تفسير رسالة رومية اصحاح 2 للأنبا أثناسيوس مطران بني سويف

1 – لا فائدة من العناد 2: 1-29

لا تدينوا 2: 1 يتكلم الناس بعضهم على البعض ، و ينتـقـدون أعمال الغير متجاهلين أخطاءهم هم . معتمدين على اختفائها عن الغير ، أو ملتمسين لأنفسهم الأعذار بينما لا يرون عذراً لغيرهم فيما يرتكب عيون من أخطاء

.. قال الرب في العظة على الجبل و لا تدينوا كـيـلا تدانوا . لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون . » ( مت7: 1) وتدرجت تلك العظة بالبدء بوضع صـورة داخلية للإنسان العارف بالرب . فذكرت أنه منسحق الروح ، وديع ، محتمل ، صانع سلام .. إلى آخر 5: 1-12 ، ثم بينت أن هذا الإنسان نور في العالم ، وملح في المجتمع ، ثم تعمقت إلى المعاني الروحية وراء الوصايا الناموسية وهكذا عرضت للداخل الصالح قبل كل شئ . وبعد ذلك عرضت للعبادة من صدقة وصلاة وصوم . وفي النهاية أوصت بالابتعاد عن الدينونة . فبعد كل ما ورد عن داخل الإنسان وخارجه ، ودوره في الحياة وأسلوبه في العبادة أوصته بعدم الدينونة.

فهنا في الرسالة إلى رومـيـة ، بين الوحى شـر القلوب ، وحذر من تجاهل الشر الذاتي و طالب بعدم إدانة الغير . ولذلك تقول الرسالة “لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك ، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها”(2: 1).

اللـه يحاسبنا 2:2-11 . الله يتمهل علينا لكي نرجع لأنفسنا ونتوب  ولكن محاسبته دقيقة ورهيبة « من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت دون رأفة . فكم عقابا أشر تظنون أنه يحسب مستحقا من داس ابن الله ، وحسب دم العهد الجديد الذي قدس به دنسا وازدری بروح النعمة » ( عب10: 28- 29) .

 حدث بعد ان اسـتـقـرت الأمور لداود الملك ، أنه تكبـر وطلب أن يحصى الشعب ليظهـر كـيـان الدولة بين جـيـرانـهـا. ولم يعجب الرب هذا الدافع فأرسل إليه جاد النبي ، وعرض عليه أن يختار بنفسه واحدة من ثلاث ضربات . فرد داود « قد ضاق بي الأمر جـداً . فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط في يد إنسان » (2صم24: 14) فالله يطيل أناته علينا لنتوب ، وعلينا ألا نستهين بذلك « مخيف هو الوقوع في يد الله الحي ) ( عب10: 31) .

 

والله سيجازی دون محاباة « أنا أجازى يقول الرب وأيضاً الرب . یدین شعبه » ( عب1: 10 ) فالذين يعملون الصلاح والصابرون يعطيهم الحياة الأبدية والمجد والكرامة ( رو2: 7، 10 ) والذين لا يطيـعـون الحق ينالون عقابا ( رو2: 8).

الناموس الطبيعي والناموس الموحى به رو2: 12-29

سبق أن بينا أن الله وضع في الانسان العقل والحس أو الضمير . وهنا يقـول “الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس ، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهــــم .. ” (2: 14-15) . ولكن فلنتأمل هل الضمير يساعد على إدراك السليم الفاسد أم أنه يعطى الخلاص . لا شك أنه لا يعطى الخلاص لئلا يظن أحد أن الذين يرفضون الخلاص يحاسبون حسب ضمائرهم . فالكلام هنا عن المقارنة بين شريعة موسى والشريعة الطبيعية في القلوب ، وكلاهما يؤدب ولا يعطى الخلاص . وقد ظهرت عند بعض اللاهوتيين أخيراً نعرة أن غالبية الناس في غير المسيحيين لا يتبينون طريق الرب ، وأنما تحركهم ضمائرهم وأفكارهم ويعملون الصلاح بدوافع خفية من الله . وهذه تصورات تخيلية تعتم طريق الخلاص المحدد ، و تجعله مساوياً للضمير وتخلق غنوسية جديدة.

إنجيلي 2: 16 أورد الرسول بولس كلمة « إنجيلي » ثلاث مرات في رسائله « في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح » ( رو2: 16) . ومرة ثانية في خاتمة الرسالة « للقادر 16: 27 أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح إعلان السر الذي كـان مكتـومـاً في الأزمنة الأزلية . ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبــــــــوية » ( 16: 25-26 ) والثـالثـة في الرسالة الثـانيـة لـتـيـمـوثاوس « إذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود حسب إنجيلي الذي فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب » (2تی2: 8 ).

وقـد سـبـق الكلام عن تكليف الله للرسول بولس بالكرازة بين الأمم ( أنظر فصل « المسئولية الخاصة ، ( ص18-22 ) ولما كانت كلمة أنجيل تعني البشري المفرحة ، فأن هذه البشرى البهيجة ينقلها الرسول بولس للأمم حسب أمر الله له « أذهب فأني سأرسلك إلى الأمم بعيدا » (أع22: 21) ويسميها بشارته المفرحة . وكان اليهود يظنون أن المسيا يأتيهم وحدهم الله قد ركز الشريعة والتعليم في اليهود لكي يكونوا شعباً مستعداً . وكان لقبوله إلى أن يتم أداء فعل الخلاص ويقدمه لجميع الأمم . فكان ذلك شبه سر محفوظ لحين أعلانه العام . فتكليف الرب للرسول بولس يعتبر کشفا لذلك السر وتبشيراً بالخلاص للبعيدين . فبين المرات الكثيرة التي أشار فيها الرسول لتلك المسئولية نذكر أمثلة مثل قوله لأهل أفسس « أنا بولس أسير المسيح يسوع لأجلكم أيها الأمم إن كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لى لأجلكم ، أنه بأعـلان عـرفني بالسر …. أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال مـوعـده في المسيح بالأنجيل » ( أف3: 1ـ6 ) ويقـول لأهل كولوسى « تدبير الله المعطى لي لأجلكم لتتميم كلمة الله ، السر المكتوم منذ الدهور … لكنه الآن قد أظهر لقديسيه …. مجد هذا السر في الأمم منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة لكي نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع » ( کو25-28 ) وقوله لتيطس د الكرازة التي اؤتمت أنا عليها » ( تی1: 3 ) ولتيموثاوس « حسب إنجيل مجد الله المبارك الذي اؤتمنت أنا عليه » ( 1تی1: 11) .

ختان القلب بالروح2: 17-19

جعل الله ختان الجسد علامة تبعية المؤمن الله إذ قال لابراهيم « هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم …. يختن منكم كل ذكر ، فتختنون في لحم غرلتكم ، فيكون علامة عهد بيني وبينكم . ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر » ( تك 17: 10 – 12) وكان الختان علامة جسدية بطلت لأنها لا تكفى للصلاح « لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهودياً ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً ، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي ، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله » ( رو2: 28-29) وعلى أي حال فالختان قد بطل في المسيحية « فاثبتوا في الحرية التي حررنا المسيح بها إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة » ( غل5: 2-6 ) وكان الختان فريضة جسدية ، أما المعمودية فهي سر تقديس وصارت بداية الأفعال السرية التي يتحد بها المؤمن مع فعل الخلاص ( أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلهـا لكـى يقدسهـا مطـهراً إياها بغسل الماء بالكلمة ، ( أف5: 25-26) وكقول معلمنا بطرس الرسول مقارنا بين خلاص نوح وأهله في الفلك المحاط بالماء من كل ناحية والمعمـودية « الفلك …. الذي فيه خلص قليلون أى ثمـانيـة أنفس بالماء الذي مـثـاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية ، لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح ، (1بط3: 20-21 ) ويقـول الـرسـول بولس أيضـاً عن المسيح ، فأنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا .. وبه أيضاً ختنتم ختاناً غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح ، مدفونين به في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه بأيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات ، ( کو2: 9-12)

تفسير رومية 1 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 3

الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف

تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى