هل الله متحيز جنسيًّا؟

مقدمة

 يرى المسيحيون الله من خلال مجموعة من العدسات المختلفة عن الملحدين وغير المسيحيين والثقافات الأخرى للعالم. ولكن كما تعلم، صوّر البعض الله بالعديد من الطرق المشوهة على سبيل المثال، قال عنه الملحدون المعاصرون، وكثيرون غيرهم، إنه كاره للنساء، وشوفيني (متطرف في الوطنية)، وذكوري، ومتحيز جنسيًّا، جنبًا إلى جنب مع العديد من السمات المهينة الأخرى. 

عبّر الكاتب والملحد البريطاني ريتشارد دوكنز في كتابه الشهير «وهم الإله» (The God Delusion) عن رأيه الشخصي في إله العهد القديم بطريقة نقدية حادّة، مستخدمًا أوصافًا سلبية عديدة. ومن المهم التأكيد أن هذا الرأي يمثّل وجهة نظره الخاصة، ولا يعكس بالضرورة الحقيقة اللاهوتية التي يؤمن بها المسيحيون. كما أن تفسير النصوص الدينية خارج سياقها التاريخي واللغوي يمكن أن يؤدي إلى مثل هذه الانطباعات المشوّهة.

كيف يمكن أن يقول البعض بأن الله متحيز جنسيًّا وعنصري وحاقد ويبيد الآخرين إبادة جماعية وهلم جرا؟ ولكي يقول شخص هذه الآراء المشوهة عن الله، لا بد وأنه قرأ الكتاب المقدس خارج سياقه. على سبيل المثال، سنلقى النظر على اتهام الله بالتحيز جنسيا. كيف يمكن أن يرى شخص ما أن الله متحيز جنسياً؟ 

يرى بعض المنتقدين أن ترتيب خلق الإنسان في سفر التكوين — حيث خُلق آدم أولًا ثم حواء — يُفسر على أنه دليل على تمييز ضد المرأة. كما يشيرون إلى بعض القوانين القديمة في العهد القديم التي كانت تُعطي للرجل سلطة أوسع في المجتمع. غير أن هذا تفسير بشري معاصر لا يعكس بالضرورة القصد الإلهي أو السياق التاريخي الذي وُضعت فيه هذه النصوص. فاللاهوت المسيحي يؤكد أن المرأة والرجل خُلِقا على صورة الله، وأن كليهما يتمتعان بقيمة متساوية أمامه.

كيف يرى الله بالفعل الرجال والنساء؟ 

على الرغم من كل هذه التأكيدات، فالله في الحقيقة ليس متحيزا جنسيًّا. لكن هذا لا يعني أن الكنيسة لم تعامل النساء على مدار التاريخ على أنهم أقل شانًا، أو أن الرجال المسيحيين لم يكونوا في الواقع متحيزين جنسياً. من الواضح أن سلوك التحيز جنسيًّا قد ابتلانا لقرون عدة. لكن الله ليس كذلك، ولا يرى النساء أقل شائًا من الرجال. 

قال الله: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا … ذكرًا وأنثى خلقهم» (التكوين 1: 26، 27). لقد خُلِقت المرأة على صورة وشبه الله، مثلها في ذلك مثل الرجل. في الواقع جبل الله الرجل من التراب، لكن المرأة من الإنسان. لم يعمل الله صورة للرجل أعلى شأنا من المرأة، فالخالق لم يجعل المرأة أقل في الصورة. يتشارك الرجال والنساء في صورة الله بالقدر نفسه. 

المزيد من المقارنات 

تعد عواقب الخطية على حواء مثالاً آخر يزعم بأن الله متحيز جنسيًّا. لكن الآثار السلبية للخطية لها تأثير بعيد المدى على كل البشرية وخارجها. ويشمل ذلك الموت الروحي والجسدي لجميع البشر، والألم الجسدي للمرأة عند الإنجاب، وسيادة الأزواج على زوجاتهم، ولعنة الأرض التي تؤثر على حياة النباتات؛ مما يجعل من الصعب على الإنسان زراعة المحاصيل (راجع سفر التكوين 3: 14- 19). لكن هذه الآثار السلبية لم يكن المقصود منها أن تكون مقبولة كمعايير. لقد وضع الله نفسه خُطة يديرها، حتى قبل أن يخلق البشر؛ لكي يعكس هذه العواقب. فقد كان يخطط لإرسال ابنه؛ لا كي يقدم حياة أبدية للبشر الأموات في خطاياهم وحسب، بل ليعكس آثار الخطية في النهاية على هذا الكوكب بالكامل وحياة الحيوانات (راجع إشعياء 25: 7، 8 ، 65: 17). 

فكَّرْ في هذا: هل نحن بصفتنا خليقة الله نجلس ساكنين، ولا نساعده في خطة الخلاص والاسترداد؟ هل ليس علينا اكتشاف الطرق الجديدة والمُحسّنة لزراعة الأرض وزيادة إنتاجية المحاصيل؟ هل علينا أن نقبل الألم أثناء عملية الإنجاب، وعدم البحث عن وسائل طبية لتقليل الألم؟ نحن نستخدم بالطبع تكنولوجيا الزراعة الحديثة؛ لزراعة محاصيل أفضل وأكثر صحة. كما نحاول الاستفادة من الاكتشافات الطبية الحديثة؛ لتخفيف الألم في عملية الولادة. فنحن لا نقبل هذه النتائج السلبية للخطية، ونعيش فيها. 

تشير النصوص الكتابية إلى أن العلاقات بين الزوجين تأثرت بالخطية عبر التاريخ، ما أدى إلى ممارسات اجتماعية غير عادلة في كثير من الثقافات. لكن هذه الممارسات لا تعبّر عن التصميم الإلهي الأصلي للعلاقة بين الرجل والمرأة، والتي تقوم على المحبة المتبادلة والاحترام المتساوي. وقد أكد يسوع المسيح على هذه المساواة من خلال سلوكه وتعليمه، فكرّم المرأة ومنحها مكانة واضحة في خدمته وتعاليمه.

يشير العهد الجديد إلى أن العلاقة الزوجية تقوم على أدوار تكاملية لا على تفوق طرف على آخر. فالخضوع هنا لا يُفهم بمعناه السلبي أو التمييزي، بل في إطار الخدمة المتبادلة التي دعا إليها المسيح عندما قال إن «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليَخدم» (مرقس 10: 45). وهذا يوضح أن الكرامة والمساواة محفوظتان للطرفين في منظور الكتاب المقدس.

وقد وضح يسوع الحق، بأن على الرجال والنساء خدمة بعضهم البعض (في مرقس 10: 42 – 44)، وقد شملت الآية يسوع نفسه «لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأت ليُخدَم بل ليُخدَم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس 10: 45). وكون الأزواج والزوجات يخدمون في أدوار مختلفة، لا يعني أن الزوجات أقل شأنا. صحيح أن الخطية قد جاءت بآثار سلبية على علاقاتنا، لكن الله لا يريد استمرار ذلك. فالله يريد من كلّ من الأزواج والزوجات أن يحترموا ويحبوا بعضهم البعض، كما أظهر لنا ذلك من خلال المسيح

أخيرا، نرى في جميع أنحاء الكتاب المقدس أن الله رفع النساء إلى أماكن السلطة والقيادة الإلهية، والمتحيز جنسيًّا لا يفعل ذلك. وفي الواقع، التكوين هو قصة الخليقة الوحيدة في الشرق الأدني القديم التي تذكر النساء حتى. ويصل إلى ذروته في خليقة النساء فقد أعطى الله بوضوح قيمة للمرأة منذ البداية. 

عمل مقارنة 

في أمة إسرائيل، كانت المرأة تحضر قراءة الكتاب المقدس (التثنية 31: 9- 13)، وهو ما كان يعد غاية في التكريم كانت النساء تخدم في مدخل خيمة الاجتماع (الخروج 38: 8) ، وهو واجب شريف، وكنَّ يقدمن ذبائح (اللاويين 12: 1- 8) وهو ما يُبيِّن اعتراف الله بحق المرأة في العبادة. فقد عيَّن مريم أخت موسى «كنبية» (الخروج 15: 20، 21) كما كانت دبورة نبية وقاضية. وكانت تتكلم وتقضي علنًا باسم الله (القضاة 4: 4 – 7). وكذلك كانت خلدة على قدم المساواة، نبية لله، وكانت تتحدث أيضًا بالنيابة عن الله (2ملوك 22: 14 – 20). ومن الواضح أن الله لم يكن ينظر إلى المرأة بأنها أقل شأنا، وغير قادرة على القيادة والتحدث باسمه. 

أكد يسوع ابن الله على حقوق المرأة عندما تحدث إلى المرأة السامرية (يوحنا 4: 1 – 42). كما أيَّد مريم التي جلست عند قدميه كإحدى تلاميذه وكذلك مدح كثيرًا النساء اللواتي دهنَّ جسده بالطيب قبل موته (مرقس 14: 9). كانت المرأة بالنسبة ليسوع مساوية للرجل. ومن ناحية العلاقات لا يرى الله أيَّ فارق في الوضع الإنساني بين الذكر والأنثى. وكمــا ذكرنا يمكن أن يخدم الأزواج والزوجات في أدوار مختلفة، ولكن هذا لا يجعل أحدًا منهم أكثر تفوقًا أو أدنى من الآخر. وقد وضَّح الرسول بولس أن الله ليست عِنده محاباة عندما قال: «لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ليس يهودي ولا يوناني ليس عبـد ولا حر. ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع» (غلاطية 3: 26-28).

وهكذا يتضح أن الاتهامات الموجهة إلى الله بالتحيز الجنسي أو العنصري تنبع غالبًا من قراءات مجتزأة أو من عدم فهم السياق الكامل للنصوص المقدسة. بينما الموقف اللاهوتي المسيحي يرى في الرجل والمرأة شريكين متساويين في الكرامة، مختلفين في الأدوار، لكن متحدين في الهدف والغاية.

زر الذهاب إلى الأعلى