تفسير سفر التكوين أصحاح 3 لمار أفرام السرياني
[1] وبعد ان تحدث عن اخراج آدم من الجنة وعن الملاك والسيف الحاد الذي سيج به الفردوس عاد ليكتب عن ولادة قايين وهابيل وعن قرابينهما قائلا هكذا ونام آدم مع حواء فولدت ،قايين وقالت لقد اقتنيت رجلا، لا لآدم الذي نام معها انما للرب لأنه كَوّنه في الرحم. وأضافت فولدت هابيل، وصار هابيل راعي غنم وقايين فلاحا للارض وبعد مرور ايام على تربيتهما، أو رعايتهما وفلاحتهما جلب قايين من ثمار أرضه تقدمة للرب، وجلب هابيل من بكر غنمه ومن سمانها.
[2] لقد جلب هابيل تقدمته بعنايه وفطنة واما قايين بدون عناية وفطنة. أختار هابيل وجلب من ابكار وسمان [غنمه] اما قايين فجلب سنابلا، أو جلب مع السنابل ثماراً وجدت في نفس وقت السنابل؛ وبالرغم من ان تقدمته كانت أصغر من تقدمة اخيه الا انها كانت ستقبل مثل تقدمة اخيه ان لم يجلبها بتهاون. ولأنهما قدما تقدمتهما بفرح: الاول من خراف غنمه والآخر من ثمر ارضه، الا ان قايين استخف في أول تقدمته التي قدمها، لذلك لم يشأ الله ان يقبلها لكي يعلمه كيف يقدم [تقدمته]. كان قايين يملك ثيرانا وعجولا، ولم ينقصه حيوانات وطيور ليقدمها، لكنه لم يقدم أي منها في ذلك اليوم عندما قدم فيه غلال ارضه البكر.
اي خسارة كانت لو جلب السنابل الجيدة او أختار ثمار الاشجار الجيدة؟
الا انه لم يفعل ذلك رغم سهولتها. ولم يشفق على السنابل الجيدة أو على الثمار الجيدة، لكنه لم يكن في فكره محبة لذلك (الله) الذي يتلقى التقدمة؛ ولأنه جلب تقدمته بتهاون لذلك رفضها الله لئلا يتوهم قايين بان الله لم يعلم بنيته او ان القرابين هي أحب الله من مقدمي القرابين.
[3] ان الله رفض اذا قربان قايين [ليس فقط] بسبب ما فعله قايين، انما ايضا بسبب ما كان سيفعله كان قايين شريراً نحو والديه وساخطاً على اخيه ولم يحترم الله. اما قربان هابيل فقبل لأجل فطنة هابيل، وقربان قايين رفض لأجل تهاونه.
و غضب قايين ليس بسبب رفض قربانه اذ كان بالامكان ان يرضي الله بقربان مُختار وهو الذي أغضبه بالقربان المرذول؛ ولم يتجهم وجهه بسبب رفضه، لأنه كان سهلا ان يقدم تضرعا.
لو قبل القربان المختار الذي جلبه أو لم يُقبل، فان قايين كان قد كشف عن نيته؛ وان اقتنع ان يقدم تضرعاً أو لم يقتنع فان الله كان يرى غايته. ولما كان قايين لم يجلب قربانا مختارا بدلا من القربان المرذول الذي رفض، ولم يقدم تضرعا بدلا من الحقارة التي صنعها الله، تبين بانه غضب بسبب قبول قربان اخیه؛ لقد غضب بسبب النار التي ميزت بنزولها بين القرابين، وتجهم وجهمه لأنه اصبح مهزلة في عيون والديه واخواته عندما رفض قربانه. لقد شاهدوا بان قربانه وُضع في داخل النار لكنها لم تدنو منه.
[4] وقال له الله لماذا غضبت واغتمت وجهك؟ بدلا من ان تمتلىء غيظا كان عليك ان تمتلىء حزنا وبدلا من تغتم وجهك كان ينبغي ان تفيض الدموع من عينيك، لكن لو كنت قد احسنت [التصرف] لكنتُ قد قبلتُ تأمل اذا [ايها القارىء] ان قربانه رفض ليس بسبب صغره، انه لم يُقبل بسبب بغضه وعدم مناسبته.
لو كنت قد احسنت لقبلتُ ذلك رغم اني لم اقبله من قبل]، وكان [ قربانك] سيُقبل مع قربان اخيك المختار رغم انه لم يُقبل من قبل]. وان لم تحسن، فان الخطيئة متربعة لدى الباب الاول وسيلتفت هابيل نحوك لأنه بسبب طاعته [لك] سار معك الى السهل؛ وأنت ستسود على الخطيئة، أي تكتمل بها. لكن بدلا من أن يحسن قايين التصرف ليكافأ كي يُقبل قربانه المرفوض، أضاف وقدم قربان القتل لذلك [الله] الذي كان قد قدم له قربان التهاون.
[5] وقال قايين لهابيل هيا نسر الى السهل من هذه العبارة التي قال “هيا نسر الى السهل نفهم بانه اما كانا ساكنين على الجبل في لحف الفردوس، واخذه ونزل للسهل او ان هابيل كان يرعى الغنم على الجبل وصعد قايين وانزله للسهل المناسب له بسبب سنبله وترابه، لأنه قتله بين السنابل وطمره بسهولة في التراب. لأن [ الكتاب المقدس] يقول: ولما كانا في الحقل قام قايين على اخيه هابيل وقتله.
ولما قتل قايين اخاه أقنع والديه كذباً ان هابيل دخل الفردوس لأنه حَسُن لله وها ان قربانه المقبول يشهد على دخوله؛ ان حفظ الوصية أدخله الى الفردوس مثلما أخرجكم كسر الوصية من هناك. ولما اعتقد قايين بانه خدع والديه ولا يوجد من يأخد بثأر هابيل ظهر الله لقايين وقال له أين هو هابيل أخوك؟
[6] لقد ظهر الله له بلطف، فلو تاب عن خطيئة القتل التي ارتكبتها اصابعه لمسحها ندم شفتيهه وان لم يتب سيُحكم بعقاب مرير يوازي اثمه الشرير. لكن بدل الندم امتلىء قايين غيظاً، وقال لعارف الكل الذي سأله عن اخيه لكي يعيده [للمصالحة] مجيباً بجملة غضب: لا أعرف هل أنا حارس لأخى؟
أضاف الله وقال له: ماذا فعلت؟ فان كنت لا تعلم اين هو هابيل لأنك لست حارسه، قل اذا لهذا الذي يسألك (الله) ماذا فعلت؟ ولماذا سيسأل شخص آخر عما فعلت؟ اذا ماذا فعلت، قل لذلك [الله] الذي إن لم يكن يعلم ماذا فعلت لما سألك عن فعلك. ولما لم يشأ قايين ان يعترف بما فعل، تجلت له معرفته وفضيحته قائلة: دم اخيك يصرخ الي من الارض.
[7] ما رأيك اذا ياقايين؟ هل تنتقم العدالة للدم الذي ناداها أم لا؟ ألم تتمهل [العدالة] عليك لتتوب؟ أما أبعدت نفسها من معرفتها وسألتك كما لو انها لا تعرف شيئا لكي تجعلك تعترف؟ ألم يحلو لك ما قالته لك فاتيت للخطيئة التي حذرتك منها العدالة سابقا كي تتجنبها؟ ملعون انت من الأرض كلها لانك أحزنت آدم وحواء آباء جميع الارض ملعون انت من وجه الأرض كلها لأنك فتحت باب الهاوية امام الأرض كلها عندما تفلح الارض لن تعطيك خيراتها بعد، لانك رغبت لوحدك ان تأكل قوتها. طريداً شريداً تكون في الارض لأنك سرت فيها بعجرفة واستعلاء.
[8] في نفس الوقت الذي انطلقت فيه اللعنات أكتمل فعلها على قايين الذي قال بعجرفة قبل اللعنات هل أنا حارس لأخي؟ بعد اللعنات ولما هدأ هيجانه بسبب ارتعاشه و هیمانه قال :قایین ان اثمي اكبر من أن يُغفر. لكن هذه لم تقبل منه كندم لأنه لم يقلها في الوقت الذي سُئل فيه. لقد قالها وكأنه مُجبر بتأثير خوفه وهيمانه.
لكن قايين بدل ان يطلب التأني وعساه بالتضرع يقنع العدالة الا انه قال برهبة او بمكر : لقد أخرجتني من وجه الارض لما لعنتني، لذلك سأختبىء من أمامك لانني لم اتمكن بعد من ان اقف امامك لانني هذرت بحماقة امام وجهك وقلت هل انا حارس لاخي، ولأنني اصبحت منذ حينها شريداً طريداً في الأرض، فكل من وَجَدَني يقتلني.
یا قايين، هل تطلب الموت ام انك خائف من الموت؟ كيف بامكان الاحكام التي صدرت بحقك ان تكتمل إن تَمُت؟ فان عزت عليك الحياة وانت في هذا الشقاء فكم كانت الحياة تعز على هابيل وهو بعيد عن ذلك الشقاء؟
رغم ان البعض يقول بان قايين طلب ان لا يموت، الا ان البعض الآخر يقول بانه طلب الموت، لأن الله قال له: ليس هكذا كما تقول للقتلة الذين يأتون بعدك. إذ انه بالرغم من ان القتلة الذين يأتون بعدك سيموتون في نفس الساعة التي يوجدون، الا انه سيُنتقم لقايين سبعة اضعاف ولانه طلب الموت لئلا يستهزىء الناس بضعته، ستأتي أجيال سبعة وترى ضعته ومن ثم يموت.
[9] وما يقال عن الاجيال السبعة فهم ابناء عشيرته الذين ماتوا معه. لكن اثبات هذا غير ممكن، لانه وان بلغهم الطوفان فانه بلغ الجيل السابع. وإن هلك مع قايين جيل واحد فقط فكيف يقولون بان سبعة أجيال هلكت معه وهم لا يستطيعون ان يبرهنوا بان الطوفان حصل في الجيل السابع من آل قايين؟
يقول الكتاب المقدس بان قايين وَلدَ حنوخ، وحنوخ ولد عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك، ولامك ولد يابال3 الذي اصبح ابا لسكان الخيام ومقتنيي الماشية. ان سكان الخيم ومقتني الماشية لم يحفظوا البتولية في خيامهم، ويقول الكتاب المقدس: لقد افسد كل بشر سبيله.
فان كان هناك تسعة اجيال منذ قايين لغاية ابناء هؤلاء الذين يسكنون الخيام ويقتنون الماشية ولم يحصل الطوفان بعد، فكيف نوافق على القول بان سبعة اجيال هلكت مع قايين؟ لقد تبين الان بانه قد مضت سبعة اجيال كما قلنا ولم يحصل الطوفان بعد، لذلك حسن ما قيل بان عار قايين امتد الى سبعة اجيال، وهو الذي اراد منذ اليوم الاول ان ينجو من العار بواسطة الموت.
ان كون قايين حياً لغاية الجيل السابع أمر واضح اولا لأنه هكذا حكم عليه ثانيا ان سنوات حياة الاجيال الأولى تشهد له بذلك، فان كان والده آدم في الحياة لغاية الجيل التاسع للامك، ومات في سنة ستة وخمسين للامك، فالامر ليس عسيراً ان ظل قايين حيا لغاية الجيل السابع
[10] لأن قايين اراد الخلاص من العار، لكنه لم ينج من العار كما شاء واضيفت على عقوبته الاولى علامة لم يكن يتوقعها. لأن الكتاب المقدس يقول : ان الرب وضع علامة على قايين لئلا يقتله كل من وجده. هؤلا الذين سيجيدونه هم ابناء شيث الذين كانوا مضطرين للانتقام من دم عمهم هابيل. لقد انفصلوا عن قايين ولم يصاهروه بسبب عاره والخوف منه، ولم يتجرأوا على قتله بسبب علامته.
[11] بعد ان قبل قايين القصاص وأضيفت له العلامة التي تحدثنا عن سببها الضروري ولم نتحدث عنها لانها غير ضرورية، قال الكتاب المقدس وخرج قايين من امام الرب وأقام في ارض نود شرقي عدن. لقد انعزل قايين من والديه واخوته لأنه وجد بانهم لا يصاهرونه اما ارض نود التي قال عنها فانها كانت ارض قايين الشريد الطريد، لكنها نالت لعنة ثانية ايضاً بالكلمة التي قال الله: عندما تفلح الارض لن تعطيك قوتها.