تفسير رسالة رومية أصحاح 2 للاب متى المسكين

الأصحاح الثاني
حالة اليهود

صحيح أن هذا الأصحـاح مـصـوب ناحية اليهودي، ولكن ق. بولس يستهله بتهمة خاطفة يـوجـهـهـا نحو القارىء نفسه والسامع الذي مر بذهنه هو أيضاً على سلسلة الخطايا التي ذكرها هنا مشمئزاً متململاً ناقداً ساخطاً على هؤلاء المنحرفين والساقطين في وحل الخطايا ؛ ويبتدره : يا من تـديـن هؤلاء، انتبه ، لأنك فيما تدين غيرك تحكم بآن واحد على نفسك لأنك تفعل هذه الخطايا بعينها، فالذي لم يزن ولكن نظر بشهوة إلى أمرأة فإنه يحسب بالقلب زانياً، فكيف تفلت من غضب الله ؟ والذي أخطأ في واحدة من الوصايا فقد أخطأ في الكل. فالخطية هي خطية سمها قاتل، شربت منه القليل أو الكثير !! « فماذا نقول ؟ » (رو٥:٣).

تـقـول ، ولكن كان يوجد بالعالم آنذاك ألوف من الحكماء الأخلاقيين  كالفيلسوف الأخلاقي ، زيـنـون وأتباعه كل جماعة الرواقيين الفضلاء، والحكيم سينكا، وجماعة أخناتون بمصر، ونساك الهند وغيرها، وجماعة العباد الأسينيين باليهودية، والثرابيوتا بمريوط بمصر. والرد على ذلك : ليس من يعرف الصلاح بصالح، وليس من يحفظ الناموس ناموسيا يكون، ولا من يمتنع عن فعل الشر بار، ولـيـس لمن يشاء ولا لمن يسعى. «الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحـد» (رو۱۲:۳)، «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله » (رو۲۳:۳)، «الله أغلق على الجميع معاً في العصيان لكي يرحم الجميع » (رو۱۱ : ۳۲). والذي أخطأ في الناموس بالناموس يدان، والناموس لم يبرر أحداً، والذي أخطأ بدون الناموس بدون الناموس يهلك ، لأن غاية الناموس هي المسيح للبر، لأن الخلاص هو من اليهود ، «ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات . » (مت۲۱:۷)

[ ۱۱-۱:۲ ] معيار محاكمة اليهود

۱:۲ « لذلك أنت بلا عذر ـ أيها الإنسان ـ كل من يدين لأنك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها » .

نلاحظ هنا التعميم في الوقوع تحت الدينونة بالقول «كل من يدين» . تماماً كما عممها ق. بولس في الأصحاح الأول : غضب الله على «جميع فجور الناس ».

وكما يقع الأممي تحت دينونة اليهود فيما يقع فيه من فجور ،
كذلك يقع اليهودي تحت دينونة الأممي فيما يقع فيه بنفس الفجور: «لأن اسم الله يحذف عليه بسببكم بين الأمم.» (رو٢٤:٢)

كذلك كما رفع ق . بـولـس الـعـذر عـن الأمـم فـيـمـا يفجرون: « … حتى إنهم بلا عذر»،(۲۰:۱)

هكذا يرفع ق. بولس العذر عن اليهود فيما يدينون : “أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين” (۱:۲).

وهكذا يحاصر ق. بولس الأمم واليهود حتى لا يفلت أحد مما صنع ، ومما أغضب الله به . إن أوضح شرح لهذه الآية نقرأه في إنجيل ق. لوقا من كلام المسيح :

+ « وقال لـقـوم واثقين بأنفسهم أنهم أبرار ويحتقرون الآخرين هذا المثل : إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا واحد فريسي والآخر عشار، أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا: اللهم أنا أشكرك إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين في الأسبوع وأعشر كل ما أقتنيه، وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء ، بل قرع على صدره قائلاً : اللهم ارحمني أنا الخاطىء. أقول لكم : إن هذا نزل إلى بيته مبرراً دون ذاك . » (لو۱۸ : ۹-۱۳)

كذلك ق. بولس نفسه يقدم شرحاً لهذه الآية عينها بعد ذلك بوضوح ما بعده وضوح في الآيات من (١٧-٢٤) من نفس الأصحاح .

يلاحظ في هذه الآية أنها موجهة للإنسان كل من كان ـ « كل من يدين » ـ دون تحديد لهوية أو فئة أو جنس، فهنا قانون قضائي عام يحاكم به الإنسان أمام الله وضميره والآخرين أيضاً ، دون تمييز أو أي عذر. وهذا يذكرنا بقول المسيح للذين أدانوا المرأة الخاطئة وحكموا عليها بالرجم بحسب الـنـامـوس : «من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر» (يو۷:۸)، فكانت النتيجة أنـهـم خـرجـوا جميعاً من حضرة الرب ، أي استقالوا كقضاة، إذ يتحتم على القاضي الذي يحكم في خطية ما أن لا يكون هو متهماً بها. ومن أجل هذا القانون عينه أصبح المسيح هو الديان الوحيد للأحياء والأموات لأنه كان بلا خطية ، كما أصبح هو الشفيع الوحيد عن خطايا العالم كله لأنه حمل خطية العالم كله !

ولـكـن ينبغي أن ننبه ذهن القارىء أن القصد الأساسي من هذه الآية وما بعدها ليس هو . الـديـنـونة، فهنا لسنا بصدد تعليم عن الدينونة ـ بل إن قصد بولس هو أن يكشف عن أن الإنسان ـ أي إنسان ـ وبـالأكثر اليهودي ، هو متهم بحد ذاته بأنه يفعل مثل هذه الخطايا ـ بنوع ما ـ لو هو دقق في الضمير و بالفكر وراجع نفسه على ضوء حق الله .

والذي يزيد من ثقل دينونة الذين يدينون الآخرين ويحصرهم تحت الغضب أكثر من الآخرين هو السؤال : على أي أساس تدينون ؟ فهم يدينون على أساس معرفتهم الصحيحة بالحق والحياة الفاضلة ودقائق عدل الله !! لذلك عندما ينكشف أنهم يفعلون تلك الأمور عينها ومع أن عندهم مثل هذه الموازين ، تصبح خطيتهم أعظم !!

من هنا يأتي سر الكلمة الأولى في الآية : « لذلك»، فهي تعقيب خطير على ما سلف؛ لماذا ؟ لأن كل الخطايا التي ذكرها ق. بولس في الأصحاح الأول تقوم أصلاً على المعرفة القليلة التي يستشفها الإنسان الأممي الطبيعي من مظاهر الخلقة، وما يستعلنه الله له في الوعي الروحي العام . إذاً، فما بالك بالذي يدين هذه الخطايا على أساس علم أكثر ومعرفة أدق بالله و بوصاياه ثم هو يعملها ؟؟

ونـحـن نضعها أمام القارىء متصلة هكذا : « الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان ( العارف أكثر بأحكام الله ) … إذ تفعل تلك الأمور عينها » .

وهنا نبدي تعجبنا واندهاشنا من الشراح الذين قالوا بعدم لزومية كلمة «لذلك» وأسقطوها من الشرح !!

