تفسير سفر التكوين أصحاح 7 للأرشيذياكون نجيب جرجس
أمر الله لنوح بالدخول إلى الفلك (ع1)
«وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك. لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل.» (التكوين 7: 1)
أمر الله نوحاً أن يدخل الفلك مع جميع أهل بيته. وقوله «لأني إياك رأيت باراً في هذا الجيل» شهادة من الله عن تقوى هذا الرجل. وما أجمل أن يشهد الله لأولاده، فإن شهادته صادقة وأمينة.
أمره بإدخال الطيور والحيوانات إلى الفلك (ع2-5)
«من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة، ذكراً وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة تأخذ اثنين، ذكراً وأنثى. ومن طيور السماء أيضاً سبعة سبعة، ذكراً وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض. لأني بعد سبعة أيام أيضاً أمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة. وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته. ففعل نوح حسب كل ما أمره به الرب.» (التكوين 7: 2-5)
في الأصحاح السادس أمر الله نوحاً أن يأخذ من الحيوانات أزواجاً ذكراً وأنثى، وفي هذه الآيات تحديد للأعداد التي يأخذها من الأنواع المختلفة. والمقصود بالبهائم هنا الحيوانات بوجه عام:
(أ) فمن الحيوانات الطاهرة كان عليه أن يأخذ سبعة أزواج، سبعة أزواج ذكراً وأنثى من كل نوع. والمقصود بالبهائم الطاهرة هنا ما كان يصلح لتقديم الذبائح مثل الأغنام والماعز والبقر.
(ب) ومن البهائم غير الطاهرة كان عليه أن يأخذ زوجين من كل نوع. ويدخل تحت هذا القسم الحيوانات التي كان الإنسان يستخدمها كالخيل والحمير، والحيوانات الأخرى كالكلاب والقطط والوحوش وغيرها. وقد قضت حكمة الله أن يأخذ عدداً أكبر من الحيوانات الطاهرة للزومها لتقديم الذبائح، ولأن الإنسان سيأكل لحمها فيما بعد، فضلاً عن استخدامها في أعماله.
(ج) وكان عليه أن يأخذ من الطيور سبعة أزواج. «لأني بعد سبعة أيام أيضاً أمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة. وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته». السبعة أيام هي المدة التي يدخل فيها نوح الحيوانات والطيور إلى الفلك، ويعد الطعام الذي يأخذه معه، ويستعد مع أهل بيته للدخول أيضاً. والأربعون يوماً هي المدة التي يظل فيها الماء منهمراً من السماء وفائضاً من الأرض. وقوله «كل قائم» يعني كل الأحياء من الناس والحيوانات والطيور وغيرها. وقوله «أربعين يوماً وأربعين ليلة» يعني أربعين نهاراً وأربعين ليلاً، أي أربعين يوماً كاملاً، لأن كلمة “اليوم” تستخدم بمعنى اليوم الكامل، أو بمعنى النهار فقط، وهذا شائع اليوم في الكثير من اللغات.
دخول نوح ومن معه إلى الفلك (ع 6-9)
«ولما كان نوح ابن ست مائة سنة، صار طوفان الماء على الأرض. فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان. ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض. دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك، ذكراً وأنثى. كما أمر الله نوحاً.» (التكوين 7: 6-9)
كان نزول الطوفان في السنة الستمائة من عمر نوح. وقد دخل نوح الفلك مع أهل بيته وجميع الكائنات الحية حسب ما أمره الرب. «من وجه مياه الطوفان» تعبير مجازي يعني هروبهم من مياه الطوفان. و«كل ما يدب على الأرض» أي يتحرك.
نزول الطوفان (ع 10-16)
«وحدث بعد السبعة الأيام أن مياه الطوفان صارت على الأرض. في سنة ست مائة من حياة نوح، في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر. في ذلك اليوم انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة. في ذلك اليوم عينه دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح وثلاث نساء بنيه معهم إلى الفلك. هم وكل الوحوش كأجناسها وكل البهائم كأجناسها وكل الدبابات التي تدب على الأرض كأجناسها وكل الطيور كأجناسها. كل عصفور كل ذي جناح. ودخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة. والداخلات ذكراً وأنثى من كل ذي جسد. كما أمره الله. وأغلق الرب عليه.» (التكوين 7: 10-16)
«في سنة ستمائة من حياة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر…» حدث الطوفان قبل الميلاد بنحو ٢٥٠٠ سنة. وكان التاريخ يؤرخ بالنسبة لأعمار الآباء أو الحوادث الهامة. وكانت هذه السنوات قمرية. ومن المعروف أن الشهر القمري مقداره ٢٩ يوماً ونصف يوم تقريباً، والسنة القمرية نحو ٣٥٤ يوماً. وكان الآباء يحسبون الشهر ثلاثين يوماً والسنة ٣٦٠ يوماً. يدلنا على هذا أن المدة من اليوم السابع عشر من الشهر الثاني حيث بدأ الطوفان إلى اليوم السابع عشر من الشهر السابع حيث رسا فيه الفلك على جبل أراراط، ومقدارها 150 يوماً، اعتبرت خمسة شهور كاملة من عمر نوح (التكوين 8: 3-4). ولم يكن للشهور أسماء، بل كانوا يدعونها الشهر الأول أو الشهر الثاني وهكذا. وفيما بعد عندما تقدم الإنسان في العلوم الفلكية حسب السنة القمرية 354 يوماً تبعاً لحسابها الصحيح، وكان العبرانيون يضيفون إلى سنتهم القمرية شهراً صغيراً دعوه “آذار الثاني” ومقداره 11 يوماً لتصير سنتهم 365 يوماً معادلة للسنة الشمسية.
وفي تحديد تاريخ بدء الطوفان والحوادث الأخرى التي تتعلق به، باليوم والشهر والسنة – كما سترى – برهان قاطع على صحة الكتاب المقدس وجلاله ودقته، بعكس الأساطير الوثنية التي كانت مشوشة وغير محددة، بل مملوءة بالأوهام والخرافات.
«وانفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء»: يراد بالغمر العظيم البحار والأنهار وينابيع المياه التي على الأرض. وقوله «انفتحت طاقات السماء» تعبير مجازي يعني نزول المطر بغزارة من السحب. والله في غضبه أهاج البحار من أسفل فجعلها تحدث فيضانات مدمرة، وأمر السحب من فوق أن تسقط أمطارها بغزارة وشدة، وظل الحال هكذا أربعين نهاراً وأربعين ليلة بدون توقف.
«وكل الطيور كأجناسها. كل عصفور كل ذي جناح»: وفي ترجمة الآباء اليسوعيين: «وجميع الطير بأصنافها من كل طائر وكل ذي جناح». وفي ترجمة أخرى: «من كل طائر ذي جناح». والعبارة بوجه عام تشير إلى جميع أنواع ذوات الأجنحة. وقوله «وكل الطيور كأجناسها» يقصد جميع ذوات الأجنحة ما يطير منها وما لا يطير. وقوله «كل عصفور» يعني جميع الطيور التي تطير. و«كل ذي جناح» تعميم لجميع الأنواع سواء من الطيور أو الحيوانات ذوات الأجنحة مثل الخفاش، أو الحشرات الطيارة مثل الفراش والنحل وغير ذلك.
«وأغلق الرب عليه»: أغلق باب الفلك لحفظ نوح ومن معه من مياه الطوفان، وحتى يمنع كل محاولة للخارجين من الفلك للدخول إليه. ويا للأسف فإن هذه ستكون حالة الخطاة عند مجيء المسيح، حيث يدخل الأبرار إلى ملكوت السماوي ويغلق الباب، فلا يستطيع الخطاة الدخول بعد فوات فرصة التوبة.
آثار الطوفان (ع 17-24)
«وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض. وتكاثرت المياه ورفعت الفلك. فارتفع عن الأرض. وتعاظمت المياه وتكاثرت جداً على الأرض. فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيراً جداً على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. خمس عشرة ذراعاً في الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض. من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات. فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض. الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء. فانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوماً.» (التكوين 7: 17-24)
تحقق وعيد الله فأرسل الطوفان على الأرض، حيث ظل منهمراً أربعين يوماً بدون انقطاع. وكان الفلك يرتفع فوق الماء ويسير عليه. وهكذا أولاد الله تحرسهم عنايته، فيسيرون بأمان واطمئنان فوق لجج العالم، ويعلون فوق التيارات المخيفة والأنواء الشديدة والفيضانات الهائلة. ولسنا نراهم مدفوعين بواسطة المياه مثل الفلك، وإنما هم دائماً محمولون على الأذرع الأبدية، فالله وحده هو الذي يرفعهم بيديه، ويحملهم على ذراعيه. «خمس عشرة ذراعاً» أي نحو سبعة أمتار. وقد ارتفعت المياه فوق قمم أعلى الجبال لكي تهلك جميع الأحياء، ولا يكون مهرب لأحد من غضب الله.
«وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يوماً»: وهي المدة التي كان ارتفاع المياه فيها ارتفاعاً هائلاً.