تفسير سفر التكوين أصحاح 2 للأرشيذياكون نجيب جرجس

 

الأخبار عن خلق السموات والأرض (ع 1)

١ – فأكملت السموات والأرض وكل جندها.

يواصل الوحي بهذا القول ما ذكره في الأصحاح الأول، والمقصود أن الله انتهى من خلق جميع المخلوقات.

“وكل جندها” أو “وكل جيشها”، وترجمت أيضًا “وكل زينتها”. وكلمة “الجند” بالعبرية “صيام أو صباؤوت”، “رب الصباؤوت” أي “رب الجنود” ولا يقال “الرب الصباؤوات”. والمقصود أن الله خلق السموات غير المنظورة بما فيها من ملائكة، والسموات المنظورة بما فيها من كواكب ونجوم، وكذلك الأرض بما عليها.

الحديث عن اليوم السابع (ع 2-3)

٢ – وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل.

٣ – وبارك الله اليوم السابع وقدسه؛ لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا.

وفرغ الله في اليوم السابع من عمله: أي كفَّ عن خلق أشياء جديدة، وهذا دليل على أن الله خلق جميع الأنواع والأجناس منذ البدء. ونلاحظ أن اليوم السابع لم يُذكر له مساء وصباح؛ لأنه يوم طويل المدى يمتد إلى نهاية العالم. وتلاحظ أيضًا أنه وإن كان الله قد فرغ من خلق كائنات جديدة، إلا أنه يعمل دائمًا في إنتاج أفراد من الكائنات الحية لحفظ أجناسها، وفي تدبيرها والعناية بها وتدبير جميع خلائقه. وفي هذا يقول المخلِّص: “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو 5: 17).

فاستراح في اليوم السابع: ليس المقصود من هذا أن الله قد تعِب وأراد الراحة، بل المقصود كما يقول القديس أغسطينوس:

  • أولاً: إنه كفَّ عن إبداع مخلوقات جديدة. ويوضح هذا قوله في (ع 3): إنه “استراح من جميع عمله الذي عمل خالقًا” أي مبدعًا.

  • ثانيًا: إن الله استراح في ذاته، أي سرَّ واغتبط بعد أن خُلقت جميع الأشياء حسب قصده ومسرَّته.

وبارك الله اليوم السابع وقدسه: لأنه فيه قد سُرَّ بمخلوقاته التي اكتملت حسب قصده، وصارت تملأ السماء والأرض والبحر، كما بارك جميع المخلوقات لتتكاثر ويزيد عددها.

ومثل اليوم السابع في الخليقة الأولى كمثل عيد تذكاري لكمال عمل الخليقة، وقد كان اليوم السابع يُقدَّس في عهد البطاركة الأولين؛ بدليل أن الله يُذكِّر الشعب بحفظه في العهد الموسوي حيث يقول في الوصية الرابعة: “أذكر يوم السبت لتقدسه”. وقد ثبت من التاريخ ومن الآثار أن الشعوب القديمة مثل الفينيقيين والأشوريين والبابليين والمجوس والهنود والرومان كانت تحفظه، وقد نقلوا هذا بطريق التقليد.

وقد كان اليهود يتزمتون في حفظ يوم السبت ويكفون فيه حتى عن عمل الخير، ولكن السيد المسيح علَّمهم أنه يجب عمل الخير فيه، وأن “السبت جُعل للإنسان لا الإنسان للسبت” (مر 2: 27).

وقد قضت حكمة الله أن يُقدِّس الإنسان يومًا في الأسبوع لغايات حكيمة منها:

  • (أ) أن يعطي جسمه وعقله نصيبًا من الراحة.

  • (ب) أن يخصص جزءًا من أيامه وهو اليوم السابع ليتأمل في أعمال الله العجيبة وقدرته التي خلق بها العالم، وحسناته وبركاته، فيتعبد لله تعبدًا نقيًا صالحًا، حتى لا يبتاعه العالم بمشاغله وهمومه. وليس معنى هذا أن ينسى الإنسان واجباته الروحية باقي أيام الأسبوع، وإنما لكي يكون اليوم المقدس متنفسًا روحيًا للإنسان وتذكارًا لأعمال الله العجيبة لأجله، حيث يُذكي المؤمن في نفسه الحرارة الروحية والفكر السماوي.

  • (ج) أن يكون فرصة لعمل الخير.

  • (د) تنظيم العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ ليعطي مرؤوسيه أو عبيده أو خدمه نصيبهم من الراحة، وكذلك تكون معاملته للحيوانات التي يستخدمها في أعماله.

السبت والأحد

ومن المعروف أن يوم الأحد قد حلَّ محل السبت في المسيحية تذكارًا لقيامة المسيح، ويمكننا أن نفهم الحكمة من ذلك مما يأتي:

  1. إن الغرض من تقديس السبت أو الأحد هو تخصيص سُبع الوقت لفائدة الإنسان الجسدية والروحية، وسواء كان هذا بتقديس السبت في العهد القديم، أو الأحد في العهد الجديد، فإن هذا يفي بالقصد الإلهي.

  2. إن السبت كان تذكارًا لانتهاء الله من أعماله العجيبة في الخلق، والأحد تذكار أعظم؛ لأن الخليقة قد خُلقت روحياً من جديد بصلب المسيح وموته وقيامته التي تمت في يوم الأحد.

  3. من ثم فإن الكنيسة الأولى قدَّست يوم الأحد حيث دُعي “يوم الرب” (رؤ 1: 10). وقد ظهر الرب بعد قيامته أكثر من مرة لتلاميذه في يوم الأحد (يو 20: 19، 26). وقد حلَّ الروح القدس على المؤمنين وهم مجتمعون للصلاة في يوم الخمسين، ومن المعروف أنه كان في تلك السنة في يوم الأحد (أع 2). وكان المسيحيون منذ تأسيس الكنيسة يجتمعون للصلاة وكسر الخبز، أي إجراء فريضة العشاء الرباني في القداس الإلهي في يوم الأحد (أع 20: 7). وقد أوصى الرسول المؤمنين في كورنثوس بقوله: “وأما من جهة الجمع لأجل القديسين، فكما أوصيت كنائس غلاطية، هكذا افعلوا أنتم أيضًا. في كل أول أسبوع ليضع كل واحد منكم عنده خازنًا ما تيسَّر، حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ” (1 كو 16: 1-2).

وسيأتي الكلام بالتفصيل في شرح الوصية الرابعة في الأصحاح العشرين من سفر الخروج بمشيئة الله.

تأملات في روحانية يوم الرب

  1. إن كان الله قد سرَّ بإتمام عمليات الخلق، فإن مسرته العظمى كانت بعد إتمام عمل الفداء العجيب حين مات الابن الوحيد عن العالم ثم قام من الأموات.

  2. وإن كان المؤمنون في القديم قدسوا السبت بالنظر إلى تمام الخليقة الأرضية، فإننا نقدس الأحد رافعين قلوبنا وأفكارنا إلى الروحيات؛ لأننا بموت المسيح وقيامته قد نلنا الحياة من جديد. وإن كان المسيح قد مات وقام، فقد مُتنا وقمنا معه: “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 3: 1).

  3. إن فرح المؤمنين بيوم الرب لا يُقدَّر، وهم دائمًا يترنَّمون فيه: “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه” (مز 118: 24).

  4. كان الرسول يوحنا “في الروح في يوم الرب” (رؤ 1: 10). وتقديس يوم الرب يجب أن يكون تقديسًا روحيًا، والعبادة يجب ألا تكون مجرد شكليات أو مظاهر أو عادة، بل تعمقًا حقيقيًا في حب المسيح، وتأملاً كاملاً في موته وقيامته، واستغراقًا في الشوق إليه والاتحاد به والثبات فيه.

أيها الحبيب، إذا ما سمعت الكاهن يقول: “أين هي قلوبكم؟”، هل تستطيع أن تقول عن خبرة ويقين: “هي عند الرب”؟ وهل تقدس قلبك وروحك وجسمك وعقلك وعواطفك في عبادتك النقية حتى يسوغ لك أن تقول مع الرسول: “كنت في الروح في يوم الرب”؟


مباديء المخلوقات (ع 4)

٤ – هذه مباديء السموات والأرض حين خُلقت. يوم عمل الرب الإله الأرض والسموات.

تعتبر هذه العبارة كمدخل إلى ذكر عناية الله بالإنسان والحيوان بخلق النباتات التي ستكون لازمة لغذائهما وحياتهما.

“مباديء” وبالعبرية “تولدوت”، ولذلك ترجمت في الإنجليزية Generations، وفي ترجمة واطس العربية “تواليد”؛ لأن عمليات الخلق الجديدة تُعتبر إنتاجًا للأجناس وتشبه عمليات الولادة.

“يوم عمل الرب الإله الأرض والسموات” أي عندما عملها. “اليوم” هنا معناه الزمن أو الوقت. 

“الرب الإله: في الأصحاح السابق أعلن الخالق ذاته باسم الله – الوهيم” ومعناه الكلي القوة والقدرة. وهنا يُعرف ذاته باسم جديد هو “الرب الإله” “يهوه ألوهيم”. و(يهوه) هو اسم جديد أعلنه الله لذاته، ويُرَجَّح أنه من الفعل العبري (هوا أو هيا) بمعنى (كان)، فيكون معنى (يهوه) (الكائن) أو (الذي يكون). وقد فسر الله هذا الاسم لموسى (بأهية) أو (أهية الذي أهية) (خر 3: 14)، أي (أكون الذي أكون)، ويعني أن الله هو الواجب الوجود بذاته الذي لا يعتمد في وجوده على غيره، الأزلي الأبدي. وإن كان (ألوهيم) يعني أن الله (صاحب القوة)، فإن (يهوه) يعني أن الله هو الكائن الذي يُعلن ذاته للمؤمنين بالمحبة والنعمة. ولغيرة اليهود قديمًا على اسم (يهوه) المقدس، كانوا يستعملون بدله اسم (أدوناي) أي السيد أو الرب، وبناءً عليه فقد تُرجم إلى هذا المعنى في اللغات، فترجم إلى اليونانية في النسخة السبعينية Kirioc أي الرب، وإلى الإنجليزية The Lord، وفي العربية (الرب) وهكذا.


الكلام عن النباتات والأشجار (ع 5-6)

٥ – وكل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض، ولا كان إنسان ليعمل الأرض.

٦ – ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض.

هذا عرض لما كان قبل خلق النباتات والأشجار في اليوم الثالث، ويتضمن عدة حقائق علمية وتاريخية منها:

  1. إنه لم تكن هناك أشجار ولا نباتات على الأرض؛ لأن قشرة الأرض كانت لا تزال ساخنة.

  2. ولم يكن هناك إنسان ليعمل الأرض؛ حيث إن الله تعالى خلق الكائنات الحية تدريجياً وكان آخرها الإنسان.

  3. كانت المياه التي على الأرض تتبخر فيتكون الضباب والسحاب، وعندما كانت الأبخرة تتكاثف كانت تعود فتسقط مطراً على الأرض. وقد سبق ورأينا أن العلماء يتفقون مع ما يقوله الوحي في هذا الترتيب. وقد أعدَّ الله هذه الأمطار، كما فعل عند اليابسة عن المياه، تمهيداً لخلق النباتات.


خلق آدم (ع 7)

٧ – وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية.

(جبل) أي خلق أو صاغ؛ لأن الإنسان كوِّن بعناية خاصة.

(آدم) هو الإنسان الأول وأبو الجنس البشري ونائبه الأول. ومعنى (آدم) (إنسان) أو (ترابي) أو (أحمر)، ويُرَجَّح أنه من (أدمة) أي تراب؛ لأنه أُخذ من التراب الذي يميل لونه إلى الحمرة.

(ترابًا من الأرض) أي من تراب الأرض، وقضت حكمة الله أن يخلق الإنسان من تراب الأرض التي تشتمل على العناصر التي تدخل في بناء جسمه، كما أنه يعتمد في حياته الجسدية على الأرض لأنه يأكل من نتاجها. والإنسان إذ خُلِق من التراب، يعود جسده بعد الموت إلى التراب أيضًا، ولذا يجب عليه أن يتذكر أصل جسده ومصيره فيتواضع ولا يكرس اهتمامه كله لخدمة جسده الترابي دون روحه الثمينة الغالية.

(ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية). (نفخ) تعبير مجازي يُشير إلى أن الله أودع في الإنسان خاصية الحياة. وهذا برهان على أن حياة الإنسان لم تصدر من المادة الميتة كما يدعي الماديون، وإنما الحياة نسمة من الله. كما أنها برهان على أن الإنسان خُلق إنساناً ولم يتسلسل من حيوان أدنى منه كما يدعي أصحاب نظرية التحول.

ويجب أن نذكر أن هناك فرقاً بين حياة الحيوانات الغريزية وبين حياة الإنسان، فنفس الحيوان تموت بموته ومن ثم تتلاشى، ولكن الإنسان إذ أعطاه الله خاصية الحياة الحيوانية، أعطاه أيضًا الروح الناطقة العاقلة الخالدة التي خُلقت على صورته ومثاله.

ومعلوم أن آدم خُلق إنساناً كاملاً بالغ الرجولة في الجسم والعقل.


جنة عدن (ع 8-14)

٨ – وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقًا، ووضع هناك آدم الذي جبله.

٩ – وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر.

١٠ – وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس.

١١ – اسم الواحد فيشون، وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب.

١٢ – وذهب تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع.

١٣ – واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع أرض كوش.

١٤ – واسم النهر الثالث حداقل، وهو الجاري شرقي أشور. والنهر الرابع الفرات.

الحديث هنا عن عناية الله بالإنسان إذ أعدَّ له مسكناً من أسعد المساكن، وهو جنة عدن. وقوله (غرس الرب الإله جنة) أي خلقها وأعدَّها. و(الجنة) بستان أو حديقة كبيرة، وتُترجم أيضًا (فردوسًا) أو (فردوس النعيم)؛ لأنها أُعدت لينعم فيها آدم بالسعادة. و(الفردوس) في الأصل كلمة فارسية معناها حديقة.

(في عدن شرقًا) معنى (عدن) بهجة، وهي غير عدن الموجودة في بلاد اليمن. وتعتبر (شرقًا) أي بالنسبة لبرية سيناء حيث كتب موسى سفر التكوين، وكذلك بالنسبة لأرض كنعان.

ومن الترتيبات الكنسية الروحية الجميلة إلى اليوم اتجاه المؤمنين في عبادتهم نحو الشرق، ليس لأن الله غير موجود إلا في الشرق فقط – لأن الله موجود في كل مكان – وإنما لأن جهة الشرق ترسم أمام المؤمنين صوراً تعليمية مجيدة، من بينها جنة عدن التي يتذكر بها المؤمنون إنعامات الله الوفيرة على جنس البشر منذ البدء، ويستنكرون الخطية التي وقع فيها أبوانا وكانت سبب حرمانهما من الجنة ووقوعهما تحت طائلة العقاب، ثم يفرحون بالرجاء الحلو الذي يجعلهم ينتظرون السماء التي أُعدت لهم عوض جنة عدن المفقودة، ويشكرون الله لأجل عمل المسيح الفدائي الذي به أعدَّ لهم الميراث الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، المحفوظ في السموات لأجلهم (1 بط 1: 4).

يصف الوحي بأن أشجار الجنة كانت شهية للنظر وجيدة للأكل، ثم يخص بالذكر شجرتين من أشجار الجنة هما:

  • (شجرة الحياة): دُعيت هكذا لأنه كان فيها خاصية الخلود لمن يأكل منها. وقوله (في وسط الجنة) يعني في داخلها. ونحن نعلم أن الإنسان الأول خُلق خالداً. وشجرة الحياة لنا هي الرب يسوع المسيح، فكل من يؤمن به ربًا وفاديًا ويقبله في قلبه يحيا حياة أبدية (يو 3: 36). وفي هذا يقول الوحي: (من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله) (رؤ 2: 7). ثم يقول: (ورق الشجرة لشفاء الأمم)، و(طوبى للذين يصنعون وصاياه لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة) (رؤ 22: 14).

  • (شجرة معرفة الخير والشر): دُعيت هكذا لا لأنها أفادت الإنسان وأكسبته معرفة حسنة، بل لسببين:

    1. بالنسبة لأن الأكل منها أو عدمه يحدد موقف الإنسان تجاه طاعة الله أو عصيانه.

    2. ولأن الإنسان بأكله من ثمرها وحرمانه من النعم الإلهية، عرف بالاختبار الفرق بين الخير والشر. فالخير الذي رفضه كان فيه السلام والسعادة، والشر الذي عمله كانت عاقبته وخيمة حيث جر وراءه البؤس والشقاء.

موقع الجنة

هناك آراء بشأن موقع عدن، أهمها ثلاثة:

  • (أ) يظن البعض أنها كانت في بلاد أرمينية حيث ينبع نهر الفرات من مرتفعاتها. والذين يقولون بهذا يظنون أن نهر فيشون هو نهر هاليس الذي يصب في البحر الأسود، أو كور أكبر فروع نهر أراكسيس، وكلاهما يصبان في بحر قزوين، وأن نهر جيحون هو نهر أراكس نفسه.

  • (ب) والرأي الثاني أن عدن كانت بين النيل والهند، وأن نهر فيشون هو النيل نفسه. وقد كان يوسيفوس المؤرخ يقول بهذا الرأي استناداً على أن بلاد إثيوبيا دُعيت في الكتاب المقدس أرض كوش.

  • (ج) أما الرأي الثالث وهو الأرجح والذي يأخذ به معظم المفسرين، أن عدن كانت في المنطقة الجنوبية من حوض نهري دجلة والفرات (في جنوبي بلاد العراق الآن)، وربما امتدت من الخليج الفارسي جنوباً إلى قرب مدينة بابل شمالاً. ويرجح هذا الرأي أن المنطقة معروفة منذ القدم بخصوبة تربتها، وقد كان سهل بابل يدعى (عدينو)، وهي كلمة سريانية معناها (سهل)، ومقاربة في النطق للفظة (عدن). وكان قرب بابل بلد اسمه (كاندونياس) أو (كاردونياس) أو (كان إدين) ومعناه (جنة الإله دونياس). وجاء في كتابات الملك (تجلات فلاصر) الذي حكم في القرن الثامن قبل الميلاد أن (كاندونياس) كان يرويها أربعة أنهار. فضلاً على هذا فإن المنطقة تقع إلى الشرق من كل من فلسطين وسيناء، ويجري فيها نهرا دجلة والفرات والنهيرات التي تتفرع منهما. وكل من أرض كوش وأرض حويلة قريبة من هذا المكان. زيادة على هذا، فإن العالم الأثري الألماني (فريدريك دلتش) عثر في بابل على قائمة بها أسماء الأنهار التي كانت معروفة قديمًا، ومن بينها نهر فيشانو وريجانو، وهما طبعاً خيرا فيشون وجيحون.

أنهار الجنة

(وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس)(النهر) المشار إليه إما نهر الفرات بصفته أكبر الأنهار (وهو الأرجح)، وإما المجرى الناشئ من اتحاده مع دجلة، أو أحد النهيرات الكبيرة المتصلة بأحدهما. وقوله (يخرج من عدن) لا يتحتم أن يكون المقصود منه أنه ينبع من هنالك، وإنما هذا قد يعني أن النهر الذي يسير في عدن يسير أيضًا في الجنة ويسقيها.

(والأربعة رؤوس) هي أربعة أنهار، منها حداقل (دجلة) والفرات، وهما معروفان، والنهران الآخران يغلب أن يكونا فرعين لدجلة والفرات. وفيما يلي الحديث عن الأربعة أنهار:

  1. فيشون: وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. معنى فيشون الجاري بسرعة، ويغلب أنه قناة (بالاكوباس Pallacopas) التي تخرج من الفرات غربًا وتصب في الخليج الفارسي، ويُرَجَّح أنها كانت مجرى طبيعيًا. كما يظن البعض أن (فيشون) هو (شهر زاب الصغير) أحد فروع دجلة، والرأي الأول أرجح. وأرض (الحويلة) نسبة إلى (حويلة) بن كوش بن حام، أو إلى (حويلة) بن يقطان من نسل سام (تك 10: 7، 29). وكانت أرض حويلة شمالي بلاد العرب (تك 10: 7) بجوار الخليج الفارسي، وفيما بعد امتدت في بلاد العرب حتى اليمن.
    (المقل وحجر الجزع)(المقل) مادة صمغية راتنجية، لها رائحة طيبة إذا أُحرقت بخوراً، وينمو شجر المقل في بلاد العرب والهند وجهات أخرى، وهو على عدة أنواع، وكان يدعى (بارليوم)، وأجوده لونه كالغراء أي أبيض مائل إلى الصفرة. هذا وقد ترجمت الكلمة أيضًا إلى (الدر) أي اللؤلؤ.
    (وحجر الجزع) من الأحجار الكريمة، بلوري ترى فيه ألوان جميلة في خطوط متوازية، وله عدة أنواع، وقد استُعمل كثيراً في ملابس الخدمة الكهنوتية واحتياجات خيمة الاجتماع وهيكل سليمان (خر 28: 9-12، 20).

  2. جيحون: واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع أرض كوش. معنى (جيحون) المتفجر، ويُرَجِّح معظم المفسرين أنه أحد روافد نهر الفرات أيضاً، ويغلب أنه النهر المسمى الآن (شط الحلة) الذي يتصل بالفرات قرب مدينة بابل. و(كوش) هو ابن حام، وسكن الكوشيون في عيلام، وقد أُطلِق عليها قديمًا اسم (كاشتر). وفي جولاتهم وصلوا إلى أماكن متعددة، من بينها الجزء الجنوبي من بابل، وكان لهم شأن هنالك، ويغلب أن الأرض هناك دُعيت باسمهم أيضًا حيناً من الدهر.

  3. حداقل: واسم النهر الثالث هو حداقل، وهو نهر دجلة Tigris، ومعنى (حداقل) النور السريع، وكان يفصل أشور عن بلاد ما بين النهرين. ومن المعروف أنه يلتقي بالفرات مكونين نهراً واحداً هو شط العرب، وربما كانا قديمًا منفصلين عن بعضهما في منطقة شط العرب أو متصلين لمسافة أقصر. ويبلغ طول دجلة حتى التقائه بالفرات نحو 1146 ميلاً، أما شط العرب فطوله نحو 120 ميلاً. ويذكر الوحي أنه (الجاري شرقي أشور)؛ لأن مدينة أشور تقع على ضفته الغربية.

  4. الفرات: والنهر الرابع الفرات، ومعناه (الغزير). يبلغ طوله نحو 1800 ميل، ويُدعى في الكتاب المقدس الفرات، أو النهر، أو النهر الكبير (تك 15: 18، خر 23: 31، قض 1: 7).


وضع آدم في الجنة (ع 15)

١٥ – وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها.

وضع الرب آدم في الجنة حيث ينعم بالسعادة. (ليعملها ويحرسها) أو (ليفلحها ويحرسها) تعني أنه كان عليه أن ينقيها من الأتربة ويخدمها ويصونها من الوحوش إلى غير ذلك. فالعمل كان واجباً على الإنسان منذ خلقه، غير أنه كان مقرونًا بالبهجة والسرور لا بالتعب وعرق الجبين.


وصية الله لآدم (ع 16-17)

١٦ – وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً.

١٧ – وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها؛ لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت.

كان إعطاء الوصية لآدم مناسباً لطبيعة الله ولطبيعته. فبالنسبة لطبيعة الله، فإن الله كخالق وسيد دبَّر أن يسن للمخلوق قانوناً يسير بموجبه، ولئن كان قد شمله بمحبته ونعمته ولكن (النعمة لها عرش) كما يقول أحد المفسرين. أما بالنسبة لطبيعة الإنسان، فلأن الإنسان خُلق حر الإرادة، ولكي يستخدم حريته يحب أن يكون هناك قانون، ولكي يبرهن الإنسان على تقواه يجب أن يكون هناك قانون أيضاً.

ولقد يسأل البعض: (ألم يكن الله عالماً بأن الإنسان سيخالف الوصية، فلماذا أوجد أمامه هذا الشرك؟) والجواب: إن الله يعلم بكل شيء، ولكن علمه السابق لا يتناقض مع حكمته ومع مقاصده، ولا يعطل حرية الإنسان واختياره. وقد يسأل البعض أيضًا: (وهل مجرد الأكل من شجرة واحدة يستوجب عقابًا طائلاً كهذا؟) والجواب: إن المسألة لا ينظر إليها من جهة الشجرة، بل بالنسبة لتصرف الإنسان. فالأكل من الشجرة كان تعدياً على الحدود التي بين الإنسان وبين الله، وإعلاناً لتمرُّد الإنسان وعصيانه وامتهانه لكرامة خالقه.

(يوم تأكل منها موتاً تموت)(اليوم) هنا معناه المدة. وبمجرد أن أكل الإنسان من الشجرة، مات موتاً روحياً بانفصاله عن الله، وموتاً أدبياً بفقدانه مركزه، كما أن طبيعته أصبحت تحت حكم الموت الجسدي أيضاً، كما أصبح قابلًا للتعب والألم والأمراض. وقد جعله الله تحت هذا الحكم حينما قال له: (لأنك من تراب، وإلى تراب تعود) (ص 3: 19).

هذا، وقد كانت توصية الله لآدم توصية لحواء أيضاً؛ حيث إنه يُعتبر نائبًا عنها.


خلق حواء (ع 18-25)

١٨ – وقال الرب الإله: ليس جيداً أن يكون آدم وحده. فأصنع له معيناً نظيره.

١٩ – وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، وأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها. وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها.

٢٠ – فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره.

٢١ – فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً.

٢٢ – وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأةً وأحضرها إلى آدم.

٢٣ – فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تُدعى امرأة لأنها من امرئ أُخذت.

٢٤ – لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً.

٢٥ – وكانا كلاهما عريانين، آدم وامرأته، وهما لا يخجلان.

تفسير وتحليل

نرى في هذا الموضوع المسائل الآتية:

  1. تدبير الله في خلق حواء (ع 18): تُعتبر حواء معيناً لآدم من جهة:

    • التوليد لإيجاد النسل وتعمير الأرض.

    • التسلية والمشاطرة في ظروفه وأحواله.

    • مساندته في أعمال الحياة. وقوله (نظيره) أي شبيهاً به ومن جنسه.

  2. تسمية آدم للحيوانات (ع 19-20): قوله (وجبل الرب الإله كل حيوانات البرية وكل طيور السماء) تأكيد لما قاله في الأصحاح الماضي؛ ليوضح أنه خالق الجميع. وإن كان آدم دعاها بأسماء، ولكن الله هو الخالق لها. وقد أحضر الله جميع الكائنات الحية إلى آدم ليدعوها (يسميها)، وكان هذا الحكم منها أن يستعمل الإنسان موهبة المعرفة التي وهبه الله إياها، وأن يُعلن الله له أنه سلطانها. وكما دعا الله بنفسه أسماء للجفاء واليابسة والشمس والقمر والنجوم لأنه صاحب السلطان عليها، أتاح لآدم الفرصة لأن يدعو الحيوانات والطيور بأسماء؛ لأنها ستكون في خدمته وتحت سلطته.

    وقد يتساءل البعض: كيف أحضر الله جميع حيوانات المناطق المختلفة في مكان واحد؟ وكيف اتسع المكان لها؟! ونجيب بأن الحيوانات لم تكن قد تفرقت بعد، والله بقدرته قد أعطاها المقدرة على أن تعيش في أي مكان، ونحن نرى أن حدائق الحيوانات في أنحاء العالم تضم عينات للحيوانات من كل المناطق. أما عن سعة المكان لها، فيُرَجَّح أن الله قد أحضر من كل نوع ذكرًا وأنثى، وربما كان هذا على فترات، فضلاً عن أن جنة عدن كانت واسعة جداً حيث كان يرويها أربعة أنهار.

    وقد دعا آدم جميع الحيوانات والطيور بأسماء، وكانت كلها ذكرًا وأنثى. أما هو فلم يجد له (معينًا نظيره) أي من جنسه.

  3. خلق حواء (ع 21-22): خُلِق آدم من تراب الأرض، وخُلقت حواء من إحدى أضلاع آدم، صاغها الله امرأةً وملا مكانها لحماً بقدرته. وقوله (ألقى الله عليه سباتًا) أي نومًا عميقًا.

    وقد قضت حكمة الله أن تخلق حواء من آدم لتكون جزءًا منه، فالمرأة بهذا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرجل، لأنها منه، ومن ثم يجب أن يكون الزواج على هذا الأساس، وعلى هذا يجب أن يقدر الرجل زوجته ويحبها كما يحب جسده (أف 5: 28-29).

    ونحن أيضًا نعتبر حواء رمزاً للكنيسة التي أخذت من جنب المسيح المطعون على الصليب، فأصبحت له عروساً مقدسة بلا عيب (أف 5: 25-27). والمسيح قد أحب الكنيسة وبذل نفسه لأجلها. ونحن أعضاء جسد المسيح (من لحمه ومن عظامه) (أف 5: 30)، فيجب علينا أن نحافظ على رباط الشركة المقدسة التي بيننا وبينه، ولنكن أمناء على عهده، أنقياء قديسين. ولنذكر قول الرسول: (لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح) (2 كو 11: 2).

    وليتذكر الإخوة المتزوجون أن الوحي الإلهي يمثل رباط الزيجة المبارك برباط الكنيسة بالمسيح. فعلى الزوج أن يحب زوجته كما أحب المسيح الكنيسة وبذل نفسه لأجلها (أف 5: 25)، وعلى الزوجة أن تكرم زوجها وتطيعه (أف 5: 33). وعلى كليهما أن يطرحا كل العثرات التي يهيئها عدو الخير إبليس ليعكر صفو الحياة الزوجية المقدسة، وينسيا ويدوسا كل الاعتبارات الأرضية إزاء إرادة الله التي جمعتهما ليكونا زوجين، وإزاء طاعة وصيته المقدسة وناموسه الطاهر الذي سنه أن: (الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان) (مت 19: 6).

زر الذهاب إلى الأعلى