تفسير رسالة رومية اصحاح 7 للقمص متى المسكين

الأصحاح السابع
نحن المسيحيين لسنا تحت ناموس
بل تحت نعمة

(رو6: 14)

أولاً : كيف انقطعت صلة المسيحيين بالناموس ؟

– بحلول الروح القدس يوم الخمسين وظهور نعمة المسيح ( رو7: 1-6).

ثانياً : ولماذا كان الناموس أصلاً؟

– كان عمله كأداة لكشف الخطية (رو7:7-13).

ثالثاً : ولماذا أخفق الناموس ؟

ـ لأنه لم يستطع أن يرفع الخطية ( رو7: 14-25).

[ رو7: 1-6 ] أولاً : كيف انقطعت صلة المسيحيين بالناموس ؟

– بحلول الروح القدس يوم الخمسين وظهور نعمة المسيح

مقدمة:

بولس الرسول يخاطب المسيحيين الذين يعرفون العهد القديم جيداً ويقرأونه في الخدمة كل يوم . فهو يكلم العارفين بالناموس. وهو هنا يعلن إعلاناً خطيراً للغاية في وسط المسيحيين الذين منهم كان يهود وتنصروا، أنهم ليسوا تحت ناموس بل تحت نعمة، هذه قالها بولس الرسول في الأصحاح السادس، ولم يجد الفرصة المباشرة ليشرحها و يشرح أسبابها . وها هو هنا يكرس الأصحاح السابع برمته وجزءاً من الأصحاح الثامن لهذه القضية الإيمانية الكبيرة. وفيه يعيد بولس الرسول ويزيد من كـافـة الـنـواحـي لـكـي يضع حداً نهائياً لهذه القضية الإيمانية التي أزعجت جميع الكنائس الأولى بـتـحـريـض مـن الـيـهـود المتنصرين المتعصبين لماضيهم والذين كانوا واقعين تحت عبودية الناموس الحرفي .

لذلك، فليتمهل القارىء ويتمسك بالصبر والبصيرة لأن هذه القضية الإيمانية كانت كفيلة بأن توقف انتشار المسيحية في العالم، بل وربما كانت قد شوهتها تشويهاً لا يكون له علاج، لولا دفاع بولس الرسول المستميت لعزل الناموس عن الحياة الجديدة في المسيح يسوع .

و بكلمة بسيطة أقولها لكي أنبه ذهن القارىء لاهوتياً : إذ بمجرد أن أكمل المسيح حكم الموت في جسده الحامـل لـكـل خطايا البشرية على الصليب متقبلاً حكم اللعنة والموت باعتباره الحامل للبشرية الخاطئة، يكون الناموس قد أكمل، ولم يعد له قضايا مرفوعة على أي إنسان في المسيح يسوع .

ليس ذلك فقط، بل إنه بهذا الموت و بهذه اللعنة التي تقبلها المسيح في جسد بشريته حيث كان فيه كل إنسان قائماً وشريكاً، انتهت خطايا كل إنسان آمن به، غفرت جميعاً، ولم يعد على الإنسان في المسيح يسوع خطية بعد، فالمسيحي يقف مقابل الناموس بدون خطية !! أي ليس عليه خطية .  وهنا ينتهي أيضاً سلطان الناموس وإلى الأبد!! لأن الناموس لا يتعامل إلا مع الخطاة . 

وليس ذلك فقط، بل بعد هذا الموت الذي قبله المسيح في جسد بشريته ونحن فيه، قام من بين الأموات ، قام بنفس جسد بشريته الذي به مات ، وقمنا نحن معه في ذات الجسد ودخلنا الحياة من بعد الموت : « ونـحـن أموات بالذنوب والخطايا ، أحيانا مع المسيح » (أف2: 5). فالآن نحن نحيا الحياة الأبدية في إيمان المسيح : «فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي . » (غل2: 20).

فالمسيحي الذي قام من موت الخطية ويحيا في الحياة مع المسيح بالإيمان ، يقف كإنسان الخلود الذي له حق الجلوس في السماء مع المسيح متفوقاً على الناموس الذي لا يتعامل إلا مع الزمنيات والأرضيات ، وهكذا تنتهي صلتنا بالناموس إلى الأبد .

1:7 «أم تجهلون أيها الإخـوة، لأني أكلم العارفين بالناموس، أن الناموس يسود على الإنسان ما دام حياً» .

هـذا مـبـدأ قـانـونـي عام أن الموت يبطل شريعة العقد. فالقانون وضع للأحياء وليس للأموات ، وخاصة بالنسبة للممارسات التي تتم في الحياة فقط ولا تتم في الموت كالزواج مثلاً .

وهنا، وبالرغم من أن كلمة « الناموس »  جاءت في الجزء الأول من الآية بدون أداة التعريف، إلا أن المضمون يشمل ناموس موسى خاصة الذي عليه الكلام . وناموس موسى له صـفـة الـديمـومـة على الإنسان طالما هو حي، فإذا مات الإنسان خرج من دائرة الناموس ، لأن ناموس موسى لا علاقة له بالإنسان إلا في هذه الحياة فقط .

2:7و3 «فإن المرأة التي تحت رجـل هي مرتبطة بالناموس، بالرجل الحي. ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذا ما دام الرجل حيا، تُدعى زانـيـة إن صارت لـرجـل آخر. ولكن إن مات الرجل فهي حرة من الناموس ، حتى إنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر».

هنا يعطي بولس الرسول نموذجاً لفسخ العقد، يسبب موت أحد الطرفين ، ولكنه لا يجعله مثالاً للتطبيق الحرفي ، فيكفي علينا هنا أن نفهم أن العقد ـ وهو عقد ارتباط بزواج ـ بين اثنين أحياء ، فإن مات أحـدهـا صـار الآخـر حـرا من العقد ومن الطرف الآخر. و بولس الرسول يستغل هذه الـفـرصـة لـيـوضـح أن المرأة إن صـارت لواحد آخر وزوجها حي فهي تعتبر زانية . وهذا نفسه صار شـريـعـة عـقـد الزواج في المسيحية، ليس للمرأة فقط بل وللرجل أيضاً. وهو أصلاً مأخوذ من وضع روحي عال، فالله اعتبر نفسه زوج إسرائيل كمعبود وحيد ، دخل معها في عهد زيجة مقدسة، فلما خـانـت إسـرائـيل وعبدت آلهة أخرى ، اعتبرها الله أنها زنت عليه فطلقها : « هكذا قال الرب : أين كـتـاب طـلاق أمـكـم … هـوذا مـن أجـل آثامكم قد بعتم ، ومن أجل ذنوبكم قد طلقت أمكم » ( إش50: 1)، لماذا ؟ لأنهم تركوا الله الحي، الزوج والعريس السمائي وتصرفوا إزاءه كأنه ميت ، وذهـبـوا يـعـبـدون آلهة غريبة : «تركوني أنا الحبيب مثل ميت» !! (مز12:31 – حسب الترجمة القبطية).

7: 4 «إذاً يا إخوتي، أنتم أيضاً قد متم للناموس بجسد المسيح لكي تصيروا لآخر للذي قد أقيم من الأموات لنثمر لله».

لو أخـذنـا بـالمـثـل السابق الخاص بالمرأة والرجل حرفياً ، والرجل هو الذي مات فبطل العقد ، وأمكن للمرأة أن تصير لآخر، لوجب من جهة التطبيق أن الذي يموت هنا هو الناموس، لنصير نحن (في مكان المرأة) لآخر بدل الناموس أي المسيح. ولكن هنا الذي مات هو نحن : «أنتم مثم» ، أي صـرنـا أمـواتـا بـالـنـسـبـة للـنـامـوس ، لما متنا في جسد المسيح بموت المسيح . أنظر شرح المقدمة (1:7-6) أعلاه في موضعها . فكيف لما مثنا صرنا أحراراً من الناموس ؟ هذا أوضحناه في المقدمة أعلاه، وقدمنا ثلاثة أسباب غاية في الوضوح والقوة تجعل الناموس بلا صلاحية ولا قوة ولا سلطان شرعاً إزاء وضعنا المسيحي، لأننا قد أكملنا موتنا مع المسيح .

1- فالمسيح ـ ونحن فيه ـ أكمل الناموس كما أكمل حكم الناموس بقبول الموت واللعنة في الجسد. فإن منتهى سلطان الناموس وهو الحكم بالموت واللعنة على الخطاة قد أكملناه في المسيح .

2- المسيح، بمـوتـه ونـحـن فـيـه لما أكمل حكم الموت واللعنة عن كل خطايانا ، جعلنا بلا خطية. وهكذا وقفنا إزاء الناموس بلا خطيئة، والناموس لا سلطان له قط إلا على الخطاة.

3- المسيح ، بموته أكمل الفداء ، وقام حيا بالجسد الذي مات فيه، ونحن فيه قمنا معه لنحيا الحياة الأبدية. وهكذا رفع عنا حكم الموت إلى الأبد. وهكذا وقفنا إزاء الناموس معفيين من الموت إلى الأبد، والناموس لا يتعامل إلا مع الذين عليهم حكم الموت . إذاً، فموتنا في المسيح أعـفـانـا مـن شـريعة العقد مع الناموس ، وكأموات للناموس صرنا أحياء في المسيح. 

«لكي تصيروا لآخر للذي قد أقيم من الأموات لنثمر لله » :

عودة إلى (11:6). نقرأ هـذا تماماً: «كذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياء الله بالمسيح يسوع ربنا» . صرنا أمواتاً عن الخطية لأننا صرنا أمواتاً للناموس ! أما كيف نحسب أنفسنا أمواتاً للخطية والناموس ، فهو لأننا صرنا أحياء ببر الله في المسيح . أما ثمر الموت فكانت الخطية ، أما ثمر الحياة فهي المقابل للخطية ، تماماً ، وهي النعمة . فالنعمة في السلوك ببر الله في المسيح هي ثمر الله : « وثمر البر يزرع في السلام . » (یع3: 18).

الانتقال من الارتباط بالناموس إلى الارتباط بالمسيح أخذناه مجاناً بموت المسيح ، بالإيمان أخذنا حق هذه الشركة الكبرى في موت المسيح وقيامته بلا معاناة حقيقية .

والذي يجعلنا نشعر بقوة هذا الكلام وخطورته هو أننا كمسيحيين لم نكن تحت سلطان الناموس المتجبر، فلم نشعر بثقل الارتباط بالناموس . لذلك لو تفهمنا فعلاً مدى ثقل الناموس الذي أرهق كواهل الآباء الذين بالإجماع صرخوا يطلبون الخلاص ، لأدركنا مدى النعيم الذي نحن فيه أو مدى « النعمة التي نحن فيها مقيمون . » (رو5: 12)!!

إن الانتقال من العبودية تحت سلطان الناموس إلى حرية المسيح هو بحد ذاته «نعمة». إنه تحقيق بر الله المعطى لنا في المسيح ، إنه غاية مطلب الله لنا وغاية وقمة سعادتنا وفرحتنا و بهجتنا بالله . إنهـا مـراحـم داود الـصـادقـة الـتـي وعـد بها : «أيها العطاش جميعاً ( الذين نشف الناموس ريـقـهـم)، هلموا إلى المياه. والذي ليس له فضة (ليشتري الذبائح) تعالوا اشتروا وكلوا ، هلموا اشـتـروا بلا فضة وبلا ثمن خمراً ولبنا ( وأسراراً بلا عدد). لماذا تزنون فضة (أعمال الناموس الثقيلة) لغير خبز (بلا رجاء) وتعبكم (في الناموس) لغير شبع ، استمعوا لي استماعاً وكلوا الطيب ولتتلذذ بالدسم أنفسكم . أميلوا آذانكم (كلمة خبر الإنجيل)، وهلموا إلى اسمعوا فتحيا أنفسكم ، وأقطع لكم عهداً أبدياً مراحم داود الصادقة. هوذا جعلته شارعاً (ناموساً جديداً) للشعوب ، رئيساً وموصيا للشعوب ( الأمم).» (إش55: 1-4)

7: 5 : «لأنه لما كنا في الجسد، كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نُثمر للموت » .

لابد هنا أن نرفع الغطاء عن هذه الحقيقة : لماذا كان الذين في الناموس يعانون من شدة عمل الـشـهـوات في الجسد ؟ ولماذا كان الجسد مستهدفاً في كل أعضائه لعمل الخطية الأمر الذي كرره بولس الرسـول كـثـيـراً جداً ؟ السبب الوحيد هو غياب عمل النعمة! وهي الهبة «خارزما  » الروحية التي حينما تسكن الإنسان ترفع من مستواه الروحي وترتقي بشهواته وتسمو بغرائزه ، فلا تعود إلحاحات الطبيعة لها ذات السيطرة الأولى التي في الإنسان الطبيعي .

هذا بالإضافة إلى أن الناموس حينما يأمر بأن لا يخطىء الإنسان محذراً إياه من المخالفة ، يثير فـيـه غـريـزة المخالفة وينشط فيه الرغبة في التعرف على الخطية، كل ذلك دون أن يمد الناموس يده بـالمـسـاعـدة في المقاومة إطلاقاً. وهكذا كان ثمر العبودية للناموس عبودية للخطية دون أي أمل في النجاة .

«… كنا في الجسد، … وأهواء الخطايا تعمل في أعضائنا …» وضد الناموس نفسه !

هنا لا يقصـد بولس الرسول التوضيع من قيمة « الجسد» ، بل يذكره في وضعه الطبيعي غير المعان. لأن في الـنـامـوس كان الإنسان يحيا في الجسد بمعنى الحياة الطبيعية للجسد الطبيعي غير المعان بالنعمة ولكن المضبوط بالناموس. ولكن الحقيقة المرة والصارخة أن الجسد الطبيعي غير الـمـعـان بالنعمة من الله لا يمكن أن يضبطه ناموس لأنه محكوم بغرائزه . وغرائزه أقوى من أن يحدها أو يضبطها أمر أو وصية .

والـغـرائـز في انفعالها وهيجانها تنحرف وتشد وتجر الجسد إلى الخروج ليس عن حدود الوصايا فحسب؛ بل وعن حدود ما هو لائق وطبيعي . وهنا لا تعود تسمى غرائز أو طاقات جسدية طبيعية ، بل أهواء الخطايا والتي تعتبر أنها ثائرة ضد الله الذي وضع لها حـدوداً بـالـطـبيعة و بالناموس. ولكن بولس الرسول يدخل الناموس هنا باعتباره أنه مسئول نوعاً ما عـن انـفـعـالات هذه الغرائز وهيجانها بكثرة الضغط والقسر. ولا يعتبر هذا خطأ من الناموس بل وظيفـة لـه مـطـلوبة، حتى يكشف الإنسان ما هي حال طبيعته بدون النعمة ومدى خطورة الخطية التي يتعامل معها .

وهـكـذا كـانـت حـيـاة الإنسان مجموعة تعديات ضد الله وخطايا كلها تحمل حكم الموت الذي يجري إليه الإنسان برجليه .

6:7 « وأما الآن فقد تحررنا من الناموس ، إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد (الله ) بجدة الروح لا بعتق الحرف».

هنا التحرر من الناموس هو قرين التحرر من الخطية، تماماً كما كانت العبودية للناموس قرينة العبودية للخطية. هذا مما يجعل بولس الرسول يتساءل في الآية القادمة : هل الناموس خطية ؟ طبعاً لا. ولـكـن الـنـامـوس لا يـتـعـامل إلا مع الخطية والخطاة. فإن كف الإنسان عن أن يكون خاطئاً وغفرت خـطـايـاه، فقد تحرر من الناموس والخطية معاً بآن واحد. وذلك تم بالحقيقة عندما مات الجسد الـعـتـيـق، حين سلب بصليب المسيح ومعه في جسد بشريته التي هي بشريتنا ! وقمنا معه إنـسـانـا جـديـداً لـحـيـاة جـديـدة نسلك فيها بالروح لا بالجسد، ونعبد بالروح لا بحروف الناموس والجسد .

«كنا ممسكين فيه»:

هنا رجعة من بولس الرسول إلى مثل المرأة الممسوكة بالرجل ما دام حيا. رجلنا هنا الذي مات هـو الجـسـد الـعـتـيـق الذي كان ممسكا بالخطية والخطية ممسكة بالناموس ، فلما مات هذا الجسد الـعـتـيـق الذي كنا ممسوكين فيه ، تحررنا من الخطية والناموس بآن واحد! و بالتالي كفت أهواء الخطايا العاملة والمثمرة للموت ، وذلك بنعمة المسيح التي وهبتنا ما هو للحياة والتقوى بل وشهوة القداسة وأهواء الروح للبر وحب الله .

«بجدة الروح لا بعتق الحرف » :

كل ما هو جديد بالروح للإنسان هو من فعل الروح القدس، وكل ما هو قديم في المقابل هو من الناموس والجسد. هنا، واضح أن الروح القدس هو القوة الحافظة والمحيطة بالإنسان في المسيح يـسـوع الـتـي كـانـت تعوزه وهو تحت الناموس . هنا ، الروح القدس هو سر انقلاب أهواء وشهوات الخطايا إلى شهوة ما الله ، وسر انتقال العبادة من مستوى أداء الفروض الجسدية إلى ما يحسب أنه ذبيحة روحية مقدمة بالروح والجسد معاً، لا تكف ولا تهدأ بالقلب والفكر واللسان ليل نهار.

أما «عُتق الحرف » فهنا إشارة مبدعة تبدأ من فوق لوحي الحجر لتستمر مع تحديدات الناموس الحرفية : « الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا الحرف بل الروح ، لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي . » (2کو3: 6)

فاصل

[ رو7:7-13] ثانياً : لماذا كان الناموس أصلا؟
ـ كان عمله كأداة لكشف الخطية

+ لقـد عـبـر بـولـس الـرسـول في مواضع كثيرة سالفة بتعبيرات عن الناموس، يمكن أن يعثر فيها القارىء الساذج معتبراً أن بولس الرسول يقصد فعلاً أن الناموس والخطية شيء واحد !! «لأنه بـأعـمـال الـنـامـوس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه ، لأن بالناموس معرفة الخطية.»( رو20:3)

+ «لأن الناموس ينشىء غضباً، إذ حيث ليس ناموس ليس أيضاً تعد.» (رو15:4)
+ «على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس . » (رو5: 13)
+ « وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية.» (رو5: 20)
+ « فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة . » (رو6 : 14)
+ «لأنه لما كنا في الجسد، كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا لكي نثمر للموت.» ( رو7: 5)

لا يمكن لأي يهودي أن يقول مثل هذا في الناموس وهو عالم وواثق ومؤمن أن الناموس هو كلمة الله، بل هو نفسه يقول : «لأنه إن كانت الكلمة التي تكلم بها ملائكة قد صارت ثابتة، وكل تعد ومعصية نال مجازاة عادلة …» ( عب2: 2)

لذلك حينما وجد الفرصة ليعطي فكره مركزاً فيما هو الناموس، قال بكل قوة : 

‏7:7 «فماذا نـقـول؟ هل الناموس خطية؟ حاشا . بل لم أعرف الخطية إلا بالناموس. فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته» .

هذا نـقـولـه نـحـن بلغتنا القضائية الآن، إننا لا نعرف الجريمة حتى يحددها القانون ويحدد عقوبتها !! وحينئذ تظهر الجريمة عملاً مرعباً نفزع منه. كذلك كان الناموس وضرورة الناموس بالنسبة للإنسان منذ ألفي سنة !!! أعطى الله الناموس على يد موسى ليعرف الشعب ما هي الخطية ، ثم إذ أعطى مع الـنـامـوس عقوبات رادعة، فذلك لكي يرتعب الشعب من الخطية، وقفل على العقوبات بالموت لكي يعود الشعب ويطلب الحياة.

فلولا أن الله قال في النـامـوس: «لا تشته»، ما انتبه الناس إلى الشهوة وما صارت الشهوة خـطـية وفعل تعد. ولكن في نفس الوقت ما ارتقى الإنسان عن الحيوانية بل لكان قد انحظ دونها ، لأن الشهوة الحيوانية تضبطها الغريزة، أما الغريزة في الإنسان فتحركها الشهوة ولا تضبطها !!

هنا يمكن للإنسان الساذج أن يلعن الناموس الذي عرفه بالشهوة ثم جعل الشهوة خطية ثم أعطى عقوبة صارمة على الانحراف بها . كما يمكن للإنسان الحكيم أن يبارك على الناموس الذي عرفه الخطأ وأحاطه بالعقوبة الصارمة حتى يرتعب من الخطية .

«لو لم يقل الناموس : لا تشته » :

ويلاحظ هنا أن بـولـس الـرسـول اختار الوصية المذكورة في ( خر20: 17، تث5: 21) وهي الوصية العاشرة، مختصراً إياها إلى مجرد الفعل فقط في حد ذاته . وهي نفس خطية آدم ـ الشهوة ـ التي سبقت التعدي ، وهي محاولة لطغيان الذات Ego التي هي مبدأ وجذر الخطايا جميعاً. فبهذه « الـشـهـوة» وبتتميمها أوجد للذات كيان منفصل عن الله عاشته بمرارة طافحة . لذلك، فإن هذه الوصية تحمل الستار الفاضح للذات، حالما يتعداها الإنسان يقف في مواجهة الله كمتحد. ويلاحظ أنها لا تتمركز في الجنس بقدر ما تتمركز في الذات ، لأن الذات أعلى من الجنس.

ولـكـن الـنـامـوس لـم يـقـف عـنـد أمـر الـنـهي وحسب « لا تشته»، بل أكمله بأمر الإيجاب «بالطاعة». فالوصية التي تقول : «لا تشته»، تقول : عليك أن تطيع . والطاعة هنا موجهة مباشرة للذات للحد من جموحها . وهكذا استحدث الله بالناموس وصية خلقية كاملة تدخل بالإنسان إلى معنى العبادة، فيها الشق السلبي بالنهي، والشق الإيجابي بالطاعة، حيث الطاعة حافز تؤازره على تـتـمـيـم النهي، لأن في الطاعة الله قوة ونعمة كمجازاة. وهنا يمتاز الناموس عن القانون الجنائي أو المدني الذي يخلو من الحافز الحافظ. لذلك، فالتقصير في تكميل وصايا الناموس يكشف في الحال عن عنصر التمرد أو الثورة ضد الله .

بفم من يتكلم بولس ؟

واضح جداً أن بولس الرسول يتكلم بصفته إنساناً استنار في المسيحية، وهو يقف ليتبئى حالة الإنسان فـيـمـا قـبـل الناموس، ثم في الناموس وفيما بعد الناموس ! ليعطي للناموس سببه ومعناه وقصوره معاً بآن واحد. ولكن وفي نفس الوقت يكشف عن طبيعة الإنسان ويدافع عن عجزها فيما قـبـل الـنـامـوس و بعده، وما أصابت من الناموس وما أصيبت . منه . والقصد في النهاية أن يبلغ إلى صرخة الإنسان وهو تحت الناموس : « ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت» متطلعاً إلى المسيح ، بعد أن اكتشف أنه مطالب بأن يرتفع إلى الناموس بل وإلى ما هو فوق الناموس وهو غير قادر على الـنـامـوس : « إن لـم يـزد بـركـم على الـكـتـبـة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السموات » ( مت5: 20)، «متی فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون.» ( لو17: 10)

8:7 « ولكن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية أنشأت في كل شهوة، لأن بدون الناموس الخطية ميتة» .

 هنا بولس الرسول يصف الوضع البشري العام للإنسان ككيان عندما دخل تحت الناموس . وقد واجه الخطية لأول مرة. هنا أمران يظهران معاً في نفس الوقت : الأول، أنه بمجرد أن يدخل الناموس شيئاً كان مباحاً سابقاً على أنه من صميم طبيعة الإنسان، وهو الشهوة، يدخله تحت المنع المحتم والحظر، ففي الحال تتحرك الشهوة نحوه بحسب القانون الفطري : « كل ممنوع مرغوب » ؛ « المياه المسروقة حلوة، وخبز الخفية ( المسروق) لذيذ» (أم 9: 17)؛ الثاني، أنه بمجرد الإعلان عن الـشـهـوة أنهـا محـظـورة كخطية، فإنها تكون قد دخلت تحت المعنى القضائي «التعدي». وبهذا برزت الخطية كعنصر مناوىء للإنسان لم يكن موجوداً سابقاً .

«متخذة فرصة » : 

هذا اصطلاح حربي. فكلمة «متخذة فرصة » تعني حرفياً «أخذ المبادرة». وهو في الحرب يشير إلى الخصم المتعدي أولاً. فالإنسان هنا في موقف المحايد تجاه الناموس والخطية، ولكن الخطية هي التي بدأت المبادرة بالحرب ، ووسيلتها في اتخاذ أول خطوة للحرب هي الناموس. لأن الوصية الناموس تقول: «لا تشته»، والشهوة قائمة بطبيعتها في الإنسان، قد تميل إلى الخير كما قد تميل إلى الشر بالتساوي ، حسب إيعاز حب المعرفة. هنا الوصية أثارت في شهوة الإنسان الميل إلى معرفة ما عساه أن يكون وراء النهي . وهنا تماماً تبدأ الخطية تتحرك بحركة الشهوة نحو المخالفة الصريحة ، أي معرفة الشر التي ينهى عنها الناموس! وهي التي بعينها أسقطت آدم. فشجرة معرفة الخير والشر ستظل تتابع الإنسان حتى النهاية : الخطية تدفع لمعرفة الشر، والنعمة تدفع لمعرفة الخير. في الأولى محاولة للتأله اختطافاً، وفي الثانية تأله[1] بدعوة من الله ومؤازرة .

ويلاحظ هنا أن بـولـس الـرسـول يـشـرح كـيـف أن الخطية التي كانت ميتة قبل أن يجيء الناموس، بدأت تحيا بالناموس لتنشىء الموت للإنسان. ولكن في الحقيقة إن استعداد الخطية موجود في الإنسان، والخـطـيـة لـم تـكـن ميتة إلا بالنسبة لانتباه الإنسان ، لأن الخطية لا وجود لها إلا بالفعل. فالناموس كشف عن استعداد الإنسان للخطية، والإنسان هو الذي يحول الاستعداد إلى فعل. وفي هـذا يـشـكـر الناموس الذي يفضح استعداد الإنسان للخطية، ويلام الإنسان الذي حول استعداد الخطية إلى فعل تعد بإرادته وحب استطلاعه لمعرفة الشر.

9:7 «أما أنا فكنت بدون الناموس عائشاً قبلاً. ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا » .

هنا وضع الإنسان قبل الناموس، وهذا وضع تصوري صحيح ، جازته تماماً كل الأجيال من آدم إلى موسى. ولـكـن بـولـس الـرسـول غير منشغل الآن بهذه الأجيال، ولكن بطبيعة الإنسان بالنسبة للناموس كمعيار قائم بذاته. فهو يقول إن الخطية كانت ميتة بالنسبة للإنسان قبل مجيء الناموس . في الواقع لابد أن نشرح كلمة «ميتة» بأن الخطية كانت ميتة بالنسبة لانتباه الإنسان. أي أن الإنسان كان غير منتبه إليها كعنصر شرير مفسد وقاتل، ولكنها كانت موجودة كفعل، يمارسها الإنسان دون أن يعيها أو يعي خطورتها . لقد كانت بالنسبة له ميتة حقيقة، ولكنها كانت هي هي نفسها العنصر الذي كان يقتله دون أن يعيه !

فالإنسان كان ينتقم ويقتل ، ل، وكان يشتهي ويغتصب ، وكان يتزوج بعقد و بدون عقد كما يشتهي ، دون أن يدري أن هذه كلها عناصر الخطية التي تحصره بل تدفعه إلى الموت .

«كنت بدون الناموس عائشاً »:

الترجمة العربية هنا محبوكة، فهو لم يكن حياً بل عائشاً، عائشاً بالجسد، أو على وجه الأصح تهيأ لي أني كنت أعيش لأني لم أكن قد عرفت أني خاطىء وأني محكوم علي بالموت؛ فكنت وكأني بريء. هذا في الحقيقة أمر واقعي . فكل إنسان قبل أن يطلع على أوامر الله ونواميسه ، يكون حالة الجهالة هذه يعيش وكأنه بريء ولا يعمل ما يغضب الله . ولكن بمجرد أن يطلع على دقائق وصايا الله وتـدقـيـقات الروح يحس أنه خاطىء، ويحس في الحال أنه مستوجب الموت، ويشعر أن كلمة «الخطية» بدأت تعيش في ضميره بعد أن كانت غائبة تماماً.

فلما جاء الناموس وتعينت الوصية ، أدرك الإنسان الخطية، وأدرك أن أفعالها هذه مؤدية إلى الموت والهلاك. وهـكـذا بدأ الإنسان يدرك أنه محكوم عليه بالموت إزاء خطاياه التي كان يعملها ويجهل أنها تؤدي إلى الهلاك. هذا يعبر عنه بولس الرسول تجاوزاً و باختصار بأنه لما جاء الناموس عاشت الخطية في بعد أن كانت ميتة بالنسبة لي، ومتُ أنا بالخطية بعد أن كنت عائشا (خداعاً ) بدونها .

هـنـا شـكـراً للناموس الذي افتضح الخطية التي كانت في كائنة وكأنها ميتة ، فجعلها ظاهرة ومحـصـورة في حياتي بعد أن كنت أعملها دون أن أدري أنها خطية وتعد على نواميس الله . صحیح أن الـوصـيـة حكمت علي بالموت نظير التعدي كخطية، ولكن هذا تحصيل حاصل، لأن الخطية كانت في دون أن أدري ، وكان حكم الموت قائماً فيها دون إعلان ومعرفة .

وهنا يلزمنا أن نفحص كلمة «عاشت الخطية فمتُ أنا» :

«عاشت»:  = انتعشت :

الـتـرجمـة هـنـا غير دقيقة لأن كلمة «عاشت» تفيد أنها كانت قبلاً مائتة في ذاتها ، ولكنها في الحقيقة كانت فقط مائتة في إدراك الإنسان وفي وعيه ، ولكنها موجودة وعائشة فيه دون إدراك . فهنا الـتـرجمـة الـصـحـيـحة تكون لا «عاشت» بل «انتعشت » . فهي لم تأت إلى الحياة بعد الموت ، بل كـانـت مـوجـودة وعائشة ثم بدأت تأخذ حيويتها ونشاطها وفعلها . فالخطية كانت في الإنسان دون أن تحسب أنها فعل تعد، فلما قالت الوصية : «لا تشته» ، فإن الشهوة التي كان يمارسها دون أن يدرك أنها خطية ، صارت بالوصية فعل تعد على الله وأيضاً مستوجب الموت !!!

الـنـامـوس يـعـمـل هـنـا عـمـل المـؤذب والمعلم « الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح » ، بل وعمل القاضي الذي يحصر الخـطـايـا ويحاصرها ويعاقبها ليرتدع مرتكبوها ويكفوا، فيرتقي الإنسان من الهمجية إلى التمدن، بل يعمل عمل النور الكشاف الذي يكشف خبايا الناس ويفضحها ، ولكن للأسف كان لا يقوى على تصحيحها !

10:7 «فوجدت الوصية التي للحياة هي نفسها لي للموت» .

إن أول وصية أعطيت للإنسان آدم الأول كانت للحياة، أي لعدم الموت !! « وأما شجرة معرفة الخير والشر فـلا تـأكـل مـنـهـا ( الـوصـيـة). لأنـك يـوم تـأكـل مـنـهـا موتاً تموت (مخالفة الوصية) » (تك2: 17). واضح من مضمون الوصية الإيجابية أن آدم لو كان قد أطاع الوصية لما مات ، بل لـكـان قـد عـاش وعـاش . إذاً، فـالـوصـيـة هـي أصلاً للـحـيـاة!! لأن طـاعـة الله ثمنها حياة !!! « وأعـطـيـتُـهـم فـرائضي وعـرفـتـهـم أحكامي التي إن عملها إنسان يحيا بها» (حز20: 11). والمسيح نفسه ذكـر هـذا مـوبخاً: «فـتـشـوا الـكـتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية » (يو5: 29). أي من جهة وصايا الله !!!

هنا بولس الرسول يبرىء الناموس والوصية من أي عيب ، إذ يؤكد أن الوصية هي أصلاً ـ وهي باقية على أصلها مهما انقلبت الدنيا ـ هي ا للحياة، لأنها خرجت من فم الله . فكل وصية في وضعها الإيجابي هي للحياة، فإن هي نفسها «صارت لي للموت » فالعلة حتماً وبالضرورة ليست في الـوصـيـة بـل في مخالفتها !!! بمعنى أنه دخل بيني وبين الوصية عنصر مر آخر وهو الخطية ـ أي الإقدام على التعدي .

ويلاحظ القارىء أن بولس الرسول في هذه الآية يضع الوصية في موضعها الصحيح تماماً «الوصية التي للحياة»، وليس وضعها وحسب بل والغرض من الوصية، لأنها في أصلها السوي وضعت للإنسان السوي ، ليس لكي تخلق فرصة للخطية، بل لكي بطاعتها تقود الإنسان في طريق الحق وتـضـمـن لـه الحياة. ولكن بسبب طبيعة الإنسان التي استهدفت إما للطاعة أو التعدي سواء بـــواء ، اسـتـعـد الناموس للتأديب ، إذ قطعت الوصية بحكم الموت على المتعدي ، فتحولت الوصية التي هي أصلاً للحياة بالطاعة ، وصارت هي نفسها للموت لمن يتعدى . وللأسف وقفت الوصية عند هذا الحد ـ أي الردع والتأديب بالموت ـ عاجزة تماماً عن أن تشفي أو حتى تضمد جراح من يتعدى الناموس الذي لا يعرف إلا الحكم بالموت على المتعدي . –

11:7 «لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية، خدعتني بها وقتلتني» .

مفتاح شرح هذه الآية الذي يفتح سرها هو الكلمة : «خدعتني» .

‏ «خدعتني» :

وهو تعبير بولس الرسول عما فعله الشيطان بواسطة الحية : « ولكني أخاف أنه كما خدعت الحـيـة حـواء بمـكـرهـا، هكذا تُفسد أذهـانـكـم عن البساطة التي في المسيح . » (2کو11: 3)

إذاً، فالتركيز هنا على كيف استخدم الشيطان الوصية نفسها ليخدع بها الإنسان ويقتله ، حيث استبدل بولس الرسول الشيطان بالخطية . فالشيطان لم يجد وسيلة أو فرصة يدخل بها للإنسان ليمارس خداعه و يردي الإنسان أرضاً ميتاً، إلا « الوصية نفسها». اسمع كيف دخل الشيطان إلى حـواء متسلحاً بالوصية، إنما بعد أ أجرى عليها مونتاج الشيطنة الكاذبة: «فقالت ( الحية ) للمرأة: أحفا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة ؟ » (تك١:٣). هنا تزوير الآية والكذب واقعان في كلمة «كل شجر» مع التشكيك «أحقاً» ؟؟

هكذا لم يستطع الشيطان أن ينقل الوصية كما هي، ربما لو كان قد نطقها صحيحاً لكان احـتـرق بها، فأضاف إليها النفي والتزوير. لأن الشيطان قوة سالبة كاذبة . فلما استدركت حواء الـقـول وصححته للحية، وقعت في الفخ. لأننا بمجرد البدء بالحوار مع الشيطان ولو بكلمة واحدة نـكـون قـد أعـطـيـناه أول الخيط ليشدنا إليه لنسقط تحت رجليه ، مهما حاولنا الإفلات . فلما ردت حـواء مصححة مقولة الشيطان : «فقالت المرأة للحية : من ثمر شجر الجنة نأكل ، وأما ثمر الشجرة الـتـي في وسط الجنة فقال لا تأكلا منه ولا تمشاه لئلا تموتا » ، فتحت الباب للحية للحوار وسلمتها الخنجر الذي ستطعنها به. ففي الحال ردت الحية بنفس الكلام بعد أن سمّمته : «فقالت الحية لحـواء : لـن تمـونـا (تـكـذيـب الله والتشكيك في الوصية). بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه : ه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر» .

هـنـا مـركـز الخداع ، أولا، الجزء الـسـالـبـي تكذيب الله والتشكيك في الوصية ، ثانياً الجزء الإيجابي الأشـد ضـراوة من السالبية : «تنفتح أعينكما وتصيران كالله»، وهذا حقيقي، ولكن « الحق » هنا ناقص . فإذا نقص الحق ، فاعلم أنه هو هو الكذب تماماً . لأن آدم وحواء حينما أكلا من شجرة معرفة الخير والشر، انفتحت أعينهما وعرفا الخير والشر كالله فعلاً. ولكن الله يعرف الخير لأنه صادر منه، ويعرف الشر ( لـو تجـاوزنـا مـقـولـة أن عيني الله لا تريان الشر) معرفة الرفض والإدانة. كذلك، فالشر لا يدنو من الله ، لأن الله حق وخير كلي. أما في حالة الإنسان، فعندما عرف الخير والشر، لـم تـسـعـفـه طـبيعته أن يحتفظ بالخير ويرفض الشر، فلما عرفهما لم تكن لديه النعمة والقوة للانحياز للخير ورفض الشر، بل كما انحاز للخير انحاز للشر بلا ضابط . ولما انحاز للشر، لم يستطع أن يتغلب عليه . هنا خداع الشيطان في مقولته المسمومة أن يصير الإنسان عارفاً للخير والشر كالله ، ولكن الذي أخفاه أنّ بمعرفة الإنسان للشر سيسقط فيه ولا يقوم .

وهكذا، ومع كل إنسان وعلى مدى كل العصور والدهور، تطرح الخطية أمام فريستها وعدها المـكـون مـن جـزئين : الجزء السالبي «لن تموتا» الذي تثبته في فكر الإنسان على مستوى لا خوف البتة، لن تموت ولن يحدث لك شر، لا تخف ، أقدم ؛ والجزء الإيجابي الإغرائي: سوف تنفتح عيناك وتعرف الحياة أكثر وتكون قوياً وذا بأس وتزداد سعادتك وسرورك : لا تتوان ! «فرأت المرأة أن الـشـجـرة جـيـدة للأكل، وأنهـا بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت » وماتت !

«الخطية متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني» :

واضح من الأمثلة التي قيلت بخصوص خداع الحية (إبليس) لحواء، أن بولس الرسول يعطي  الخطية شخصية الشيطان وقوته ؛ هكذا يظهر أن أخطر ما في قوة الخطية هو استخدامها للوصية ذاتها في تجربة الإنسان وإسقاطه . فهنا بولس الرسول يعلن صراحة، سواء بالنسبة للخطية أو الشيطان أننا أمام عدو مخادع، قوة قادرة على استخدام الوصية التي هي للحياة والصالح؛ ليجعلها هي نفسها
للموت؛ وذلك بقوة الخداع الذي يُلبسه عقل فريسته. والإنسان حينما تلتف عليه الخطية بقوة خداعها، لا ينتبه أو يستيقظ للغش الذي انغلب له إلا وهوفي حالة الموت. فخداع الخلية قتَّال لا تتبيّنه الفريسة إلا وهي مصروعة . الإنسان يموت بالخداع؛ ويموت في الخداع؛ وقد لا يفيق منه أبداً، إذا لم تنتشله نعمة الله .

والمؤسف حقاً أنه بعد أن تخدع الخطية الإنسان مستخدمة الوصية ‏ بعد أن تعيد صياغتها لتتناسب مع خداعها ومع طعنة الموت المُجْهزة ‏ تعود فتقف لتشهد ضد الإنسان، الخطية والوصية معاً: «خطايا بعض الناس واضحة تتقدم إلى القضاء، وأما البعض فتتبعهم .» (1تي14:8)‏

7: 12و13«إذاً، الناموسُ مقَدَّسّ؛ والوصية مقدّسةٌ وعادلة وصالحةٌ. فهل صار لي الصالح موتاً؟ حاشا، بل الخطية؛ لكي تظهَرَ خطية منشئةٌ لي بالصالح موتاً لكي تصيرّ الخطية خاطئة جداً بالوصية».

»إذا» : 

البادئة بالنتيجة المستخلصة من كل ما فات, أن الناموس مقدس، ومعناه أنه من الله. والذي من الله يبقى لله . وبالتالي فإن ما يشمله من وصايا كلها مقدسة بالتبعية أي من الله ؛ وعادلة أي ليس فيها خطأ أو انحراف في ذاتها، وصالحة وتفيد أنها ذات نفع وخير لكل مَنْ يتعامل معها إيجابياً بالطاعة.

«فهل صار لي الصالح موتاً»: ٍ

هذا السؤال توطئة ليُعطَى له الجواب أن هذا لا يمكن أن يكون؛ لأن الصالح هنا ليس صالحا فحسب؛ بل عادل ومقدس . وبهذا يستحيل أن ما هو مقدس وعادل وصالح ينشىء موتاً بل حياة؛ وإنما الذي أنشأ الموت بواسطة الوصية فهو الخطية التي اختفت وراء الوصية لكي تعطي الوصية حكمها بالموت. ولكن ليست الوصية مميتة؛ بل هي الخطية. وهنا الوصية هي التي أفرزت الخطية إلى الوجود ‏ حاصرتها وأعلننها وفضحتها؛ لكي تظهر الخطية أنها هي الخاطئة وليس الناموس . وهل
القاضي الذي يحكم بالعدل , يحسب قاتلاً حينما يحكم بالموت على قاتل لذلك، لا يمكن أن ينسب في ذلك للوصية عيب ، بل ينسب لها الفضل لأنها كشفت الخطية . أما الخطية فهي ليست خطية فقط، بل لأنها أنشأت بالصالح والمقدس موتاً، فهي خاطئة جدا.

هنا بولس الرسول يكشف أساس المنطق الذي بدأ به من حيث أن الوصية عملها الوحيد هو التعرف على الخطية والكشف عنها واستثارتها ؛ أنه لولا الوصية، لما عرفنا الخطية ، فبالوصية معرفة الخطية وحسب ! ولولا الوصية ما كانت الخطية، وما حسبت الخطية خطية . كل هذا أصبح واضحاً أشد الوضوح أمام القارىء الآن .

فاصل

[ 7: 14-25 ] ثالثاً : ولماذا أخفق الناموس ؟

ـ لأنه لم يستطع أن يرفع الخطية

أما لماذا وضع الإنسان تحت الناموس ؟ فهو لأن الإنسان وضع نفسه تحت الخطية . فلما ارتضى الإنسان بالخطية وقبلها لتدخل في تدبيره ومشورته ، وقع تحت حكم الناموس بالضرورة والإلزام . ولـكـن بـولـس الـرسـول أوضح الآن أن الناموس لا يتساوى بالخطية ، بل هو من فوقها يدينها أينما وجدت ، فلا يمكن أن توجد خطية إلأ والناموس واقف تجاهها .

وظـيـفـة الـنـامـوس أن يعرف بالصالح والرديء، بالخير والشر، ولكنه لا يمد يده أبدأ ليساعد الإنسان في الاختيار، ولا يمنح الإنسان أية قوة إن هو اختار الخير دون الشر. هنا انبرت الخطية ، وبـقـوة، لتحرض الإنسان على اختيار الشر: تزينه، وتجمّله ، حتى بالتزييف والمكر والخديعة يقبله الإنسان كأنه خير؛ بل وتزيد على التزييف استثارة غرائزه وحواسه، لكي تطغى على عقله وحكمته وتفكيره، فلا يستخدم قدراته في التمييز؛ بل وتستخدم عنصر المفاجأة، فلا تعطي له الوقت الكافي للتفكير. تـضـخـم ذاته أمام عينيه ليستخف بالمحظور، وبالقانون ، و بالآخرين، وبروابط اللحم والدم، وبالمسئولية، وأخيراً بالله !! وبعد أن يقترف المحظور ترفع عنه يدها إلى حين، ليرى نفسه ساقطاً تحت ملامـة ضـمـيـره وملامة كل الناس والله ! ثم تستخدم شدة ملامة ضميره وتضخمها لتتعقبه باستمرار حتى تضعف مرة أخرى نفسيته، وبالتالي تكسر جدار مناعته ضد الخطية، فتصير الخطية أسهل مما كانت . وهنا ينشأ فيه الاعتياد، وتستخدم الخطية الاعتياد في رفع كل تأنيب للضمير، وتزيد من ضغطها وتتمادى في تأثيرها لتحول العادة لتصير وكأنها صفة لا غنى عنها ، وهكذا يصير الإنسان عبداً للخطية .

هـنـا يـبـدأ بولس الرسول يصف التمزق الذي يعانيه الإنسان وهو ممزع بين الخطية والناموس ، وبين إرادتـه الـفـاقـدة لأية قدرة على متابعة صلاح الناموس، وبين فعل الخطية الذي يأخذ طريقه وكأن لا إرادة له أمامه .

هنا يصف بولس الرسول « الإنسان» وهو تحت الناموس، والخطية تحاصره ، ليس كيهودي وحسب، ولا هو مسبحي بالمرة، ولا هو وثني قطعاً، ولكن كانسان تهذب بالناموس وقد بدأ يتطلع إلى القداسة الحقيقية، فلا يجدها ، وإلى الطهارة والبر الحقيقي، فلا يجده ، حتى وإلى الصلاح الكامل الذي في الناموس، فلا يجده . لأن الخطية صنعت في أعضائه أنفاقاً واستحكمت فيها . وحينئذ بدأ يصرخ نحو الله وكأنه يتطلع إلى مجيء المخلص والمنقذ .

و بهذا يكون بولس الرسول قد قدم دفاعاً مجيداً حقاً عن الإنسان المظلوم والمنسحق تحت سلطان الخطية، والـنـامـوس يـزيـده تعذيباً، وهو ممسك بصلاحه بيد، و باليد الأخرى يرفع ميزان قضاء الموت

14:7 « فإننا نعلم أن الناموس روحي، وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية » .

« روحي وجسدي[2]»: 

أما الناموس الروحي، فمعناه أنه ناموس إلهي، مسلم « بترتيب ملائكة » » (أع7: 53 )، طبيعته

 

المـتـحـدر مـنـهـا روحية خالصة. وإن كان يختص بالجسد، إلا أنه من مصدر روحي وله طبيعة هذا المصدر، مقدس وعادل وصالح .

«أما أنا فجسدي»:

كلمة «جسدي » هنا ، توضح طبيعتي في مقابل طبيعة الناموس. وطبيعتي هي جسدية وليست روحية، مصنوع من الجسد من اللحم والدم. وهنا كلمة «جسدي» غير « جسداني » التي تعطي مفهوماً آخر غير وارد قط في ذهن بولس الرسول، إذ معنى « جسداني » أن له فقط صفات الجسد. وهذا قد يفهم منه أنه أصبح له طبيعة روحانية وصفات جسدانية ، وهذا لا يـقـصـده بـولـس الـرسـول ، لأن الإنسان الذي يتكلم بولس الرسول عنه أو بلسانه لم يتجدد، لم يقبل الروح القدس، أي لم يصر مسيحياً بعد وهو باق كما هو جسدي . وهذا واضح من وصفه للـنـامـوس أنه روحي متحاشياً ذكر «الروح» أو «الروحاني». لأن هذا هو واقع المسيحي فقط ، حيث الجسد يـتـعـامـل ضد الروح (القدس) الذي فيه، والروح ضد الجسد الساكن فيه . ولكن الناموس، هنا ، روحي فقط، من حيث مصدره لا عمله ، فهو لا يختص بروح الإنسان بل بجسده ، وهو لا يعمل في روح الإنسان وإنما يهذب الواقع تحت الخطية بالأحكام الجسدية لا بالتهذيب الروحي. لذلك، «فالناموس روحي وأنا جسدي » يفيد اختلاف الطبيعة والمصدر والعمل، دون الـتـفـاعل بينهما، فالناموس بحكم طبيعته الروحية يحكم علي بسبب الخطية ولا يتعامل معي لأني جسدي .

«مبيع تحت الخطية » :

اصطلاح حزين يقوله إنسان واقع تحت أسر الخطية، وقد طالت به العبودية . فالإنسان يباع، إما لإنسان كسيد يستخدمه ، وإما لخطية تستذله ولا فكاك، حيث سيوضح بولس الرسول بعد ذلك هذه الحالة بدقة .

بولس الرسـول هـنـا يـتـكـلـم بفم إنسان واقع تحت عبودية الخطية، وبآن واحد تحت مطالبة الـنـامـوس باتباع الصلاح. وهذه بحد ذاتها مناقضة ، لأن الناموس روحي يطلب الصلاح، وأنا في نفس الوقت جسدي وواقع تحت عبودية الخطية، والناموس لا يعطيني يده ليساعدني للخروج من عـبـوديـة الخطية، والنتيجة أنني واقف ممزق بين مطلب الصلاح الروحي وواقع جسدي الغارق في الخطية ولا معين .

15:7 «لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لستُ أفعل ما أريده، بل ما ابغضه فإياه أفعل» .

هنا واضح جدا تسلط الخطية على طول المدى كيف شؤهت التمييز العملي بين الخير والشر من كثرة الـسـقـوط واعـتـيـاد السقوط، وكيف أكلت الإرادة وتحت إمكانياتها لمناصرة الخير، فأصبح الإنسان يخطىء رغماً عن صراخ ضميره وتمرد إرادته . ولكن لمن الصراخ ؟ للناموس ؟ الناموس لا يسمع ولا يشفع !!

ولـكـن واضح هنا أن الضمير لا يزال حيا ، فصوت الله عسير أن يفارق جبلته، ونفخة القدير تتكلم في القلب مهما ازدحم بالشرور، الضمير هنا يقول : لا تفعل ! والخطية تقول : افعل ! ولكن الخـطـيـة تسود على الضمير!!! ويبيت الإنسان ملوماً محسوراً ! فالخطية أصبحت السيد، والجسد مباع لها وتحت الشخرة. والناموس يقف مع الخطية ضد الإنسان. فالخطية تعمل للموت والناموس يحكم بالموت !!

 «لست أعرف ما أنا أفعله » :

هـنـا الـعبـد مـسلوب القدرة على التفكير، يعمل كبهيم يدور حول الرحى مكمم العين والفم . وهذه هي أصدق مناظر السخرة المرة. فعمل الإنسان وفكره، تحركه إرادة الخطية وليست إرادته ، لأن إرادتـه فـقـدت حـريـتـهـا. حينما يفيق، يبكي. ولكن لمن يبكي؟ فالناموس لا يرحم : «من خالف ناموس موسى ، فعلی شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة . » ( عب10: 28)

«ما أبغضه فإياه أفعل » :

هنا دفاع بولس الرسول العظيم عن الإنسان المظلوم الواقع تحت عبودية عدو لا يرحم !

الإنسان يبغض الخطية، يبغض الفعل القبيح والشنيع، لا يطيق أن يرى نفسه وهو منغمس هكذا في نقع الطين . الضمير مجروح ، النفس مكسورة، الروح حزين باك ، الجسد مـضـروب . هذا هو حال الإنسان الواقع تحت الخطية ، تسحقه من جهة، ومن الجهة الأخرى الناموس يبكته ويدينه ، يتطلع إلى معين فلا يجد .

ولـكـن بـولـس الـرسـول لا يـصـف هنا الإنسان المسيحي قط، ولا إنساناً قد تجدد وله روح الحياة في المسيح، بل هو يصف مجرد إنسان تحت الناموس فقد الأمل في الناموس ويتطلع إلى منقذ. لأننا لا ننسى أن « الناموس مؤدبنا (مهذبنا) إلى المسيح » ( غل3: 24). فالناموس هذب الأفكار والتطلعات إلى من هو فوق الناموس، دون أن يمد يده. لأن يد الفداء لا يقوى على عملها قانون أو نـامـوس، بل صاحب القانون وحده !! اسمع إشعياء يطلق صرخته التي سمعها بولس والتي رددها هي بعينها، وبنى عليها تمثيليته القصيرة : « ليتك تشق السموات وتنزل . … ها أنت سخطت إذ أخطأنا، هي إلى الأبد فنخلص، وقد صرنا كلنا كنجس، وكثوب منجس كل أعمال برنا، وقد ذيلنا كورقة، وآثامنا كريح تحملنا، وليس من يدعو باسمك، أو ينتبه ليتمسك بك، لأنك حجبت وجهك عنا، وأذبتنا بسبب ” آثامنا … لا تسخط كل السخط يا رب، ولا تذكر الإثم إلى الأبد . (إش64 : 1 و5- 7و9)

هذا هو إشعياء يصرخ من تحت الخطية تحت الناموس معاً، وهو لم يتجدد بعد ولا صار مسيحياً. هذا هو صراخ الإنسان الذي تهذب بالناموس، فعرف أن الخطية خاطئة جداً، والتفت إلى الناموس، فوجده قد جمد في مكانه لا يقوى على المسير، مشيراً إلى الآتي دون أن يتحرك نحوه .

16:7 «فإن كنت أفعل ما لستُ أريده، فإني اصادق الناموس أنه حسن».

واضح هنا أن بولس الرسول يستخدم المنطق. إن كان الناموس يقول لي : لا تفعل الخطية، ثم أفعلها أنا رغماً عن إرادتي، أي أني في واقعي لا أريد أن أفعلها ؛ فأنا من جهة إرادتي الحسنة الخيرة، أتوافق مع الناموس، لأن ما يقول عنه الناموس لا تفعل أريد أنا أيضاً أن لا أفعله ، وذلك من جهة إرادتي الحسنة، إذا فالناموس حسن .

واضح هنا غاية الوضوح، أن بولس الرسول يدافع عن الناموس ويدافع عن الإنسان . فالناموس حسن . والإنسان الذي تهذب بالناموس، له ما للناموس من إرادة حسنة، ولكن للأسف هي إرادة غير عاملة وغير قادرة على العمل الصالح !

إذاً، فمن الذي يعمل الخطية إن كنتُ أنا لا أريد أن أعملها ؟

واضح أن بولس الرسول هنا يبرىء كلا من الناموس والإنسان معاً، فلا الناموس خطية ولا أنا أخطىء بإرادتي. وهكذا يحاصر بولس الخطية كمكروهة من الناموس ومكروهة من إرادتي : «ما ابغضه إياه أفعل، أفعل ما لا أريد» .

الناموس « حسن»

هذه الصفة التي يضيفها بولس الرسول إلى الناموس، بجوار أنه مقدس وروحي وعادل ، هنا «حسن» وليس «صالح» تفيد المقابل للشر ( ليس له قدرة على عمل الصلاح ولـكـن يـتـكـلـم فقط عن الحسن). فالتقابل المقصود هنا هو بين الخير والشر. بمعنى أنني بحسب الإرادة العارفة بالخير، أصادق الناموس أنه فعلاً ناموس الخير. ولكني بالرغم من معرفتي للخير ومن الناموس الذي يأمرني أن أعمل الخير، هوذا أنا أعمل الشر ولا أستطيع أن أعمل الصلاح !

هنا بولس الرسول يطرق برفق شديد على عدم نفع الناموس إزاء معرفة الشر التي استوطنت الإنسان وطغت على ملكاته، وبالأخص إرادته الحسنى !!! فبالرغم من حسنى الناموس ، فليس لدى الإنسان الإرادة الحسنى الفاعلة، مهما ترقى بالناموس وتهذب بكل تأديباته .

7: 17 «فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة في».

فليلاحظ القارىء الأسباب التي قدمها بولس الرسول سابقاً، والتي فرضت هذه النتيجة بقوله : « فالآن » :

ـ « أنا جسدي مبيع تحت الخطية » ،
ـ « لست أعرف ما أنا أفعله » ،
ـ «لست أفعل ما أريده» ،
ـ «ما أبغضه إياه أفعل» ،
ـ « فالآن، لستُ بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في» .

لقد أفلح بولس الرسول في حصر الخطية وفرزها بعيداً عن تركيب الطبيعة البشرية، وأظهر أن الخـطـيـة عـدو سـاكـن في الإنسان ولـيـس عضواً فيه، عدو شرس استعبد ملكات الإنسان وإرادته وجسده . ولكن لا يزال «أنا » الإنسان أي الـ y6& سليماً يطلب الخلاص ، لأنه أدرك بالناموس ما هو الصالح وما هو الحسن، ولكنه لا يستطيع أن يعمله، فهو يطلب النجدة .

18:7 «فإني أعلم أنه ليس ساكن في، أي في جسدي، شيء صالح. لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد».

« فإني أعلم » :

هذه ليست معرفة إنجيلية ولا حتى ناموسية، بل معرفة الاختبار اليومي . فمرارة السقوط والجهاد ضد الخطية هي التي أعطت الانسان معرفة ذاته، معرفة إرادته، وضميره، وضعف جسده، وخضوع ملكاته لسلطان الخطية التي أتلفت كل ما في .

«ساكن فيَّ، أي في جسدي»:

بالاختبار المر، أدرك الإنسان أن ليس فيه شيء صالح . ولكن بولس الرسول يستدرك، فهو يعلم أن الذات شيء والجسد شيء آخر. أما الذات «أنا » ، فهي دائماً على مستوى الإرادة الحسنة، وأما الجسد، فهو دائماً : على مستوى الفعل الخاطيء. فالذات الحسنة في هي في حرب دائم مع العدو الشرير الشرس الساكن في جسدي والمستبد الذي لا يخضع للإرادة الحسنى أبدأ .

«شيء صالح»: 

الشيء الصالح الذي هو من الله ومن صلاح الله . صحیح أن الإرادة حسنة ولي معرفة بالحسن، ولـكـن لـيـس في صلاح خاصة في جسدي ، جسدي كله مبيع تحت الخطية، ليس فيه شيء صالح البتة. وكأن الإنسان وهو تحت الناموس، يتصور نعيم المعمودية الآتية، يتصورها بالرؤيا أو بالأمل أو الخيال، من واقع مرارة حال الجسد الذي تسكنه الخطية ولا تترك فيه شيئاً الله قط . هو يقول ويـن كـمـن يشتكي الله، كمن يتوسّل إلى الآتي أن يأتي سريعاً ولا يتأخر، وكلسان حال النبي الذي يئن بنفس الأنين ويـتـصور المعمودية بنفس التصور من على بعد : « طهرني بالزوفا فأطهر، اغسلني فأبيض أكثر من الثلج . » (مز7:51)

«لأن الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحُسني فلست أجد »:

الإرادة حاضرة، أي مـوجـودة، حـيـنـمـا أطلبها أجدها. هي صحيحة، لقد هذبها الناموس ، وارتقت بالوصية . كلمة الله أنارت أعماقها، ومعرفة الله جعلتها حاضرة دائماً، وعلى مستوى المعرفة الحسنة. ولكني أطلبها وقت المحنة، فلا أجدها . وعند هجوم الخطية وثورانها ، أبحث عنها فلا أعثر لها على أثر. الخطية تتحداني، فأخسر كل مرة رهان التحدي . تنبري الإرادة الجميلة، وفي لحظة المباغتة للشر، وفي أقل من لحظة، تختفي، لتصول الخطية وتجول وتفسد الفكر والنفس والجسد والضمير وكل ما بداخلي.

19:7 «لأني لست أفعل الصالح الذي أريده،
بل الشر الذي لستُ أريده فإياه أفعل».

کشف بولس الرسول هنا أن إنسانه هذا يعرف الصلاح. وهو بهذا يوضح أنه فعلاً على أعلى مـسـتـوى من تهذيب الناموس في المعرفة . ولكن للأسف، ليس على مستوى العمل، بل بتعبير شديد عن الخطية، يصف الفعل أنه شرير، وهو أقصى تعبير عن الخطية قاله بولس الرسول حتى الآن . وبهذا يـكـون وصف إنسان بولس لنفسه في هذه الآية هو قمة الإدراك للخير وقمة السقوط في فعل الخطية بآن واحد. معرفة الصلاح يقابلها فعل الشر. وذلك تمهيداً للصرخة التي سيطلقها هذا الإنسان مستغيثاً بالله مما هو فيه .

 20:7 «فإن كنت ما لستُ أريده إياه أفعل،
فلستُ بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة في».

في آية سالفة (16) استقرأ من عدم رضائه عما يفعل أن ذلك يثبت أن الناموس حسن، لأن الـنـامـوس لا يريد الشر وهو لا يريد فعل الشر. هنا يستقرىء أنه طالما هو غير موافق بالإرادة عن ما يفعله، فإذاً، لا يكون مسئولاً عن ما يفعل؛ بل الخطية الساكنة والمسيطرة. لأن غياب الإرادة عن الفعل تخلى المسئولية عن الفعل. هنا بقدر ما يبرىء ذمته من مسئولية الفعل، يضع كل المسئولية على الخطية، وكأنما الخطية شخص يعمل في داخله رغماً عن عدم رضاه.

هنا بولس الرسول يدخل في اللاهوت ضرورة عامل الموافقة الإرادية على الفعل، حتى تحسب المسئولية عن الفعل. بولس الرسول هنا يفرق بين «أنا» و«الخطية » . فأنا أفعل الخطية ، ولكن «لا أريدها ». وقد عبر عن ذلك سابقاً بأني «أبغضها ». فهي ليست عدم إرادة فقط ؛ بل وبغضة أيضاً بمعنى عدم الموافقة. أي أن الخطية الساكنة في تعمل في رغماً عن إرادتي ورغماً عن عـدم مـوافـقـتـي !! [ الإنسان المسيحي ليس كذلك بل المسيح فيه والروح القدس أيضاً، وإرادته أصبحت إرادة تعمل بالروح وبمساندة النعمة، فهي مسئولة عن كل خطية، وبالتوبة تتجدد وتتقوى و بالصلاة تزداد حساسية وتزداد وعياً وتزداد تدقيقاً ].

21:7 «إذاً، أجد الناموس لي حينما أريد أن أفعل الحسنى، أن الشر حاضر عندي » .

هنا إنسان بولس لا يصادق الناموس أنه حسن فقط في عدم إرادته للشر كما الناموس كذلك ؛ بل وأيضاً في الحسنى. فالناموس حينما يطلب الحُسني، يلبي الحُسني بإرادة حاضرة موافقة . ولكن للأسف من جهة الفعل، يتصدر الشر وتتبارى الخطية لتلقي إرادتي وإذعاني للناموس أرضاً ، فأخالف عن دراية وعن خضوع ، بل وخنوع، وضميري صارخ مشتك . هنا يتوافق إنسان بولس في الخشني مع الـنـامـوس بـإرادتـه وحـسـب ، ، ولكن يخالفه بصنع الشر، لأن الخطية ملكت الجسد وأخضعته لسلطانها . [ لاحظ هنا أن إنسان ق. بولس هذا هو تحت الناموس لا يزال ].

ويلاحظ أن ازدياد معرفة الإنسان للصلاح يقابله شدة الرضوخ للشر، وهذا عامل تمزق شنيع . وهـكـذا فـكـل زيادة في التهذيب بالناموس وترقي في الإرادة الصالحة والمعرفة الخيرة يكون مدعاة لتمزق أكثر وتوتر يبلغ أقصاه، لأن الشر باقي كما هو بسيادة الخطية .

لذلك سنسمع حالاً صراخ الإنسان من واقع هذا التمزق، بسبب الهوة التي بدأت تفصل بين صلاح المعرفة والإرادة في مقابل سقوط الجسد تحت عبودية الشر والفساد !

7: 22و23 «فإني أسـر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي».

« أسر بناموس الله » : 

وتترجم : «لأني بينما أنا أسر بناموس الله » ، حيث الناموس هنا إلى مصدره.

«بحسب الإنسان الباطن»:

وترجمتها : « الإنسان المخفي»، أي الإنسان غير المنظور، أي الذات المتصلة بالله، وهي تمام الشخصية الحقيقية للإنسان، وقد سبق أن أوضحه وشرحه بولس الرسول هكذا : « وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدد يوماً فيوماً » ( 2کو4: 16). كذلك : « أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن .» (أف3: 16).

واضح أن الإنسان الخارج هو الجسد بمشتملاته، والإنسان الداخل هو الشخصية الروحية . واضح هنا أن إنسان بولس ارتقى من المعرفة بالصالح بالناموس، إلى الإرادة الصالحة بالناموس، إلى مسرة الإنسان الباطن بالناموس. حيث الإنسان الباطن يشمل المعرفة والإرادة والضمير, هنا بلغ التوافق مع الناموس في معرفة الخير والصلاح إلى مستوى ، ليس القبول فقط ، بل والمسرة أيضاً .

إذاً، لم يبق لإنـسـان بـولـس أي أمل أو رجاء في المزيد من أي شيء، سواء صلاح أو معرفة بالناموس. لقد ربط الناموس على عطاياه، وتوقف الإنسان عن المزيد في الانتفاع ، وفي نفس الوقت الإنسان لا يزال هو كما هو باقي في حضيض الخطية ، مستعبداً للشرور. فماذا بقي للناموس ؟ ولماذا يبقى الناموس بعدئذ ؟

وهـا هـو الـنـامـوس المستبد المعاكس ، ناموس الخطية الذي لا يرحم، ساكن في أعضاء الجسد بـكـل مـلـكـاتـه، لا يفتأ ولا يـنـي ولا يـهـدأ عـن محاربة ناموس الله الذي حفظته، وملأ ذهني . والنتيجة، أنه يجرني جرا، كمسبي في سلاسل إلى الخطية التي ملكت في.

إذا، ما قيمة ناموس الله المحبوس في ذهني، وهو لا يعمل في حياتي ، أو ينقذني من تسلط الخطية على جسدي ؟ لماذا الناموس بعد ؟

 

24:7 «ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت »؟

‏«الشقي»:

الـكـلـمـة الـيـونـانـية تفسّر: «الذي أفرغ آخر جهده » . وهي تترجم حرفياً «المحطم »، وكلمة « ويحي» هي من عنديات المترجم .

فالآية تقرأ بمعنى: أنا الإنسان الذي تحطم أو أفرغ كل جهده !!

تعبير واضح عن التمزق الذي يعانيه إنسان بولس بين ما بلغ إليه من قمة الصلاح والمعرفة بالخير في إنسان الباطن، أي في ذاته وروحه، في مقابل قمة التمرغ في الخطية بالجسد بأعضائه المستعبدة للخطية . نقد أفرغ جهده، وتحطمت إرادته، فهل من منقذ ؟ فهل يأتي الآتي ؟

«من جسد هذا الموت » :

أقسى تعبير عن بلوغ الجسد حالة الاضمحلال تحت ضربات الخطية. جسد الموت ، أي الجسد الذي سكن فيه الموت في كل عضو في كل مكان، حتى أصبح جسد الموت ! حيث الموت هو الموت الأدبي أو الروحي، وليس موت الجسد .

«من ينقذني من جسد هذا الموت » :

هنا يطرح إنسان بولس الناموس وراء ظهره، ينساه ويتناساه، وهو غاضب منه أو عليه، فهو لم ينقذه من الخطية؛ بل ورطه في هذا الموت عينه . فالخطية تسكن لتميت ، والناموس يحكم بالموت . لقد أصبح الناموس كناطور الكروم، يخيف العصافير ولا يمنع اللصوص. لقد نهبت الخطية حياتي ، وسرقت الخطـيـة مـلـكـاتـي ـ وأنا أهذ في ناموس الله ليل نهار ـ من ينقذني من الجسد والموت والخطية ؟؟

7: 25 «أشكر الله بيسوع المسيح ربنا » .

آه! جاء المنقذ، جاء الذي يفك أسر السبايا ويحطم سلاسل الخطايا . جاء الذي يميت الموت ويحيي الجسد، جاء الذي يقيم الموتى في الذنوب والخطايا ويحيي الذين أنتنت أجسادهم في قبور الخطايا. جاء الذي يغسل الخارج و يقدس الداخل، جاء الذي يصالح الصلاح بالإرادة والفعل معاً. جاء الذي يرفع الشقاء، ويمنح النعيم الأبدي ، ويصالح الإنسان مع الله ، والنفس مع الجسد ، والشعب مع الشعوب . جاء الذي أكمل الناموس للإنسان، فلم يعد للناموس كمال أو مكان!!

تمهيد للآية (٢٥):

تحذير

نـقـول بـكـل الأسى أن كـثـيـريـن مـن اللاهوتيين عثروا في هذه الآية القادمة عثرة أساءت إلى اللاهوت عامة والسلوك خاصة، وأربكت عقول الناس وأفكارهم. إذ شرحوا الآية القادمة على أنها تتبع الإنسان حتى فيما بعد المسيح، أي أنها تخص المسيحي، وأن بولس الرسول قالها عن واقع الحال كمسيحي. وهذا شطط وافتراء. فالآية القادمة تلخص الأصحاح السابق، الأصحاح السابع ، وليست بأي حال من الأحوال تتبع الإنسان في المسيح يسوع ، وإلا حسبت تجديفاً ؛ بل هي تتبع إنسان بولس الذي هو تحت الناموس والذي يتطلع إلى الآتي، وهو لا يزال يستعرض نفسه ، ولكن كحصيلة لكل ما فات من عوز وأنين وضلال وعبودية تحت الخطية والشر.

7: 25 «إذا أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ، ولكن بالجسد ناموس الخطية» .

هذه الآية يقوما بولس الرسول لكي يبلور فيها كل ما فات من حالة الإنسان الذي ارتقى بوعيه بسبب الناموس، وعرف الخطية، ولم يعرف بعد كيف يخلص منها .

قالوا إن هذه الآيـة اعـتـراف من بولس الرسول أنه لا يزال ، حتى بعد أن قبل المسيح، يخدم ناموس الخطية بالجسد! وسبب العثرة في الشرح هو أنها جاءت في ترتيبها بعد الآية: «أشكر الله بيسوع المسيح ربنا ». مع أنه بعد «أشكر الله بيسوع المسيح ربنا » يكون قد انتهى الأنين وانتهت الشكوى، إذ جاء الذي أمات الخطية فينا بموته على الصليب وأعطانا الإنسان الجديد الذي يحيا في جدة الروح مع المسيح المقام، فصرنا محسوبين أننا أموات بالنسبة للخطية ، وأن الخطية لن تسود علينا لأننا تحت نعمة ولسنا تحت ناموس ، فكيف وبأي عقل أو منطق يقول هؤلاء إن الإنسان المسيحي لا يزال يخدم الخطية في الجسد ؟؟؟ أين الصليب ؟ وأين الدم ؟ وأين مغفرة الخطايا ؟ وأيـن الـصـفـح عن الخطايا السالفة وأين المصالحة مع الله ؟ وأين الاغتسال والتبرير والتقديس بدم المسيح وروح إلهنا ؟

أين الذي قاله بولس الرسول حالاً : «نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها ؟ » (رو2:6). وأيـن قـولـه : « احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية» (رو11:6)، «أنخطىء لأننا لسنا تحت الـنـامـوس ؛ بل تحت النعمة؟ حـاشـا… إذ أعـتـقـتـم مـن الخـطـيـة صـرتـم عـبيداً للبر» (رو6: 15 و18)، «الآن إذ أعـتـقـتم من الخطية وصرتم عبيداً لله ، فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية.» (رو6: 22)

أبعد هذا كله، يصح أن يقال إننا نخدم الله بالذهن فقط، وأما بالجسد فنخدم ناموس الخطية ؟

أما شرح هذه الآية فهو كالآتي :

بولس الرسول بعد أن بلغ بالإنسان الذي تحت الناموس إلى الخذلان الكلي وانقسامه بين «الأنا» و«الجسد»، حيث «الأنا» أي النفس ، تطلب الصلاح وتريد الحسن، والجسد في نفس الوقت يخضع للخطية ويستعبد لها ، ثم رفع هذا الإنسان دعواه إلى الله بالصراخ لكي يرسل الله من ينقذ الجسد المائت بالخطية، فاستجاب له الله وأرسل ابنه ليصنع ما لم يصنعه الناموس ويخلص الإنسان من الخطية والموت ويجدده كخلقة جديدة .

بعد هذا أراد بولس الرسول أن يجمع ويستخلص كل ما فات في الأصحاح السابق في آية واحدة، تمهيداً لشرح ما صنعه الرب يسوع المسيح بالنسبة للإنسان. وهكذا بلور الأصحاح كله في هذه الآية : «إذاً، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله »، أي بالجزء الواعي الله الذي هذبه الناموس وأنارته كلمات التوراة وتوعية الأنبياء، وفي ذات الوقت لا يزال الجسد واقعاً تحت عبودية الخطية كـمـن يـخـدم نـامـوسـهـا الـقـاتل الرابض في الأعضاء. هذه هي خلاصة التمزق والتوتر الذي عاشه الإنسان تحت الناموس بعد أن ارتقى بضميره ووعيه وإرادته ، كما نراه في الأنبياء واضحاً للغاية، كما سمعناه في إشعياء أعلاه . 

وبعد هذه الآية، وامتداداً بمعناها ، وردا عليها ، تأتي الآية الأولى في الأصحاح الثامن مباشرة : «إذاً، لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح …». أي أن الجسد الذي كنت أخدم به الخطية وأنا في الناموس وفي أحسن حالات الـنـامـوس ، قد انتهت خدمته للخطية ؛ بل ولا وجود له الآن في سلوكي وأنا في المسيح يسوع الذي رفع الدينونة . عني، أي لحكم الموت الأبدي بسبب الخطية، وبالتالي ألغى سلطان الخطية الذي هو الموت، وبالتالي ألغى الخطية كلها بموته، أي غفر لي كل خطاياي. وهكذا بطل عمل الخطية في الجسد وبطـل نـامـوس الجسد، وأعطاني الروح القدس، حيث «الروح » هنا هو الروح القدس ، وحيث السلوك بالروح القدس هو الانقياد بروح الله كأولاد الله ، المقابل للسلوك بالناموس والجسد ، وهذا بالنسبة للذين انتقلوا بالمسيح والروح القدس ، من الناموس وعبودية الخطية بالجسد إلى حرية أولاد الله في الروح القدس، لأنه حيث روح الرب فهناك الحرية (2کو17:3).

 

  1.  التأله: اصطلاح قاله آباء الإسكندرية اللاهوتيون. و يعني ليس أن يكون الإنسان كالله كما قال الشيطان لحواء، بل أن يأخذ من طبيعة الله ويتحد بها ، فيدخل مع الله في شركة الطبيعة الإلهية .
  2.  التعريف بالجسد والنفس والروح وما يتفرع عنها :

    أولا : الجسد:
    وهو ويعني على العموم الجسم الطبيعي للإنسان، غير أنه أحياناً يفيد معنى أعضائه . ولكن على أية حال يقصد جسد الإنسان . ويؤخذ هذا التعبير على المستوى التصويري ليفيد حقيقة الكنيسة .
    وفي لاهوت بولس الرسول يشير أحياناً إلى مفهوم الخطيئة وبالتالي الناموس : «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد…» (رو1:8). هنا المفهوم يقصد الذين انعتقوا من الناموس وبالتالي أحكام الخطية. وكلمة «الجسد» يستخدمها بولس الرسول أحياناً للتعبير عن الخطية ، فالجسد آلة الخطية، فهو حينئذ يدعى «حسد الخطية» (رو6: 6)، والخـطـيـة تـتـخـذ أعـضاء، آلات إثم ( رو6: 13). ولكن لا يصح قط أن نفهم الجسد على أنه قاعدة طبيعية للخطية ، لأن الخطية في أصـولهـا غريبة عن الجسد. لذلك يمكن للجسد أن يكون هيكلا للروح القدس (1كو6: 19)، ويكون جسداً للمسيح أيضاً وأعضاءه
    (1كو6: 15)

    ثانياً : النفس :
    النفس في أصولها العبرانية وحتى العربية تعني «الحياة». فطالما الإنسان فيه نفسه فيها والنفس في المفهوم الطبيعي يشترك فيها الإنسان والحيوان, ولكن الحياة تختلف في مضمونها الروحي في الإنسان عن الحيوان، بل والحياة في الإنسان قد تعني الحياة الأبدية المدعو إليها، وعلى العموم ، فالنفس في الإنسان تعني الجزء غير المادي فيه .

تفسير رومية 6 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 8
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى