أختي العروس جنةٌ مُغلقة

«أختي العروس جنةٌ مُغلقة، عَينٌ مُقفلة، ينبوع مختوم»
(نش 4: 12) 

«أختي العروس»

العريس يدعو عروسه «أختي» وهذا يزيد علاقته بها قربا ووثوقاً. والمسيح صار لنا أخا بالتدبير : 

+ «كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شيء» (عب ۲: ۱۷). 

+ «فلذلك لا يستحي أن يدعوهم إخوةً، قائلاً أخبر باسمك إخوتي» (عب ۲: ۱۱-۱۲). 

وقد دعانا إخوةً له على الخصوص بعد قيامته لأنه بصليبه وقيامته صالحنا مع الآب وجعلنا أبناءً للآب معه، وبالتالي إخوة له: 

+ «اذهبي وقولي لإخوتي…» (يو ۲۰: ۱۷). 

+ «ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين» (رو۸: ۲۹). 

ولنا في بستان الرهبان القصة الجميلة التي فيها يُشبه المسيح بأخ مُمسك بيد أخته، حيث تتكرر في القصة عبارة لأن أخاها ممسك بيدها ما يقرب من عشر مرات، ويأتي ختام القصة هكذا: 

[ما دامت النفس ذاكرةً اسم ربنا يسوع المسيح الذي صار لنا أخاً بالتدبير، فإنه يكون في كل وقتٍ ممسكاً بيدها. وإن أراد الأعداء غيرُ المنظورين خداعها فلا يستطيعون أن يفعلوا بها شيئاً لأن أخاها ممسكً بيدها. وإن هي خضعت للأفكار ومالت لِلذات العالم، فلن تستطيع إكمال الخطيئة لأن أخاها ممسك بيدها إن هي تمسكت في كل وقت بالاسم المخلص الذي لربنا يسوع المسيح ولم ترخه]

(قول رقم ٦٢) 

«جنةٌ مُغلقة، عَينٌ مُقفلة، ينبوع مختوم» 

هذه الثلاث عبارات تفيد معنى تخصص العروس للعريس وحده. فهي كجنة مغلقة لا يدخلها أحدٌ غيره، وكعينٍ مُقفلة أي مُسيَّج حولها حتى لا يشرب منها سواه، وكينبوع مختوم بنفس المعنى السابق مع إضافة ختم على باب السياج. على أن معنى الختم سيتكرّر بعد قليل حينما يقول لها العريس: «اجعليني كخاتم على قلبكِ، كخاتم على ساعدك» (نش۸: ٦)، حيث كلمة «خاتم» جاءت بمعنى الختم  seal. ومعنى طلبه هذا أن يكون قلبها مختوما حتى لا يدخله أحدٌ غيره، وأن يكون ساعدها أيضًا مختوما حتى لا يمتد لأي عمل إلا من أجله هو وحده. 

هذه الثلاث عبارات «جنةٌ مُغلقة، عَينٌ مُقفلة، ينبوع مختوم» تفيد معنى البتولية الروحية. تعريف البتولية الصحيح لا يقف أبدا عند معناها السلبي، أي أنها مُجرَّد عدم الزواج، ولكن البتولية الحقيقية لها بالأساس معنى إيجابي، أي أن يُخصص الإنسان كل ملكاته الروحية والعاطفية والوجدانية لخدمة عريسه الإلهي. 

هذه الآية لها قيمة رهبانية عُظمى. فالمعنى المخفي فيها هو الذي بنيت عليه معظم الوصايا الرهبانية: 

[اجلس في قلايتك والقلاية ستعلمك كل شيء] لأنك بفعلك هذا تكون كجنة مغلقة، كعين مُقفلة، كينبوع مختوم، فيأتي الحبيب ويرتاح في سكناه معك. وهذه الوصية كثيرًا ما تتكرر في بستان الرهبان (انظر مثلاً أقوال ۱۰٦ ،۱۷۷ ، ۲۵۳ ،٤۷۷ ٤٧٩ ، ٦٤٧، ٦٤٩، ١١٢١). 

+ [الانحلال من الكل هو الارتباط بالواحد] (قول ۱۱۳۸).

+ كافة الوصايا الرهبانية بعدم ارتباط الراهب بأهله وأقاربه وسابق معارفه، لئلا ينتقص هذا الارتباط من علاقته الفريدة بالعريس الإلهى. 

على أساس هذه الآية نستطيع أن نفهم لماذا خرج آباؤنا الرهبان الأوائل إلى البرية، وما هو سر إصرارهم على السكنى في الأماكن النائية التي يصعب الوصول إليها . 

[قولوا لي يا آبائي في أي موضع اقتنى آباؤنا الفضائل، أفي العالم أم في البراري؟…] (قول ۳۱۸ حديث أنبا مقار مع رهبان الإسكندرية) 

وأيضًا أنبا أنطونيوس يقول: 

[الانفراد له استطاعة أن بوصل إلى الرب، لأنه عزاء عظيم ويجعل الإنسان كاملاً. والذين أحبُّوا الانفراد بكل قلوبهم وبكل ذواتهم، صار لهم شرف ونورّ أكثر من سكان القرى والمدن] (رسالة ۱۷: ۱۱). 

ذلك لأن الانفراد يُهيّئنا لأن نكون «جنةً مُغلقة عَيْنًا مُقفلة، ينبوعًا مختوم» للعريس الإلهي. 

وهذا هو السر وراء إلحاح الرب بأن تكون صلاتنا «في الخفاء»: 

+ «ادخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصل إلى أبيك الذي يرى في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يُجازيك علانية» (مت٦: ٦). 

حيث «غلق الباب» هنا يُقابل تماما شهوة العريس في النشيد أن تكون عروسه «جنةً مُغلقةً» مُخصصة له وحده. 

+ «كل مجد ابنة الملك من داخل مشتملة بأطراف موشاةً بالذهب، متزينة بأشكال كثيرة» (مز ٤٤: ١٤ في الأجبية والترجمة السبعينية). 

هذه الزينة كلها من داخل حتى لا يراها ولا يدري بها أحد سوی العريس وحده. هذا هو سر البتولية الروحية، وهو مُتَّصل بأعظم وصية أن «تحب الرب إلهك من كل قلبك»، فلا تُوزّع قلبك على كثيرين بل قدمه كله لإلهك. 

+ «فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لأن منه مخارج الحياة» (أم ٤: ٢٣). 

فحفظ القلب فيما خُلق لأجله، أي تخصيصه لمحبة العريس الإلهي، هو مصدر كل النعم الروحية «مخارج الحياة». 

آيات أخرى من نشيد الأنشاد تفيد الانفراد مع الحبيب : 

+ «تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل (تُرجمت إلى الصحراء في بعض الترجمات…. هنالك أُعطيك حُبِّي » (۷: ۱۱-۱۲). 

+ «يا حمامتي، في محاجئ الصخر في ستر المعاقل، أريني وجهكِ أسمعيني صوتك، لأن صوتكِ لطيف ووجهكِ جميل» (١٤:٢). 

+«أدخلني الملك إلى حجاله» (۱: ٤)، أي إلى حجرته الداخلية أكون له وحده وهو يكون لي: 

+ «أنا لحبيبي وحبيبي لي» (٦: ٣).  

كل هذه الآيات تدور حول البتولية الروحية، أي التخصص الكامل للحبيب 

«أختي العروس جنةٌ مُغلقة، عَينٌ مُقفلة، ينبوع مختوم» 

زر الذهاب إلى الأعلى