والذي نخرج به من هذه الآية عموماً أن ق. بولس يستحدث خطية جديدة تماماً يسقط فيها الإنسان عـامـة واليهودي خاصة، وهي التعامي عن خطاياه وعدم فرزها في الضمير وطرحها أمام الله ، مثل ذلك العشار الحاذق الذي سرق بر الله من الفريسي ، فنزل إلى بيته الأبدي مبرراً، بينما انـحـدر الـفـريسي إلى ديـنـونـة القضاء. ففوق جميع الخطايا وأخطر من جميع الخطايا هو التعامي عن الخطايا وإخفاؤها في طيات الضمير دون عرضها أو التعرض لها ، وكأنما يحفظها الإنسان ليحاكم بها أمام الله يوم الدينونة : «لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما لحكم علينا» (۱کو۳۱:۱۱). هنا قيمة التوبة، هنا قيمة الاعتراف بالخطايا .

۲:۲ « ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه » .

ق. بولس هنا يطرح قضية مسلماً بها ، وهي أن الله حق ويقضي بالحق، والحق في كل قضية تعرض عليه تحـمـلـه القضية في طياتها . فالقديس بولس لا يلمح على الناموس ولا على أي نظام قضائي آخر؛ بـل يـسـجـل حـقـيـقة قائمة يعلمها الجميع ويعلمها الضمير: «الذين يظهرون عمل الناموس (بدون الناموس) مكتوباً في قلوبهم شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة . » (رو٢ : ١٥)

إذاً، فـديـنـونـة الله على مـن يـفـعـلون هذه الخطايا هي بمقتضى الحق الإلهي الذي لا تتدخل فيه اعـتـبـارات من جهة اختلافات الناس. فاليهودي كالأممي أمام الحق، والحكم بمقتضى الحق يرضاه الجميع بلا احتجاج «نحن نعلم » .

۳:۲ «أفـتـظـنّ هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله » ؟

السؤال هنا استنكاري ويركز عليه ق. بولس بنوع من التشهير والتهكم على كل من يستثني نفسه من حكم الله وهو يفعل مثل هذه الخطايا ، متذرعاً بانتمائه إلى إبراهيم أو الناموس. وهنا ق . بولس يردد ما قاله المعمدان : «ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً، لأني أقول لكم : إن الله قادر أن يـقـيـم مـن هذه الحجارة ( القلوب الحجرية التي للأمم ) أولاداً لإبراهيم . والآن قد وضعت الفـأس على أصل الشجـر فـكـل شـجـرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. » (مت۹:۳ و۱۰)

يلاحظ هنا أن ق. بولس يكرر طرح السؤال على « الإنسان» عامة، ولكنه يتخذ من اليهودي مثالاً واضحاً. ولكن الكلام يسري على كل إنسان، فلا اعتبارات خاصة يمكن أن تستثني أي إنسان من دينونة الله ، لأنها بحسب الحق وليس في الحق استثناء.

٤:٢ «أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة» .

خطران محدقان بك أيها الإنسان، كنت من كنت :
الخطر الأول: أن تستثني نفسك من دينونة الله لأي . كان، إن كنت تفعل مثل هذه الخطايا ، كما جاءت في الآية السابقة .

الخطر الثاني: أن تستخف برحمة الله وصبره على الخطاة، كونه لا ينزل بهم العقاب في هذا الدهر علناً، كما جاء في هذه الآية .

ثلاث صفات طبيعية في الله على أعظم مستوى من الخير والرحمة يتعامل بها الله مع الخطاة في هذا الـعـالـم يـلـزم أن نضعها في الاعتبار جداً، وإلا تتحول ضدنا إلى مزيد من الغضب ومزيد من قسوة في الدينونة العتيدة .

اللطف وهو الشفقة، وإمهاله (احتماله) ، وطول أناته.

فمعاملات الله مع الخاطيء (دون أن يلتفت أو ينتبه هو) غاية في الرقة والحنو، ويطيل أناته بصبر فائق عليه ليتوب ، يحاصره بكل عوامل النصح والتوجيه ، وأحياناً التأديب الحاني ، لعله يلتفت إلى هذه الرقة والحنان فيتحسّم ويتوب . ولكن ليس إلى النهاية ، ففي وقت ما ، لا يعلمه الخاطىء ، تنتهي فترة السماح الممنوحة له، ويدخل في دور رفع العناية ويا لها من مصيبة !

هنا ق. بولس يصرخ في وجه الخاطيء المستمرىء للطف الله ولطول أناته ويقول له : انتبه فهذا اللطف وهذا الصبر وطول الأناة سيحسب ضدك ، فلا تهينها بالاستمرار في خطيتك، فهي ليست لتستغلها لحساب الشيطان، هي فقط لحساب توبتك .

إن مصيبة الإنسان ـ الخاطيء الذي أشفق الله عليه برحمته وأدخله في غنى لطفه ـ أن ينسى أن لهذه النعم والمـراحـم والألطاف مطالب وحقوقاً عند الإنسان، وهي التوبة طبعاً , فإذا تغاضى الإنسـان عـن مـطـالـبهـا وحـقـوقـهـا واستمرأ خيرية الله بالاستمرار في غيه دون الاعتبار لاستيفاء الواجبات المفروضة عليه ثمناً لهذه النعم، فإن غنى لطف الله وإمهاله وطول أناته تتحول إلى شهادة ضده في يوم الدينونة وإلى عوامل للندم أشد قسوة من خطاياه .

لاحظ هنا أن ق. بولس لا يعظ الإنسان ولا يقود الرجل اليهودي إلى التوبة ؛ بل يخاطب الخاطيء الذي لا يريد أن يتوب واليهودي بالتالي الذي يستهتر بمراحم وغنى ألطاف الله عليه في الماضي الـطـويـل ولا يريد أن يتعظ، ويواجه مثل ذلك الإنسان بقوله : « غير عالم»، أي كأنك تتجاهل حقيقة معاملات الله معك، لذلك فالعقوبة فادحة .

۵:۲ « ولـكـنـك مـن أجـل قـسـاوتـك وقـلـبـك غـيـر التائب، تذخر لنفسك غضباً في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة» .

يومان في حياة الإنسان :

يوم هو الآن المحسوب أنـه يـوم الخلاص : « هوذا الآن يوم خلاص» (٢ کو٦ : ٢)، حيث الخلاص معد في كل لحظة والمعونة حاضرة والصلاة مسموعة والقبول حاضر: «في وقت مقبول سمعتك ، وفي يوم خلاص أغلتك ، هوذا الآن وقت مقبول ، هوذا الآن يوم خلاص . » ( ٢ كو٦ : ٢)

أما اليوم الثاني : فهو للذي فاته اليوم الأول، وهو يوم الغضب الذي ينتظر القساة غير التائبين ؛ حيث يقول فيه النبي : «ذلك اليوم يوم سخط ، يوم ضيق وشدة، يوم خراب ودمار، يوم ظلام وقـتـام ، يـوم سـحاب وضباب ، يوم بوق وهتاف … وأضايق الناس فيمشون كالعمي لأنهم أخطأوا إلى الرب . … » (صف۱ : ۱۰-۱۷) هذا اليوم صوره ق. بولس في (۱۸:1): «غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم » .

وهنا يسرع ق. بولس ويتحدث عن الفرصة المعروضة اليوم، يوم اللطف والإمهال وطول الأناة ، يوم التوبة والركب المنحنية، الذي سيرفع ويحل محله الغضب المعلن والدينونة المعدة.

ق. بولس يسمي إهمال حقوق الله الآن وتسويف العمر باطلاً وتأجيل التوبة، والهروب من الصلاة ومـواجـهـة الـنـفـس، يسمّيها «قساوة » = oxinpornta ، أما الكلمة اليونانية فيعرفها أصحاب ضغط الدم العالي فهي التصلب ( = سكلروزيس) الذي يصيب الشرايين، هكذا الذين لا يلينون أمام لطف الله ، فالحياة تفقد صحتها والقلب يتقسى !

والـقـديـس بـولـس بالتعبير اليوناني يشرح أن القساوة تتراكم يوماً بعد يوم، خطية بعد خطية ، فـتـنـمـو الـقـسـاوة وتزداد وكأنما الإنسان يذخر  الغضب في وعاء قلبه غير التائب ويحفظه بعناية ليستعلن يوم الدينونة ، يوم الغضب . هنا لا يفوتنا أن ق. بولس يتكلم مع اليهود المـشـهـوريـن بـقـساوة القلب وغلظ ( قساوة) الرقبة : « طول النهار بسطت يدي إلى شعب معاند ومقاوم . » (رو۲۱:۱۰)

«يوم الغضب » : 

يـوم يـنـتـهي تاريخ لطف الله مع الخطاة ويتوقف طول أناته ، يوم يقفل باب التوبة ، يوم ينتهي الوقت المقـبـول ويـوم الخلاص المفتوح خصيصاً لحساب الخطاة، حيث يقفل التاريخ آخر صفحاته ويـتـوقف عمله ويفقد وجوده ومعناه !! حيث اللطيف الطويل الأناة على الخطاة يعلن نفسه الديان! ولـكـن أي غـضـب هذا الذي يحمله اللطيف الطويل الأناة إلا غضب الحق الذي إذ يسمعه المدان يـقـول نـعـم آمين أنا المستحق لغضب الله . لأنها دينونة العادل وقضاء العدالة التي استوفت كل ما يمكن أن تستوفيه من إعطاء الفرص والتغاضي عن المماطلة أياماً وشهوراً وسنينا دون جدوى ، لقد أطالت العـدالـة كـل مـا عـنـدهـا مـن طـول الأناة، لذلك أسماها ق. بولس الدينونة العادلة في كلمة واحدة، حيث الحكم بمقتضى الأعمال وكأن الأعمال هي التي ستدين صاحبها .

2: 6 -11 «الذي سيجازي كـل واحـد بحسب  أعماله، أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الأبدية ، وأما الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون  للحق بل يطاوعون للإثم فسخط وغضب، شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشرة اليهودي أولاً ثـم الـيـونـاني، ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح، اليهودي أولا ثم اليوناني، لأن ليس عند الله محاباة» .

وذلك هذه الآيات أربكت لاهوتيي البروتستانت وحاولوا ما أمكن إيجاد الحلول لها دون جدوى ، المشكلة اللاهوتية التي خلقها البروتستانت لأنفسهم وهي وضع الإيمان والأعمال في مضادة، وذلك تأثراً من جحد ق . بولس لأعمال الناموس كأن تكون الأعمال في الناموس وسيلة للتبرير، فعمّموا عجز الأعمال حتى في الصلاح وفي المسيح .

ولـكـن ق. بولس في هذه الآيات لا يقارن بين الإيمان والأعمال ، بل يتعامل مع الأعمال ، وحـدهـا على أساس الصالح منها وغير الصالح ، حيث الذين يعملون الصلاح وضعهم في جانب الذين يطاوعون الحق أي الله، وأما الذين لا يعملون الصلاح فأسماهم أهل التحزب الذين يطاوعون الإثم .

على أن الجزاء لهذا وذاك لا يقع في هذا الزمان ، بل التصفية والحساب يكون يوم «دينونة الله العادلة» والتي سيجازي فيها كل واحد حسب أعماله .

وحل المشكلة التي واجهت اللاهوتيين يكون كالآتي : أن الأعمال الصالحة التي سيجازي عنها الله الـذيـن يـعـمـلـونها بصبر طالبين المجد والكرامة يستحيل أن يكون قد نجح في عملها إلا الـصـالحـون المـؤمـنـون الذين بلغ الإيمان عندهم مستوى الشركة مع المسيح، أي نالوا بر الله بالإيمان بالمسيح .

أما السؤال بعد ذلك : لماذا امتنع ق. بولس عن ذكر الإيمان والبر بالمرة في هذه الآيات ؟ الجواب : لأن ق. بولس بصدد محاكمة «أعمال الفجور» عند الذين تجاهلوا الله ، الذين استحسنوا أن لا يبقوا الله في معرفتهم فرفعت عنهم العناية، وبهذا أسلموا إلى غرائزهم وشهواتهم ليفعلوا ما لا يـلـيـق. فالقديس بولس لكي يرفع محاكمة الله في الدينونة إلى مستوى العدل، ولكي يدين بالعدل أعمال هؤلاء ـ الذين طاوعوا الإثم ـ كان لزاماً عليه أن يضع في المقابل أعمال الصلاح التي أتمّها الصالحون الذين طاوعوا الحق .

فالإيمان هنا مستتر ويقابله عند الذين هم من أهل التحزب جحدهم للحق والله أي جحدهم للإيمان، أيضاً في وضعه المستتر.

وهـكـذا يـكـون سر عمل الصلاح هو الإيمان، وسر عمل الإثم هو ترك الله . فهنا تزكية العمل الصالح هي هي تزكية الإيمان، وفضح عمل الإثم هو فضح ترك الله .

ولكي نوضح الأمر أكثر نقول إن الإيمان له عمل صالح حتماً وإن عدم الإيمان ليس له إلا عمل الباطل قسراً. فالصالحون يرحبون بالدينونة لأن: «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع . » (رو۱:۸)

لذلك، فـالـديـنـونـة حسب الأعمال ستزكي المؤمنين الأمناء الذين سبق الله فأعد لهم أعمالاً صالحة ليسلكوا فيها ، ولكن لغير المؤمنين فأعمالهم تتبعهم لقضاء الدينونة.

أما نتيجة المحاكمة في يوم الدينونة فأوردها ق. بولس هكذا : بالنسبة لعمال الصلاح الذين أتموا الصـلاح بـالـصـبـر طـالـبين المجد والكرامة فسيجازيهم الله بالحياة الأبدية مع مجد وكرامة وسلام .

بالنسبة لأهل التحزب الذين أثاروا الشقاق والتحزب فسيجازيهم الله بالسخط والغضب مع الشدة والضيق .

وهكذا يتحقق أن ليس عند الله محاباة. فعمل كل واحد يحدد مجازاته .

وإصرار ق. بولس دائماً على تقديم اليهودي على اليوناني سواء في عمل الصلاح أو في عمل الشقاق ثم في المجازاة عن هذا وذاك ، فسببه واضح :

أما في الصلاح فاليهود هم أصحاب فضل لأن الخلاص من اليهود ،
أما في السخط والضيق فاليهود نصيبهم أوفر لأنهم أخذوا امتيازات المعرفة أكثر !!

ولكن لينتبه القارىء ! فالقديس بولس ليس هنا بصدد عمل مقارنة بين الصالح وغير الصالح ، أو يـنـتـحـي ناحية العظة لكي يفضل عمل الصلاح أو يذم عمل الإثم، ولكن قصد ق. بولس منذ البدء هو فرز الذين انصدوا عن معرفة الله وآثروا تجاهله لإشباع شهواتهم ، وهو هنا يريد أن يسوقهم إلى يوم الدينونة تحت الغضب وإنما على أساس الحفاظ على عدالة الله ، لذلك أقحم الذين لهم أعمال صالحة لكي ـ فقـط ـ يكشف أن أعـمـال الـفـجـور والإثم لا عذر لها !! أنت بلا عذر أيها الإنسان !! لأن إزاء الشر الذي تعمله يوجد من يعمل الصلاح ، فأي عذر لك ؟

[ ١٢:٢-١٦ ] إمتلاكهم الناموس لم يميزهم

۱۲:۲ «لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان» .

