عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة الثامنة 

عن يوم ملبد بالغيوم، وعن اجتماع الأساقفة، وعن إعطاء آدم الوصية، وأن قبول الشريعة هو علامة على عناية الله الفائقة. 

ترحيب بحضور الأسقف فلافيان الاجتماع 

علي الرغم من أن تراكم السحاب يجعل يومنا أكثر تجهما، إلا أن مجيء المعلم قد جعل اليوم أكثر سعادة، لأن الشمس لا تنير الأجساد بقوة عندما ترسل أشعتها بشدة من علياء السماء بمقدار ما تستضيئ النفوس بواسطة مشهد المودة الأبوية التي تلقي أشعتها من وسط العرش (كرسي الأسقف)، وهذا تماما ما يعرفه الأب الأسقف، فلم يأتي بالقرب منا بمفرده بل أتى معه الخورس المتألق، حتى يصير النور أكثر تألقًا، لذلك فإن كنيستنا مفعمة بالبهجة، والرعية متهللة فرحاً، أما نحن فنستهل كلمتنا برغبة أقوى، لأنه حيثما يجتمع الرعاة فهناك أيضا تكون الخراف فى مأمن، وبالمثل فإن البحارة يفرحون عندما يجدون بجوارهم الكثيرين من ربابنة السفن، وعندما يجدون هدوء وسكينة، يخففون جهدهم فى التجديف بالدفة بينما حين يكون البحر مضطرباً فإنهم بتقنية عالية وأيادي كثيرة يتغلبون علي ثورة المياة العاتية. لذلك فإننا بشجاعة نبدأ التعليم طالما فوضنا كل شيء في طلباتهم. ولكن كي يصير كلامي مفهوماً أكثر وأكثر وضوحًا فسوف أذكركم باختصار بما قد قلته لكم البارحة.

ملخص عظة الأمس (السابعة) 

قد قلت لكم أنه قبل الأكل من ثمرة الشجرة (المحرمة) كان آدم عارفاً للخير والشر، وأنه لم ينل تلك المعرفة بعد أن ذاق من الثمرة وقد أخبرتكم لأي سبب قد دعيت الشجرة بمعرفة الخير والشر، وكيف أنه من عادة الكتاب المقدس أنه عندما تقع حادثة في مكان ما أو زمان ما فإنه يطلق اسم الحادثة على ذاك المكان أو الزمان

لماذا أعطى الله الوصية لآدم ؟

أما اليوم، فأنه من الضروري أن نتعرف أكثر على تلك الوصية التي حرَّمت الأكل من الشجرة، فما هي إذن (هذه الوصية)؟ واوْصَى الرَّبِّ الاله آدم قَائِلا: “مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ اكْلا” إنها شريعة إلهية، ولكن لننتبه ، لأن البشر إن كانوا يقرأون كتابات ملوكية، فإن كل السامعين ينتصبون وقوفًا، فكم بالأولى بنا نحن الذين نقرأ ليس شريعة بشرية بل إلهية، فيجب علينا أن نسمو بفكرنا وأن ننتبه لما يقال

أعرف أن الكثيرين يلومون المُشرع ويقولون إن الشريعة هي سبب الخطية. فمن الضروري إذن أن نتوقف عند هذا الأمر، ونوضح من الأمور ذاتها، أن المُشرع قد أعطى الشريعة ليس لأنه كان يكره الإنسان ولا لأنه يريد إهانة طبيعتنا ، لكن بدافع محبته وعنايته بنا. لأنه قد أعطاها لأجل مساعدتنا فاسمع ما يقوله إشعياء النبي لأنه قد أعطى الشريعة للمساعدة” أما مَنْ يكره فلا يساعد مرة أخرى يصرخ النبي قائلاً سِرَاجٌ لِرِجُلِي كَلاَمُكَ (شريعتك) وَنُورٌ لِسَبِيلِي”. ولكن ذاك الذي يكره لا يبدد الظلام بالسراج ولا يضئ بالنور مَنْ قد ضل طريقه، أيضا يقول سليمان لأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ، وَتَوْبِيخَاتِ الأَدَبِ طَرِيقُ الْحَيَاةِ . ۲۱۸٠ . فها هو يقول إن الشريعة ليست فقط مُعينًا ولا فقط سراجًا بل أيضا نورًا وحياة. فكل هذا لا ينبع مِن مَنْ يكره أو يرغب في أن يدمر بل مَنْ يمد يده للمساعدة والتقويم لذلك حين خاطب بولس اليهود كي يظهر لهم مقدار الفائدة عظيمة التي تقدمها لنا الشريعة، وأنها سندًا وليست عبنا على طبيعتنا، لأنه مكتوبفلتحضر اسم يهوذا ولتستند على الشريعة ” 

 

الوصية والشريعة هي لفائدتنا وحمايتنا 

أترى كيف أن الله أعطى الشريعة ليس لكي تكون عبئاً على طبيعتنا بل كي يحميها؟ أتريد أن تعرف كيف أنه أوجد الشريعة لكي يكرم طبيعتنا البشرية؟ وبكل تأكيد فإن تلك الأمور قادرة أن تظهر کرامته وعنايته بنا بخلاف كثير من الشهادات الأخرى سوف أقدم هذا القول الواضح (عن عناية الله ) : سَبِّحِي يَا أُورُشَلِيمُ الرَّبِّ، سَبِّحِى الهَكِ يَا صِهْيَوْنُ. لأَنَّهُ قَدْ شَدِّدَ عَوَارضَ أَبْوَابِكِ. بَارَكَ أَبْنَاءَكِ دَاخِلَكِ الَّذِي يَجْعَلُ تُخُومَكِ سَلاَمًا ، وَيُشْبِعُكِ مِنْ شَحْمِ الْحِنْطَةِ، وبعد ذلك يذكر الاحسانات التي يمنحها الله لنا من خلال خلائقه الأخرى، مضيفًا ما هو أعظم وأكبر قائلاً يُخْبِرُ يَعْقُوبَ بِكَلِمَتِهِ، وَإِسْرَائِيلَ بِفَرَائِضِهِ وَأَحْكَامِهِ. لَمْ يَصْنَعْ هَكَذَا بِإحْدَى الأُمَمِ، وَأَحْكَامُهُ لَمْ يَعْرِفُوهَاهَلّلُويَا”.

أنظر كم من الصلاح يذكر، كسلامة المدينة، لأنه يقول : قَدْ شَدَّدَ عَوَارِضَ أَبْوَابِكِ”، والتخلص من الحروب إذ يقول: الَّذِي يَجْعَلُ تُخُومَكِ سَلاَمًا” ووفرة الخيرات الضرورية لأنه يقول : “ويُشْبِعُكِ مِنْ شَحْمِ الْحِنْطَة.” ولكن الأفضل من كل ذلك هو أنه منحنا عطية الشريعة (الوصية)، لأن الشريعة التي وهبت للناس والوصايا التي قد عرفوها من الله تمثل عطية أكبر بكثير جدا من الأمن والسلام أو التخلص من الحروب، وأفضل من أنجاب أولاد صالحين أو كثيرين، أو وفرة الخيرات الضرورية، وذلك لأنه قد ذكرها (أي الشريعة) بعد كل شيء كالقمة والرابط بين كل الخيرات، لأنه لَمْ يَصْنَعْ هَكَذَا بِإِحْدَى الأمَمِ ، ٢٢٥” لذلك أضاف الكلمات الآتية وَأَحْكَامُهُ لَمْ يَعْرِفُوهَا .أترى كيف أن الشريعة قد فاقت كل الخيرات التي لا تحصى؟ 

وهذا ما أكده إرميا لأنه فيما أولئك يتحسرون وهم في السبي كان هو يقول لماذا أنت في أرض الأعداء؟ وقد تركت ينبوع الحكمة “” وهذا يقصد به الشريعة كما أن المنبع ينشئ في كل الاتجاهات كثير من مسارات للمياه، كذلك فإن الشريعة تنشئ أيضا في كل مكان كثير من الوصايا، كي تسقي نفوسنا، وبعد ذلك كي يوضح الكرامة الفائقة التي تنبع من الشريعة قال: يسمع به (أي بكلمة الحكمة) في كنعان و لا تراءى في تيمان و بنو هاجر ايضا تجار مران لم يعرفوا طريق الحكمة و لم يتذكروا سبلها” ولكي يظهر أنها شيئًا روحيًا وإلهيًا قال : “من طالع السماء ونزل منها؟” وبعدها يضيف هذا هو الهنا و لا يعتبر حذاءه آخر ، هو وجد طريق التأدب بكماله وجعله ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه”. لذلك فإن داود يقول لَمْ يَصْنَعْ هكَذَا بِإِحْدَى الأُمَمِ، وَأَحْكَامُهُ لَمْ يَعْرِفُوهَا”.

وهذا ما أشار إليه بولس وهو يكتب : إِذَا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ، أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟” فالشريعة لها فائدة كبيرة ومتعددة. 

فأولاً صارت أقوال الله صادقة، أنظر كيف فسر قوله لَم يَصْنَعْ هكَذَا بِإِحْدَى الأُمَمِ، وَأَحْكَامُهُ لَمْ يَعْرِفُوهَا؟” لأن فضل اليهودي هو أن اليهود عن دون البشر قد كُرموا بنوال الشريعة المكتوبة. 

الله أكرم الانسان بأن وهبه الشريعة بنفسه وليس من خلال وسيط

من ثم فإن الله لم يهب الشريعة حتى يقمع طبيعتنا ، بل كي يكرمها، ولم يكرمها بهذا فقط بل أيضا بأنه قد وهبنا هو بنفسه الشريعة (وليس بواسطة وسيط)، لأن هذا هو أعظم نوع من التكريم، إنه ليس فقط قد وهبنا الخيرات بل قد أعطانا إياها بنفسه، وهذه العطية بكل تأكيد عظيمة، اسمع أيضا بولس الذي يبرهن علي ذلك، لأنه يرى اليهود يتفاخرون لأن الأنبياء قد أتوا لأجلهم لذلك يحاول بولس أن يكبح تباهيهم، ولكي يظهر أننا قد تمتعنا بكرامة أسمى بنوالنا التعليم ليس بواسطة عبد بل بواسطة السيد نفسه، فإنه يكتب إلى العبرانيين قائلا: “كَلَّمَنَا في هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ ، اللَّهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الْآبَاءَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا ، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، ويقول أيضا في موضع آخر “وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي نَلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالحَةَ”.

أتري كيف أنه لا يفتخر فقط بالمصالحة مع الله بل أيضا لأننا قد نلنا تلك المصالحة بواسطة المسيح؟ وأيضًا يقول وهو مفتخر بالقيامة، “أن الرب نفسه سوف ينزل من السماء ، فأنتبه أن كل شيء ينبع من لدن الرب هنا أيضا فلم يعطي الوصية لآدم بواسطة عبد ما ولا بواسطة ملاك أو رئيس ملائكة، بل هو بنفسه قد كَرَم الانسان بشكل مزدوج بأنه من ناحية قد أعطاه الشريعة ، (ومن ناحية أخرى) قد أعطاه إياها بنفسه، فكيف إذن ضل ذاك؟ بسبب إهماله، والبرهان هو أن كل الذين نالوا الشريعة لم يضلوا بل عملوا بالأكثر على حفظ أحكامه

 

خاتمة يحث فيها على ترديد كلمة العظة للآخرين خارج الكنيسة وعمل الرحمة مع الفقراء. 

ولكن لأنني أرى أن الوقت يداهمنا، سوف أؤجل حديثي لعظة أخرى أما أنتم ، فلتحفظوا ما قد قيل في السابق، وأن تتذكروه، وأن تعلموه لمن لم يسمعه، وعلى كل واحد منكم أن يتلوه في الكنيسة والساحات العامة وفي البيت، لأنه لا شيء ألذ من الاستماع إلى الكلمة الالهية، فأسمع ماذا يقول عنها النبي: مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي أَحلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي.” 

هذه الكلمة الإلهية هي الشمعة (المنيرة) الموضوعة علي مائدة عشاءك، حتى تمتلئ كاملةً من المتعة الروحية، ألا ترون الأثرياء من الناس كيف أنهم بعد الأكل يدخلون إلى بيتهم عازفي آلة القانون والناي؟ ويجعلون بيتهم مثل المسرح، أما أنت فأجعل بيتك مثل سماء، وسوف تجعله كذلك ليس بتبديل جدرانه أو تغيير أساساته، بل بأن تدعو رب السماوات ذاته إلى مائدتك، فلا يخجل الرب من مائدة مثل هذه، لأنه حيثما يوجد تعليم روحي، يوجد أيضا التعقل والوقار والحِلْم (اللطف). فحيث يوجد رجل وامرأة ،وأولاد وأيضا حيث يوجد توافق ومحبة مرتبطين برباط الفضيلة، فبينهم يوجد المسيح، لأنه لا يطلب سقفًا ذهبيًا ولا أعمدة لامعة ولا رخامًا متلألئًا، بل يطلب زينة النفس، و الجمال الروحي، ومائدة ممتلئة بالبر وتامة من كل ثمر الرحمة وهكذا فإن رأى مثل هذه المائدة فإنه يشارك في مثل هذا الاجتماع ويحضره، لأن هذا ما قاله: لأنّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي.”  

إذن، فعندما تسمع فقيرًا يصيح بقوة أسفل منزلك، ثم تعطيه شيئًا مما يحتاجه من على مائدتك، فكأنك قد دعوت الرب من خلال هذا الفقير على مائدتك، كي يملئها من كل بركة، وبتقدمتك هذه فإنك تخلق الدافع الأكبر كي تملئ مخازنك بخيراتٍ كثيرة

واله السلام والمحبة، الذي يعطي خبرًا للأكل، والبذار للزارع، فليضاعف بذوركم وأن تزداد ثمار البر فيكم كلكم. وأن يهبكم النعمة التي من عنده، وأن يجعلكم مستحقين ملكوت السماوات، الذي نترجي كلنا أن نظفر به بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح، الذي يليق به مع أبيه المجد والكرامة والقوة، مع الروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور، آمين

 

زر الذهاب إلى الأعلى