تفسير سفر التكوين أصحاح 9 للأرشيذياكون نجيب جرجس


بركة الله لنوح وبنيه (ع1)

«بارك الله نوحاً وبنيه وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض.» (التكوين 9: 1)

سبق الله وبارك آدم لينمو نسله ويكثر (التكوين 1: 28)، ولأن نوحاً وبنيه كانوا سيجددون الأرض بعد الطوفان، فقد وعدهم ببركته من جديد.

إعطاؤهم السلطان على بقية الخلائق (ع2)

«ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء. مع كل ما يدب على الأرض وكل أسماك البحر. قد دفعت إلى أيديكم.» (التكوين 9: 2)

الخشية والرهبة هما الخوف، ويقصد بهما السلطان الذي أعطى للإنسان على جميع المخلوقات الحية. وإن كان الكثير من هذه المخلوقات أقوى جسماً وأشد بأساً من الإنسان، إلا أن الإنسان بروحه الخالدة، وعقله، سيد عليها جميعاً، ويستطيع بتفكيره أن يأسرها أو يتسلط عليها (راجع تفسير التكوين 1: 26).

بخصوص طعام الإنسان (ع3-4)

«كل دابة حية تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع. غير أن لحماً بحياته دمه لا تأكلوه.» (التكوين 9: 3-4)

هنا مسألتان:

(۱) إن الله صرح للإنسان بأكل اللحوم فضلاً عن النباتات، وكان الإنسان قبل الطوفان لا يأكل إلا نبات الأرض (التكوين 1: 29).

(۲) إن الله منعه عن أكل اللحم بدمه. وقوله «غير أن لحماً بحياته دمه لا تأكلوه» تترجم أيضاً «غير أن لحماً بحياته التي هي دمه لا تأكلوه». و«دمه» في الترجمة الأولى بدل مطابق لكلمة «حياته». وقد منع الله أكل الدم للحكم الآتية:

(أ) للمحافظة على صحة الإنسان وتحاشي ما قد يضر به.

(ب) لكفه عن النهم والشراهة وتدريبه على التعفف والطاعة.

(ج) لأن حياة الحيوان في دمه، فإذا سُفك دمه مات. ومن المعروف أن الله هو مانح الحياة لجميع الأحياء، فالحياة ملكه وحده.

وخاصية الحياة هي التي يعجز جميع قوى البشر وغيرهم عن منحها أو خلقها أو إدراكها. ولذا منع الله الإنسان عن أكل الدم ليعيش مؤمناً بالله الخالق للحياة والذي أودع خلائقه هذا السر العجيب، سر الحياة.

(د) ولأجل ذلك كان الحيوان يذبح لتكون حياته فدية عن حياة الإنسان الخاطئ، وكان دمه يسكب أمام الله كحياة تقدم عن حياة. والله احتفظ لذاته بهذا الحق لأن دم الذبائح الذي هو حياتها كان يقدم إرضاءً له وكفارة عن البشر، وكان بالتالي يشير إلى الدم الكريم للحمل الذي بلا عيب ولا دنس، دم يسوع المسيح.

هذا والمسيحية أيضاً قد منعت أكل الدم في المجمع الرسولي الذي عقد في أورشليم (أعمال 15: 29).

النهي عن القتل (ع 5-6)

«وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط. من يد كل حيوان أطلبه. ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان.» (التكوين 9: 5-6)

إن حياة الإنسان ملك لله وحده، والله قد عمل الإنسان على صورته كشبهه، ولذلك يطلب الله نفس الإنسان المقتول من القاتل. وسواء كان القاتل إنساناً أو حيواناً يجب أن يعاقب على إزهاق روح الإنسان.

«وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط» أو «دمكم الذي هو لحياتكم». معنى هذا أن الله يطالب بدماء القتلى، ولهذا فإن كلاً من القتل الجنائي والانتحار جريمة وتعدٍ على حق الله الذي له وحده السلطان على أرواح عباده.

«من يد كل حيوان أطلبه»: يجيز الله بذلك قتل الوحوش إذا تعرضت لإيذاء الناس. وقد أمر الله في شريعة موسى بقتل الثور إذا نطح إنساناً حتى لا يتعرض آخرون للموت بسببه (خروج 21: 28-31).

«ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان من الإنسان أخيه»: أي من يد الإنسان القاتل، والانتقام من القاتل قد يكون من الله رأساً أو بيد القضاء.

«سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه»: ويكون هذا على الرؤساء والحكام والقضاة المدنيين وبموجب القوانين المدنية، لأن «الحاكم لا يحمل السيف عبثاً» (رومية 13: 4).

مباركة جنس البشر أيضاً (ع7)

«فأثمروا أنتم واكثروا وتوالدوا في الأرض وتكاثروا فيها.» (التكوين 9: 7)

هذا ترديد للبركة التي باركها الله بها في العدد الأول، وتأكيد لعدم جواز قتل الإنسان.

ميثاق الله مع نوح وبنيه (ع8-17)

«وكلم الله نوحاً وبنيه معه قائلاً: وها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم. ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم. الطيور والبهائم وكل وحوش الأرض التي معكم. من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان الأرض. أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان. ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض. وقال الله: هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر. وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض. فيكون متى أنشر سحاباً على الأرض وتظهر القوس في السحاب. أني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد. فلا تكون أيضاً المياه طوفاناً لتهلك كل ذي جسد. فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض. وقال الله لنوح: هذه علامة الميثاق الذي أنا أقمته بيني وبين كل ذي جسد على الأرض.» (التكوين 9:8-17)

كان عهد الله مع نوح قبل الطوفان عهداً مبدئياً، وعده فيه بنجاته من الطوفان هو ومن معه (التكوين 6: 18). ولكن هذا الميثاق الجديد عهد أوسع وأكبر. ويمكننا أن نتأمل في هذه الأمور المتعلقة بالميثاق:

(۱) سعة الميثاق: كان الميثاق واسع النطاق لأنه كان وعداً:
(أ) لنوح (ب) ولبنيه (ج) ولجميع نسله من بعده أي لجميع جنس البشر. (د) ولجميع الحيوانات والطيور، وغيرها من الأحياء. لأنه كما كانت خطايا الأشرار عاملاً على هلاك هذه الكائنات، فإن تقوى نوح البار كانت عاملاً على حفظها ودخولها داخل امتيازات الميثاق. وقد سبق وعرفنا أن الحيوانات جعلت لخدمة الإنسان ولكي يكون سيداً عليها، والله في ميثاقه حفظ للإنسان مملكته من جميع الخلائق لكي تظل في خدمته ولكي تستمر سيادته وسلطته عليها. (هـ) كما أن هذا الميثاق الإلهي (ميثاق أبدي) يدوم مادام العالم قائماً.

(۲) مضمون الميثاق: «فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان. ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض» أي لا يسمح الله بهلاك العالم كله بطوفان شامل كالذي حدث قبلاً. وإن كان الله يرسل فيضانات أو سيولاً فإن آثارها تكون جزئية، حتى لا يكون للخاطئ عذر في خطيته، وحتى يذخر الله للأشرار المعاندين قصاصهم ليوم الدين.

(۳) علامة الميثاق: كانت علامته قوس السحاب الذي يدعى قوس قزح، وهو ظاهرة طبيعية سببها انكسار أشعة الشمس على ذرات الماء في السحب وتحليلها إلى الألوان السبعة للطيف. وبديهي أن هذه الظاهرة كانت تحدث من قبل الطوفان، ومنذ القدم، ولكن الله جعلها بعد الطوفان كعلامة لميثاقه مع البشر ومع باقي الخلائق الحية.

(٤) معنى الميثاق: «وضعت قوسي في السحاب … فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض. فيكون متى أنشر سحاباً على الأرض وتظهر القوس في السحاب أني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد. فلا تكون أيضاً المياه طوفاناً لتهلك كل ذي جسد». وليس معنى الميثاق أن حالة الإنسان الروحية قد آلت إلى الأحسن، وإنما هو إعلان عن مراحم الله وعظم محبته للبشر وطول أناته.

«إني أذكر ميثاقي»: ليس معناه أن الله ينسى، وإنما هذا تعبير مجازي بلغة البشر يعبر عن صدق مواعيد الله وأمانته وحفظه لميثاقه ورحمته مع الناس.

(٥) غاية الميثاق: وكما تنتشر القوس في السحاب فيذكر الله ميثاقه، هكذا يجب على الإنسان أن يذكر بها:
(أ) شناعة الخطية التي سببت الدمار للعالم بالطوفان.
(ب) المثال الصالح لنوح البار الذي كان بركة للعالم.
(ج) غنى مراحم الله إذ يتمهل على العالم رغم فساده وزيغانه.

بنو نوح (ع 18-19)

«وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك: ساماً وحاماً ويافث. وحام هو أبو كنعان. هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح. ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض.» (التكوين 9: 18-19)

«وحام هو أبو كنعان»: خص الوحي هنا كلاً من حام وكنعان مع أنه أصغر أبناء حام، تنبيهاً لما سيذكر في الأعداد القادمة عن خطية حام وعن اللعنة التي حاقت بكنعان، ولكي يعرف موسى وشعبه بأصل الكنعانيين الأشرار الذين كانوا سيتعرضون لمواجهتهم ومحاربتهم فيما بعد.

«ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض» أو «انبثت الناس في الأرض» أي تكونت الشعوب التي انتشرت في الأرض.

خطية نوح وتصرف أبنائه الثلاثة (ع20-23)

«وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما.» (التكوين 9: 20-23)

«وابتدأ نوح يكون فلاحاً»: بمعنى أنه ابتدأ يعمل في الزراعة، ولعل الكتاب قد ذكر هذا لأنه كان يعمل في الرعي قبل الطوفان، أو لانشغاله في عمل الفلك نحو 120سنة قبل الطوفان وانشغاله في أعمال أخرى مثل بناء مساكن لأسرته بعده، فلما فرغ من أعماله رجع إلى عمله في الزراعة. ونرى هنا:

(۱) شرب نوح من الخمر وتعريه: والكتاب المقدس لنزاهته وصدقه يذكر جميع الوقائع التاريخية كما حدثت، ويروي ما وقع فيه حتى الأبرار من الأخطاء ليبين كيف يتعرض الناس للسقوط، ليكونوا عبرة للأجيال. والمقصود بالخباء الخيمة.

(۲) تصرف حام: رأى حام أباه عارياً، وبدل أن يغطيه ليستر سوءته مضى إلى أخويه وأخبرهما بما رأى تهكماً بأبيه.

(۳) عمل سام ويافث: أما سام ويافث فقد تصرفا تصرفاً لائقاً لأنهما أكرما أباهما ولم يشهرا به مثل ما عمل حام. والرداء ثوب واسع مثل العباءة أو الجبة أو الملاءة، وكان يلبس أو يلتحف به. وقوله «ومشيا إلى الوراء» أي أنهما كان يسيران إلى الخلف وظهراهما تجاه أبيهما حتى لا ينظراه عارياً. ويشبه حام الإنسان الذي يشهر بأخيه ويدينه على أعماله، أما سام ويافث فيشبهان الإنسان الصديق الذي لا يدين أحداً، والذي يتغاضى عن أخطاء الآخرين لأن المحبة تستر العيوب.

إنه من المؤسف أن رجلاً قديساً مثل نوح شهد الله ببره، وسبق وأعلن له مقاصده، ونجاه من الطوفان الذي أغرق العالم كله، يقع تحت سلطان الخمر، فيفقد وعيه، ويتعرى من ملابسه حتى يصبح هزءاً لأقرب الناس إليه. ولكن هذا حال الخطية، تجرب الصديقين، ومتى خضعوا لها وسقطوا فيها أفقدتهم حسهم الروحي، وجردتهم من ثياب البر، وأظهرتهم أمام الملأ عراة مجردين من الوقار، وغير أهل للاحترام، وجعلتهم هزءاً وعاراً أمام القريبين والبعيدين. وهكذا حال الخمر أيضاً يترنح بها الجهال فيفقدون وقارهم وكرامتهم ويجلبون على أنفسهم البلايا والويلات.

نوح يقف على ما فعله حام (ع24)

«فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير.» (التكوين 9: 24)

يرى البعض أن المقصود بالابن الصغير هو كنعان بن حام، باعتبار أن الحفيد يدعى ابناً في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس. والأرجح أن الابن الصغير هو حام نفسه. وهناك رأيان بخصوص ترتيب أولاد نوح بالنسبة لأعمارهم: ففريق يرى أن بكر نوح هو سام ويليه حام ثم يافث باعتبار أنهم ذكروا بهذا الترتيب في مواضع كثيرة. هؤلاء هم الذين يرون أن الابن الصغير المذكور هنا هو كنعان. على أن الفريق الثاني يقول أن يافث هو البكر ويليه سام ثم حام بالنسبة للاعتبارات الآتية:

(أ) أن الترتيب لا يتحتم أن يكون مبنياً على السن، فقد يكون لاعتبارات أخرى مثل المراكز الروحية أو الاجتماعية أو المجاورة أو غير ذلك. فإن كان سام قد ذكر أولاً فهذا لأن منه قد خرج الآباء القديسون مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وظهر منه الشعب الذي اختاره الله قديماً وموسى نفسه وباقي الأنبياء، كما ولد منه المسيح له المجد بالجسد. ثم أن حاماً ذكر لمجاورته لأخيه، وذكر يافث أخيراً لبعده عن أخويه نسبياً.

(ب) يؤيد هذا أن الأخوة ذكروا في الأصحاح الحادي عشر بترتيب آخر، حيث ذكر مواليد يافث أولاً ثم مواليد حام، ثم مواليد سام حيث واصل الوحي ذكر الآباء المتناسلين من سام الذين لعبوا أدواراً هامة على مسرح الحياة الروحية والشركة مع الله.

(ج) أن الكتاب يبين هنا أن حاماً هو الابن الصغير.

(د) أن ساماً ولد ابنه أرفكشاد وعمره مائة سنة، وكان ذلك بعد سنتين من الطوفان (التكوين 11: 10). ومن المعروف أن الطوفان حدث في السنة الستمائة من عمر نوح، فيكون سام ولد في سنة 502 من عمر نوح أبيه.

(هـ) وبما أن الكتاب يذكر أن نوحاً ابتدأ يلد أولاده وعمره خمسمائة سنة، فيكون يافث إذن هو البكر، الذي ولد في السنة الخمسمائة من عمر أبيه.

قد يؤيد أصحاب الرأي الأول رأيهم بأن نوحاً قد يكون قد ولد بكره في 502 من عمره، أو أن ساماً ولد أرفكشاد في سنة 102 من عمره، وأن الكتاب قد ذكر الخمسمائة سنة أو المائة سنة فقط، ولم يذكر السنوات الجزئية على سبيل التقريب. ولكن من الاعتبارات السابقة نرى أن الرأي الثاني، وهو أن يافث هو البكر أرجح، وهو الذي يأخذ به معظم المفسرين.

نوح يتنبأ عن أولاده (ع 25-27)

«فقال: ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبداً لهم.» (التكوين 9: 25-27)

ينطق نوح بروح النبوة بهذه العبارات عن أبنائه الثلاثة، فيوضح ما يصيبهم وما يصيب نسل كل منهم على مر الأجيال. وتتضمن عبارات نوح:

(أولاً) لعنة كنعان بن حام: «ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته» أو «عبداً يكون لعبيد إخوته» بمعنى أنه يكون أدنى العبيد وأحقرهم. ولئن كان حام هو الذي أخطأ، ولكن نوحاً لعن كنعان ابنه. ولشرح ذلك نقول:

(أ) إن الله سبق فبارك أولاد نوح، فليس لنوح أن يلعن من باركه الرب.

(ب) إن علماء الكتاب ذكروا أن كنعان رأى عورة جده مع أبيه حام، ويبدو أنه كان أكثر الجميع تهكماً وتشهيراً به.

(ج) والواقع أن لعنة الابن فيها أكبر عقاب وإيلام للأب، فعقاب كنعان تضمن أكبر عقاب لأبيه حام.

(د) لقد عرف نوح بالنبوة ما سيكون عليه نسل كنعان من الخطية والبعد عن الله. وكما كان قايين ونسله فرعاً شريراً من آدم، كان كنعان فرعاً شريراً من نوح. ولذا كانت لعنة نوح نبوة عما يصادف كنعان من العقوبة نتيجة لانحراف نسله وزيغانه. والأولاد والأحفاد الذين يصرون على خطايا والديهم يكملون مكيال آبائهم ويظلون تحت طائلة العقاب.

أما إذا أصلحوا طرقهم نالوا رضى الله وأصلحت أمورهم. ويدل على تنبؤ نوح عن كنعان أنه خصه باللعنة دون بقية إخوته مثل كوش ومصرايم مثلاً.

(هـ) نلاحظ أنه لا تناقض بين هذا وبين قول حزقيال: «النفس التي تخطئ هي تموت» (حزقيال 18: 4) لأن حزقيال يتكلم عن المسؤولية الروحية لكل إنسان، والثواب الروحي الذي يستحقه الإنسان عن بره أو شره. ولقد رأينا أن نسل كنعان كانوا مسئولين عن خطاياهم مثل جدهم كنعان بالنسبة لعنادهم وتماديهم في الخطية وعدم توبتهم. هذا وقد يقاسي الخلف أحياناً بلايا وعقوبات زمنية يقتضيها الحال الذي وجدوا فيه بسبب ما خلفه لهم الآباء والأجداد الأشرار.

ولقد تحققت نبوة نوح عن كنعان لأن الكنعانيين كانوا من أشر الشعوب، وقد توغلوا في عبادة الأصنام مثل بعل وعشتروت وغيرهما، وكانوا يقدمون أولادهم ذبائح للأصنام حتى قضى الله بعقابهم عن نجاساتهم وخطاياهم (لاويين 18: 25-28، تثنية 20: 17-18). وقد استعبدوا لكل من الساميين واليافثيين في حقبات متعددة من التاريخ. فانتصر عليهم الساميون مثلاً حينما فتح يشوع بن نون بلادهم حيث سقطت أسوار أريحا على يديه وقتل منهم أعداداً وفيرة (يشوع 6). وبعد موت يشوع استعبدوا في عهد القضاة (قضاة 1: 28-35). واستعبدهم سليمان وسخرهم (1 ملوك 9: 20-21). وظهر تغلب اليافثيين عليهم في انتصارات اليونانيين والرومانيين على الشعوب السورية والفينيقية القديمة. وإن كان قد صادف الكنعانيين حالات من النجاح والتقدم الماديين في بعض الأحوال، إلا أنهم كانوا في غاية التأخر من الناحية الروحية، وهذا أكبر مظهر من مظاهر اللعنة. وحتى نجاحهم المادي آل أخيراً إلى البوار، حتى أن قرطاجنة مثلاً، وهي من أعظم مدنهم، وكانت تنافس روما نفسها، سقطت أخيراً سقوطاً عظيماً في أيدي الرومانيين.

هذا وقد كان الرقيق خصوصاً من الحاميين يباعون كعبيد عهوداً طويلة، حتى أبيلت هذه العادة القاسية.

(ثانياً) بركة سام: «وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم». سام هو جد الشعوب التي تتكلم باللغة السامية مثل الشعب العبراني والشعب العربي. وفي قوله «مبارك الرب إله سام» بركة للساميين لأنهم فيه نسبوا إلى الرب. وقد حقق التاريخ هذه النعمة لأن اسم الرب ظل بركة للساميين، والبلاد السامية هي مهبط الوحي المقدس، ومنهم خرج الشعب المختار القديم، والآباء الصديقون والأنبياء، وجاء السيد المسيح. وحتى حينما كان بعض الساميين يضلون أحياناً عن طريق البر، فإن بقية منهم كانت تظل على إيمانها بالله. وفي كل جيل كان يوجد منهم شهود لله وركب لا تجثو لبعل (1 ملوك 19: 18).

(ثالثاً) الكلام عن يافث: «ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبداً لهم». «ليفتح الله ليافث» أي ليسهل الطريق أمامه ونسله. وقد سكن يافث في مساكن سام من الناحيتين المادية والروحية. فمن الناحية المادية كان هذا بسكنى جماعات كثيرة من شعوب يافث بين الشعوب السامية للأعمال التجارية أو الفنية أو الاجتماعية. وما زلنا نرى الكثيرين من الغربيين يعملون في الشرق. كما سكنت بعض شعوب يافث مثل الماديين والفرس واليونانيين والرومانيين وبعض الشعوب الأوروبية الأخرى بعض الأقطار السامية فترات من الزمن تحت ظروف سياسية. وقد يتضمن هذا أيضاً نزوح الأوروبيين وغيرهم إلى القارتين الأمريكيتين واستراليا. ومن الطبيعي أن سكان هذه القارات الأصليين كانوا من بني سام وغيره من أبناء نوح الذين وصلوا إلى هناك قديماً عن طريق البحار. والخطأ العظيم الذي وقع فيه الأوروبيون المهاجرون، مع أن الله أفسح لهم مجالات لتوسيع تخومهم، أنهم عملوا على مطاردة السكان الأصليين أو إبادتهم، مع أنه كان في إمكانهم، بل من واجبهم أن يعيشوا إلى جوارهم ويعملوا على تحضيرهم ومعاونتهم لأنهم إخوتهم. ولكن هكذا يجني الإنسان على أخيه الإنسان.

أما من الناحية الروحية فسكنى يافث في مساكن سام تعني دخول الشعوب الغربية في الإيمان المسيحي وقبولهم بشارة الخلاص أسوة بشعوب سام التي كانت مهبطاً للوحي الإلهي. وإن كان اليهود أنفسهم وهم من نسل سام قد رفضوا نعمة الله، فإن الله قد أقام لنفسه شعباً مختاراً من كل الأمم والشعوب، حيث تحقق قوله تعالى: «أصغيت إلى الذين لم يسألوا. وجدت من الذين لم يطلبوني. وقلت: هأنذا لأمة لم تسم باسمي» (إشعياء 65: 1). وقوله: «وتذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض. وتسجد قدامك كل قبائل الأمم» (مزمور 22: 27). وبدخول الأمم في الإيمان المشترك أصبحت جميعها تسكن في مسكن روحي واحد هو كنيسة الله الواحدة.

حياة نوح بعد الطوفان (ع 28- 29)

«وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. فكانت كل أيام نوح تسعمائة وخمسين سنة ومات.» (التكوين 9: 28-29)

أطول الآباء عمراً هو متوشالح الذي عاش تسعمائة وتسعاً وستين سنة، ويليه يارد وقد عاش تسعمائة واثنتين وستين سنة، وثالث المعمرين هو نوح وقد عاش تسعمائة وخمسين سنة. وبعده ابتدأت أعمار الناس تتناقص تدريجياً حسب قول الله الصادق (التكوين 6: 3). 

زر الذهاب إلى الأعلى