«لأن» هنا تشرح ما سبق، فالأصحاح الأول كله يحكي بإحكام أن: «كل من أخـطـأ بـدون الـنـامـوس يهلك » ، وكل ما جاء في الأصحاح الثاني حتی الآن يحكي أن أصحاب الـنـامـوس لا يـزكـيـهـم الـنـامـوس بـل يدينهم ، فالناموس أي التوراة بجملتها لا تحمي حاملها من الغضب الآتي، ولـكـن الـذي يزكيه ويحميه من الغضب هو الأعمال الصالحة. لأن الدينونة لن تـكـون على أساس الـنـامـوس بـل على أساس الأعمال سواء بالناموس أو خارج الناموس سيان . وهكذا بالصدق والحق صارت الدينونة عادلة إذ سيتساوى فيها من كان له ناموس ومن لم يكن له ناموس، فالعمل الصالح يزكيه والعمل الشرير يدينه ، ولا كرامة للناموس ولا لحامل الناموس.

لأن قيمة الناموس الوحيدة هي أنه يدين العمل الشرير.

وسوف يوضح ق. بولس أن الأممي أعطي ضميراً له قدرة الشكاية والإحتجاج على صاحبه أيضاً.

وهنا يتساوى اليهودي والأممي أمام الاتهام، الأول من الناموس والثاني من الضمير.

۱۳:۲ «لأن ليـس الـذيـن يـسـمـعـون الناموس (كل سبت) هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون » .

واضح هنا أن الـنـامـوس بحد ذاته كعطية وهبت لليهود لا تبررهم ، ولكن الله هو الذي يبرر بالعمل الصالح. إذاً، إن فعل الأممي عملاً صالحاً ، فالله يبرره بدون الناموس .

١٤:٢ «لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم » .

أي كما أن الذي يخطىء بدون الناموس فيدون الناموس يهلك، كذلك كل من يفعل ما في الناموس « وهو بدون الناموس» فبدون الناموس يحيا بالعمل الصالح الذي عمل. والمثل في ذلك واضح في كرنيليوس : «فقال كرنيليوس (أممي): منذ أربعة أيام إلى هذه الساعة كنت صائماً وفي الساعة التاسعة كنت أصلي في بيتي وإذا رجل قد وقف أمامي بلباس لامع وقال : يا كرنيليوس سمعت صلاتك وذكرت صدقاتك أمام الله . » (أع 10: 30و31)

وكان تعليق ق. بطرس الذي أعلن له من السماء أن لا يقول عن إنسان ما إنه دنس أو نجس هكذا: «ففتح بطرس فاه وقال بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده . » (أع 10: 34و35)

15:2 «الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم ( الناموس غير المكتوب الذي وهبه الله لضمير كل إنسان) شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية (على عمل الإثم) أو محتجة ( الأصح عاذرة) » .

ق. بولس لا يـقـول إن هناك ناموساً طبيعياً عاماً، ولكن يقول إن كل إنسان أعطي من الله ضـمـيـراً قادراً أن يـقـود ويحـكـم ويدين ويشهد على صاحبه بمستوى الناموس المكتوب . وقصد ق . بولس ليس التقليل من شأن الناموس الموسوي المكتوب ، بل إدخال الأمم تحت عامل إلهي يدين كـمـا يـديـن الـنـاموس كل يهودي . كذلك كل أممي له ما يدينه من قبل الله وهو ضميره ، والقصد النهائي أن دينونة الله عادلة سواء عندما يبرر بالعمل الصالح بالناموس أو بدون الناموس، أو يدين بالناموس أو بدون الناموس .

وعلى القارىء أن يـتـذكـر أن الآباء الأول القديسين إبراهيم وإسحق ويعقوب وكل من جاء بعـدهـم حتـى مـوسى ، كـانـوا يعيشون بالناموس المكتوب في قلوبهم ، تقودهم ضمائرهم ، وكانت أعـمـالهـم الصالحة تشهد على صدق وقوة وسمو هذا الناموس غير المكتوب القادر أن يحفظهم في حمى القدير ورضاه .

وحـيـنـمـا يقول ق. بولس : «شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة (الأصح عاذرة)»، فهـو يـبـرز عاملين في أعماق الإنسان ـ الضمير والأفكار ـ يشهدان على أعـمـالـه وأفكاره، يقفان معاً في صف الله يوم الدينونة، بحيث تأتي الدينونة ولها في داخل الإنسان مـؤيـدان لا يخفي عنهما شيء، وهكذا تصبح دينونة الإنسان عدلاً منتهى العدل بل يتقبلها الإنسان عن اقتناع وقناعة، التي يعبر عنها ق. بولس بالقول : « لكي يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله .» (رو۱۹:۳).

وكم يكون الشكر لله من أجل حفاظ الله على صوته داخل الضمير، ذلك الرسول الإلهي الذي لم تستطع قوى الشر أن تحطمه ، فهو باقي ما بقي الإنسان ، يحكي للإنسان في كل لحظة عن موقعه من الله، يشهد ضده محتجاً عند الخطأ، ويشهد معه لتزكية الفعل الصالح الذي يعمله .

١٦:٢ «في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح».

إذا لـن تـكـون الـديـنـونة بمقتضى الناموس بل بإنجيل المسيح ، حيث المسيح هو الديان للأحياء والأموات .

هنا ق. بولس في خـتـام تـصـويـره لخطايا الناس ومدى عدم فاعلية الناموس المقروء في أمور الـديـنـونـة وعـلـو شأن الأعمال فوق الأقوال ودخول الضمير كأحد شهود العيان عند الدينونة لضمان عدالة القضاء، حينئذ جاء الإعلان عن شخصية الديان والقانون الذي بمقتضاه تتم الدينونة . فطالما الإنـجـيـل هـو الـقـاعـدة الأساسية التي ستتم بها الدينونة فحتما يكون صاحب الإنجيل هو الذي سيضطلع بأعمال الدينونة. وهنا إيضاح ضمني بالمجيء الثاني للمسيح الذي ينص عليه إنجيل بولس .

واحـتـيـاط ق. بولس في تحديد الضمير كرسول عن الديان سبق الله واستودعه كعضو أساسي في خلقة الإنسان الروحية، جعل إدخال الذين بلا ناموس تحت دينونة الديان هو عمل شرعي ليقف الـوثـنـي بـجـوار اليهودي جنباً إلى جنب تحت عدالة القضاء بنفس بنود القضاء. وإذ قد أوضح ق . بولس أن الـديـنـونـة ستكون بمقتضى الأعمال ، وأن الإنسان أي إنسان لا الأعمال الصالحة ، يعدم أصبح لا فضل للذين لهم الناموس عن الذين ليس لهم ناموس، كما أصبحت الدينونة عن الأعمال الـشـريـرة مسلماً بها، حيث يقف الناموس شاهداً على الذين في الناموس، بينما يشهد الضمير على الذين بلا ناموس .

ولكن طالما قال ق. بولس إن إنجيل المسيح هو الذي سيكون القاعدة للدينونة العتيدة ، فحتماً يـدخـل عـنصر الإيمان والـتـبـريـر فـوق الأعمال ، معها و بدونها ، كعنصر أساسي سيعود ق . بولس لـيـوضحه في أصحاحات قادمة. ولكن دخول الإيمان والتبرير بالإيمان في شأن الدينونة لا يغير شيئاً من واقع الـديـنـونة بحسب الأعمال التي قد تحتمت منذ البدء. ولكن سوف نرى أن دخول عنصر الـتـبـريـر بالإيمان في الدينونة إنما سيزكي الأعمال الصالحة، دون أن ينسخ شيئاً من دينونة الأعمال الشريرة .

«یدین الله سرائر الناس » :

تـوجـد أعـمـال ظاهرة وتوجد أعمال غير ظاهرة، كما توجد أعمال صالحة وأخرى شريرة. هنا ديـنـونـة الله ستتغلغل إلى ما هو في داخل نية الإنسان وفكره وضميره بجوار ما ظهر من الأعمال ، فالدينونة تشمل كل كيان الإنسان . هنا تصحيح لفكر اليهود أن الدينونة تكون على ظاهر الأعمال فقط، ولكن الله يهمه الخفي قبل الظاهر، لأن الظاهر لا يشرح الإنسان بقدر ما يشرحه الداخل . الإنسان تغزه المظاهر ويحكم بمقتضاها، وحكمه يكون غير عادل تماماً ، أما الله فلا تغره المظاهر ولا يـأخـذ بـالـوجـوه لأنه يكشف أعماق الإنسان ويعرف ما بداخل الإنسان، فهو إذا حكم يحكم من الواقع الكلي الذي يحيط بالإنسان من الخارج والداخل : « إذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله . » (1كو4: 5)

وديـنـونـة الله تـشـمـل خفايا الظلام وآراء القلوب ، فبقدر ما ستكون في صف الأعمال الصالحة تكشف عن أعماقها ودوافعها ، بقدر ما ستزيد الضوء على الأعمال الشريرة لتفضح دوافعها ، لذلك فهي لازمة من لوازم عدل الدينونة وإضافة جليلة لإبراز عدل القاضي ومدى صلاحيته المذهلة إذ له مثل هذه القدرة على كشف مخبئات الضمائر والقلوب والنيات ، تمجد ذلك الديان تعالى وتبارك ! ولـكـن كـم مـن أعـمال شريرة ظهرت بشرها المستطير وأدانها الناس أشر إدانة سيخلى ساحة أصحابها أية إدانة عندما يكتشف القدير عدم ثبوت نية الشربل و وضوح نية الخير أو عجز الإنسان عن إدراك ما فيه من شر : «يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك ؟ … فقال لها يسوع ولا أنا أدينك اذهبي ولا تخطئي أيضاً . » (يو۸ : ۱۰و۱۱)

ولا يستطيع أحد أن يـقـول بمحاباة الله كديان عندما يقف المسيحي بضميره المستنير بالروح الـقـدس والذي بلغ أعلى درجات الاستنارة والحساسية مع غير المسيحي الذي لا يضيء ضميره إلا بـصـيـص نـور خـافت أتاه الله له من فضله ، لأن الضمير المستنير سيكون حسابه جد عسير، فبقدر ما أخذ وزنات سيطالب، أما الذي لم يوهب إلا القليل فلن يطلب منه إلا القليل. وقضاء على هذا المستوى لهـو قـضـاء عـادل أشد العدل. هذا هو الذي يريد أن ينتهي إليه ق. بولس قبل أن يـدخـل في عـمـل بـر الله بالإيمان بيسوع المسيح ، حيث ينفتح على الإنسان مجال الخلاص العجيب حيث تفتخر الرحمة فوق العدل ، ويتعالى بر الله فوق العمل البشري !

[ ١٧:٢-٢٤ ] كيف تعدى اليهود على الناموس لليهود أيضاً !!

« الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله »

 

۱۷:۲-٢٤ «هوذا أنت تسمى يهودياً وتتكل على الناموس وتفتخر بالله ،
وتعرف مشيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلماً من الناموس ،
وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة ،
ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس ،
فأنت إذا الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك؟
الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق؟
الذي تقول أن لا يزني أتزني؟
الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل ؟
الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله ؟
لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب » .

قبل أن نـدخـل مع ق. بولس في كشف عيوب اليهود على ضوء سلوكهم تجاه الناموس حتى يظهر مدى الإخفاق الهائل الذي مني به اليهود في انتفاعهم بالتوراة والناموس ومعرفة الله ، يليق بنا أولاً أن نأخذ فـكـرة عن رأي المسيح فيهم بخصوص هذا الأمر. ونحن هنا نجمع بعض ما قاله المسيح في مواقف متعددة دون ترتيب ليتبين لنا أن الروح الذي كتب به ق. بولس عن اليهود في كل رسائله إن هو إلا رجع لرأي الله نفسه !

أقوال المسيح عن سلوك اليهود
تجاه التوراة والناموس

بخصوص المعرفة :

«ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم . » ( لو١١ : ٥٢)
«على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه
فـاحـفـظـوه وافـعـلـوه ولـكـن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون . » ( مت ۲۳ : ۲ و۳)

« اتـر کـوهـم هم عميان قادة عميان وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة . » (مت 14:15)

بخصوص الأعمال:

«ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة . » (مت ٢٣ : ٢٥)
«ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل
نجاسة . » (مت ۲۷:۲۳)
«هكذا أنـتـم أيضاً من خارج تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً. » ( مت ۲۳ : ۲۸)
« ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والـكـمـون وتـركـتـم أثـقـل الـنـامـوس الحق والرحمة والإيمان . » (مت ۲۳ : ۲۳).
«أيها القادة الـعـمـيـان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل . »
(مت٢٤:٢٣)
« ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولعلة تطيلون صلواتكم ، لذلك تأخذون دينونة أعظم . » ( مت ٢٣ : ١٤) «ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لـتـكـسـبـوا دخـيـلاً واحداً، ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم
مضاعفاً . » (مت ٢٣ : ١٥)
«بيتـي بـيـت الـصـلاة يدعى وأنـتـم جـعـلـتـمـوه مـغارة لصوص. » (مت13:21)

« لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم … أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا . » (يو8 : 39و44)
«كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدأ بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه . » ( يو5: 44)

واضح من شهادة المسيح الواقعية بخصوص معرفة اليهود وأعمالهم أنهم أخفقوا إخفاقاً عظيماً في الانـتـفـاع مـن الـتـوراة والـنـامـوس. لقد حولوهما إلى مصدر ربح مادي ، واستغلال للشعب ، وسرقة ونهب. وجعلوا الناموس ستارة ، يختفون وراءها ليعملوا كل الموبقات الأخلاقية، واتخذوا الناموس سلماً يصعدون عليه للكبرياء وتعظيم الذات وتقبل التحيات والكرامات والمجد! وفي كلمة أخيرة قالها لهم المسيح تشمل كل سيرتهم ، أنهم حولوا بيت الله الذي للصلاة بيت تجارة ومغارة لصوص . شبههم المسيح بأجراء في كرم الله نهبوا الكرم ورفضوا أن يعطوا الله صاحبه حقه ، ثم تحولوا إلى ابن صاحب الكرم وقتلوه ليستقلوا بالكرم ـ أي الناموس ـ ليعمل لحسابهم مباشرة دون الرجعةالله ! و يا الله !!

هنا نأتي للقديس بولس لنستمع منه كيف يشرح ما شرحه المسيح من وجهة نظره إنما بالروح ، علماً بأن ق. بولس لم يقرأ ولم يعلم شيئاً مما قاله المسيح هنا لأن الأناجيل كتبت بعد رسائل ق . بولس بأكثر من عشر سنوات .

رأينا في كل ما سبق كيف أدخل ق. بولس الكل تحت الدينونة، فجاراً وأثمة وإباحيين ومـتـمـردين وكل أصناف المتمرغين في كل أنواع الخطايا ، ومعهم على خط سواء المتعاظمين بعلمهم فلاسفة وحـكـمـاء والـذيـن يـتعالون بفضائلهم ويدينون الآخرين وهم في الخفاء صانعو نفس التعدي ونفس الإثم .

والآن يلتفت ق. بولس إلى اليهود لا من مركز الناقد الحاقد ولكن من موقف الذي كان مثلهم وأكثر، ولكن يتكلم ويعلم ويحذر ويبشر كمن رحمه الرب : « الذين نحن أيضاً جميعاً تصرفنا قبلاً بينهم في شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً . » (أف٢: ٣)

۱۷:۲ و ۱۸ «هوذا أنت تسمى يهوديا وتتكل على الناموس وتفتخر بالله وتعرف مشيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلماً من الناموس» .

كان اسم اليهودي يثير في نفس صاحبه الكبرياء والاعتداد بالذات [ اللهم أشكرك لأنك لم تخلقني امرأة ولا أممياً ] . فصفة اليهودي تعني أنه فوق الأمم والعالم، والأقرب إلى الله ، مختون ، مطهر، ابـن إبـراهـيـم ، صاحب الوعد والأرض والمذخر له الدهر الآتي بخيراته . حسناً. والكلمة : « تسمى “یهودیا » أي الملقب كلقب فخري .

« وتتكل على الناموس » :

ق. بولس هنا يكشف إحدى خصائص الفكر اليهودي المضللة أنه بمجرد أن يسمع اليهودي الـنـامـوس يـقـرأ يـوم السبت يعتبر نفسه أنه حائز على رضا الله ، الأمر الذي شجبه ق. بولس سابقاً بقوله: «لأن ليـس الـذيـن يـسـمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون» (رو13:2). والمسيح كشف هذا الرجاء الكاذب ـ على موسى ـ الذي اتكل عليه الـيـهـود: «لا تـظـنـوا أنـي أشـكـوكـم إلى الآب يـوجـد الـذي يـشـكـوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم . » (يو5: 45)

والمسيح حينما قال لتلاميذه : « أنتم أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به» (يو15: 3)، كـان تـصـحيحاً لما ظنه اليهود في سماع التوراة وحسب ، هذا الذي ينقده ق . يعقوب الجليل بين الرسل : « ولكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم» (یع۲۲:۱). وشتان بين كلام المسيح والناموس، لأن كلام المسيح بحسب تعليم المسيح هو «روح وحياة» (يو6: 63)، وهـو بـحسب بطرس: «كلام الحياة الأبدية عندك » (يو6 : 68)، ورحم يولد منه الإنسان جديداً : « مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد. » (۱بط ۱: ۲۳)

« وتفتخر بالله » :

كان اليهودي يعتد بين الأمم بعبادته الله الواحد، فكان الله موضع افتخاره ، حسناً . ويلاحظ أن ق. بولس يستخدم كلمة «يفتخر» بصورة نقدية شديدة ليفرق دائماً بين ما هو حق في العبادة ومـا هـو غش وخداع. والأسلوب مأخوذ من إرميا النبي : « هكذا قال الرب : لا يـفـتـخـرن الحـكـيـم بحكمته ، ولا يفتخر الجبار بجبروته ، ولا يفتخر الغني بغناه ؛ بل بهذا ليفتخرن المـفـتـخـر بـأنـه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض لأني بهذا أسر، يقول الرب . » ( إر5: 23و24)

« وتعرف مشيئته » : 

في أسلوب ق. بولس اللاهوتي يستخدم كلمة « المشيئة » بالصيغة المطلقة لتعبر عن مشيئة الله دون ذكر كلمة «الله»، فهي في اليونانية هكذا : « وتفتخر بالله وتعرف المشيئة …» بمعنى الخبرة في معرفة مشيئة الله .

« وتميز الأمور المتخالفة » :

وقد جاءت عند ق. بولس في رسالة فيلبي : « حتى تميزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلصين وبلا عثرة …» (في1: 10). ويقصد قضايا الدين والإفتاء فيها عن دراسة .

متعلماً من الناموس:

هنا «متعلماً» تأتي فعلا مـتـصـرفاً (المشتقة منها كلمة «كاتشيزم Catechism » المعروفة ـ أي كتاب التعليم الديني)، لأن المعرفة الناموسية كانت مقررة وموضوعة في كتب للحفظ عن ظهر قلب .

۱۹:۲ و۲۰ « وتـثـق أنـك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس » .

هذه الآية مربوطة بالسابقة ومترتبة عليها ، فالذي أتقن كاتشيزم الناموس يصبح قائداً للعميان أي الجهلة، ونوراً للذين في الظلمة أي الأمم، ومهذباً للأغبياء أي المتعوقين في العلم، ومعلماً للأطفال أي مدرس في المجمع لفصول الصغار ـ حسنا .

وأخـيـراً يفرغ افتخار اليهودي وثقته من أصالة هذه المعرفة في الحق فينعتها بأنها مجرد صورة بغير جسد وتصور ليس له أساس ، بقوله : « ولك صورة العلم والحق في الناموس » .

« صورة » : 

« صـورة » هنا جاءت لـيـس بوصفها صورة طبيعية صحيحة أي شكل واضح ولكن صورة مشوهة من الصورة الطبيعية التي نسميها مجرد كاريكاتير أو ملامح بالقلم . كل هذا وكأن ق. بـولـس يـقـول في كل هذا جيد وحسن، ولكن … وهنا ينقلب على هذه الصفات عينها ويجعلها مصدر ملامة وأس المصيبة :

۲۲ ۲۱:۲ «فأنت إذا الذي تعلم غيرك ألست تعلم نفسك؟ الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق؟ الذي تقول أن لا يزني أتزني ؟ الذي تستكرة الأوثان أتسرق الهياكل ؟ » .

فالعلم الذي حصلته لم تنتفع به لنفسك، علمت غيرك ولم تتعلم ، فصرت أجهل من الذين تعلمهم، وكلام المسيح يرد على هذا بالتصديق : « اتركوهم هم عميان قادة عميان، وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة ( واحدة ). » (مت 15 : 14).

ثم أنت الذي تحرص على عفة اليد، أتمد يدك بالسرقة ؟ هنا صعب علينا أن ندرك أية سرقة يقصد، ولكن ق. بولس يكلم الذين يدركون حالهم. والمسيح يرد على هذا بالتصديق : «تأكلون بيوت الأرامل ولعلة تطيلون صلواتكم . » ( مت ١٤:٢٣)

ثم أنت الذي تحرض على طهارة الجسد وقداسة السيرة والسريرة أتزني؟ هنا تهمة الزنا لصيقة باليهودي واليهود والأمة اليهودية، فليس أكثر من هذه الكلمة في جميع النبوات كعلة : تعيير ومعايرة لسلوك الأمة والشعب جميعاً، ولا ندري عن أسباب تفشي هذه المصيبة بهذه الصورة .

الذي تذم الأوثان أتسرقها ؟ يبدو أن اليهود كانوا قد أباحوا سرقة الأوثان، كما صنع أجدادهم في مصر: « طـلـبـوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب (غالباً على هيئة تماثيل) وثياباً. وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين . » ( خر12: 35و36).

وهـكـذا بهذه العلل الثلاث التي خرج بها اليهودي المفتخر بالله ، أدخله ق. بولس في صفة المـرائـي الـذي يـقـول ولا يـفـعـل ، يدعي العلم وهو متسربل بالجهالة، يتظاهر بالتقوى وهو لص ، ويتصنع الطهارة وهـو مـن الـداخـل مـنحل الخلق. وفي هذا يصدق الرب على قول ق. بولس : «تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة . »(مت۲۷:۲۳)

والآن بنظرة مقارنة لما قاله المسيح عن اليهود وما قاله ق. بولس نجد المطابقة واضحة وشديدة .

۲۳:۲ و٢٤ «الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله؟ لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب » .

هكذا يحصر ق. بولس اليهودي في دائرة المتعدي على الناموس بسلوكه ، حيث افتخاره به يصير اغـتـصـاباً وغشاً. فإن كان اليهودي المفتخر بالله والناموس يتعدى بسلوكه على الناموس، فقد أهان بذلك اسم الله في الحقيقة . وقد لاحظ ذلك الذين من الأمم ، فخطايا اليهود لم تكن خافية عليهم لأنهـم كـانـوا يـقـتـرفـونـهـا بـتـصلف وكبرياء وعناد ـ كما اليوم، لذلك احتقر الأمم إله اليهود . والقديس بولس يقتبس ذلك من إشعياء النبي : « ماذا لي هنا يقول الرب ؟ حتى أخذ شعبي : مجاناً : المـتـسـلـطـون عـليه يصيحون (يفتخرون ) يقول الرب، ودائماً كل يوم اسمي يهان» ( إش ٥:٥٢). ولـكـن الترجمة هنا ليست من السبعينية، وق. بولس يأخذ من السبعينية وترجمتها كالآتي: « والآن لماذا أنت هنا ، هكذا يقول الرب ، لأن شعبي أخذ مجاناً . تعجب أنت و ولول، هكذا يقول الرب ، لأنه بسببكم اسمي يجدف عليه دائماً بين الأمم » .

وحزقيال النبي يصور بوضوح قول ق. بولس: «فلما جاءوا إلى الأمم (في السبي أو في الشتات كما جاءت في إشعياء بقوله : لماذا أنت هنا أي لماذا جئت إلى السبي إلا بسبب خطاياك) حيث جاءوا ، نـجـسـوا اسمي القدوس (بأعمالهم)، إذ قالوا لهم هؤلاء شعب الرب وقد خرجوا من أرضه (غضب الله). فتحننت على اسمي القدوس الذي نجسه بيت إسرائيل في الأمم حيث جاءوا . لذلك فقل لبيت إسرائيل، هكذا قال السيد الرب ، ليس لأجلكم أنا صانع يا بيت إسرائيل، بل لأجل اسمي القدوس الذي نجستموه في الأمم حيث جئتم . فأقدس اسمي العظيم المنجس في الأمـم الـذي نـجـستموه في وسطهم (بأعمالكم) فتعلم الأمم أني أنا الرب يقول السيد الرب حين أتقدس فيكم قدام أعينهم . » ( حز36: 20-23)

نعم أيها الرب الإله القدوس قد رأينا ونشهد أنك عادل وقدوس، فليتقدس اسمك وليأت ملكوتك نحن شعبك من بني الأمم !! ومن هنا نفهم معنى تعليم الرب يسوع لتلاميذه الاثني عشر صلاة «أبانا الذي» التي تبدأ « ليتقدس اسمك » حيث يكون المعنى : هبنا أن نعمل الصلاح بين الناس ليروا أعمالنا الصالحة فيقدسوا اسم الله !!

[ رو۲ : ٢٥-٢٩ ] الختان لا يبرر

٢٥:٢ «فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس ولكن إن كنت متعدياً الناموس فقد صار ختانك غُرلة».

«عملت»: 

هي الكلمة المفتاح في الآية بل في كل الآيات السالفة واللاحقة. فالعمل هو مقياس صحة الناموس وصحة الحامل لاسم الله والناموس. هذه الآية رفيعة المستوى في البلاغة اللفظية والمعنوية . إن كان الـنـامـوس هو المقياس لسلوكك ، فالناموس ذو نقع، أما إن كان سلوكك يتعدى الناموس فـنـامـوسك هراء!! وعلى نفس المقياس يوضع اسم الله ، ولهذا يجذف على اسم إله اليهود بين الأمم بسبب سوء سلوك اليهود مع ادعائهم وافتخارهم بالله والناموس !!

ومعيار يهودية اليهودي وعلامة انتمائه الله وافتخاره بطهارته دون الشعوب جميعاً هو ختانته ، فإن هو نجس ختانته فقد صارت ختانته نجاسة أي غرلة !!

هنـا مـفـارقة بين ذهنية ق. بولس المنفتحة بالروح في استجلاء حقائق الناموس، وبين ذهنية اليهودي المنغلق على حرفية الناموس . فاليهودي يقول : إن الختان هو ختم كمال الناموس، وبمجرد أن أنال الختان فأنا يهودي ومكمل للناموس . أما القديس بولس فيقول : لا ، هذا خداع ، فالناموس يصير ناموساً حقاً بتكميل أعماله ، والختان يصير ذا نفع إن عملت بالناموس، فإن كنت مخنتنا ولم تعمل بالناموس فختانتك لا قيمة لها بل هي غزلة، أي على مستوى الأمم في النجاسة الطقسية. هنا المفارقة الخطيرة بين الحرف والروح، بين التمسك بالمكتوب على مستوى الجسد وبين الارتفاع بـالمـكـتـوب على مستوى الروح، بين الختانة كرمز أو رسم للطهارة والتبعية الله وبين الطهارة كسلوك يثبت التبعية لله !

الـيـهـودي يـفـتـخـر بختانته في اللحم ؛ أنها تذكرة دخول إلى الله وشهادة خلاص. وق. بولس يقول : إذا لم تعش طاهراً وتسلك بأوامر الله وتعمل بوصاياه، فلن تنفعك ختانتك ولن ترى الله ولا خلاصه. القديس بولس هنا يحاصر اليهودي في الختان، وهو أعز وآخر ما يملك، ليقنعه أنه يتمسك بالوهم والسراب ؛ ويسلبه مجد ختانته التي عليها يتكل وكأنها ستدوم معه في السموات . ولكن ق . بولس لا يذم الختان بل يذم المختتن الذي يعمل ضد ختانته ، فهو يقول : إن الختان ينفع إن كان الختان يوصل إلى أعمال الناموس ووصاياه . والقديس بولس في موضع آخر ينفي أن يكون لليهودي أية مئة وراء الخـتـان مـن جـهـة عمل الفضيلة: «لأن الذين يختتنون هم لا يحفظون الناموس بل يريدون أن تختتنوا أنتم ( المسيحيين) لكي يفتخروا في جسد كم . » (غل13:6)

26:2 و27 «إذا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختاناً؟ وتـكـون الغرلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس » .

«أحكام الناموس » : تترجم «أحكام بر الناموس » .

هنا ولكي يكشف ق. بولس عـدم نفع الختان لليهودي إن هو لم يلتزم بأعمال الناموس الـفـاضـلة، عكس الوضع، إذ جعل الإنسان الذي بلا ختانة في العالم، أي الذي ليس يهودياً، إن هـو عـمـل بـفـضائل الناموس فإن غزلته ، أي عدم ختانته ، تحسب له ختاناً، بمعنى أنه يحسب ابناً لإبـراهـيـم !! وتـكـون عدم ختانة الإنسان غير اليهودي تدين اليهودي الذي يفتخر بالكتاب والختان بينما هو يتعدى على فضائل الناموس !

ق. بولس يـقـصـد من ذلك أن الأصل في الناموس هو أن الله يطلب أن يكون الإنسان ملتزماً بالعمل الـفـاضـل حتى يصير الإنسان في علاقة بالله . فإذا سأل سائل وكيف يتمم الإنسان كل أعمال الناموس الفاضلة . حتى يصير في علاقة فاضلة مع الله، سيرد ق. بولس على هذا حالاً بقوله بالايمان بيسوع المسيح الذي أكمل كل أعمال الناموس وكل شيء لحساب من يؤمن به. فإذا كان لغير المـخـتـون أي الأممي هذا الإيمان أصبحت الختانة لا قيمة لها بالنسبة له !! إذ يحسب بالايمان و بدون ختان واحداً من شعب الله كيهودي أكمل جميع أعمال الناموس ـ الأمر الذي لم يحصل عـلـيـه يهودي حتى اليوم ـ وهكذا حل الأممي بالإيمان بيسوع المسيح محل اليهودي الكامل جداً المـوجـود !! وحل الإيمان محل الناموس الذي أخفق اليهودي أن يستخدمه للحصول على علاقة فاضلة بالله .

ثـم بـالـتـالي فإن الإنسان وهو في الغرلة، أي وهو بحسب الطبيعة غير مختتن ولكنه أكمل الـنـامـوس، يـديـن الـيـهـودي الذي يتمسك بشكل الختانة ويفتخر بالكتاب ولكنه يتعدى الناموس والكتاب .

۲۸:۲- ۲۹ «لأن الـيـهـودي في الـظـاهـر ليس هو يهوديا ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان. الذي مدحه ليس من الناس بل من الله » .

هنا في اللغة يرتفع ق. بولس إلى مستوى البلاغة . فاليهودي والختان في الآية (٢٨) هما على مستوى الصفة الفخرية الفاقدة قيمتها، وفي الآية (٢٩) يعيدهما ق. بولس من صفة إلى موضوع، ومن مستوى الافتخار الفاقد القيمة إلى موضوع حقيقي ذي قيمة عالية جداً تصل إلى أن الله يمدحه .

«الظاهر والخفاء»: 

اليهودي في الظاهر هو يهودي أعمال الناموس والمتعدي على الناموس !! هو المفتخر بالله والذي بسببه يجدف على اسم الله بين الأمم، هو الذي يتعالى بختانة اللحم وهو غير مختون بالقلب والأذن [كقول الشهيد استفانوس لهم (أع7 : 51)]، ويعتبر أن ختانته ” کارت ‘‘ عبور إلى الدهر الآتي .

أما يهودي الخفاء فهو الذي يعمل بالناموس ليراه الله ويجازيه علانية، والفارق بين الاثنين يقع في صميم الانتقال باليهودية والختان من المظهر البشري المخادع إلى الجوهر غير المنظور المؤمن ضد الخداع وغير المنظور لدى البشر ولكن منظور فقط لدى الله . 

ولو يلاحظ القارىء، يرى أن في الآية الأولى (۲۸) توجد صفات ظاهرة ممدوحة من الناس ولا يـوجـد مـوضـوع حقيقي، في مقابل الآية الثانية (٢٩) حيث يرى موضوعاً حقيقياً غير ظاهر للبشر، وليس صفات ظاهرة، وممدوح من الله . هذا في الواقع هو الفارق بين الحق الإلهي والزيف البشري . أما الذي في الظاهر فقد عرفه بولس بقوله : «في الظاهر في اللحم»، أما الخفاء فلا يقصد به غير المنظور أو في الداخل وحسب بل الوجود في السر الإلهي غير المنظور الذي يستعلن الله الآن ولكن في النهاية أي في الدهر الآتي يستعلن للخليقة كلها .

ولكن من هو اليهودي في الخفاء الذي مدحه من الله ؟ ثم ما هي الختانة في القلب ؟

«یهودي مدحه من الله » :

ق. بولس هنا يلعب بالألفاظ، فاليهودي باللغة العبرية ينطق «يهودي Yehudi » ، ومـدحـه تـنـطق « هودايا hodayah » ، وكأن اليهودي الحق هو المداح الله والذي يمدحه هو الله !! وهذا المعروف في العهد القديم، فيعقوب أبو الآباء أقرن يهوذا بالمدح : «يهوذا إياك يحمد ( يمدح) إخـوتـك» (تك٨:٤٩)، بل وأمـه دعـتـه يهوذا على أساس مدح الله : « وحبلت أيضاً وولدت ابناً وقالت هذه المرة أحمد الرب لذلك دعت اسمه يهوذا ثم توقفت عن الولادة» (تك ٣٥:٢٩). الله وحده الذي يعمل في الخفاء، والذي يعمله في الخفاء يعمله «بالروح القدس»، «روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه » (يو١٧:١٤). فاليهودي في الحقاء هو الذي قبل الروح القدس فصار يهودياً بالحق، أي مختاراً ومحبوباً ومقدساً ومتبنى !! وهذا يتم له بالعماد وقبول الإيمان الذي به يتزكى أمام الله فيما لم يمكنه أن يتزكى به بأعمال الناموس .

أمـا خـتـانـة الـقـلـب فهي خلع جسم خطايا البشرية بالموت مع المسيح والقيامة معه (كو٢ : ۱۱و۱۲) ـ التي يتساوى فيها الذكر والأنثى في المسيح، فالحتانة الظاهرة في اللحم عند اليهود في العهـد الـقـديـم كـانت وقفا على الرجل، أما ختانة العهد الجديد في المسيح (وهي المعمودية ) فقد صارت للذكر والأنثى على السواء ـ وقبول مشحة «دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه الله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي . » ( عب ١٤:٩)

ق. بولس طرح العنوان «اليهودي في الخفاء» و «ختانة القلب» وترك ملء الموضوع عندما يحين وقته ويفسح له المجال .

ويلاحظ أن الشراح تباروا في الاستشهاد بآيات الأنبياء في ختانة القلب والتي قصدوا منها المثل الأعلى لإسـرائـيـل، ولـكـن هـذا لـم يـتـحـقـق لإسـرائـيـل . والذي قاله الأنبياء ( إر4: 4 ، تث 16:10) كان نبوة عن عمل الروح القدس حينما تجيء أيامه . أما القديس بولس هنا فهو لا يتكلم عن اليهودي النموذجي، لأنه لا يوجد اليهودي النموذجي، وإلا لما كانت الحاجة إلى مجيء المسيح. فاليهودي النموذجي الوحيد هو المسيح، وقد تعين أن يكون آدم الثاني وإسرائيل الجديد الذي ولدنا لنكون شعب الله بالحق وأولاد إبراهيم بالإيمان، ولو لم يكن إبراهيم قد رآنا ، بل وأولاد الله وورثة الله .

تفسير رومية 1 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 3
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى