عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة السادسة  

فى أن آدم كان عارفاً للخير والشر قبل أن يأكل من شجرة المعرفة، وفي انه من الضروري التأمل في الكلام الذي يقال في الكنيسة عند الرجوع إلى البيت. 

فائدة اجتماع الوعظ في الكنيسة 

في الواقع فأنني أحب الصوم، لأنه أبو التعقل ومصدر كل حكمة، وأيضا أحبه بسببكم وبسبب محبتكم، لأنه لأجلي قد صار هذا الاجتماع المقدس، الذي أعطاني الامكانية أن أرى مجدداً الوجوه المحبوبة ومنحني الفرصة السانحة أن أتمتع بهذه الأعياد والاحتفالات الطيبة. 

فلا يخطئ أحد إن دعا اجتماعنا هذا بأنه عيد واحتفال وخيرات لا تُحصى، لأنه إن ذهب أحدٌ للساحات العامة وتلاقي هناك مع صديق فانه في كثير من الأحيان يخرج ما في صدره من ضيق وإحباط، أما نحن فلا نجتمع في ساحة عامة بل في الكنيسة، ونجتمع ليس مع صديقا واحدًا بل إننا نتواجد مع كثير من الإخوة والآباء، أفلا نطرح عنا كل ضيق وإحباط؟ وكيف لا نثمر كل سعادة وفرح؟ حيث أن اجتماعنا هذا أفضل من الاجتماع مع صديق في الساحات العامة ليس فقط من جهة كم الحضور ولكن أيضا من جهة محتوى الحديث الذي يدور بيننا. 

في الواقع، كثير من الأحيان أولئك الذين يجتمعون في الساحات العامة، ويجلسون في حلقات، يتحدثون في أمور سخيفة، ويجرون حوارات عقيمة ويتناقشون فى موضوعات لا تليق بهم. كما أنه من المعتاد بل أنه في أغلب الأحيان ننشغل في فحص غرائب الأمور. فإنه لمن المجازفة والخطورة أن نتحاور أو نستمع لمثل تلك الأحاديث، وننجرف ورائها حيث تسببت تلك التجمعات في كثير من العواصف التي دمرت بيوتاً، أترك ذلك جانبًا الآن، لأن تلك التجمعات غير مجدية ،وفاترة، وتدور حول الأمور العالمية، ومن غير الممكن أن يتابع المرء في مثل تلك التجمعات كلمة روحية، ولا أحد يستطيع أن يبدي اعتراضه علي شيء. 

أما هنا فلا يحدث نفس الشيء، بل الأمر على العكس تماما، لأن أي نقاش غير مجدي فهو مستبعد، وكل تعليم روحي نقدمه، حيث أننا نتناقش هنا عن أنفسنا، وكذلك عن الخيرات التي تليق بالنفس، وأيضا عن التيجان المحفوظة في السماوات وعن طرق الحياة الممجدة، وعن محبة الله للبشر، وعنايته بالكل، وكل الأمور التي تليق بنا في المقام الأول، وأيضًا عن أي سبب خُلِقنا وماذا سوف يصير لنا بعد رحيلنا من هذه الحياة، وماذا سيكون نصيبنا ولقائنا هناك، ليس فيما بيننا فقط بل أيضا مع الأنبياء والرسل والأهم من أي شيء بكل تأكيد هو وجودنا مع رب الكل نفسه لأنه يقول: “لأنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” لأنه إن كان حيث يجتمع أثنان أو ثلاثة، فيكون هو حاضرًا هناك بينهما، فكم بالأولى وجوده هنا بيننا حيث يجتمع كثير من الرجال والنساء وكثير من الآباء والرسل والأنبياء، فأننا بحماسة شديدة نتحدث متمتعين بالمعونة من أولئك وسوف نحقق الوعد الذي وعدناكم به.

معرفة آدم للخير والشر 

السبب الأول : تفوق آدم على باقي المخلوقات 

قد وعدتكم أن نتحدث أولاً عن الشجرة (المحرمة) وهل كان بسببها قد حصل آدم على معرفة الخير والشر أم كانت له هذه المعرفة قبل أن يأكل من ثمرتها بقناعة شديدةٍ سوف أقول لكم إنه كانت له هذه المعرفة قبل أن يأكل من هذه الثمرة (المحرمة)، لأنه إن كان لا يعلم ما هو الخير وما هو الشر فسوف يكون غير عاقلاً بل وأدنى من الحيوانات العجماوات، وسوف يكون السيد أغبي من العبيد، فكيف لا يكون من العبث أن يعرف الماعز والخرفان ما هي أوراق النباتات النافع لها من تلك التي تسبب لها الضرر، وألا يدنوا من كل ما يروه (من عشب)، بل يكون لديها قدرة التمييز وأن يعرفوا حسنًا جدًا ما هو مضر لها، وما هو نافع، بينما يحرم الأنسان من هذه القدرة العظيمة؟ لأنه إن لم تكن له هذه المعرفة، فإنه لن يكون أسمى من المخلوقات الأخرى بل سوف يكون أقلهم أهمية، فسوف يكون من الأفضل له أن يحيا في الظلام، من أن لا يعرف ما هو الخير وما هو الشر، لأننا لو طرحنا هذه المعرفة من حياتنا فإن كل حياتنا سوف تُدمر، وكل أمورنا سوف تمتلئ بالارتباك. 

السبب الثاني: أن البشر الأقل تحضرا، بل والحيوانات أيضا، يميزوا بالطبيعة بين الخير والشر. 

في الواقع، هذا ما يميزنا عن الحيوانات العجماوات، وما يجعلنا أسمى من الوحوش هو أننا نعرف أن نفرق ما بين الشر والفضيلة، وأن نميز الشر وألا نجهل الخير. 

فإن كُنا لا نعرف هذا (التميز) الآن وليس فقط نحن بل أيضا (قبائل) السكيتس والبرابرة، فقبل الخطية بكثير من الوقت عرف ذاك الانسان هذا التمييز فليس من الممكن أبدًا لذاك الذي كُرم بكثير من الكرامات مثل خَلقَه على حسب الصورة وعلى حسب المثال”، وباقي البركات الأخرى، أن يبقي عاريًا من قمة كل الخيرات، لأن كل من حُرِم من الطبيعة العاقلة فقط هو الذي يجهل الخير والشر، بينما آدم كان ممتلئ جدًا بالحكمة، وكان قادرًا على التمييز بينهما وكان مملوءً من الحكمة الروحية. 

برهان آخر قدرة آدم على تسمية الحيوانات بأسمائها:

فاسمع هذا البرهان، إذ يقول إن الله ساق إليه الوحوش ” فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدم لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدم ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسمها.” فكر إذن بأي حكمة كان ممتلئا حتى أنه يستطيع أن يهب أسماء لكثير من الأنواع وكثير من الأصناف المختلفة وأنواع الماشية والزواحف والطيور حتى أن يكون قادرًا على إعطاء أسماء أصيلة لكل نوع، وهكذا قد قَبِل الله بارتياح هذه الأسماء الموضوعة، حتى أنه لم يغير أي اسم من هذه الأسماء، لأنه يقول “وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدم ذَاتَ  نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا”. 

فهل ذاك إذن لم يكن عارفاً بالخير والشر؟ فكيف يمكن لهذا الرأي أن يبرر؟ 

برهان آخر قدرته في التعرف على حواء. 

وثانياً أحضر الله إليه المرأة، وبمجرد أن رآها عرف أنها تشاركه نفس طبيعته، فماذا قال؟ : “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي” لأنه قبل قليل قد ساق الله أمامه كل الحيوانات ولكي يُظهر آدم أن هذا الكائن (حواء ) ليس مثل باقي الكائنات قال ” هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي” فالبعض يقول أنه لا يُلمح لهذا فقط ولكن طريقة الخلق أيضاً حيث يقول “هذه الآن” إذ أن المرأة لن توجد بهذه الطريقة فيما بعد، لذلك فأنه حسناً أن مترجمًا آخر قد ترجم النص أكثر دقة ” إذ يقول ” هذه المرة فقط” وكأنه يريد أن يقول ” أنها الآن فقط المرأة وُجدت من الرجل وحده، ولكن فيما بعد لن يكون الأمر هكذا بل سوف تأتي للوجود من الاثنين معاً.

“هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي” فطالما أخذ الله قطعة من كل الخليط (أي التراب الذي جبل منه آدم) خلق بهذه الطريقة المرأة حتى تكون هناك علاقة كاملة ومشابهة مع الرجل. إذ يقول (آدم) هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةَ لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ.

حتى أن التسمية أيضا توضح اشتراك الطبيعة (أي اشتراك آدم وحواء في ذات الطبيعة)، وهكذا فالتعليم بأن طبيعتهم واحدة في طريقة الخلق كانت الدافع إلى المحبة الدائمة والارتباط الواحد. فماذا قال بعد ذلك؟ “لذلِكَ يَتْرُكُ الرّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَان جَسَدًا وَاحِدًا”.  فلم يقل “يتحد” بل “يلتصق” حتى يظهر على الارتباط التام بينهما، “وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا”. فهل ذاك الذي يعرف كل هذا لم يكن.” يعرف ما هو الخير وما هو الشر ؟ أجبني ! وكيف يمكن أن يكون هذا الرأى مبررًا؟ 

لأنه إن لم يكن يعرف ما هو الخير وما هو الشر قبل أن يأكل من الشجرة ولكنه عرفه بعد الأكل فإن الخطية قد صارت بالنسبة له معلمًا للحكمة والحية لن تعد مضللة بل تصير مشيرة لصالحه، وهكذا صيرت الحيوان إنسانًا ! ، ولكن فكرة كهذه أبعد ما تكون عن الحقيقة، فالأمر ليس كذلك، ليس كذلك. فلو أنه لم يكن يعرف ما هو الخير وما هو الشر، كيف إذن أقتبل وصية؟ لأنه لا يوجد أحد يعطي تشريعا لمن لا يعرف أن الشر معصية. بينما في الحقيقة قد أعطاه الله شريعة وفرض عليه عقوبة في حال عصيانها وما كان من الممكن أن يفعل هذان الأمران (الشريعة والعقوبة) إن لم يجعله منذ البدء عارفاً للفضيلة وللرذيلة. 

أرأيت كيف أنه من جميع النواحي يتأكد أن آدم لم يكن عارفاً للخير والشر بعد الأكل من الشجرة (فقط) بل كان عارفاً لكليهما قبل الأكل؟ 

خاتمة عن حفظ كلام الوعظ 

كل هذا يا أحبائي فلنحفظه، وبعد أن نعود إلى بيوتنا فلنعد مائدة مزدوجة سواء للطعام او للاستماع لكل ما قلناه، فليقل الرجل كل ما قلناه هنا، والمرأة فلتتعلمه وكذلك الأولاد فليسمعوه، فلا يحرم هؤلاء المستمعون ولا الخدم من هذه التعاليم فلتجعل بيتك كنيسة لأنك مسئول عن خلاص أولادك وخَدَمك، هكذا كما أننا مسئولون عنك كذلك كل واحد منكم مسئولاً عن خادمه وامرأته وولده، ومن كل هذه الأقوال سوف تنشأ فينا الأحلام المبهجة الخالية من أي خيالات، لأن الأمور التي تهتم بها النفس في يومها تتخيلها في منامها. لأنه إن حفظنا في ذاكرتنا كل ما يقال في يومنا فأننا لن نحتاج لكثير من الجهد للإدراك والفهم وأيضا سوف تصير العِظة بالنسبة لكم أكثر وضوحًا وبالنسبة لنا تصير التعاليم مهيئة بالأكثر. 

وحتي تكون هناك فائدة عظيمة لنا ولكم بالنسبة لنا من التعليم وبالنسبة لكم من الاستماع لهذا التعليم مع المائدة الجسدية (المادية) المائدة الروحية، وسوف تصير لكم هذه الموائد آمنة ورائعة وسوف يوجه الله كل ما يخص الحياة الحاضرة نحو مصلحتنا وكل شيء يصير لكم سهل ومنجز . لأنه يقول “اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ”. فلنطلب إذن يا أحبائي هذه حتى ننال الخيرات هنا وهناك، بالنعمة ومحبة البشر لربنا يسوع المسيح الذي به ومعه يليق المجد للآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمین. 

زر الذهاب إلى الأعلى