عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة السابعة  

لماذا دعيت الشجرة بـ “شجرة معرفة الخير والشر”؟ وما معني القول اليوم” تكون معي في الفردوس”؟ 

مقدمة عن مائدة الوعظ والتعليم 

البارحة، قد توسلت كثيراً من محبتكم أن تتذكروا كل ما يقال هنا وأن تقدموا في المساء مائدة مزدوجة، مائدة للطعام وأخرى لكلمات الوعظ، فهل فعلتم ذلك إذن؟ هل أقمتم تلك المائدة المزدوجة؟ أنا أعرف أنكم قد فعلتم ذلك وأنكم تشاركتم ليس فقط في المائدة الأولى بل الأخرى أيضاً، لأنه من غير الممكن أن توجهوا اهتمامكم للمائدة الأقل أهمية متغافلين عن تلك الأكثر أهمية لأن الأولى أعدتها أيادي الطباخين ولكن الأخرى أعدتها ألسنة الأنبياء، الأولى تحتوي على منتجات الأرض بينما الأخرى تحتوي على الثمرة التي مصدرها الروح وطعام تلك المائدة الأرضية يؤول بسرعة للفساد بينما الأخرى أطعمتها تقود إلى عدم الفساد، الأولى للحفاظ على حياتنا الحاضرة أما الأخرى فتقود إلى حياة الدهر الآتي، فقد أعددتم إذن هذه المائدة مع تلك، فأنني عالم بذلك ليس لأنني قد سألت أحد أتباعكم أو خادم لكم، بل الإعلان الأكثر وضوحًا ! فما هو يا تُرى؟ ألا وهو تصفيقكم على كلامي وتأيدكم لتعليمي، لأنني عندما قلت لكم البارحة: “ليجعل كل واحد بيته كنيسة” فسمعتكم تصيحون بشدة معربين عن فرحتكم بكل ما قيل. 

فذاك الذي يسمع أقوال العظة بفرح لديه استعداد أن يبرهن عليه بالعمل، لذلك فاليوم قد أخذت على عاتقي بعزم بالغ أن اقدم لكم التعليم. 

ولكن فلتتيقظوا الأن بالحري، فيجب ليس على المتحدث فقط بل يجب على المستمعين أيضا، أن يكونوا مهيئين لبذل قصارى جهدهم، بل المستمع أكثر من المتحدث نفسه. فمن جهتنا فإن أمرًا واحدًا يهمنا ألا وهو أن نقدم لكم الخيرات الربانية ” أما أنتم فالمجهود أكبر، لأنه يجب أن تقبلوها وأيضا أن تحفظوها بكل أمانة، فضعوا إذن بعد سماع العظة الأقفال وأغلقوا أبواب الفكر، وأفكار العظة التي تحوم حول النفس وكأنها حُراسًا عليها، وكما أن اللص وقح ويسهر دائما وهو يهاجم باستمرار ويكرر المحاولة حتى لو فشل في عديد من المرات فلتكن إذن الحراسات مشددة، ولو رأوا الشيطان أنه أتى ويريد أن يخطف شيئاً من تلك التي وضعت في داخل النفس، فليبعدوه بصراخ وجرأة عظيمة، وإذ قُدِمَت الاهتمامات الدنيوية، فلتمنعوهم، وإن كان النسيان الذي ينبع من الطبيعة مزعج باستمرار، فلنحفز الذاكرة بالدرس، لأن الخطر ليس صغيرًا إذ تعلق بفقدان الخيرات الربانية. 

في الواقع، فإن أولئك الذين يقومون بمهمة حفظ الأموال يعاقبون كثيرًا حتى الموت في حال تبديدهم لتلك الأموال التي أؤتمنوا عليها، فبأي عقاب إذن سوف يعاقب أولئك الذين يقبلون أقوال الوعظ – وهي أهم من المال، وينسونها بعد ذلك؟ فمسئولية حفظ تلك الأموال فقط تكون على أولئك الذين يقبلونها وليس سواهم، لأنه بمقدار ما يودع إليهم من هذه الأموال، بمقدار ما يكونوا مجبرين أن يردوها ولا شيء أزيد من ذلك يُطلب منهم. 

مَثْل الوزنات 

أما فيما يخص كلمة الله، فلسنا فقط مسئولين علي الحفاظ عليها بل أنها تحتاج إلى عمل دؤوب، لأننا لا تطالب فقط بما قبلناه، بل بجوار ذلك يجب أن نقدمها للرب مضاعفة ، فعلى الرغم من أنه هناك ضرورة لحفظ الكلمة فان الأمر يحتاج إلى جهاد واعتناء أكثر، وعندما يحمينا الرب وننميها فكر كم من التعب والعناية تحتاج منا وقد اؤتمنا عليها، لذلك فالذي قد أؤتمن على خمسة وزنات (مواهب) لم يقدم بمقدار ما أؤتمن بل أكثر، لأن ما يأتي هبة من محبة الرب للبشر فيجب علي العبد أن يظهر عناية خاصة به، وبالمثل ذاك الذي أؤتمن على وزنتين قد ربح أيضًا وزنتين أخريين، لذلك أستحق نفس الكرامة من الرب نفسه، أما ذاك الذي أؤتمن على وزنة واحدة وقدمها دون أن ينقص أو يقلل الوديعة ولا زادها حتى بمقدار النصف، لأنه لم يُظهر أي اهتمام واجب لذا لم يقدم ضعف ما أؤتمن عليه، فقد عوقب عن حق بأشد عقاب. لأنه قال: إذ كنت أريد أن أحافظ عليها وألا يأتي منها أي مكسب، فما كان يجب أن أقدمها ليد .العبيد أما أنت فمن فضلك انتبه إلى محبة الله للبشر، فقد قدم الذي أؤتمن على خمسة وزنات على خمسة وزنات أخرى، ومن أؤتمن على اثنتين قدم مثلهما، وكل منهما قد حصل على نفس المكافأة، لأنه كما قال للأول: “نعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ” بالمثل قال للثاني: ” نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثير”. فمبلغ الربح ليس هو نفسه (في الحالتين) ولكن المكافأة واحدة هكذا فان الثاني قد أستحق نفس الكرامة، فالله لا يبالي بمقدار ما يقدم بل بمجهود العاملين فهكذا كل منهما قد عمل ما في وسعه فزيادة كم الربح المقدم أو قلته ليست بسبب إهمال هذا أو اهتمام ذاك بل لاختلاف مبلغ الوديعة المعطاة، فذاك نال خمسة وقدم خمسة أخرى، وهذا نال اثنتين وقدم اثنتين أخريين، لم يقل أي شيء من مجهوده، فهو أيضا قد ضاعف ما قد أؤتمن عليه (من وزنات)، أما الذي نال وزنة واحدة لم يقدم سواها لذلك قد عُقِبَ. 

2- فهل سمعتم كم من العقاب المحفوظ لأولئك الذين لا يهتمون أن ينموا ويزيدوا الخيرات الربانية؟ إذن ، دعونا أيضًا نحفظ ونحرص على تنميتها ، وليتنا نهتم أن ننميها وأن نحاول أن نجعل المكسب منها وفير. فلا يَقُل أحد: إنني إنسان بسيط، إنني تلميذ، لا أملك القدرة علي التعليم، إنني غير متعلم، وإنني لست جدير بشيء. لأنه إن كنت إنسان عامي، وأيضا ما زلت غير متعلم، وإن كان الرب قد ائتمنك علي وزنة واحدة فلتحاول أن تزيد تلك الوزنة التي سلمت لك وسوف تنال نفس أجر المعلم، ولكن فلتحفظوا كل ما قيل (في اجتماعنا) وان تنفذوه بكل حرص، فإنني مقتنع تماما بأن لا نستنفذ كل حديثنا في هذا الأمر ، فلنتقدم إذن ونقدم لمحبتكم كل ما قد قيل البارحة، مقدمين لكم هذا الأجر حتى تحفظوه لأن ذاك الذي حفظ ما أؤتمن عليه أولاً مستحق أن ينال المزيد. 

لأي سبب دعيت شجرة معرفة الخير والشر بهذا الاسم.

إذن، فماذا كان موضوع حديثنا بالأمس؟ الحديث كان عن الشجرة وأوضحنا أن الانسان كان يعرف الخير والشر قبل أن يأكل من الشجرة، وكان ممتلئ بكل حكمة، الأمر الذي يظهر جليًا من كونه قد أعطي الحيوانات أسماء، وأنه قد تعرف على المرأة بقوله: “هذهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي ومن ذلك فقد ناقش موضوع الزواج والتناسل وطريقة معيشة الزوجين بالنسبة للأب والأم ، وأيضا بأنه استلم الوصية. لأنه لا يعطي أحد وصية وشريعة عما يجب أن يفعل وما يجب ألا يفعل لمن لا يعرف الخير والشر. 

اليوم إذن يجب أن نتحدث عن السبب الذي لأجله دعيت الشجرة بمعرفة الخير والشر طالما أن الانسان لم ينل معرفة الخير والشر من الأكل منها؟ لأنه ليس أمرًا هينًا أن نعرف لماذا دعيت الشجرة بهذا الاسم، وأيضا فان الشيطان قد قال: “يوْمَ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللَّهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ” فكيف إذن تقول أنه لم يضع في الانسان معرفة الخير والشر ؟ فمَنْ إذن قد وضع هذه المعرفة فيه؟ هل الشيطان؟ فستجيب بنعم لأنه يقول ” وَتَكُونَانِ كَاللَّهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ” وبعد ذلك تقدم لي شهادة العدو والمخادع، فبالرغم من أنه أكد أنهما سيصيران إلهان، فهل تحقق ذلك بالفعل ؟ وبالمثل لا معرفة الخير والشر قد حصلا عليها في ذلك الحين. لأن ذاك كذاب ولا يتفوه بأي شيء من الحق، فقد قيل انه “لم يثبت في الْحَقِّ” دعونا إذن أن لا نقدم شهادة الشيطان بل لنفحص الأمر ذاته لأي سبب دعيت الشجرة بمعرفة الخير والشر. 

فبشكل مبدئي إذ اعتبرته أنه حسن علينا أن نبدأ أولاً في معرفة معني الخير الشر، فما هو إذن الخير ؟ هو الطاعة، وما هو إذن الشر؟ هو المعصية، ومبدئيًا لكي لا نضل في تعريفنا بشأن طبيعة الخير والشر فلنتحقق من الكتب المقدسة عما هو خير وما هو شر، فاسمع ما يقوله النبي : “مَا هُوَ صَالِحٍ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ” فقل لي ما هو الخير : “أَن تَصْنَعَ الْحَقَّ” أرأيت كيف أن الطاعة هي الخير؟ لأن الطاعة تنبع من المحبة، ومرة أخري يقول: ” لأَن شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَبَارًا، أَبَارًا مُشقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً”. 

الخير هو الطاعة والشر هو المعصية 

أترى أن الشر هو المعصية والابتعاد عن الله ؟ مبدئيًا فلننتبه لهذا، لأن الخير هو الطاعة، والشر هو المعصية، وهكذا سنعرف ذاك، وهكذا دُعيت الشجرة بمعرفة الخير والشر، لأن الوصية التي تختبر الخير والشر قد أعطيت من تلك الشجرة، لأن آدم كان يعلم من قبل أن الخير هو الطاعة والشر هو المعصية، وقد عرف ذلك فيما بعد بأكثر وضوحًا عن طريق الخبرة وتجربة الأشياء. 

قايين كمثال للمعرفة الاختبارية للشر 

وبالمثل تمامًا فإن قايين كان يعرف أن الأمر شر، فاسمع ماذا يقول: “هلم نذهب للسهل” فلأي سبب تقوده نحو السهل وتنتزعه من الأحضان الأبوية؟ ولماذا نقلته إلى الصحراء؟ وجردته من الوصاية؟ ولماذا أبعدته عن نظر أبويه؟ ولماذا أخفيت فِعْلك الطائش إن لم تكن خائف من الخطية؟ ولماذا بعد ارتكابك للقتل مرة أخرى عند سؤالك تتحجج بصعوبات وأكاذيب؟ لأنه عندما قال لك الله: أَيْنَ هَابِيلُ أخُوكَ؟»، فقلت: « لاَ أَعْلَمُ أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟»  فقد أتضح جليًا أنه أقدم على هذا الفعل وهو يعرف جيداً مقدار ثقله. 

لأنه كما كان يعرف وقبل أن يرتكب فعله أن القتل شر، كذلك قد عرف هذا الأمر بشكل أكثر وضوحًا بعد ذلك عندما قَبِلَ العقوبة وسمع القول: “تَائِهَا وَهَاريًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ” وبالمثل فإن أبيه كان يملك معرفة الخير والشر، قبل الأكل من الشجرة المحرمة وإن لم تكن معرفة واضحة كما الحال بعد الأكل، فماذا أقول؟ لأن الشرور نعرفها كلنا قبل أن نرتكبها، ولكننا ندركها جيدًا بعد ارتكابها، ثم ندركها بأكثر وضوحًا جدًا عندما تعاقب عليها. هكذا فإن قايين كان يعرف أن قتل الأخ هو شر وقبل أن يرتكب هذا الفعل، ولكنه تعلم بأكثر وضوحًا بعد ذلك عندما قَبلَ العقوبة، وكذلك نحن نعرف – قبل أن نصاب بالمرض – أن الصحة هي خير بينما المرض هو شر لا يطاق، ولكننا نميز الفارق بينهما أكثر جدًا عندما يصيبنا المرض. 

وبهذه الطريقة، فإن آدم كان يعرف أن الخير هو الطاعة وأن الشر هو المعصية، ولكنه عَرِفَ بأكثر وضوحًا عندما ذاق من الشجرة وطُرِدَ من الفردوس وحُرِمَ من ذاك النعيم. ولأنه عوقب لأنه ذاق من الشجرة على الرغم من أن الله قد نهاه عنها، فإن العقوبة قد علمته بأكثر وضوحًا من نفس خبرة الأمور ، فكم هو شر عظيم أن تعصى الله وكم هو خير عظيم أن تطيعه، فلذلك دعيت الشجرة بمعرفة الخير والشر، فلأي سبب إذن (دُعيت الشجرة بهذا الاسم) إن كانت طبيعة الشجرة ذاتها ليست فيها معرفة الخير والشر ؟ ولكن الإنسان قد تعلمها أكثر وضوحًا بواسطة العقوبة بسبب عصيانه، بتذوقه من الشجرة، لأن الكتاب المقدس أعتاد على مثل هذا الأسلوب، فعندما يحدث شيئًا ما في أماكن أو أزمنة مختلفة فأنه من ذات الحدث تُسمى تلك الأماكن أو الأزمنة، ولكي يصير كلامي واضحًا، فسوف أوضحه ببعض الأمثلة: 

أمثال من الكتاب المقدس لتسمية الأشياء وفقًا للأحداث. 

– بئر إسحاق كمثال 

حفر إسحاق بعض الآبار، فحاول جيرانه أن يدمروها، فبسبب هذا الحدث خُلِقت عداوة بينهما وبسبب ذلك دعيت هذه الآبار بآبار العداوة ، ليس لأن البئر أظهرت عداوة تجاهه بل لأن العداوة قد ظهرت بسبب هذه البئر، هكذا أيضا الشجرة دعيت بمعرفة الخير والشر، ليس لأنها فيها المعرفة بل لأن عن طريقها صار البرهان لمعرفة الخير والشر. 

– مثال آخر: بئر إبراهيم 

وأيضا إبراهيم قد حفر بئر فتآمر ضده أبيمالك، غير أنهما تقابلا وأنهيا تلك العداوة، وبعد أن أقسما فيما بينهما دعيا تلك البئر ببئر القسم ،ليس لأن البئر قد أقسم بل لأن القسم له علاقة بالبئر، أترى كيف أن الأماكن ليست سبب الأحداث، حتى لو أنها تستمد أسمائها مما يحدث؟ 

ومن الضروري جدًا أن نشير إلى أمثلة أخرى حتى يصير ما نقوله أكثر وضوحًا. 

مثال ثالث: رؤيا يعقوب. 

نظر يعقوب أيضا ملائكة مقبلين عليه وجيش الله، فدعي أسم  المكان “جيش” على الرغم من أن المكان لم يكن هو الجيش، ولكن لأن هناك رأى يعقوب الجيش، أرأيت كيف أنه من الأحداث التي حصلت في المكان قد دعاه؟ هكذا أيضا شجرة معرفة الخير والشر، ليس لأن فيها معرفة الخير والشر بل لأنه من خلالها قد صار البرهان علي معرفة الخير والشر، والممارسة (العملية) للطاعة والمعصية. 

ومرة أخري رأي يعقوب الله علي قدر ما يمكن لإنسان أن يراه وقد دعي اسم المكان “مرئ الله” فلماذا ؟ يقول : “لأنه رأى الله” ليس لأن المكان هو “مرئ الله” بل لأن ما حدث في ذلك المكان قد أعطاه هذه التسمية. 

أرأيت بكم من الأدلة أن الكتاب المقدس يعتاد على أن يعطي الأماكن أسماء من الأحداث التي تحصل فيها، ونفس الأمر أيضا يحدث مع الأوقات. 

نعمة المسيح أعظم من خطية آدم وآثارها. 

ولكي لا نرهقكم، دعونا ننقل حديثنا من الأمور المحزنة إلى ما هو مبهج، وأيضًا لكي نجعل أفكارنا تنشغل بالمعاني السامية، لذلك حسنًا أن نريح الفكر، بأن نغذيه بالمعاني الأكثر بساطة والأكثر بهجةً. فلنرجع إذن إلى شجرة (خشبة) الصليب المخلصة لأن تلك قد أزالت كل المتاعب، التي قد سببتها تلك الشجرة (المحرمة)، أو بالحري ليست تلك الشجرة بل الإنسان الذي أدخل كل المتاعب التي أزالها بقوة عظيمة المسيح فيما بعد، مانحًا خيرات أعظم بكثير من تلك المتاعب. لذلك فإن بولس يقول : ” حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. أي أن النعمة أعظم من الخطية ولذلك يقول أيضًا: ” وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هَكَذَا أَيْضًا الْهَبَةُ” فليس على قدر ما أخطأ به الانسان بقدر ما أنعم به الله عليه، إذ ليس المكسب بمقدار الخسارة، فمكسب التجارة أعظم من مخاطر غرق السفن، فتلك النِعم أعظم جدًا من الشرور ، لأن الشرور التي أدخلها العبد كانت أقل من الخيرات التي منحها السيد حيث كانت أكثر لذلك يقول : ” لَيْسَ كَالْخَطِيَّة هَكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ”.

وبعد ذلك يضيف الاختلاف ” لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهَبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ”. هذه الكلمات ذات غموض شديد، ومن الضروري أن نحاول تقديم التفسير ، “فالدينونة” هي الجحيم والعقوبة والموت، من واحدة” أي من خطية واحدة لأنه يقول إن خطية واحدة قد أدخلت شر عظيم ولكن الهبة الإلهية لم تمح فقط هذه الخطية بل محت خطايا أخرى كثيرة، لذلك يقول : إن الهبة الإلهية تمنح التبرير من كل معصية لذلك فإن يوحنا (المعمدان) صرخ: ” هُوَذَا حَمَلُ اللهِ ” ليس الذي يرفع خطية آدم بل الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! ١٨٧ . ألا ترى كيف أن المعصية ليست بمقدار الهبة بل خيرات أعظم قد أدخلتها هذه الشجرة أكثر من الشرور التي نشأت منذ البدء؟ 

مقارنة بين آدم واللص اليمين 

4- هذا قد قلته لكي لا تظن أنك تضررت من الآباء الأولين، فالشيطان أخرج آدم من الفردوس ولكن المسيح أدخل اللص، ولاحظ الفارق، فإن الشيطان قد أخرج الإنسان علي الرغم من أنه لم يكن له أي خطية سوى بقعة واحدة هي المعصية، بينما المسيح قد أدخل اللص (إلى الفردوس) علي الرغم من أنه كان مثقلاً بخطاياه الكثيرة التي لا تحصى، فهل هذا الأمر فقط اللافت للانتباه؟ أفلا يوجد شيء آخر؟ فيمكننا أن نذكر ما هو أعظم، لأنه لم يدخل فقط اللص إلى الفردوس بل أدخله قبل كل المسكونة وقبل الرسل كي لا يفقد أحدًا من اللاحقين شجاعته فى الدخول للفردوس ولا ييأس من ،خلاصه وهو يرى متجولاً في ديار الملكوت ذاك الذي كان ممتلئاً من الشرور التي لا تعد ولكن دعونا نفحص الأمر ربما أظهر اللص جهادًا أو أفعالاً حسنة أو ثمارًا، ولا حتى هذا يمكننا قوله، ولكن بكلمات بسيطة، فقط بواسطة إيمانه قفز إلى داخل الفردوس قبل الرسل، حتى تعرف أن امتنان ذاك اللص لا يساوي مقدار ما فعلته محبة السيد للبشر. 

فماذا قال اللصّ؟ وماذا فعل؟ هل صام؟ هل بكي بالدموع؟ هل مزق ثيابه؟ هل قدم توبة لزمان طويل؟ كلا البته، لقد كان على عود الصليب وفاز بخلاصه بعدما أتخذ قرارًا. فلتنتبه سريعا، فمن الصليب انتقل للسماء من الإدانة إلى الخلاص، فما هي إذن تلك الكلمات أي قوة لها، في اللحظة التي وهبت له كل هذه الخيرات، إذ يقول «اذْكُرْني يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ » وما هي أهمية تلك الكلمات؟ طلب أن ينال الخيرات ولم يقم بأي محاولة بأعماله، ولكن ذاك الذي يعلم قلبه، لم يعر أي اهتمام إلى أقواله بل إلى قصده ونية نفسه، لأن أولئك الذين تمتعوا بالتعاليم النبوية ورأوا الآيات والمعجزات قالوا إن “به شَيْطَانٌ”، وإنه ” يُضِلُّ الشَّعْبَ” بينما اللص على الرغم من أنه لم يستمع للأنبياء، فبمجرد أن رآه مُسمرًا على الصليب لم يبالي بالخزي والعار، بل عندما رأى ألوهيته قال أذكرني في ملكوتك” فهو أمر جديد وعجيب، أتري الصليب وتتذكر الملكوت؟ فماذا رأيت يستحق الملكوت؟ 

إنسانًا ،مصلوبًا ،مجروحًا ، مهانًا ، مُدانًا، مبصوقًا عليه، مجلودًا. فهل هذه مؤهلات الملكوت؟ أجبني! 

أترى كيف أنه أبصر بعيون الإيمان ولم يفحص ظواهر الأمور فلذلك ولا الله أيضا امتحن كلماته البسيطة بل كما أن هذا اللص رأى ألوهيته، هكذا نظر الله إلى قلبه وقال: «إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفرْدَوس» 

دفاع ضد المانيين عن القيامة

إننتبه هنا، لأننا نعرض مسألة غير اعتيادية. في الحقيقة، المانيون هم مثل كلاب غبية ومسعورة، ففي الظاهر يظهرون تساهلاً أما من داخلهم يحملون هوس الكلاب المخيفة، ويخفون أنفسهم كذئاب تحت جلد الحملان، لذلك لا تنظر بحسب الظاهر بل لتفحص الوحش المخفي في الباطن، لذلك يحتالون في (تفسير) هذه الآية ويقولون: “قال المسيح الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس”. إذن فقد نال مكافأة النعيم فلا حاجة إذن للقيامة، لأنه طالما قد تمتع اللص منذ ذلك اليوم بالنعيم وجسده لم يقم حتى يومنا هذا فلن تكون هناك إذن قيامة للأجساد. فهل استوعبت ما قلته أم تحتاج أن أعيد القول مرة أخرى: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» فقد دخل اللص إلى الفردوس – كما يقولون ولكن بدون جسده، فهل لم  يدفن جسده ؟ ألم يتحلل ؟ ألم يصر ترابًا ؟ ولم يقال نهائيًا في أي موضع أن المسيح أقامه، فإن كان اللص قد دخل (الفردوس) وبدون الجسد تمتع بالنعيم، فمن الواضح تماما أنه لا توجد هناك قيامة للأجساد، لأنه إن كانت هناك قيامة للأجساد ما كان القول : “الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس” بل كان عليه أن يقول في نهاية العالم عندما تكون قيامة للأجساد (تكون معي في الفردوس) ولكن إن كان اللص قد دخل (الفردوس) بالفعل وأما جسده قد فسد إذ بقي بالخارج، فمن الواضح انه لا توجد قيامة للأجساد.

الجسد سوف يتنعم مع النفس في القيامة 

هذا ما يدعيه أولئك، ولكن فلتستمع إذن لما نقوله نحن، وبالحري ليس من عندنا بل من الكتب الالهية، إذ ليست أقوالنا نحن، بل ما هو للروح القدس، فماذا تقول (أنتَ )؟ ألا يشترك الجسد في الأكاليل؟ فهل يشارك في الأتعاب ويحرم من المكافأة؟ فهل حين يتَحَتَّم الجهاد يأخذ هو النصيب الأكبر من المشقة والتعب، وعندما يحين الوقت للأكاليل تُكَلل فقط النفس؟ ألم تسمع بولس يقول : لأَنَّهُ لَابُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيح، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبٍ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا . ۱۹۸۲ ألم تسمع ما يقوله أيضا : لأَنَّ هَذَا الْقَاسِدَ لابد أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ.” فما هو الفاسد إذن؟ النفس أم الجسد؟ فمن الواضح أنه الجسد، لأن النفس بالطبيعة غیر فانية، بينما الجسد هو فان بالطبيعة. لكن أمور كثيرة كهذه يقتطعونها، بالإضافة إلي ما يبقون عليها من أمور أخري، سوف نبرهن على قرابتها نحو ما يقتطعون. 

ملكوت السماوات والفردوس 

5- هل دخل اللص إلى الفردوس -كما يقال- فأية أهمية لهذا الأمر؟ ألعل هذا هو النعيم الذي وعد به الله؟ ألم تسمع بولس ماذا يقول عن هذا النعيم ؟ «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانِ » . ولكن الفردوس قد رأته عين أدم، وسمعته أذنه، وخطر على قلب الانسان، ولأجل هذا الموضوع قد حدثتكم أيام كثيرة. فكيف تمتع إذن اللص بالنعيم؟ لأن الله لم يعد بأن يقودنا إلى الفردوس بل إلى السماء، ولم يعدنا بملكوت الفردوس بل بملكوت السماوات لأنه يقول «ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ» ٢٠ ليس “ملكوت الفردوسبل ملكوت السماوات

نعمة الله أعظم من خطية الإنسان 

لقد فقدت الفردوس ولكن الله قد وَهَبك السماء، حتى يظهر محبته الخاصة للبشر وأن يطعن الشيطان ويظهر أنه حتى بالرغم من أنه يسبب شرورًا لا تعد لجنس البشر فإنه لن يفلح في شيء طالما أن الله يرفعنا دائما لكرامة أسمى. لقد فقدت الفردوس والله قد فتح لك السماء، قد حُكم عليك بتعب وقتي فكرمت بالحياة الأبدية. أمَرَ (الله) أن تنبت لك الأرض شوكا وحسكًا ، فأنبتت لك نفسك ثمار الروح. 

أرأيت كم أن المكسب أعظم من الخسارة؟ فكم هو مدى عظمة الغني؟ أعني تقريبا ما يلي: خلق الله الإنسان من طين وماء ووضعه في الفردوس، وذاك الذي خُلِق لم يعد نافع إذ انحرف، لم يعيد خلقه من جديد من طين وماء بل من ماء وروح، ولم يعده بالفردوس بل بملكوت السماوات، فاسمع ! ، فنيقوديموس – أحد رؤساء اليهود – عندما سقط (في الخطأ) وطلب الميلاد الزمني، قائلاً أنه من غير الممكن لشيخ أن يُولد ثانيًا، فأنتبه كيف أن المسيح قد كشف له جليًا طريقة الولادة، إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله. إذن فإن كان قد وعدنا بملكوت السماوات وقد قاد اللص إلى الفردوس فانه إذن لم يهبه بعد النعيم. 

ملكوت السماوات يختلف عن الفردوس 

ولكنهم يدعون شيئًا أخر بخلاف هذا ، فيقولونإن الفردوس المذكور لا يعني الفردوس بل أن اسم الفردوس يقصد به ملكوت السماوات، لأنه عندما كان يتحدث مع لص، أي مع إنسان الذي لم يكن يسمع من قبل عن الحقائق السامية، ولم يعرف النبوات بل عاش طول حياته في البراري مرتكبًا جرائم القتل، ولا يعرف حتى ما هو ملكوت السماوات، فقال له إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ » موضحًا بالاسم الأكثر شهرة والاكثر اعتيادًا أي الفردوسقاصدًا ملكوت السماوات، وتحدث المسيح معه عن ذاك الاسم. إذن، أقبلُ كما يقولون أنه دخل ملكوت السماوات، كيف يظهر هذا جليًا؟ يظهر جليًا مما قيل إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْس”

ولكن هذا التفسير من الصعب قبوله، وسوف نحاول تقديم التفسير الأكثر إيضاحًا، فما هو يا تُرى؟ فقد قال المسيح: الَّذِي لَا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ (بالفعل!)” فما معني “أنه قد دين بالفعل؟! علي الرغم من أن القيامة لم تحدث بعد، ولا الجحيم والعقوبة كيف إذن قد دين بالفعل”؟ قد دين بسبب خطاياه، ويقول أيضًا: إن مَنْ يؤمن بالابن قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. ولم يقل سوف ينتقل بل قد انتقل بالفعل ! وهذا أيضا (قد أنتقل إلى الحياة) بسبب أفعاله الحسنة، كما ذاك (قد دين) بسبب خطاياه. وهكذا الواحد قد دين مع أنه لم يُدن بالفعل والآخر قد أنتقل إلى الحياة مع أنه لم ينتقل فعليًا. فأحدهما بسبب أعماله الحسنة والآخر بسبب خطاياه ، فيتحدث عن أمور وكأنها حدثت على الرغم من أنها لم تتحقق فعليًا، وبنفس الطريقة تحدث إلى اللص، فالأطباء عندما يرون شخصًا ما في حالةٍ ميؤوس منها، يقولون أنه مات بالفعل أو إنه ميت” علي الرغم من أنهم يرونه مازال يتنفس، ومثل هذا، فلأنه لا أمل في شفائه، إذ قد مات في نظر الأطباء، هكذا أيضا اللص، لأنه لا يوجد أي احتمالية لعودته إلى الهلاك، فقد دخل الفردوس. هكذا آدم قد سمع : “لأنك يَوْمَ تَأْكُلُ (من الشجرة) مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” فماذا إذن؟ هل مات في نفس اليوم؟ كلا البتة، بل عاش أزيد من تسعمئة سنة بعد ذاك اليوم، فكيف إذن قال له الله أنك ستموت في ذات اليوم؟ بإصدار القرار وليس بالتنفيذ العملي، هكذا أيضا دخل اللص الفردوس فأسمع إذن ما يقوله بولس لكي يوضح كيف أن أحدًا لم يتمتع بعد بمكافأة النعيم (الأبدي)، لأنه تحدث عن الأنبياء والصديقين مضيفًا: فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلَاءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا … إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لَا يُكْمَلُوا بِدُونِنَا

خاتمة قصيرة 

لتحفظوا هذه الدروس ولتتذكروها ، فأتمني أن تستفيدوا بالتعاليم بشكل أفضل، فلتحفظوا هذا الكلام بدقة، ولنستعد لما سوف يلقي (في اجتماعنا القادم). فلنقدم كلنا معا المجد الله الذي له المجد والعزة الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور. آمين

زر الذهاب إلى الأعلى