطانا عربونه بالروح الناطق في قلوبنا .

مشاكل الكنيسة بحسب غرور هذا العالم كانت كفيلة بأن تفتتها منذ أن اقتناها الرب بالروح يـوم الخمسين وحتى إلى اليوم، ولكن عناصر الملكوت حية وفعالة ذات ركائز قوية ومضيئة في نفوس أتـقـيـائـه ، موزعة على كل الأرض وعلى مدى الزمان، كفيلة أن تصد جحافل الظلمة لكي لا تقوى عليها أبواب الجحيم ! هذا وعد !! (مت 18:16)

18:14 «لأن من خدم المسيح في هذه فهو مرضي عند الله ومزكى عند الناس »

. «لأن»:  توضح أن ما هو آت هو توضيح أكثر لما فات ومبني عليه .

‏ «لأن من خدم المسيح في هذه » : ـ في هذا – ἐν τούτῳ

ربما في هذا تكون أصح لأنها تأتي باليونانية في حالة المفرد المحايد أي في موضوع ملكوت الله بما يحويه من عناصر أساسية : بر وفرح وسلام في الروح القدس، وتحتاج فعلاً لمن يخدم فيها أو يخدمها لحساب المسيح .

أما «خـدمـة البر»: فتعني خدمة بر الله الذي أظهر بظهور المسيح واستعلن في موته وقيامته ، فخدمة البر تعني خدمة الفداء والتجديد والصلح والتبني والميراث ، أي خدمة استعلان الخلاص الذي أكمله المسيح وذلك باستيعاب مفاعيله بالروح في ملء الحياة ثم تسليمها للآخرين على مـسـتـوى الـروح . فهذه هي خدمة الملكوت بالدرجة الأولى ، نخلص نحن ونمتد بخلاصنا لخلاص الآخرين ، هذا يكون لحساب المسيح ، فبالروح نأخذ منه ونخبر لتأسيس الإيمان، فالإيمان بالخبر.

أما « خدمة السلام»: فتعني أن ننفتح وبلا مانع على الآخرين لأننا « إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح » (رو5: 1). فهذا السلام هو الثمرة الأولى لبر الله الممنوح للإنسان، « وثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام» (یع3: 18). فنحن إذ نلتا برا وحزنا على السلام نصير زراع سلام ، نزرعه أينما سرنا وأينما حللنا، وأفعال السلام تنمو في القلب وتـسـكـن الـكـيـان وتحرك المشاعر من مجرد إلقاء السلام إن كان بمؤازرة النعمة : «قهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني» (لو1: 44). وقول الرب ضمين لوصول السلام لكل من سمعه باسم الرب وكان مستحقاً : « وحين تدخلون البيت سلموا عليه . فإن كان البيت مستحقا فليأت سلامكم عليه، ولكن إن لم يكن مستحقاً فليرجع سلامكم إليكم » ( مت10: 12و13). الـرسـل كـانـوا أول موزعين لسلام المسيح على بيوت وقلوب الناس. وهكذا زرع السلام على أرض شقاء الإنسان ونبت وصنع أثماراً تليق بملكوت الله .

أما « خدمة الفرح في الروح » فتقوم في شركة المحبة حيث يحل الروح القدس في القلوب و يصير فرح الله آية ملكوت الله داخلنا ، وفرح ينشىء فرحاً : «افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجـده أيـضـاً مبتهجين» (1بط 4: 13). وربما في جميع أنواع الخدمات التي بالروح ليس ما يساوي إدخال الفرح في قلوب البائسين واليائسين ممن أضنكتهم الخطية، حينما يشرق في قلوبهم وجه المسيح ، فتزول الكآبة ويزول الحزن والتنهد ويملك الفرح ويقيم : «سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم . » (يو16: 22)

ق. بولس يحـول أنظار المنشغلين بهموم الأكل والعثرات إلى هم حمل نير المسيح الهين وحمله الحقيف ، للبشارة بملكوت البر والسلام والفرح في الروح القدس .

«مرضي عند الله ومزكي عند الناس » :

لا يـوجـد عـمل في الأرض طرا يكون مرضياً عند الله ومزكى عند الناس إلا خدمة ملكوت الله وحمل نير المسيح : « والفاهمون يضيئون كضياء الجلد والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور. » (دا12: 3)

19:14 «فلنعكف إذاً على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض» .

«إذا »:

تأتي في اليونانية في بداية الآية لتعطي الكلام ضرورة وحتمية بناء على ما فات ، بمعنى : لأن ملكوت الله ليس أكلاً وشرباً بل هو بر وفرح وسلام في الروح القدس، وأن من خدم المسيح في هذه فهو مرضي عند الله ومزكى عند الناس ، إذا فلنعكف .

«فلنعكف إذا على ما هو للسلام» : سبق وأن شرحناها في الآية (رو12: 13) وهي تعني السعي وراء واقتفاء الأثر والملاحقة . واضح أن هذا السعي لصنع السلام وزرعه في النفوس، خاصة تلك المتعبة، وإدخال السرور والبهجة في قلوبهم هو عمل « ملكوتي » ، هو بناء لملكوت الله في نفوس أولاد الله . وهذا عكس ما تعانيه الكنيسة من الشقاق والتوتر بسبب اختلاف الأفكار والظنون فيما هو صالح للأكل وغير صالح، أو ما يشرب وما لا يشرب ، أو ما يعمل وما لا يعمل، الأمر الذي يجرح ضمائر الضعفاء ويؤذي بـنـيـانـهـم الـروحي، وقد يهلك نفوسهم بسبب الحزن والشعور بالمعاداة والعزلة . إذا فصنع السلام لـبـنـيـان الـنـفـوس هو العمل الإيجابي المفروض فرضاً كقانون رسولي حتى نتلافى الأعمال والأقوال السلبية الضارة. لذلك يضع الرسول بولس كلمة «نعكف» التي تعطي معنى السعي الحثيث خلف السلام .

« وما هو للبنيان »:

في الحقيقة لا تُفهم هذه الكلمة إلا بسابقتها أي بالسعي الدائم وراء السلام، فهذا هو عامل البناء الحقيقي للنفوس المتعبة، فالسلام عنصر بنائي، ويعقوب الرسول يضع هذا الكلام في آية مـنـيـرة رائـدة : « وثـمـر البر، يزرع في السلام من الذين يعملون السلام» (یع3: 18). فالنفس بانيها هو الله وحده، «فبر الله» الذي انسكب علينا بالفداء والمصالحة التي أكملها لنا المسيح مع الآب هو هو العنصر الأساسي للطبيعة الجديدة للنفس البشرية المولودة الله بالإيمان بالمعمودية وبكلمة الله الحيـة وبـقـيـامة الرب يسوع المسيح من الأموات . هذا «البر» له ثمار كثيرة هي عناصر النمو التي تحتاجها النفس، وكلها هامة، ولكن يعتبر السلام الذي يملك على النفس والقلب والفكر هو الجو الروحي الذي تنمو فيه النفس وتتقبل كل مفاعیل بر الله لتثمر في النفس .  لذلك نسمع  النغمة اللذيذة المريحة للنفس في سفر الأعمال عن الكنيسة كيف كانت تُبنى في سلام : «أما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام، وكانت تبنى وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر» (أع9: 31). ويلاحظ هنا أن الكنائس كان لها سلام أولاً، لذلك كانت تُبنى، أما التكاثر فكان بعزاء الروح القدس الذي كان ينتشر بين الناس كعـبـيـق رائحة المسيح الذكية في الذين يخلصون . بهذا نرى السلام بالنسبة للكنيسة هو كأساس عميق يترسب في النفس فيجعل كل تعليم وكل قيادة ناجحة وتأتي بثمارها .

والخادم المسيحي المرتشد بالروح القدس يعرف كيف تنجح خدمته بتأسيس السلام النفسي والروحي بين المؤمنين أولا وقبل كل شيء، لأنه لن يستطيع أن يبني النفوس إلا إذا ملأها السلام أولاً، وذلك برفع كـل مـصـادر القلق والشك والانقسام وأن يصالح النفس مع النفس أولاً، أي يصالح كل نفس مع نفسها، وحينئذ يستطيع أن يصالح النفس مع النفوس الأخرى . ومرة أخرى نود لو ينتبه القارىء لمعنى كلمة «يعكف على ما هو للسلام» كما جاءت باليونانية فهي :

السعي الحثيث والمتابعة وراء السلام في كل بيت ، في كل اجتماع، مع كل نفس، واثقاً ومتأكداً مـن دعـاء ق. بولس لـكـل خـادم في الكنيسة : « وإله السلام سيسحق الشيطان (شيطان الفرقة والانقسام والخصام) تحت أرجـلـكـم سريعاً» (رو16: 20)، بل ودعاء المسيح نفسه: «طوبی لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون . » (مت5: 9)

[ 14: 20 -23 ] العمل أو التصرف بضمير مرتاب يحسب ضد الإيمان وهو خطية . العمل أو التصرف الذي يسيء إلى ضمير غيري يحسب ضد الإيمان وهو خطية . العمل أو التصرف بدون ارتياب وبحسب الإيمان يحسب نعمة. «طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه »

20:14 «لا تنفض لأجـل الطعام عـمـل الله. كل الأشياء طاهرة لكنه شر للإنسان الذي يأكل بعثرة».

«لا تنقض»:  في مقابل ما هو للبنيان  (آية 19 ):

الهدم هنا في مقابل البناء في الآية السالفة، لذلك تجيء هذه الآية لا كأنها عودة إلى تعاليم ما قـبـل الآية (19) الـتـي أعـطـت ختام التعاليم على مستوى المعيار اللاهوتي الإيماني، ولكن تأتي تأكيداً للآية (19) السالفة، بمعنى : “اعكف على ما هو للسلام والبنيان منتبها إلى الأسباب التي توقف البناء وتهدم السلام جملة وتفصيلاً». وإن كان ق. بولس يعطي هنا مشكلة الطعام التي سبق أن شرح أسبابها وعلاجها ، ولكن يليق هنا أن نضع كل أسباب الهدم التي تنتهي كلها بإحزان الـنـفـس وجـرح ضميرها وإشعارها بالعزلة والازدراء. فكل ضربة تصيب النفس البشرية كفيلة بأن توقف عمل الله بالنسبة للنفس التي مات المسيح لأجلها .

«عمل الله»:

واضح أنه إذا كان الأكل والشرب وما يتأتى منهما من معثرة وشقاق ودينونة وازدراء هو «عمل الإنسان»، «فعمل الله» هو الذي سبق وحدده ق . بولس في الآية السابقة : «فلنعكف إذا على ما هو للسلام وما هو للبنيان»، بمعنى لا نضحي بالسلام و بنيان النفس بسبب تدقيقنا فيما يؤكل وفيما لا يؤكل، لأن كل عمل الإنسان الذي من تدبير الإنسان لا يأتي من وراثه إلا الهدم ، أما عمل الله فلا يتأتى من وراثه إلا البنيان. والقديس بولس يضع العثرة الهادمة في مقابل السلام الباني .

«كل الأشياء طاهرة » :

‏ ليس شيء نجساً (آية 14).

الترجمة العربية أسقطت  وهي تفيد «حقاً» Indeed . وهنا ق. بولس يعطي نفس التأكيد السالف الذي قاله بالنسبة للنجس. « إني عالم ومتيقن في الرب يسوع ـ أن ليس شيء نجساً بذاته إلا من يحسب شيئاً نجساً فله هو نجس» (رو14: 14). هنا يؤكد ق . بولس ما قاله عن النجس في الآية (14) بـصـورة إيجابية بالنسبة للطاهر. كل الأشياء ـ حقاً ـ طاهرة، في مقابل ليس شيء نجساً. هنا يبلغ جمال المنطق وحبك المعنى ودقة التصوير منتهاه !!!

وكما حدث استثناء في الآية (14): « إلا من يحسب شيئاً نجساً فله هو نجس»، هكذا يجيء الاستثناء هنا : «لكنه شر للإنسان الذي يأكل بعثرة» .

فكما أن ليس شيء نجساً بذاته إلا الذي يحسبه نجساً فيصير له نجساً، هكذا الطاهر فكل شيء حقاً طاهر إلا الذي يأكل الطاهر بضمير مرتاب فيصير الأكل له شرا، أو الذي يأكل الطاهر أمام الـيـهـودي الذي يحسبه نجساً، فيعير أخاه ، فيصير أكله شرا أيضاً. لأن «العثرة» هنا في هذه الآية تأتي بمعنى هو يصير معتراً، أو يصير معيراً، أي الذي يأكل الطاهر بضمير مرتاب ليرضي الأممي ويعير نفسه هو، أو اليهودي المتنصر الضعيف الإيمان. والأممي الذي يأكل أمام اليهودي المتنصر أكـلا يـعـتـقـد أنه طاهر فيكون طاهراً فعلاً لنفسه بينما هو في الحقيقة ليس طاهراً لليهودي المتنصر، فيغيره .

هذا يوضح لنا الحرج المتبادل بين اليهود والأمم في بداية نشأة الكنيسة، ولكن للأسف والحزن الشـديـد لا يزال هذا بنفسه حادثاً الآن بالنسبة للكنائس التي تأكل والكنائس التي لا تأكل والـعـثـرة نفسها قائمة والدينونة نفسها قائمة، والازدراء نفسه قائم والفرقة نفسها قائمة والسلام بين الكنائس منزوع والهدم قائم بنشاط . والقديس بولس يستصرخ ضمير هذا وذاك : «لا تنقضوا عمل الله » : البر والسلام والفرح في الروح القدس !!

14: 21 «حسن أن لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ولا شيئاً يصطدم به أخوك أو يغتر أو يضعف».

ولو أن ق. بولس يستحسن أن لا يأكل الإنسان لحماً أو يشرب خمراً أمام الإنسان الضعيف الإيمان فـيـعـثـره، ولكنه في الحقيقة يعطي أمرأ رسولياً لازم التنفيذ لأن عدم تنفيذه يعود باللوم على مستوى ارتكاب خطيئة، لأن في إعثار الآخرين خطر هلاك النفس الذي يتحمل الإنسان المسيحي وزره. إذا فأسلوب ق. بولس هو المتلاطف فقط ، ولكن الحقيقة الإيمانية ليس فيها أية ملاطفة . لأن ق. بولس قالها مرة: إنك بهذا تهلك إنساناً مات المسيح لأجله ، فأي لطف في مثل هذا العمل ؟

أما لماذا صـار هذا الأمر خطيراً إلى هذا الحد، فذلك لأن سر عمل الفداء الذي أكمله المسيح بموته كان “قـضـده أن ينتهي عند أن يجعل الاثنين واحداً، اليهود والأمم !! اسمع الآيات التي يـسـيـل منهـا الـدم: «لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ( اليهود والأمم ) ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق (من) الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قـاتـلا الـعـداوة به . فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين . لأن به كلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب . » (أف2: 14-18)

انظر كيف أن عمل الفداء ينتهي بأن يجعل اليهودي والأممي واحداً، هذه هي ثمرة الصليب . فكيف أنت أيها الأممي بعد أن نلت هذا الإحسان العظيم أن تتصالح مع أخيك في دم المسيح بعد عداوة دهرية، تعود وتهلكه بسبب حريتك التي أخذتها من المسيح ؟

وق. بولس يعبر عن ذلك بأكثر توعية وتحذير في قوله : « انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء، لأنه إن رآك أحد (من اليهود المسيحيين) يا من له علم (إتساع إدراك أن الأوثان خرافة ولا قيمة لها) متكئاً في هيكل وثن أفلا يتقوى ضميره (غشأ ) إذ هو ضعيف حتى يأكل ما ذبح للأوثان ( وهو مرتاب ) فيهلك ( بسبب ارتيابه الذي يحسب له عدم إيمان) بسبب علمك (حريتك ) الأخ الضعيف الذي مات المسيح من أجله ؟ وهكذا إذ تخطئون إلى الإخوة ( الضعفاء مهما كانوا ) وتجـرحـون ضميرهم الضعيف تخطئون إلى المسيح. لذلك إن كان طعام يغير أخي فلن أكل لحماً إلى الأبد لئلا أعثر أخي . » ( 1کو8: 9-13)

وقفة قصيرة

عزيزي القارىء، انظر ماذا صنع المسيح أولاً لكي نكون جميعاً واحداً في الإيمان وفي الجسد الـواحـد، ثم انظر كيف يقدر بولس الرسول قيمة الوحدة في الجسد الواحد أي الكنيسة، حتى جعل عدم إعـثـار الآخـريـن عنصراً هاماً في الإيمان المسيحي، بل انظر كيف في النهاية قطع على نفسه ، وهو في الحقيقة يقطع علينا، أنه لكي أربح خلاص أخي في المسيح يمكن أن أصوم أو نصوم كلنا عن الشيء الذي يعثرهم ولا نذوقه إلى الأبد!!!

ثـم تـعـال بنـا ننظر سوياً إلى ما آل إليه حالنا ، كيف تمزقنا وصار كل فريق يقترف الإعثارقصداً وبلا حساب و بلا نهاية، الواحد للآخر فتخرج الضمائر وتحزن النفوس وتهلك الأرواح ، والمسيح يرى ويسمع !!

14: 22 «ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله. طوبى لمن لا يدين نفسه في ما يستحسنه » .

هنا يجدر بنا أن نرجع للقاعدة العامة التي يستند إليها ق. بولس في هذه الآية : « فإني أقول بالنعمة المعطاة لي (هنا أمر رسولي عالي ) لكل من هو بينكم ( أمر عام يسري على الجميع بلا استثناء) أن لا يـرتـثـي فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتثي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان . » (رو12: 3)

إذاً، فالإيمان لا يسلم للجميع بمقياس واحد أو برؤية واحدة أو باتساع واحد أو بقوة واحدة . فالله بحسب سبق معرفته بالإنسان ماذا هو وماذا سيكون ، يمتحه قسطاً من الإيمان يتوافق مع جميع إمـكـانـيـاتـه وضـعـفـاتـه وطموحاته ومسئولياته !! فأصبح الإيمان لدى كل إنسان خاصاً به وحده لا يعرضه على الناس للتباهي ولا يفرضه على الناس متجاهلاً إمكانياتهم .

ق. بولس هنا يحذر الأقوياء الذين انفتحت عليهم طاقات معرفة الروح وأدركوا اتساع فكر الله والمسيح وصار لهم إيمان قوي لا يهتم بصغائر الأمور الزمنية، يحذرهم من أن يستعرضوا إيمانهم أمام الضعفاء في الإيمان ويعملوا أشياء تجزع منها ضمائرهم .

يـكـفـي أقـويـاء الإيمان أن يفرحوا بإيمانهم أمام الله . ويقول ق. بولس أنهم حقاً هم سعداء بإيمانهم وضمائرهم التي تطهرت من الأعمال الميتة، ولكن ليكن لهم إيمانهم هذا فيما بين أنفسهم والله .

ولكن يا ويله إذا هو ارتاب ولكن إن كان حقاً “طوبى لمن لا يدين وضغط على ضميره ونفذ ما لا يرتاح إليه ضميره أمام الله .

هنا خـطـورة القدوة : الأب بالنسبة للأسرة، وقدوة الأخ الأكبر بالنسبة لإخوته ، والأم بالنسبة لبناتها، والمدرس والمدرسة بالنسبة لصغارهم ، والخادم مع تلاميذه. لا تفرض إيمانك على الضعيف ، لا تعير الآخرين بحريتك، لا ترغم الضعفاء أن يعملوا ما لا يؤمنون به أو يتصرفوا بغير ما ترتضي به ضـمـائـرهـم . احترم ضعف الناس، واحترم ضمائرهم المعثرة، تمش مع الأضعف ولا ترهقه بسعة إيمانك وحريتك، ولا تأت عملاً قط يوجع ضمائر غير المدربين على الحرية .

23:14« وأما الذي يرتاب فإن أكل يدان لأن ذلك ليس من الإيمان. وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية» .

« وأما الذي يرتاب » :

يرتاب في مقابل يستحسن وضـعـان مـتـقـابـلان : الأول : على مستوى القوة في الإيمان المسيحي وحريته : « طوبى لمن لا یدین نفسه فيما يستحسنه »

الثاني: «الذي يرتاب إن أكـل يـدان»، على مـسـتـوى الـضـعـف في الإيمان ومحدودية الإحساس بالحرية .

السؤال : لماذا ؟ ونحن وإن كنا قد جاوبنا على هذا من زوايا عديدة ولكن هنا ينبغي أن نوضح أن الإنسان الذي يتصرف ضد ضميره بل وضد قياس إيمانه الذي قشطه الله له بالعدل ولكل واحد حسب حاجته للخلاص ليكون كفيلاً بخلاصه ، يكون بذلك قد خرب ميزان خلاصه بيده . لأنه إن تعارض الضمير مع العمل فسيصرخ الضمير يوم الدين شاكياً صاحبه ومحتجاً، وسيكون ضميره أداة دينونته.

ق. بولس يريد منا أن تكون ضمائرنا صاحية على مستوى إيماننا الذي أعطانا الله . القديس بولس يرى أن ندرب ضمائرنا لتقوى وتتسيطر وتسود على المشيئة المهتزة والإرادة التي تتنازل وتنهار أمام الإغراء أو التهديد ـ كشرب الخمر أو ما يماثله ـ لابد أن يقف الضمير مستأسداً ضد الغواية فيقطع دابر الارتياب من أول خطوة، فلا يتنازل الإنسان ويمد يده للأكل أو الشرب أو يعمل أي شيء يـكـون الـضـمير غير موافق عليه . هنا الذي يرتاب وبالرغم من ذلك يأكل أو يعمل أي عمل يـكـون قـد أمـسـك بـه مـن شهوته وانحنت نفسه فيه تحت غواية الموقف أو تحت رهبته . هنا سقوط الضمير وخسارة النفس وانحصار الإيمان .

 ق. بولس يوصينا أن لا نأكل أو نشرب أو نعمل أي عمل إلا إذا كانت ضمائرنا واثقة متيقنة من صحة موقفها إزاء الإيمان الموهوب لنا بحجم خلاصنا ، فإذا أكلنا أو شربنا يكون ذلك عن صحة إيمان ورضى ضمير، وليس مجاراة للشهوة أو خضوعاً لإرادة الآخرين، وإلا فالرفض يلزم أن يـكـون جاهزاً مهما كان من ضيق أو حرمان أو الظهور بمظهر الضعفاء أو حتى الموسوسين، فمرحباً بالضعف والوسوسة مع راحة الضمير وسلامة الإيمان ورضى الله .

وينبغي أن نعرف ـ على مستوى صحة النفس ـ أن الذي لا يعمل عملاً إلا إذا استحسنه ضميره وآزره إيمانه عن ثقة فهذا الإنسان هو السعيد نفسياً والطوباوي روحياً.

  1.  الإيـبـيـونـيـون :  وترجمة اسمهم بالعبرية هو «فقراء الناس » . وهم شيعة يهودية مسيحية تنصرت في القرن الأول وانتشرت في شرق الأردن على الأخص . وهؤلاء الـزمـوا بنـامـوس موسى ، وغالوا في ذلك . وكانوا يستخدمون ما كان يسمى العبرانيين وهو أحد الأناجيل غير القانونية التي لم تعترف بها الكنيسة، ويقال أنه يشبه إلى حد كبير إنجيل القديس متى، ويسمي العلماء الحديثون هذا الإنجيل ( الذي كانوا يستخدمونه ) بإنجيل الإيبيونيين . وقد ظلت هذه الشيعة خارجة عن مسار المسيحية . وقد سلك الإيبيونيون مسلكاً نسكياً صارماً وكانوا لا يعترفون برسائل القديس بولس . ويربط العلامة حيروم بين هذه الجماعة و بين شيعة ما كان يسمى « النصارى » Nazarenes في استخدامهم لإنجيل العبرانيين. 
  2. كما تعتقد أن جماعة الثيرابيوتا الذين عاشوا حول بحيرة مربوط انحدروا من هذه البذرة، وهم أول من تقبل المسيحية من فم مرقس الرسول وهو في طريقه من القيروان (بليبيا) إلى مصر عن طريق ساحل الإسكندرية. 
  3.  يقول القديس ذهبي الفم في شرحه لرسالة رومية على هذا الموضوع : [فإن هذا الشيء نفسه ( الأكل وعدم الأكل) لا يتعلق بالأساسيات ( الإيمان). إذا الحاجة هي أن يعمل الإنسان هذا أو ذاك من أجل الله، وأن ينتهي هذا وذاك بالشكر الله.]
  4.  ظلت الكنيسة القبطية تكرم السبت والأحد، ولا يزال إلى الآن بقايا ذلك ، فللسبت تكريم خاص في الكنيسة القبطية في الطقس والقراءات والأصوام ، فلا يصام فيه لأنه «عيد» ولا يقدم فيه السجود بنوع النسك . وظلت الكنيسة تقيم في عشية السبت صابح الأحـد قـداسـاً خاصاً اسـمـه عـشاء الرب ، وذلك حتى القرن الرابع على الأقل (أنظر كتاب : « الإفخارستيا والقداس » ، للمؤلف ، ص 340 و473).

تفسير رومية 13 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 15
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى