تفسير رسالة رومية اصحاح 6 للقمص متى المسكين

الأصحاح السادس
الانعتاق من سلطان الخطية

 

1-  11-1:6     : الموت عن الخطية بالمعمودية = « الموت مع المسيح » .

2-  6: 12- 23 : المعمودية تحررنا للطاعة ، لتحقيق عمل البر في حياتنا .

 

إن بر الله الذي منحه لنا كعطية نعمة، بواسطة المسيح، ليرفع عنا حكم الموت الذي استحققناه بسبب خطايانا وتعدياتنا، لم يأتنا بجرة قلم أو بمجرد نطق ملكي، بل كان ثمنه غالياً جداً، ثمنه دم ابنه مع آلام ومعاناة حتى الموت موت الصليب ، كل هذا من أجل خطايانا . فالنعمة التي نعيشها الآن ونقيم فيها مع سلام الله بسبب تبريرنا : «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله » (رو5: 1)، هي ذات ثـمـن مدفوع ـ دم ابن الله على الصليب . وإن كان المسيح قد اكتسبها لنا بقوة وفاعلية وفيض في مقابل كثرة شرورنا وآثامنا وتعدياتنا، فإنه اكتسبها مقابل كثرة معاناة وآلام ومـوت لـيـس لـتوازن خطايانا وتعدياتنا وحسب بل وتلغيها إلغاء بمفعول كفارتها . فحينما قال ق . بولس في نهاية الأصحاح السالف : «حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً»، فذلك كان ثمنه باهظاً جداً جداً.

وهـكـذا يـفـتـتـح ق. بولس الأصحاح السادس بهذا السؤال رداً على آخر ما قاله في الأصحاح الخامس: «فماذا نـقـول، أنبقى في الخطية لكي تكثر لنا النعمة ؟ » ، هذا سؤاك من لا يعرف كيف ازدادت لنا النعمة. وحينما قال ق. بولس إننا لم نعد نعيش في عصر الناموس ولا تحت أوامـره بـل تحـت نعمة تبرير المسيح (رو6: 14)، فهل هذا معناه أن نخطىء لأننا صرنا أحراراً؟ هذا أيـضـا سـؤال من لا يعرف كيف تحررنا من الناموس، لأن ثمن تحررنا من الناموس هو أن المسبح أكمله في نفسه، وأكمل كل أحكامه ولعنته في نفسه، وتقبل لعنته في جسده إذ شمر على الصليب وصار لعنة من أجلنا ليفك الناموس نهائياً عنا .

إذاً، فأصبح ليس من حقك أن تقول أنا حر أخطىء كما أشاء، فجسد المسيح المسمر على الـصـلـيـب يـسـتـصـرخـك. كذلك ليس من حقك أن تقول أنا أممي ما لي والناموس بقي أو رفع ، فصرخة المسيح على الصليب : « إلهي إلهي لماذا تركتني» (مت27: 47)، التي هي هي قبول اللعنة ــ الـتـي في طبيعتك التي ورثتها من آدم ـ هي بعينها تذكرك أنك تحررت من الناموس ـ الذي هو صدى حكم الله الأول على آدم[1] بأغلى ثمن !!

فإن كنت تسأل: وماذا أعـمـل ؟ وما معنى موت المسيح وسفك دمه على الصليب بالنسبة لإمـكـانـيـة تـوقفي عن الخطية، أو ما معنى أن يقبل المسيح اللعنة على الصليب بالنسبة لعلاقتي مع الله ؛ يقول لك ق. بولس في هذا الأصحاح إن المسيح لما مات على الصليب وسفك دمه لم يمت من أجل نفسه ولم يمت كمستحق الموت أبدأ ولم يمت وحده ! بل مات بجسد البشرية كلها من آدم إلى آخـر ابـن لآدم، وأنـت واحـد مـن هـذه الـبـشـريـة، فـهـو مـات بك وفيك ومن أجلك وبسبب استحقاقك أنـت للـمـوت ، فصار موته موتك بل أنت قد مت معه، وهو مات للخطية فأنت مت للخطية معه بموته، وبموته الذي هو موتك عتقك من الخطية لأن “الخطية ملكت في الموت” كما  قال لك في الأصحاح الخامس. والآن إذ ألغى المسيح الموت بموته الذي هو موتك ، فقد توقفت الخطـيـة فـيـك إذ فقدت سلطانها الذي كانت تملك وتعمل فيه وهو الموت . فلأن الموت لم يعد حكم عقوبة عليك بسبب تعدياتك السابقة واللاحقة، فالخطية فقدت سلطانها القاتل عليك. والآن إذ مت مع المسيح، مت عن الخطية، وعليك الآن أن تُميت ـ ضمير الخطية ـ بإرادتك الحرة وبما قبلته بالنعمة وعطية البر بموت المسيح من أجلك. فالقوة «قوة موت المسيح » فيك فأخضع لها وأمت الخطية في أعضائك بقوة الروح الذي فيك، قوة نعمة روح موت المسيح . وأنت الذي مت بجسد المسيح عن الخطية هل أصبح لك حرية أن تعيش بعد فيها ؟ دم المسيح وجسده فيك يشهدان عليك! 

كذلك يقول لك ق. بولس في هذا الأصحاح إنك لست بعد تحت ناموس بل تحت نعمة، تحت بر الله بالمسيح . وعوض طاعة الناموس العسيرة غير المربحة أصبحت مطالباً بأن تطيع موجبات النعمة لك ومطالب بر المسيح فيك. فإن أطعت مطالب بر المسيح وأوامر النعمة ، يسود عليك برُ المسيح وتملك فيك النعمة فلا تعود عبداً للخطية ولا لأوامر الناموس، بل ابناً للنعمة، ابنا حراً لله . 

 

[ 11-1:6 ] الموت عن الخطية بالمعمودية
«الموت مع المسيح »

1:6 و2 «فماذا نقول. أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة. حاشا . نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها » .

«أنبقى»: 

وتـرجمـتـهـا الـعـربـيـة بحسب المعنى الكلي تكون : وهل بلغ الأمر إلى الحد أن يفرض علينا البقاء في الخطية.

«حاشا»:

هنا الاستبعاد شديد وصارخ كمن يستبعد د الحق والباطل معاً أو الحياة والموت معاً .

«متنا عن الخطية » :

اخـتـصـاراً لما سيجيء في الآيات ( 4 و5 و6). أي أننا متنا على صورتين أو بفعلين ، فعل الموت مع المسيح على الصليب يوم مات ، وفعل الموت والدفن مع المسيح في المعمودية يوم العماد .

وكـيـف مـتـنـا عـن الخـطـية سـيـشـرحها ق. بولس بعد ذلك في الآيات (10 و11) من هذا الأصحاح وفي الآية (4) في الأصحاح السابع . كذلك : «مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي . » (غل2: 20)

«كيف نعيش بعد فيها » :

السؤال اسـتـنـكـاري شـديـد السالبية ليعبر عن استحالة. كيف أموت مع المسيح كمسيحي وأعـيـش في الخطية؟ لأنه قال: «نحن الذين متنا » بفعل ماضي، أي أكملنا موتنا عن الخطية ، بمعنى أننا الآن محسوبون أمواتاً بالنسبة للخطية، والجسد فينا محسوب أنه قبل قوة الموت مع المسيح .

 فكيف نعيش بعد في الخطية ؟ والموت هنا كما سبق وقلنا تم على فعلين، فعل الصليب كواقع جزناه مع جسد المسيح ، وفعل المعمودية كواقع جزناه بالإيمان والروح القدس . هذه هي مبادی الخطوات الأولى في لاهـوت بـولـس الـرسـول الـتـي ينطلق منها ليستعلن الخليقة الجديدة في المسيح يـسـوع. فالموت هنا والحياة، أي الموت عن الخطية والحياة بالبر في المسيح ، ليسا نظريات ؛ بل وقائع وحقائق ثبت وجودها وثبت عملها وثبت نجاحها بصورة غامرة في كل كنيسة وكل مكان وزمان . فالموت عن حياة الخطية والحياة في بر المسيح بالقيامة، هو مضمون الإنسان الجديد، إنسان المسيح ولـيـس إنسان آدم، إنـسـان عـمـل نعمة الله وسلامه. ليس كنموذج هنا أو هناك، ولكن ملايين وملايين صارت لهم طبيعة جديدة حقاً، لها ثمارها التي تنطلق وتتكلم وتعمل بصورة يخضع لها كل منطق وكل عقل. طبيعة جديدة في المسيح وليست طبيعة آدم بعد .

هنا يختفي ضمناً العنصر الأخلاقي بالدرجة الأولى، فالذي مات عن الخطية هو في الحقيقة من تقدس بدم المسيح وبروح التجديد للتقديس بالمعمودية . والتقديس متزامن مع التبرير، فكل من تبرر تقدس، ولكن ليس العكس، بمعنى أن البر بالإيمان والتقديس بالمعمودية ، فالإيمان يؤدي إلى المعمودية وليس العكس. فالتقديس عنصر أخلاقي و بالمفهوم اللاهوتي الكنسي هو التخصص الله أو الحياة بحسب الله. لذلك يجيء سؤال الاستنكار واضحاً هنا، بعد أن تبررنا وتقدسنا كيف نعيش مرة أخرى في حياة الخطية ؟

 

تغطية لمعنى وفعل المعمودية ( رو3:6-12)

3:6و4 «أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة» .

المعمودية في أيام ق. بولس وفي منهجه اللاهوتي، ولا تزال إلى الآن، أمر لا يجهل، فهي فعل المسيحية الأول وهي أشد قوة ومعنى وفعلاً من الختان عند اليهود . فغير المختتن عند اليهود هو ليس يهودياً، وغير المعمد في المسيحية الأولى وإلى الآن في الكنائس التقليدية لا يحسب مسيحياً .

ولـكـن المـعـمـودية ليست كالختان، مجرد شكل أو طقس خارجي في الإيمان المسيحي؛ بل هي الميلاد الجديد، الخلقة الجديدة، الميلاد من فوق ، الميلاد من الماء والروح ، الميلاد لله ، الميلاد بالكلمة، الختم الحي، الاستنارة : «استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح » (أف5: 14)، الاعتماد لموت المسيح، الدفن مع المسيح، القيامة مع المسيح . هذه كلها ليست أسماء ولا اصطلاحات؛ بل هي أفعال روحية لمواضيع روحية تخص معنى المعمودية ، لو فحصت واحدة فواحدة لا يسعها كتاب ، نكتفي منها الآن :
«اعتمد ليسوع المسيح » :
والصحيح اعتمد في يسوع المسيح 

الاعـتـمـاد ليسوع المسيح هو اختصار للاصطلاح اللاهوتي: «اعتمدنا في اسم يسوع المسيح » ، حيث أن كل من اعتمد ليسوع المسيح صار تابعاً ليسوع المسيح ، صار مسيحياً !! «فأنا أعني هذا أن كل واحـد مـنـكـم يـقـول أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح … أشكر الله أني لم أعمد أحداً منكم … حتى لا يقول أحد إني عمدت باسمي . » ( 1كو1: 12و14 و15)

«اعتمدنا لموته » :

الترجمة هنا ليست دقيقة ، والصحيح اعتمدنا في موته

وهذا التعبير واقعي من كل الوجوه ، من وجهة المسيح ، فالمسيح مات من أجل خطايانا حاملاً إياها في جسده على الخشبة آخذاً في جسده عقوبة الموت واللعنة عنها . ومن جهتنا، فنحن متنا أولاً بالخـطـايـا والـذنـوب مـوتـا حـقـيـقـيـا واقـعـياً بالروح : « ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح » (أف2: 5). ثم بالإيمان بالمسيح آمنا بصليبه وبموته عنا بالجسد، حيث الجسد هو جسد البشرية الذي يمثلني ويمثل كل ذي جسد . فإذا أنا مت مع المسيح وفيه بالجسد وأكملت العقوبة واللعنة معه، وها أنا بالايمان اعتمدت ـ أي انصبغت . فالبابتزما هي صبغة ليست بالماء فقط بل بالدم لأنه لا موت ولا صـلـيـب بـدون دم ـ إذا أخذت موت المسيح وختمه في جسدي : « ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضاً وأعطى عربون الروح في قلوبنا » (2کو1: 21و22). «الذي فـيـه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق ـ إنجيل خلاصكم ـ الذي فيه أيضاً ( المسيح ) إذ آمنتم ختمتم (اعتمدتم ) بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا . » (أف1: 13 و14)

«فدفنا معه بالمعمودية » : 

هذه الكلمة اليونانية تبدأ بـ uv وتعني « مع » ، وبقية الكلمة من أصل كلمة «طافوس » أي «مقبرة»، بمعنى أننا قبرنا أو دفئا . معه . هنا ثلاثة اصطلاحات للمعمودية : اعتمدنا فيه ، واعتمدنا في موته، ودفنا معه؛ وهي تفيد الشركة في الموت الكامل، ومرة أخرى نقول إنها ليست تأملات ولا نظريات، ولا اجـتـهـاداً، بل إن جسد المسيح الذي جاز به الآلام والصلب والموت والـدفـن هو هو جسدنا مضافاً إليه بالنسبة له ملء اللاهوت جسدياً. وهكذا جزنا معه كل ما جاز، ونلنا فيه كل أعمال لاهوته في الجسد، إذ صارت آلامه وصليه وموته ودفنه تفريغاً كاملاً للخطية في الجسد: «الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا ، فنحيا للـبـر» (1بط2: 24)، بحيث لم يعد للخطية في الجسد قوة بعد أن أكمل عقوبة الموت عنها. وهنا كانت إشارة المسيح ذات معنى وواقع حينما قال لتلاميذه بالنسبة للكرازة : «عمدوهم ( أي اصـبـغـوهـم ) بـاسـم الآب والابن والروح القدس » (مت28: 20). ووقعت الكنيسة هذه الوصية العظمى على الواقع العملي فصار التعميد بالتغطيس في الماء ثلاثاً، حيث يصير الدفن للجسد إعداداً له للقيامة بالخروج من تحت الماء.

والـدفـن مع المسيح مبدأ روحي ولاهوتي يملأ فكر ق. بولس وقلبه : « مدفونين معه في المعمودية الـتـي فـيـهـا أقمتم أيضاً بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات. وإذ كنتم أمواتاً في الخطايا وغلف جسد كم أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا » (کو2: 12و13)؛ حيث يلاحظ دائماً أن كلمة «الدفـن» تعد الفكر اللاهوتي للقيامة مباشرة، كما أنها تأكيد شديد للموت. فالدفن لازمة من لوازم لاهوت القيامة بل لاهوت الفداء بأكمله.

والـقـصـد الـلاهـوتـي مـن المـعـمـودية هو العبور بالإيمان والاشتراك بالروح في آلام المسيح وموته استيفاء لضريبة العالم والجسد في الطريق إلى القيامة والدهر الآتي: «في العالم سيكون لكم ضيق » (يو16: 32)، «بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله » (أع14: 22). فالذي أخذ خـتـم آلام ودم وموت وروح المسيح لا يعود ينظر إلى معوقات الدهر الحاضر، فالدم يحميه من ضربة الهلاك، والروح يحرسه من خداع الزمن .

ولـكـن ق. بولس في كل تعليمه لم يقل بأن الإجراءات الطقسية بحد ذاتها يمكن أن تحمي الإنسان ، ولكن الإيمان بكل ما حدث ويحدث فيها والتمسك بمواعيد الله فيها هو الذي يحمي : «من آمن واعتمد خلص . » (مر16:16)

«حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة » : لا يمكن أن ينسب للمسيح موت دون قيامة . لماذا ؟ لأنه هو « القيامة والحياة» (يو25:11)، ففي عمـق مـوتـه ودفنه كان يحمل روح القيامة وقوتها . لذلك، فالذي اشترك معه حقاً بالإيمان والمعاناة في آلامه وموته ، فهو معد إعداداً حتميا للقيامة أو بمفهومها الحاضر للحياة .

وقيامة المسيح كانت مجداً لله ، اشترك فيها الآب كما الابن المتجسد كما الروح القدس . فـاسـتـعـلـن فيها مجد الثالوث . ولأول مرة يُستعلن الروح القدس في عمل إعلاني لحساب الثالوث الأقدس وذلك في قـيـامـة المسيح من بين الأموات : « وتعين ” ابن “ ” الله “ بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات . » (رو1: 4)

أما الآب فـيـقـول ق. بولس : « كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معـرفـتـه … لتعلموا … ما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته الذي عمله في المسيح إذ أقامه من الأموات …» (أف1: 17و 19و 20)

أما المسيح، كونه قام بإرادته وسلطانه وحده ، فهذا نعرفه من المسيح نفسه : «لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً» (يو18:10). ولكن إشارة ق. بولس أن: «المسيح أقيم من الأموات بمجد الآب » ، لا تفيد أن في القيامة حدثت رؤى أو معجزات تشير إلى مجد الآب، ولكن قيامة المسيح كابن الله بعد تكميله الفداء استعلنت مجد الآب على مستوى الإيمان وتحقيق كل مواعيد الله كما نطقها جميع الأنبياء في كل الدهور السالفة.

لذلك أصبحت المعمودية وهي تحمل الشركة الكاملة مع المسيح في موته وقيامته ، السر الأول الذي يدخله المؤمن لينال حياته في المسيح ؛ بل اسمه وهويته باعتباره الميلاد الجديد للإنسان والخلقة الجديدة .

ولـكـن لا يُفهم من هذا أن الذي يشترك في موت المسيح يشترك كاملاً في حياته ؛ بل يعطى الآن العربون بروح الحياة استعداداً للانفتاح الأعظم على الحياة الأبدية بحضرة الله . لذلك نجد ق . بولس حريصاً كل الحرص في ذكر شركتنا في قيامة المسيح، فهو يضعها دائماً إما في الأمر: «استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح » (أف5: 14)، أو يضعها في المستقبل : «فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه » (رو8:6)، وإن جاءت في الماضي فهي تفيد الإيمان وليس الممارسة : « ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح » (أف2: 5). ولذلك أيضاً اختار ق. بولس هذا الاصطلاح الجديد والباهر: «جدة الحياة»، بدل الحياة الجديدة .

+ «نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة »: 

وهي تفيد معنى حالة جديدة للحياة في مقابل حالة الموت التي كان يحياها الخطاة . «إذا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة . الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً.» (2کو5: 17)
+ « وأما الآن فـاطـرحـوا عـنـكـم أنتم أيضاً الكل، الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من أفواهكم . لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ( في المـعـمـوديـة ) ولبستم ( المسيح) الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه.» (كو3:
8-10).

وهنا كلمة «جدة» الحياة تعني الحياة التي تتجدد ولا تشيخ أبدأ، حياة الروح .

نسلك : 

 أو نسير أو نتحرك على أقدامنا.

هـنـا يوضح ق. بولس منتهى قصده من شركتنا في الموت والقيامة ، لكي نحيا ونسير أي نسلك سلوك الروح لحياة جديدة أو حياة تأخذ جدتها كل يوم سواء من عطية الله كل صباح «لأن مراحمه لا تزول . هي جديدة في كل صباح » (مرا 3: 22و23)، أو تغييرنا نحن وتجديد شكلنا بتجديد ذهننا لنشابه المسيح في حياته : « وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام . » ( 2کو5: 15).

على أننا لا ننسى أن المعمودية من الماء والروح تعطي قوة ومواهب جديدة ظهرت في الأجيال الأولى، بصورة تكاد تكون شاملة، لدفع الكنيسة في حركتها الأولى لكرازة العالم . فالسلوك هنا هو بالروح وفي الروح للشهادة: «روح الحق الذي من عند الآب : فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً . » (يو15: 27)

ولا زلنـا عزيزي القارىء مع ق. بولس في الانتقال من الخطية إلى البر، من الحياة تحت الغضب لحياة السلام والنعمة المقيمة، من كثرة الخطية والتعدي إلى فيض النعمة وازديادها . ثم کیف «متنا مع المسيح عن الخطية» و «كيف نعيش بعد فيها».

5:6 «لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته » .

ابتدأ ق . بولس في الأصحاح السادس يوضح أنه يستحيل أن نعيش في الخطية ، مؤكداً أننا متنا عن الخطية. ولكنه لم يكن قد سبق وشرح كيف متنا عن الخطية . لذلك فهو يبتدىء يوضح هنا أن المسيح مات عن الخطية لأجلنا ليعطينا فرصة الموت عن الخطية معه ، وأنه سلمنا المعمودية رسمياً التي فيها ـ بالإيمان ـ نمارس اتحادنا السري مع المسيح في الموت على الصليب والدفن على أساس أنه مات عن الخطية لأجلنـا حاملاً خطايانا في جسده على الصليب . وكما قلنا نعود ونقول إن المسيح مات بجسد البشرية من أجل كل ذي جسد . فكل إنسان يعتبر أنه مات عن الخطية في موت المسيح . وهكذا فالمعمودية هي فرصة الاتحاد الحقيقي بالإيمان في موت المسيح وقيامته، أي ما أكمله المسيح بصفة عامة على الصليب نأخذه بصفة خاصة شخصية بالمعمودية .

« بشبه موته » : 

لـم يـسـتـقـر الـشـراح حتى الآن على المعنى الصحيح لقول ق. بولس «بشبه موته » ، فالعالم لايـتـفـوت يـقـول : إن الموت الذي نجوزه مع المسيح ليس هو الموت الطبيعي بل الموت السري أي بالمفهوم الروحي، وهذا معنى شبه موته . وهذا يتفق مع قول ق. بولس إن الجسد العتيق قد صلب معه، فالصلـب هنـا صـلب مستيكي سري تظهر قوته بالسلوك العملي حينما يكف عن الخطية . والـعـالـم بـاريـت يـقـول : إن شـبـه المـوت يعني المعمودية ، ففي المعمودية يحدث شبه موت المسيح . والـعـالـم كـايـسـمان يقول : إن المعمودية هي تحقيق فعلي للصليب وليس تكراراً، وكلمة «الشبه » تفيد هنا إفادة كاملة وكلية هذا المعنى، حيث الشبه يعني نفس الصورة إنما على مستوى روحي ، فـنـحـن نمـوت فعلاً مع المسيح في المعمودية و بهذا نتخلص من قوة الخطية . على أن هذا الموت يتحتم أن يحمل بعده القيامة على نفس المستوى من الشبه أيضاً، أي ليس بمفهوم الأنستاسيس ( القيامة ) بـصـورتـهـا الـعـامة، ولكن كفعل قيامة شخصي فردي واقعي حي من م بشبه قيامة المسيح من الموت .

6:6 «عالـمـيـن هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية » .

محاولة لشرح الآية السالفة «متنا معه » و « متحدين معه بشبه موته » . فالذي مات فينا هو الطبيعة الآدمية ، طبيعة الخطية التي وصفها بالعتيقة، وذلك في مقابل الذي ولد لنا أو خلق فينا أي الطبيعة الجديدة. وهكذا إذ مات الذي كنا ممسكين فيه أي جسد الخطية، فقد تحررنا من الخطية التي كانت مالكة عليه، وبالتالي فلم تعد مُستعبدين للخطية .

ولاحظ هنا أن ق. بولس يعطي الصفة الشخصية للجسد العتيق كأنه إنسان قد صلب بالفعل ومات :

+ « أن تخلـعـوا مـن جـهـة الـتـصـرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور وتتجددوا بروح ذهنكم.» (أف4: 22و23)
+ «إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة
خالقه.» ( کو3: 9و10)

ووصـف ق. بولس الخطية في جملتها «بالإنسان العتيق» و «بجسد الخطية»، يوضح كيف أن الخطية لها أعضاء كثيرة تعمل في توافق وتآزر وتكامل يشد الواحد الآخر ويتجاذب الكل ضد روح الإنسان :

1 ـ وهذا ما حـدا بـالـقـديـسين القدامى إلى وصف الخطية بعدة شياطين وقد تخصص كل شيطان في نوع من الخطايا ، وهم (أي الشياطين) يتحايلون بالتبادل على الإنسان، فإذا قبل واحداً منهم أسرع هذا الواحد واستدعى زميله . فشيطان الحنجرة إذا تملك على روح الإنسان استدعى هذا الشيطان زميله شيطان ملء البطن ، فإذا استراح إليه الإنسان أسرع هذا الـشـيـطـان واستدعى شيطان الزنا أن يحضر في الحال ثم الغضب ثم القتل وهكذا . وكان الخطية كائن عضوي له تخصصاته.

۲ – وآخرون وصـفـوا الخـطـيـة بشيطان واحد محتال يخفي في باطنه أدوات وآلات يصطاد بها الناس، فأدوات يضعها حول عينيه وأخرى حول أذنيه وحول بطنه وهكذا، فالتي حول عينيه يرشق بها روح الإنسان فيجعل عينيه تنفتح على شهوة الجمال فيزني بقلبه، والتي على أذنيه يفتح بها آذان مريديه إلى أغاني العشق، والتي على البطن لملء البطن وهكذا .

والـوصـف الأول قريب للغاية من أصول علم النفس، فالغرائز في الإنسان منفتحة على بعضها وهي في جملتها تشكل تركيباً نفسياً متكاملاً. مثلاً غريزة السعي على الرزق (ملء البطن) ملتحمة بغريزة الجري وراء الجنس الآخر (الزني)، ومن الاثنين تنشأ غريزة التملك ( القنية) ثم غريزة الـتـفـوق (الـكـبـريـاء وحب العظمة) وبعدها غريزة السيطرة على العائلة أو القبيلة (حب الرئاسة والتأله ) وهكذا …

وبهذا الـوصـف سـواء الـديـنـي مـن جـهـة الخطية أو العلمي السيكولوجي من جهة التركيب النفسي، نجد أن التقابل بينهما يشكل صورة واقعية للإنسان الطبيعي أو البدائي أو الفطري الذي يسميه ق. بولس بالإنسان العتيق أو ابن آدم ذي الطبيعة الميالة للخطية ـ أي المندفعة نحو غرائزها. 

هذا الإنسان العتيق يجوز بالإيمان بالمسيح وبالمعمودية عملية تحول عظمى وخطيرة عميقة غاية الـعـمـق ومتجذرة في صميم أصول الخلقة الأولى، كالتحول من موت الدودة ـ القذرة التي تزحف على بطنها ـ في شرنقتها لتخرج منها بعد فترة التحول الداخلي الفراشة البيضاء الجميلة لترفرف بأجنحتها في السماء. أو كالتحول الذي تجوزه حبة القمح التي تدفن في التربة السوداء لتتفتح ويتغير شكلها وتركيبها وتنبثق من باطن الأرض عوداً أخضر جميلاً عطراً يحمل أثمار الحياة. هكذا يموت الإنسان العتيق، إنسان الفطرة والغرائز والخطايا ، في موت المسيح ويجوز معه دفن القبر ليقوم بعـد الـتـحـول الـروحـي الداخلي بطبيعة جديدة متحدة بالمسيح إنساناً حيا جديداً، ذا ميول جديدة وعـواطـف روحـيـة سماوية يتسامى بغرائزه ليخدم الله، ويحيا لتمجيده عوض خدمة الجسد وشهواته والعالم بغروره والموت كمصيره .

 وينبغي أن نعلم أن تعبيري « الإنسان العتيق» و «جسد الخطية» ، مع تعبيري « الإنسان الجديد» و «ناموس البر في المسيح » يشكلان معاً في الحقيقة صورة واحدة صادقة وكاملة للإنسان ، إنما يستحيل كل الإستحالة أن ينجمعا معاً في وقت واحد كما لا ينجمع الشر مع الخير ولا الخطية مع بر الله أبدأ، إنما يجوزهما الإنسان مرحلة بعد مرحلة. فإن بقي الإنسان في مرحلة الإنسان العتيق وفي جسد الخطية وتعوق فيها وتعطل ، يكون قد فقد مرحلته الثانية التي هي من صميم خلقته الإلهية الأصلية التي أكملها له المسيح ، ويكون قد حرم نفسه بنفسه من أجمل معطيات الله للإنسان التي وهبها له لتكميل سعادته ، ويكون بذلك قد قطع بيده امتداد حبل حياته من ظلمة شهوات هذا الدهر إلى مجد النور والخلود .

«كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية » :

نعم فالذي عبر مرحلة الإنسان العتيق وفلت من ربقة جسد الخطية وأنقذ من ناموس الخطية الـرابـض في الأعضاء بوضعها الفطري ، ودخل مرحلة الإنسان الجديد، وذاق موهبة الله، وسرى في قلبه وذهنه وروحه ناموس بر الله القائم على الحب والطهر والقداسة، كيف يعود إلى نقع الخطية وينغمس في طين حمأة الأوساخ والشرور؟ إن مجرد تذكرها يثير أشجان النفس ويقبضها ، ومجرد تـصـور مصيرها الذي كان يكتبه الإنسان بنفسه وهو مندفع إلى هاوية لا خلاص منها يرعب الروح والـبـدن: «فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن، لأن نهاية تلك الأمور هيالموت . » (رو6: 21)

وينبغي أن نعلم أن التحول الخطير الذي يجوزه الإنسان بدم المسيح من الخطية إلى البر ـ من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجـديـد ـ يحـمـل في طـيـاتـه عناصر إلهية يصعب جداً تحديدها . «فـالـقـديم» هو التعبير غير الدقيق عن ما هو لآدم، « والجديد » هو التعبير غير الكافي الذي يعبر عـن مـا هـو للمسيح. فالتحول هنا أو التغيير يحمل، إذا تم ، عناصر خلقية سرية في صميم طبيعة الإنسان ذات تـأصـل وثـبـوت يصعب جداً تراجعها وانحدارها مرة أخرى للقديم ، كمحاولة عودة الكتكوت إلى البيضة التي خرج منها.

6: 7 «لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية » .

هنا في هذه الآية القصيرة البسيطة المختصرة يتركز مفهوم الخلاص كله وكذلك عطية بر الله بالمسيح !!

«لأن»: 

بادئة تفيد أن هذه الآية تأتي مترتبة على سابقتها وموضحة لها . باعتبار أن سابقتها تتلخص في كلمة واحدة وهي «معمودية الموت » !! ولكي نوضح ما خفي في هذه الآية سنضطر لتغطية ما سبق وقلناه بغاية الاختصار والسرعة :

لما جاء ملء الزمان وانفتحت أحشاء الله على الإنسان وهو مائت روحياً وأدبياً وأخلاقياً بل و بشرياً في الذنوب والخطايا، أراد الله أن يهبه بره الخاص، ولكن خطاياه احتاجت أولاً أن يعمل الله على إزالـتـهـا مـن الـوسـط وقد كانت واقعة تحت حكم عدل قضاء الله . فبذل الله ابنه متجسداً ليحمل خطايا الإنسان في جسده ويجوز بها تحت عدل قضاء الله ، أي حكم الموت والدينونة . فجاز وحكم عليه ومات . وقام آخذا حكم تبرييء الإنسان من الموت الذي كان عليه بمقتضى خطاياه ، بـاعـتـبـار أن المسيح مات وليس عليه خطايا كل الناس وحسب بل وإنه مات بجسد البشرية الخاطئة ذاته: «فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد » (رو3:8)؛ فاعتُبر أن كل ذي جسد بشري تلقى في جسد بشرية المسيح ذات الحكم ومات معه بذات موته وقام معه بذات قيامته حائزاً مع المسيح حكم تبرييء من الموت الذي كان عليه بمقتضى كـل خـطـايـاه. وهذا هو المتحصل من عمل الإيمان بموت المسيح وقيامته ، والمتحصل في المعمودية بالشركة في موت المسيح ودفنه وقيامته .

إذا فبمعمودية الموت مع المسيح يكون الإنسان قد تقبل حكم الموت عن خطاياه مع المسيح وقام مع المسيح متحصلاً على حكم البراءة من خطاياه : «الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا» (رو25:4). وهذا هو معنى : «لأن الذي مات (مع المسيح) قد تبرأ من الخطية » (رو7:6)، بل هذا هو تبرير الله للإنسان الذي ألهله للقيامة والحياة الأبدية ونوال روح الله مع كل عطاياه ومحبته الأبوية كتاج !!

 أما محاولة العلماء والمفسرين تفسير «الذي مات قد تبرأ من الخطية » على التوازي مع فكرة أنّ من كان عليه دين ومات يكون قد سقط الدين من عليه كما يقول لايتفوت وكل العلماء معه، فهذا لا يتناسب قط مع أخذ حق الحياة بعد ذلك ! لأن الحصول على حق الحياة يأتي من تـكـمـيـل حقوق عدل الله أي بأن يتبرأ الإنسان قانونياً أمام قضاء عدل الله ليستحق نوال بر الله. فالمسألة أعمق لاهوتياً من مستوى سقوط الدين بالتقادم أو سقوطه بالموت أو خلافه من التخريجات العقلية. فالقديس بولس لا يقول أن الذي مات تسقط خطيته ، بل قال : يتبرأ، فهنا حالة قضاء ودينونة انتهت بحالة تبرييء أمام الله !! وكان ثمنها أفدح ثمن دفع على وجه الأرض، إنه دم ابن الله .

واسـتـنـاد العلماء على قول ق. بولس بذلك في مناسبة الناموس بالنسبة لسقوطه عن الذي مات في الأصحاح السابع لا يجوز تـطـبـيـقـه هنا، لأن الناموس هو فعلاً عقد يقوم على الأحياء وليس الأموات . أما الخطية فهي في رقبة الإنسان حياً وميتاً وسيدان عليها الأحياء والأموات ، فـتـحـتـم رفعها قانونياً عن رقبة الأحياء والأموات سواء، لأن الناموس زمني هو، أما الخطية فستلاحق الإنسان، عاش أو مات، في هذا الدهر وفي الدهر الآتي …، فما أخطرها وما أرذلها !!

6: 8 «فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه » .

تحصیل حاصل ونتيجة حتمية لكل يموت فعلاً في المسيح فإنه حتماً يقوم ويحيا معه ، لماذا ؟

لأن الذي مات مع المسيح قـد تـبـرأ من الخطية كما قالت الآية السالفة، ومعروف قطعاً و بالضرورة أن كل من مات مع المسيح تبرأ من الخطية لأنه أكمل عقوبتها أي حكم الموت ، فلم يعد للموت عليه حقوق ولا سلطان : « أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية . أما شوكة الموت فهي الخطية ! » (1کو15: 55 و56 ). فلأن قيامة المسيح كانت محتمة تحتيماً لأن حكم الموت الذي مـاتـه تقبله ليس عن نفسه كأنه يستحق الموت، ولكنه تقبله من أجل البشرية بالكامل ؛ لذلك فلما أكمله تـبـرأت الـبـشـريـة مـن حـكـم الموت ومن كل ديونها من جهة الخطية. وقام المسيح حتماً وبـالـضـرورة لأنه كان غير مستحق للموت في ذاته ، في شخصه ، وحتى في جسده ، فقام بجسده ممجداً. وإذ قام أيضاً بجسد بشريتنا بعد أن برأه من الموت ومن الخطية قمنا معه باستحقاق بره وقداسته وأخذنا حياة من حياته :
+ «فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ.» (غل20:2)،
+ «لي الحياة هي المسيح . » (في1: 21)

«سنحيا … معه » :

عجيب ق. بولس حقاً أن يجعل الموت مع المسيح في الفعل الماضي كحدث كامل منته وواجب الانتهاء على مستوى التبرييء الكامل، «فالذي مات قد تبرأ من الخطية»، ثم إذ يجيء للحياة التي يتحتم أن تجيء بعد الموت فإنه يضعها في المستقبل. وهو هنا يرفع عنها ، أي عن هذه الحياة مع المسيح ، صورة الحتمية الزمنية كحدث واجب الحدوث لأن الأمر لا يزال يتعلق بالمسيرة الزمنية للإنسان. فالـتـبـرييء من الخطايا نأخذه ، وبر الله بالنعمة نعم نناله ونقيم فيه، ولكن الحياة مع المسيح تحتاج إلى سلوك واع وحذر لأنها في حقيقتها اللاهوتية ليست زمنية، الحياة مع المسيح أخروية كلية من ألفها إلى يائها، فإن استطعنا أن نأخذها الآن وفي هذا الزمن فهي مجرد عربون أو صورة مصغرة من الطوبي العظمى الموعودة .

لذلك يقول عنها في الآية (4:6): «حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب ــ هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة». هنا أعطى لنا ليس ” الحياة مع المسيح ” بل أن نسلك ـ وليس في الحياة الجديدة، بل في جدة الحياة، بمعنى أنها تتجدد لنا يوما بيوم بمقدار ما نطابق مـتـطـلـبـاتـها . فالقديس بولس حذر جدا في القطع بإمكانية بلوغ الكمال، سواء في القيامة أو الحياة الأبدية في الحاضر أو في يوم الدينونة بظهور المسيح واستعلان مقاصد الله في الحاضر. فهذه كلها يجعلها في دائرة الرجاء، الرجاء بالآتي غير المنظور، على أن الرجاء عند ق. بولس لا يقل قوة وفـاعـلـيـة عن الإيمان، ولكن الإيمان يختص بما عمل المسيح وقال، والرجاء بكل ما وعد المسيح أن يكون .

9:6 «عالمين أن المسيح بعد ما أقيم من الأموات لا يموت أيضاً. لا يسود عليه الموت بعد» .

إن قيامة المسيح من بين الأموات كانت حدثاً أخروياً لم يلحظه الزمن ولم يستطع أن يسجله لأنه كان يفوق قدرات الزمن والزمنيين على الرؤيا والمتابعة، فقيامة المسيح إن أردنا تعريفها حقيقة هي بدء الإعلان عن قيامة الدهر الآتي وبدء العد التنازلي لمجيء اليوم الأخير. لذلك اختفت قيامة المسيح من دائرة الزمن ودخلت طيات العالم الآخر مباشرة بصعوده إلى أعلى السموات . فهو لم يعد تحـت عـوامـل الـزمـن وبالتالي يستحيل أن يسود عليه الموت مرة أخرى ، لأن بقيامته أثبت أنه هزم الموت وألغى سلطانه وسيادته نهائياً !!!

القصد من هذه الآية هو وضع حد فاصل بين عمل المسيح في الموت الذي قبله بإرادته وسلطانه طاعة الله أبيه لحساب رفع خطية الإنسان وتبرئته أمام قضاء عدل الله ، وبين حياته التي دخلها في دائرة العالم الآخر حيث لا سلطان للموت عليه فيها قط . وهذا يقوله ق. بولس توطئة لتوضيح مدى تعلقنا نحن أيضاً الآن بأصول هذه الحياة الأخرى .

فإن كنا قد اتحدنا معه في موته وقيامته ، فمن جهة الموت أخذنا نصيبنا الهائل فيه إذ نلنا الـتـبـريـيء من خطايانا وانتهاء سلطان الموت علينا، ولكن من جهة القيامة من الأموات فنحن إنما تنالها بالإيمان فقط لأنها تختص بالحياة الأخروية حياة الدهر الآتي .

6: 10«لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة والحياة التي يحياها فيحياها لله » .

هنا إشارة سرية مبدعة أن المسيح لم يمت إلا عن الخطية، فكان يستحيل على المسيح أن يموت لأي سبب آخـر فـيه إلا عن خطية الإنسان التي حملها في جسده على الخشبة، لذلك مات عنها مرة واحدة و بعدها قام، فليس للموت عليه سلطان بعد أن أنهى على خطية الإنسان .

و « مـوته مرة واحدة » حقيقة لاهوتية ، فذبيحة المسيح بتقدمة نفسه لا تتكرر كذبائح الكفارة في العهد القديم لأنها ذبيحة حية دائمة قائمة في السموات ودمها يتكلم أفضل من هابيل !

ق. بولس يوضح أنه لا يمكن من جهة المسيح وبالتالي من جهة المسيحية، بعد الدخول في الحياة فيما بعد القيامة، أن توجد حياة في الخطية أو يوجد موت للخطية أو تبرييء جديد آخر من جهة المسيح للخطاة. فالموت الذي ماته قد ماته للخطية أي ليتعامل ضدها، وبالفعل أبطلها مرة واحـدة ولـن تـتـكـرر لأنه دخل مرحلة الحياة الأبدية التي تخص الله، بل وحتى مجيئه الثاني الذي ننتظره بالإيمان سيكون لا علاقة له بالخطية بالمرة : « هكذا المسيح أيضاً بعد ما قدم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه.» ( عب9: 28)

وموت المسيح للخطية مرة واحدة يحوي من المعنى كمال الكمال، إذ أنهى على الخطية تماماً حينما أبطل الموت كحكم عقاب على الخطية ، فأصبحت الخطية عند الذين نالوا حكم الموت مع المسيح بلا فاعلية . إذا أصبحت العودة للخطية ـ بعد الإيمان بالمسيح ، والانصباغ بموت المسيح ، وقبول التبرئة من حكم الدينونة، لا معنى لها ولا قبول ، توكيداً لقول ق. بولس في بدء الأصحاح : «نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها » ؟؟؟

وبمنتهى البساطة نلخص الشرح هكذا : الذي نال حكم براءة أبدية عن الخطية كيف وبأي منطق يعود إليها بعد إلا كمن يعود إلى القبر بعد أن قام حيا ؟ فالخاطيء لم ينل حكم براءة أبدية فقط بل نال هبة نعمة مقيمة وتبرير الله وحياة ؟؟

11:6 «كذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا».

كل ما قاله ق. بولس في الآيتين (9و10) السابقتين عن المسيح قالهما للتطبيق المباشر على الذين ماتوا مع المسيح وقاموا ، ماتوا عن الخطية ليحيوا حياة البر لله .

فهو يريدنا أن نطبق ما عمل المسيح من أجلنا ، فهو مات مرة واحدة عن الخطية، فنحن يلزمنا أن ندرك عـمـق هذا التعبير « مرة واحدة». وبعدها قال : «لا يسود عليه الموت بعد» أن قام ، لذلك يستبعد  عنا ق. بولس أن نعود للخطية التي مات المسيح عنها «مرة واحدة» ومتنا نحن معه في هذه المرة الواحدة. وكما أنه لن يسود عليه الموت بعد أن قام، يريدنا أن نعلم هكذا أنه يستحيل أن يموت المسيح عنا مرة ثانية إذا أخطأنا، فيتحتم أن لا نخطىء مرة ثانية، لماذا ؟ لأن المسيح بعد أن مات وقـام فـهـو يـحـيـا لله، لذلك فبعدما أقامنا الله مع المسيح من موت الذنوب والخطايا فقد انفتحت لنا الحياة مع الله . فالحياة التي نحياها بعد تبرير الله لنا يلزم أن تكون الله وليس في الخطية. كما قالها ق. بولس عن نفسه :

+ «مع المسيح صلبتُ، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي . » (غل2: 20)

ولقد وضعها ق. بولس بشكل آخر، متشدداً وبشيء من التحذير المخيف : «فإنه إن أخطأنا بـاخـتـيـارنـا، بعد ما أخذنا معرفة الحق لا يبقى بعد ذبيحة (صليب ) عن الخطايا بل قبول دينونة مخيف وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين » ( عب 10: 26و27 )؛ وذلك في أمر اليهود المتنصرين الذين كانت تتلاعب بهم الأهواء من جهة جحد الإيمان بالمسيح والعودة إلى اليهودية حيث كلمة «أخطأنا » هنا لا تفيد خطية أخلاقية بل خطية إيمانية منصبة على جحد المسيح بالإرادة الحرة !!

وهنا في سفر العبرانيين يفهم هذا التحذير المريع على أساس أنه بمجرد أن يجحد اليهودي المتنصر إيمانه بالمسيح بعد أن يكون عرف أنه هو الحق، فإن ناموس موسى نفسه يرتد عليه لأنه معروف أن الذبائح جميعاً هي للتكفير عن خطايا السهو فقط وليس العمد، لأن خطية العمد ليس لها تكفير أو غـفـران بـل حـكـم المـوت بلا رحمة ، لذلك يقول : «إن أخطأنا باختيارنا » بمعنى خطية الإرادة المتعمدة، وهنا لا يكون له ذبيحة تكفير بل موت بلا رحمة .

وفي الآية (11) يـذكـرنا ق. بولس أننا « متنا مع المسيح » ، وهكذا حسب الله إيماننا بموت المسيح الذي من أجلنا، موتا لنا أيضاً فيه، فيقول :

«احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية » :

حيث كلمة احسبوا هي نفس الكلمة التي قيلت لإبراهيم : «فآمن بالرب فحسبه له برا» (تك 6:15). ومعنى القول أنه كما حسب الله إيمان إبراهيم برا، هكذا وبنفس اليقين وبنفس الإيمان «احـسـبـوا ـ ( والأمر هنا صادر من الله وموجه لنا على فم ق. بولس بالروح ، فهو أمر إلهي واجب التنفيذ) ـ أنفسكم أمواتاً عن الخطية » . وهذا يعني أولا : أنكم صـرتـم مبرئين منها ، وثانياً : أنها أصبحت ليست ذات سلطان عليكم ، وثالثاً: أن ترفضها قلوبكم وأجسادكم وكأنها ماتت من نحوها ، وما شأن الميت بعد بملذات الدنيا وشهواتها وكذبها وغرورها وزناها ؟

« ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا » :

الذي مات عن الخطية فحتماً يحيا الله ، والمسيح نموذج ومصدر. فالمسيح «مات للخطية مرة واحدة ، والحياة التي يحياها فيحياها الله » . هكذا كما متنا معه عن الخطية يتحتم بمنطق المسيح أن نحيا بقوة قداسته الله . علماً بأنه يستحيل أن نحيا الله بدون المسيح، ففيه وحده نعيش ونتراءى ـ بجرأة ـ أمام الله كل حين .

وحـيـنـمـا يـقـال عـن المسيح أنه يحيا الله ، فهذا معناه أنها حياة الحق والدوام. وهنا قوة المصدر الذي منه نستمد حياتنا لله . فالذي مات عن الخطية على مستوى المسيح ومعه، يحيا الله على مستوى المسيح وله أيضاً، ولا عودة لحياة الخطية إلا بإنكار المسيح الرب.

والسؤال الهام : فماذا لو أخطأنا ؟

الجواب يقوله يوحنا الرسول في مسلسل توضيحي مبدع :

+ « إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية ، 
إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا ،
إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم ،
 قلنا إننا لم نخطىء نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا،
يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع
المسيح البار،
وهـو كـفـارة (دائمة) لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا. » (1يو1: 7-10 ، 2: 1و2
)

وهنا وإن كان يعوزنا المكان والزمان لنوفي هذه الآيات حقتها بالشرح المستفيض، ولكن يكفي نقول إنه هكذا صارت كل خطية نعملها قابلة للصفح والغفران ؛ بل وللتطهير بدم المسيح، إن اعترفنا بها لدى الله والكنيسة، ولكن لدى الله أولا .

علما بأن الخطية الآن بعد موت المسيح وقيامته صارت فاقدة سلطانها القاتل بسبب دم المسيح المحسوب أنه دم كفارة قائم دائماً أمام الله يحمل اسمنا . فهو من جهة خطايانا ككل، محسوب أنه الفادي ؛ وكل خطية تصدر عنا بعد ذلك فهي تجوز على دم المسيح في الاعتراف فننال عنها تطهيراً.

[ 12:6- 23] تحررنا للطاعة، لتحقيق عمل بر الله في حياتنا

نداء لتقديس الجسد (12:6-14):

هنا يدخل ق. بولس صراحة في كيف نحسب أنفسنا أمواتاً عن الخطية وأحياء الله في المسيح .

12:6 «إذا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته » .

ق. بولس يبدأ منطلقاً من تقرير حقيقة يلزم أن نكون قد استوعبناها ، وهي أننا بموتنا مع المسيح صـرنـا أحـراراً من الخطية، وأن الخطية فقدت سلطانها علينا إذ رفع عنا حكم الموت، وأننا قد متنا عن الخطية وتبرأنا منها ، فأصبحت أية علاقة جديدة بيننا وبين الخطية هي بمثابة محاولة تمليك إرادي للخطية من جديد في أجسادنا التي طلبت مع المسيح !

ولـكـن لا يزال هناك معنى مستتر لا يستهان به في قول ق. بولس : «لا تملكن الخطية » ، وهو أن الخـطـيـة نفسها فقدت قدرتها على التملك: وإلا ما كان يقول ق. بولس لا تملكن الخطية ، شـأنـنـا في ذلك شأن عبد قد تحرر من عبوديته بدفع ثمن باهظ ، فنقول له لا تعد تتعبد لأحد ثانية ! فهو الآن حر ولا سيد عليه !!

«في جسدكم المائت» :

تكرار لما سبق وقاله ق. بولس : «نحن الذين متنا عن الخطية» ، « اعتمدنا لموته فدفنا معه » ، « مـتـحـديـن معـه بـشـبه موته » ، « إنساننا العتيق قد صلب»، «لیبطل جسد الخطية »، « الذي مات قد تبرأ من الخطية»، «قد متنا مع المسيح » ، « احسبوا أنفسكم أمواتاً » .

وهـنـا يـوضح أن أية علاقة بين الجسد الذي مات مع المسيح على الصليب ، وبين الخطية مرة أخـرى ، هي بمثابة إعادة تقييد العبد لنفسه بأن يضع بيده الطوق الحديد في رقبته بعد أن فكه سيده وأطلقه حرا .

أمـا بـالمـفـهـوم الـسـيـكـولـوجـي والـفسيولوجي العلمي، أي فيما يختص بعلم النفس ووظائف الأعـضـاء ، فإن سلطان الروح القدس على النفس البشرية وتشببها بالروح ، وحبها للمسيح والآب ، وفـرحـهـا بـالـرب وسعادتها بطهارتها وقداستها الجديدة، ودخولها في زمرة قديسي الله ، يجعل الغرائز والـشـهـوات الجسدية والأفكار المنحرفة تهدأ وتكف عن الإلحاح والثورة ، فالعين تتعفف مع الأذن ، والإرادة تـفـزع مـن تـصـور الانـحـرافـات . فنجد أن الإنسان يمتنع تلقائياً عن الأعمال والتصرفات السلبية جميعاً ويكف عن الانغماس في الشهوات ، والعقل لا يعود يتصورها أو يتعامل معها ، وهكذا تصير جميع أعـضـاء الإنسان الجسدية والنفسية رافضة لقبول ، أو للتعامل مع ، الخطية والانفعال بها أعضاء الإنسان فعلاً وقد ماتت تجاه الخطية ولا يوجد لها حتى ولا أية استجابة حتی بالفكر، فتبدو تجاه أية خطية بفعل نشاط النعمة .

هنا ق. بولس يحذر، أنه بعد هذا المكسب الهائل، إذا تهاون الإنسان و بدأ يداعب الخطية ، فإن الأعضاء والأفكار والإرادة الجسدية تستيقظ وكأنها كانت مائتة ثم بدأت تحيا وتتحرك وتنفعل مرة أخرى للخطية، هذه جريمة، كمن يروض طفلاً بريئاً طاهراً على اقتراف الخطية. والخطية ـ التي دفع الإنسان ثمن تحرره منها ليس من ماله ولا من صلب حاله ؛ بل دم المسيح ابن الله، وأخذ وثيقة بأنها حسبت بالنسبة له وقد ماتت ولا وجود لها ، يعود الإنسان ويربي بذرتها النجسة مرة أخرى في لحمه ودمه لكي تنمو وتتفرخ وتصير خطية قاتلة تحتاج لمسيح يُصلب ثانية ؟؟

هذا الموقف بالذات لمثل هؤلاء المرتدين إلى الخطية يقول عنهم ق. بولس في سفر العبرانيين : «إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه . » ( عب6: 6).

إذا علينا أن نحترس من هذا العدو المائت ـ الخطية ـ الذي لا يزال له في أجسادنا وغرائزنا جواسيس وعملاء خونة تتجسس على إرادة ضمائرنا كل ساعة ؛ حتى إذا وجدت ميلاً نحو الخطية ، تـرسـل إشـارتـهـا لسيدها الميت المقهور ليقوم ويملك ولو في موته : فلا تملكن الخطية الميتة في جسدكم الميـت لـكـي تـطـيـعـوها بعد هذا كله في شهواته التي تلخ داخلكم تطلب العودة إلى سيرتها الأولى المرذولة . « أما الروح فنشيط ، وأما الجسد فضعيف . » (مت26: 41)

13:6 «ولا تـقـدمـوا أعـضـاءكـم آلات إثـم للـخـطـيـة بل قدموا ذواتكم الله ك له كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر الله » .

«آلات»: = أسلحة .

الترجمة العربية غير دقيقة فهي ليست آلات بل أسلحة. فالقديس بولس يصورها أنها حرب الله ضـد الخـطـيـة في داخل الإنسان . فآدم بادىء الأمر لم يسلمنا أنواع خطايا بل سلمنا طبيعة تصلح أعضاؤها أن تمتلكها الخطية فتحارب بها الله !!!

وأعـضـاء الجـسـد لـيـسـت هـي فـقـط العين والأذن واللسان واليد والرجل. بل كل الملكات faculties في الإنسان، الـراقـيـة وغير الراقية : الفهم والوعي والذكاء والضمير والإحساس ومراكز الإرادة والتدبير والتحكيم والإفراز وكل الغرائز بتعددها ، بل وكل المراكز العليا الأربعة والعشرين في المخ، هذه كلها تعرضت للتلف بخطية آدم لأنها انفتحت على صوت الشيطان واستوعبته ، وهكذا أخضعها الإنسان الأول بمشيئته لمشورة الشيطان فوجد له فيها مكانة الآمر والمتسلط ، وهكذا نحـن اسـتـلـمـناها في طبيعتنا التي ورثناها من آدم مجروحة بخديعة الشيطان وقابلة للإنفتاح عليه . وأصـبـحـنـا تُـسـأل عـن مـدى الخضوع للشيطان علماً بأننا غير مجبرين على الخضوع ، فهذا الأمر بقي الإنسان فيه حرا.

وهـا نـحـن قـد عـرفـنـا مـا اكتسبه لنا المسيح للطبيعة البشرية الجديدة، كيف أمات الخطية في الجسد ففقدت الخطية تسلطها على أعضاء الإنسان، وكيف ألغي سلطان الموت فحرر الإنسان وكل أعـضـائه من الموت الذي كان الإنسان واقعاً تحت عبوديته بسبب الخوف كل أيام حياته . ومعروف في علم النفس أن الخوف ينهي على سلطان الإرادة في الاختيار. فالمسيح أعاد للجسد حريته وافـتـخـاره بـبـنـوته الله فأعاد لأعضائه الهدوء والثقة والسلام وعدم الخوف ، حتى إذا اختار الإنسان يختار بإرادة سليمة كاملة حرة .

هكذا أعاد الله للإنسان قدرة الوقوف مرة أخرى أمام شجرة معرفة الخير والشر قادراً أن ينحاز للخير ويحارب بأعضاء ذهنه الجديد وطبيعته الجديدة ضد أية سلطة للشر ويخضعها لبر الله : + «لأننا وإن كنا نسلك في الجسد، لسنا حسب الجسد نحارب . إذ أسلحة محاربتنا ليست جـسـديـة (كما للإنسان العتيق المجروح بجرح الشيطان ) بل قادرة بالله ( أعضاء تقدست بـالـروح ) على هدم حصون . هادمين ظنوناً وكل غلو يرتفع ضد معرفة الله ، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح . » (2کو10: 3-5)

«كأحياء من الأموات » :

بعد سقوط الإنـسـان فـريـسة لمعرفة الشر وفقدانه القدرة على المقاومة وتمرسه في معرفة أسباب سقوطه وضعفه وإدراكه لمداخل الشيطان ودهائه وخداعه في جذب الفكر والإرادة والشهوات كلها لصفه وإخضاعها لسيادته واستخدامه لأعز ما يملك الإنسان من ملكات عليا وشريفة لتعمل لحسابه وتنحط إلى أسوأ صورة من الحيوانية ، نقول بعد هذا حينما يقوم الإنسان الميت من ذنوبه وآثامه بقوة الله ويأخذ حياته في المسيح ، تصبح درايته السالفة بأعمال الخطية وخداع الشيطان لمضافة لقدراته في المحاربة ضد كل حيل العدو.

لذلك، فإن تأكيد ق. بولس على مهارتنا في استخدام أعضائنا كأسلحة تخدم بر الله وتحارب لحسابه ، إنما يقوم على خبرتنا المرة السابقة التي اكتسبناها من أيام انهزامنا وعبوديتنا السابقة عندما كنـا كـأمـوات في الذنوب والخطايا . لذلك ترتفع هنا قيمة قوله : «كأحياء من الأموات » ، أو عند قوله : «لأننا لا نجهل أفكاره . » (2کو2: 11).

14:6 «فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة».

هنا ثلاثة ملوك وثلاث سيادات ، وثلاثة عبيد بالتالي : الخطية وسلطانها ، والناموس وسلطانه ، والنعمة وسلطانها . وعبيد الخطية ، وعبيد الناموس ، وعبيد النعمة.

وهي تمثل الثلاث الأحقاب التي مرّ تحتها الإنسان.

حقبة ما بعد آدم وهي حقبة اللاناموس واللانعمة حيث ملكت الخطية بالموت ، وحقبة الناموس والـلانـعـمة حيث ملكت الخـطـيـة بالوصية وقتلت الإنسان بالوصية، وحقبة النعمة حيث أبطل الناموس وأبطل الموت كعقوبة فأبطلت الخطية وملكت النعمة .

فهنا يهتف ق. بولس مقويا ومشجعاً الذين دخلوا عهد نعمة ربنا يسوع المسيح لينير أذهان قلوبهم أن جـهـادهـم ضد الخطية بأسلحة البر أي بتسليح أعضاء الجسد بالروح في حربهم إزاء الخـطـيـة مـضـمـونة النصرة، إذ أن الخطية فقدت سلطانها وسيادتها، إذ فقدت الناموس والموت معاً اللذين كانت تختبىء فيهما ، فلا وصية ناموس و بالتالي لا تعدي، حيث لا تعود تحسب الخطية ، ولا الموت بعد، كل هذا زال ببر الله المستعلن في موت المسيح وقيامته .

«تحت النعمة»:

هنا النعمة ذات سيادة فهي نعمة الله ، والله العامل بنعمته ، ونعمته كملت للإنسان بالفداء بيسوع المسيح الذي رفع الخطايا وألغى الموت وأعطى ناموس روح الحياة في المسيح يسوع عوض نـامـوس الخطية والموت. ونعمة الله عملها الأول والأساسي وهدفها الأول والأخير خلاص الإنسان من سلطان الخطية والعالم وحفظ الإنسان في العالم في اسم المسيح لنوال نصيبه المحفوظ له في السموات .

إذا «تحت النعمة» تعني تحت عناية ورعاية الله وتدبيره الذي يقود الإنسان إلى ميراثه الأبدي مع يسوع المسيح . وفي هذا الإطار الواقي الناري لا تستطيع الخطية أن تستعيد سيادتها مرة أخرى لو استجاب الإنسان وخضع لتيار النعمة، فالمنقادون بروح الله أولئك هم أولاد الله المحفوظون بنعمة الله.

فالنعمة هي قوة الله السرية أي الخفية التي تسكن أعضاء الإنسان العائش تحت خضوع النعمة بـالـتـقـوى ، يتسمع تدبيرها أولا بأول ويستجيب لإيحاءاتها ومشوراتها وهاتف الخير الذي تهتف به داخل القلب ليل نهار، و بهذا تتقوى الأعضاء وتصبح قادرة أن تقاوم وتغلب .

وقفة قصيرة للمراجعة

ماذا يريد أن يقول لنا ق. بولس في هذه الأعداد الأربعة عشر؟

ونحن نختصرها :

ـ كيف نعيش في الخطية بعد أن متنا عنها ؟
ـ وإننا إذ قمنا مع المسيح فنحن نسلك جدة الحياة، لأننا اتحدنا معه في قيامته .
ـ وإن إنـسـانـنـا الـعـتـيـق الآدمي صلب مع المسيح ليبطل جسد الخطية حتى لا نعود تستعبد للخطية.
ـ وأن الذي مات بموت المسيح قد تبرأ من الخطية، والآن نحن نحيا معه .
ـ أي أننا أموات بالنسبة للخطية ، أحياء لله بالمسيح .
ـ فمطلوب أن لا نعود ونملك الخطية في جسد مائت عنها .
ـ بل علينا أن نقاوم الخطية ونجعل أجسادنا لخدمة البر كمن دخل الموت وخرج منه وعرف الخطية وعرف الحياة .
ـ وأن الخطية أصبحت لا سيادة لها على من هم تحت النعمة. 

 

فإلى ماذا ينتهي فكر ق . بولس من هذه الآيات ؟

يقول ق . بولس: إننا نـحـن الـذيـن نـلنا بر الله بالمسيح، البر الذي استعلن في موت المسيح وقيامته بجسد بشريتنا، الذي بموته تخلصنا من الخطية والموت و بقيامته نلنا الحياة مع الله في جسد بشريتنا الجديد في المسيح ، أصبح يتحتم علينا أن نترجم بر الله ونعمته فينا بالسلوك الأخلاقي الذي يليق بالحياة مع الله ، وبذلك نـعـلـن بأجسادنا حقيقة القيامة وحقيقة الدهر الآتي، أي بالمنظور نعلن غير المنظور، أي ونحن في صميم هذا الدهر وفي جسدنا هذا نعيش ونشهد للحياة الجديدة مع الله.

من أما من جهة الخطية، فهي وإن كانت لن تكف عن حربها ، إلا أننا بقوة النعمة المتحصلة . بر الله والتي تسكن الآن في أجسادنا وتملك فكرنا ومشاعرنا ، مطالبون أن لا نعطيها فرصة السيادة عـلـيـنـا بعد أن أفقدها المسيح هذه السيادة وحرر الجسد من سلطانها ، إذ كسر سلطان الموت الذي تعمل به، مهما كلفنا ذلك من ضبط وتضييق على الجسد والشهوات وإماتة الأعضاء عن الشهوات ! «فأطـلـب إلـيـكـم أيها الإخـوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية . » (رو1:12)

نحن أحرار قبل أن نطيع الخطية
، فإذا أطعنا الخطية صرنا عبيداً لها !

15:6و16 «فماذا إذاً؟ أنخطىء لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة ؟ حاشا . ألستُم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة أنتم عبيد للذي تطيعونه إما للخطية للموت أو للطاعة للبر».

في بداية الأصحاح السادس وضع ق. بولس السؤال الاستنكاري : « أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة» ؟ رداً على الحقيقة أن ازدياد الخطايا عند الإنسان قبل المسيح أنشأ في المقابل نعمة بزيادة أكـثـر بـالمسيح يسوع لتعادلها وترفعها وتحل محلها في العهد الجديد . و بعدها بدأ ق . بولس يوضح قوة النعمة في مقابل انهزام الخطية بموت المسيح وقيامته . فالنعمة والخطية، لا يجتمعان ، كالحياة والموت اللذين لا يجتمعان.

الخطية هنا عاد ليضع المقابلة بين الناموس والنعمة، وهي مقابلة ليست أبدأ كالمقابلة بين والنعمة. لأننـا لـو سـرنـا بـالـتوازي مع ما قاله ق. بولس بين الخطية والنعمة تكون الإجابة هنا كالآتي: أنخطىء لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة ؟ ، والرد : حاشا ، لأن تحرري من الـنـامـوس ـ بـسـبـب نـعـمـة المسيح ـ لا يعطيني الحق أن أخطىء إلى الناموس، لأن وصايا الناموس هي كلها ضد الخطايا. إذا فحينما أكون تحت النعمة أكون حرا من الناموس حقاً، ولكن لست حرا أن أخطىء. لأن أي وقوع تحت الخطية يلغي حريتي في الحال ويجعلني عبداً للخطية .

وهـنـا يـنـتقل ق. بولس من المقارنة بين سيادة الناموس وسيادة النعمة إلى سيادة الخطية وهي بيت القصيد . فيوضح كيف تتم سيادة الخطية، أي كيف تملك الخطية على الإنسان وتستعبد فكره وجسده وإرادته وكل شيء. وذلك بأن يطيع إيحاءاتها ويخضع لفعلها .

وهـنـا يـعـود ويضع مقارنة جديدة بين سيادة الخطية وسيادة البر على الإنسان وذلك بطاعة أي منهما. والقصد أن الذي يسلك في بر المسيح يثبت طاعته للمسيح، والذي يسلك في حياة الخطية يثبت أنه أصـبـح عـبـدأ للخطية. ولكن يستحيل أن يجمع الاثنين معاً في حياته، لأنه كما قال الرب ، لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين :

+ «لا يـقـدر أحد أن يخـدم سـيـديـن لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. » (مت6: 24)

+ «أجـابـهـم يـسـوع الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية … فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً . » (يو8: 34و36)

+ « أيها الأولاد لا يضلكم أحد، من يفعل البر فهو بار. » (1یو7:3).

«عبيد للذي تطيعونه إما للخطية للموت أو للطاعة للبر» :

هنا العبودية ليست للطاعة في الحقيقة ولكن «للذي تطيعونه » ، ثم عاد ق . بولس ووضع الخطية أو الـبـر وكأنه هو ما نطيعه ، ولكن الحقيقة أن الطاعة لا تقدم إلا الله في وضعها الأصيل. ففي حالة البر تكون طاعة الله للبر، أما الخطية، فيقال أيضاً ، تجاوزاً ، بطاعتها . ولكن الذي نطيعه في أمر الخطية هو الشيطان . هذا أوضحه ق . يوحنا بكل صراحة وجرأة : « من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطىء . » (1یو8:3)

هكذا، إذا أطعنا الله صنعنا البر، وإذا خضعنا للشيطان صنعنا الخطية . لذلك كانت بالضرورة طـاعـة الـبـر للـتـبـريـر وطاعة الخطية للموت . على أن الموت ليس • الجسد بل الموت النهائي الأبدي الذي يستعلن يوم الدينونة .

كذلك التبرير فهو لحياة البر التي تتوج بالخلاص والحياة الأبدية .

17:6 و18 «فشكراً لله أنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها ، وإذ أعتقثم من الخطية صرتُم عبيداً للبر» .

ق. بولس يـعـود بـسـامـعـيـه فجأة إلى أجمل وأعز يوم في حياتهم عندما أقبلوا على الإيمان بغيرة وصـدق وفرح ، كيف أصـغـوا إلى وصايا الإيمان التي لقنوها وصية وصية، كما يسلم أب ابنه سر الحياة والسعادة التي استلمها هو واختبرها وذاقها . وهكذا يذكرهم كيف انتقلوا هذه النقلة العظمى من العبودية المرة للخطية إلى حرية أولاد الله في المجد . ولكن لغة ق. بولس توضح أنهم إذ قبلوا من القلب التزموا التزاماً بما قبلوا .

«أطعتم من القلب » :

هكذا يحدد ق . بولس كيف يقبل الإنسان الإيمان المسيحي با وهنا ينتقل الخبر إلى الإيمان والإيمان إلى التزام !

مفهوم الطاعة هنا في هذا المجال بالنسبة للبر يعني الإيمان الوثيق الذي قبله الإنسان بالروح وأدخـلـه حـيـز الـتـطـبيق العملي على أساس وعد الإنجيل وليس مجرد الخضوع ، فالطاعة في الإنجيل الممسوكة بالوعد لها قوة المقاومة ضد الخطية بصورة ضارية ، إذ يحسب الإنسان الذي أطاع حق الله في الإنـجـيـل وقـبـل الـبـر كحياة، أن مجرد تلويح الشيطان بالخطية ولو من بعيد يكون بمثابة إعلان حرب واستنفار كل قوى الإيمان للمواجهة .

« صورة التعليم التي تسلمتموها » :
هنا ثلاث كلمات تقليدية في الكنيسة لا تزال هي بنفسها أساس تقبل الإيمان المسيحي : صورة  وتعليم  وتسليم أو تقليد.

« صورة » : 

هنا كلمة «صورة» لا تفيد نسخة من التعليم ، ولكن تفيد طبعة أصيلة أو مثل أصيل من الـتـعـلـيـم لـيست مكتوبة ولكن هيئة صحيحة منطوقة . وقد أوضحها ق. بولس في مواضع أخرى : «تمسك بـصـورة الـكـلام  الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع » ( 2تي1: 13)، « وأما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح » (تي2: 1). واضح هنا أن المسألة ليست مجرد تعليم ، بل تلقين وتوضيح يشمل كل ما يحيط بالإيمان من فهم وفكر وسـلـوك أخلاقي. هنـا تـأتي الطاعة بمفهومها العملي ، فإطاعة التعليم الصحيح إنما تختص بتطبيقه بإخلاص كما هو. وهنا يأتي شرح قول ق. بولس واصفاً انتقالهم من سيرة الخطية إلى سيرة المسيح التي فعلا تستحق الشكر الله . نستخلص من هذا أن تسليم الإيمان المسيحي لم يكن مجرد تلقين مبادىء ، بل طبع أخلاق وسلوك على المستوى العملي مما يحتاج إلى طاعة حقيقية من قلب صادق .

كما يلاحظ هنا أن ق . بولس لا يقول إنهم سلموهم صورة التعليم بل إنهم تسلموا هم صورة التعليم ، مما يفيد حرية الإرادة المطلقة والشغف الواضح من القلب الذي به أقبلوا على تسلم الإيمان على مستوى الإلتزام العام بكل ما يقتضيه قبول الإيمان بالإنجيل من كل القلب.

يلاحظ هنا أن الطاعة في المسيحية، وفي مفهوم قبول الإيمان بالمعمودية بصورة خاصة ، لا يفيد الـطـاعـة الخلقية السلوكية المعروفة كفضيلة ، فهذه ثمرة لطاعة الإيمان الأصلي . لأنه في طقس جحد الشيطان الذي كان يتم قبل إجراء المعمودية ، يكون المعتمد قد تخلص من كل القوى المسيطرة على فـكـره وإرادته ، وهـكـذا يـتـأهل لطاعة الإيمان في شخص المسيح. وهكذا ترتبط المعمودية بإجرائها السرائري بالطاعة ، طاعة الإيمان، إيمان ابن الله ، وبالتالي ترتبط ببر المسيح الممنوح للمعمد. وهكذا تتأسس الروابط الخالدة التي تربط المعمد من خلال المعمودية ببر الله في المسيح حيث يأخذ المسيح بالنسبة للمعتمد موضع الرب والسيد. من هنا تأخذ كلمة «العبودية» للبر والمسيح أعظم وأعلى مفهومها. وإذا لاحظ القارىء يجد ق. بولس منشغلاً جداً في هذا الأصحاح بكلمة «عبد» و « الـعـبـوديـة» بـصـورة زائدة ، لأنها تملأ كيان فكره ، ففي الآيات من (١٥-٢٢) ذكرها ثماني مرات !! وكأنما يريد أن يغسل كلمة : «العبودية للخطية» بماء النعمة والروح ليجعلها هي بذاتها فـخـر الـقـداسـة والـتـقـديس . فـ «عبودية البر» عند ق. بولس هي قمة القداسة وقمة الحرية وقمة الـطـاعـة من القلب . وطوبى للإنسان الذي يكتشف طريقه ليبيع كل حرية كاذبة له ويتعبد بكل مـلـكـاتـه لـبر الله في المسيح يسوع ، بر الإيمان ، بر الموت بموت المسيح و بر القيامة بقيامته ، برا النعمة المنسكبة من الله على الذين أحبوه .

كذلك عندما يأتي تسليم الإيمان في الإنجيل بصورة المبني للمجهول للفاعل ، فإن هذا بوحي إلينا في الحال أن العامل الإلهي موجود في التسليم . فقد تسلموا التعليم على يد من علموهم ، أما الروح والأمانة والتقوى والإخلاص والصدق فهذه كلها وهبت لهم من النعمة لحظة العماد، وذلك بحسب الإيمان المسيحي التقليدي في الكنيسة الأرثوذكسية، أن المسيح نفسه هو الذي يعطي بالسر مـوتـه وقـيـامـتـه في المعمودية، ودمه وجسده في الإفخارستيا، وهو الذي يضع يده في مسحة الزيت للشفاء ، وهو الذي يقدس ويبارك كل أسرار الكنيسة .

«وإذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيداً للبر»:

هذه جملة مضافة إلى الآية السابقة ومبنية عليها . فتسلمهم صورة الإيمان الصحيح بطاعة صادقة من الـقـلـب هـو الـذي نقلهم من حالة العبودية تحت الخطية التي كانوا ممسوكين فيها وكانت هي ماسكة برقابهم ، إلى حالة العتق منها والتحرر النهائي من عبوديتها. 

ويلاحظ هنا عملية الانتقال من عبودية لعبودية ، وشتان الفارق بين هذه وتلك . لأن تلك هي عبودية الموت أما هذه فعبودية الحياة، والتعبد للحياة ملء الحياة هي الحرية في أعلى وأعظم مفهومها العملي . لأنه ليست هناك حرية بدون عمل أو هدف ، فلا يوجد إنسان حر من الشيطان والله ، من الخطـيـة والـبـر، من الباطل والحق . ولكن لا ينعتق من الخطية إلا من التصق بالله ويره، والذي يلتصق بالله يستعبد الناس بحبه .

19:6 «أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم، لأنه كما قدمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة» .

« أتكلم إنسانياً » :

بولس الرسول يعتذر، إذ اضطر إلى استخدام المقارنة المخزية بين تقديم الأعضاء عبيداً للنجاسة ثم وبنفس اللفظ وفي نفس المستوى في خدمة الله . وهذا لا يليق ، لأنه لا يصح أن يقال أننا نقدم أعـضـاءنـا عـبـيـداً للقداسة. لأن خدمة الله في الحقيقة ليست عبودية ، ولكن حرية : «فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة …» (غل5: 13). لذلك يقول إنه يتكلم بلغة وفكر بشريين معتذراً : « أتكلم إنسانياً»، لأنه ليس هكذا يليق التكلم في الإلهيات. غير أن بولس الرسول يجترىء عليهم ، لأنهم قد سبقوا وعاثوا فساداً بأجسادهم . فهو يقول لهم، ليس أقل ، كما خدمتم الخطية هكذا باجتهاد ، فماذا لو خدمتم القداسة بذات الاجتهاد . والفارق بين عبودية الخطيـة وعـبـوديـة الله معروف لديهم . فالأولى نجاسة، والثانية قداسة : «لأن هذه هي إرادة الله قـداسـتـكـم أن تمـتـنـعـوا عن الزنا » ( 1تس3:4)، «لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة . »(1تس7:4)

«من أجل ضعف جسدكم » :

كذلك أيضاً، فإنه في قول بولس الرسول : « أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسد كم»، أي بـخـصـوص خضوعكم للشهوات والمخازي التي كنتم تقترفونها وتدفعون فيها بسخاء ، يريد أن يقول إنه الآن جاء الوقت الذي فـيـه تـتعبدون للبر بنفس القوة والسخاء لتتقدس سيرتكم . علماً بأن عـبـوديـة الخطية هي فعلاً عبودية للجسد والروح معاً، أما عبودية البر فهي في حقيقتها حرية للجسد والروح معاً. إنما اللفظة هنا شكلية محضة. فإن كان المسيح من أجل تحقيق البر أخذ شكل العبد ، فلسنا نحن بالأولى أفضل. فإن أردنا أن نحصل على البر، فليس أمامنا إلا الطريق عينه، الذي به وحده ننال الحرية حرية البنين الله . 

« للقداسة » : 

الـتـقـديـس الاصطلاح هنا سرائري تعميدي لأن العماد بجملته سر تقديس : « هكذا كان أناس منكم ، لـكـن اغتسلتم ، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع و بروح إلهنا » ( 1كو11:6). هنا يقع مـوازيـا للتبرير، حيث التقديس هو حالة قائمة يمارسها المعمد في حياته يوماً بعد يوم ، ولـكـنـهـا في مـضـمـونـهـا الـكلي هـي عـمـل أخـروي ، فـقـديسو العلي هم المدعوون لميراث المملكة (دا22:7).

وفي هذه الآية تنسب القداسة للأعضاء، وذلك بمعنى تعبدها الكلي لله وانقطاعها عن الميل إلى الـعـالـم . والـفـرق بين وصـف بولس الرسول للأعضاء في الآية 13 : « وأعضاءكم آلات بر الله » و بين وصف الأعضاء هنا : «قدموا أعضاء كم عبيداً للبر للقداسة » ، نقول إن الفارق هنا يبدو في تـقـديـم الجسد «ذبيحة». فالتعبد للقداسة أو خدمتها هي لغة ذبائحية حيث تتقدس الذبيحة بالبذل. فمـطـلـب الـبـر علينا هو الإنصياع الكلي لمطالبه ، أما مطلب التقديس فهو التطبيق على جزئيات الكيان : الفكر، القلب ، الضمير، الإرادة ، الجسد، اللسان ، اليد، كل ما للإنسان .

20:6 و21 «لأنكم لما كنتم عبيد الخطية، كنتم أحراراً من البر. فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن. لأن نهاية تلك الأمور هي الموت» .

هـنـا يـسـتـتـر مـنطق أدبي عميق لبولس الرسول . فهو باختصار يقول لهم : لما حسبتم أنفسكم أحراراً ــ بـدون المسيح ـ كنتم في نقع الخطية عبيداً مقيدين بشهواتها ، فماذا بقي لكم من هذه الحرية الوهمية الكاذبة إلا المخازي التي كلما تتذكرونها يأخذكم الدوار والحزن والخجل ؟ ثم إذا كنتم بقيتم فيها ، ماذا كانت النهاية إلا الهلاك المؤكد! و باختصار لما تحررتم غشأ وخداعاً، وقعتم في عـبـوديـة الخطية المهلكة، ولما تحررتم حقاً و بالمسيح انعتقثم من الخطية المهلكة ودخلتم بحريتكم الحقيقية في عبودية المسيح التي وهبتكم الحياة الأبدية .

22:6 « وأما الآن إذ اعـتـقتُم من الخطية وصرتُم عبيداً لله . فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية» .

والآن، وبالمعمودية ، وقد نلتم الانعتاق من الخطية وأصبحتم أحراراً بالحق ، صرتم و بحريتكم هذه عبيداً لله . وها هو ثمركم يتبعكم كل يوم في مسيرة مقدسة تسيرونها على الأرض وتكتب لكم في السماء لحياة أبدية .

وهكذا، فالحرية الكاذبة أوقعت في العبودية للخطية للهلاك، والطاعة الصادقة من القلب للبر والتعبد الله ، أنشأت حرية للقداسة والحياة الأبدية .

6: 23 «لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا » .

وإلى هنا يضع بولس الرسول الرحال بعد تجواله في هذا الأصحاح القائم على ما جلبته الخطية على الإنسان، وكيف انسلخ منها بعد أن نشبت في جسده العتيق وأورثته الرعبة من النظر إلى خلف حيث الخراب الذي خلفته له في الماضي. وقد نجح بولس الرسول في إقناعنا باستحالة الجمع بين الخطية والبر كاستحالة الجمع بين الحياة والموت ، أو العبودية مع الحرية. كما رغبنا وسهل لنا إمـكـانـيـة الارتماء في التعبد الله والانغماس في البر بنفس السخاء والاجتهاد والغيرة التي كنا نتعبد بها للخطية .

وأخـيـراً، وفي كلمة مقتضبة ، وضع الخطية أمامنا ، وبجوارها أجرتها وهي الهلاك والموت ؛ هذا في نـاحـيـة؛ وفي الناحية الأخرى وضع النعمة ومواهبها تحيط بها الحياة الأبدية والمسيح قائم يحتضن محبيها . وقال لنا : اختاروا : «أشهد عليكم اليوم السماء والأرض، قد جعلتُ قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك ، إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به لأنه هو حياتك …» (تث30: 19و20)

«أجرة » : 

هذه الـكـلـمـة بـالـيـونانية لا تفيد في الواقع ما يساوي العمل تماماً، ولكنها في الأصل اليوناني اسـتـخـدمـت فيما كان يعطى للجندي نظير عمله، فهي أجرة فيها إجحاف كأجرة المسخر الذي لا يعطى مـا يـسـاوي عـمـلـه تماماً، ولكن ما يخزي العين فقط . وهي في أصل اللغة تختص ببعض سـمـكـات قـلـيـلة تعطى مع الخبز كأجرة أجير مسخر. لأن كلمة مأخوذة من … وهو الإدام أي ما يؤكل من السمك مع الخبز و (يو6: 9) أي صغار السمك . وقد تحولت مع الأيام إلى التعبير عن معنى الأجرة القليلة. وقد أوردها بولس الرسول في موضع سابق : « من تجند قط على نفقة نفسه . » (1کو9: 7)

«أجرة وهبة » : 

يلذ لبولس الرسول أن يضع المتناقضات الشديدة في مواجهة أمام الإنسان ليوقظ روحه . وهنا يضع أجرة الخطية الزهيدة التي لا تزيد عن متعة وقتية حقيرة زائلة أمام هبة (خاريزما ) الله بملء عطـايـاهـا المالثة للحياة بكل ما هو فائق في الجمال والحب والفرح والابتهاج الذي يدوم إلى الأبد . ويـكـاد يـقـول الله لك : خذ هذه ، خذها أرجوك وعلى مسئوليتي … « أتركوا الجهالات فتحيوا . » ( أم 6:9)

  1. الـنـامـوس بـالـيـونـانـيـة يعني القانون بالعربية. وبذرته الأولى التي تشكل عليها هي حكم الله على آدم بعد أن أخطأ وتعدى. فالذي شكل الـنـامـوس هو الخـطـيـة والـتـعـدي. فكما ساد «حكم» الله على آدم بعد أن صار متعدياً، هكذا ساد «النـامـوس » أو يلزم أن يسود على الإنسان عامة وبلا استثناء ـ لما صار متعدياً ـ ولكن أفرز الله شعب إسرائيل ليطبق عليه الـنـامـوس نـيـابـة عن الإنسان في العالم ككل، ليعلم ويهذب ويؤذب عينة من الطبيعة البشرية، لكي بالنهاية يقرز منها إنساناً هو «المسيح» والرب ليرفع بواسطته «الحكم » و « الناموس » معاً عندما تعامل مع الخطية والتعدي، ورفع أثرهما المدمر من الطبيعة البشرية. فالأمم ولو أنهم كانوا ليسوا تحت تأديب « الناموس» إلا أنهم كانوا تحت حكم الله الأول على آدم الذي هو بعينه النسخة الأولى الأصلية المختصرة للناموس .

تفسير رومية 5 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 7
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى