تفسير سفر راعوث أصحاح 1 – الأرشيذياكون نجيب جرجس

الأصحاح الأول

في هذا الأصحاح

1- تغرب أليمالك في موآب ثم موته ( ع 1 – 3 )

1 – حدث في أيام حكم القضاة أنه صار جوع في الأرض. فذهب رجل من بيت لحم يهوذا ليتغرب في بلاد موآب هو وامرأته وابناه.

 يذكر الوحى هنا أن أحداث هذه القصة وقعت في أيام حكم القضاة. ويرجح أن يكون هذا في أوائل حكم القضاة وقريباً من عهد يشوع لأن سلمون أبا بوعز كان زوجاً لراحاب التي من أريحا (ع20 ، مت 1: 5) ، ولذلك يرى بعض المفسرين أن القصة ربما حدثت في حكم أهود، وبعضهم أنها حدثت في حكم جدعون، ويرى يوسيفوس وبعض المفسرين أنها وقعت في أيام عالى الكاهن.

أنه صار جوع في الأرض: قد يكون لبعض العوامل الطبيعية مثل قلة المطر والجفاف الذي ينشأ عن ذلك، أو قد يكون بسبب تعرض الأرض لغزو الغزاة والناهبين ويرى البعض أن هذا ربما كان بسبب المديانيين الذين كانوا ينهبون خيرات ومحاصيل بني إسرائيل حتى خلصهم الرب على يد جدعون (قض 6-8).
ويرجح جدا أن هذا الجوع كان عقابا عاقب به الرب شعبه بسبب بعدهم عنه وقد سبق
وأنذرهم مراراً على لسان عبده موسى كما في (لا 26: 18-29). 

اضطر رجل من بيت يهوذا أن يأخذ أسرته الصغيرة المكونة من امرأته وابنيه ويهاجر إلى أرض موآب هرباً من الجوع. و بيت لحم يهوذا دعيت هكذا لأنها كانت من نصيب سبط يهوذا (قض 17: 7) وهي تقع جنوبي أورشليم بنحو تسعة كيلومترات ونصف، وهى مسقط رأس داود النبي. كما عرفها الرب يسوع بولادته بالجسد فيها، وهى غير بيت لحم التي في نصيب زبولون (يش 19: 15) أما أرض موآب فكانت شرقى الأردن وشرقى البحر الميت والجزء الذي يجاور الأردن مقابل أريحا كان يسمى عربات (سهول) موآب (عد 22: 1)، وكان على هذا الرجل وأسرته أن يعبرا الأردن لكى يصلا إلى أرض موآب.

2- واسم الرجل اليمالك واسم المرأة نعمى واسما ابنيه محلون وكليون. افراتيون من بيت لحم يهوذا. فأتوا إلى بلاد موآب وكانوا هناك.

 اسم الرجل “أليمالك” الذى يعنى “الله ملك” ، واسم زوجته “نعمى” (بكسر الميم) وهي تعنى نعمتى أو سعادتى كما تعنى الراحة والحلاوة. أما ابناه فكان أحدهما يدعى “محلون” ومعناه “مريض” ويرجح أنه الأكبر، والثاني يدعى “كليون”الذي معناه “هزيل مريض” أيضاً ولعلهما كانا هزيلين ومريضين فعلا بالنسبة لولادتهما أو نشأتهما في زمن الجوع والفقر.

قيل إنهم “افراتيون من بيت لحم يهوذا” و “افراتيون” أى من (افراته) وهو الاسم القديم لبيت لحم (تك 35: 19).

رحلت هذه الأسرة من بيت لحم موطنها في غربي الأردن إلى أرض مواب شرقي الأردن، وكانوا هناك أى أقاموا هناك ويرجح أنه كان صلح بين الموابيين وإسرائيل في تلك الفترة من الزمن حتى لجأ أليمالك إلى أرضهم.

لعله قبل رحيله كان قد رهن أرضه وحمل معه ثمنها أو ربما أنفقه أو أنفق معظمه وهو في بيت لحم واضطر إلى الرحيل لعوزه، (ونرى تفصيل ذلك في شرح الأصحاح الرابع).

3- ومات اليمالك رجل نعمى وبقيت هي وابناها

مات الرجل وترك امرأته أرملة وعاشت مع ابنيها في أرض الغربة.

 

2- زواج ابنيهما ثم موتهما (4-5)

4 – فأخذ لهما امرأتين موابيتين اسم إحداهما عرفة واسم الأخرى راعوث وأقاما هناك نحو عشر سنين.

 تزوج الابنان امرأتين من بنات موآب، وكانت امرأة كليون اسمها عرفة ومعناه رقبة أو عرف وامرأة محلون “راعوث” (ص 4: 10) ، ومعنى “راعوث” جميلة، والاسمان موآبيان.

 أقامت الأسرة فى موآب عشر سنين ( يرجح أنها كل المدة التي عاشتها الأسرة منذ خروجها من بيت لحم إلى موت الابنين.

يلوم البعض هذين الابنين لاتخاذهما زوجتين موابيتين مع أن الرب قد نها كثيراً عن مصاهرة الوثنيين، وقد قال: “لا يدخل عمونى ولا موابى فى جماعة الرب حتى الجيل  العاشر …” (تث (23: 3)، وقد كان الموابيون يعبدون بعل فغور وكانوا سببا في إسقاط بني إسرائيل في الخطية (عد 25)

على أنه يجب أن نذكر أن ابنى أليمالك وشعب إسرائيل بوجه عام كانوا في تأخر روحي في عهد القضاة ونسى معظمهم شريعة الرب، فضلا على أن هذه الأسرة كانت متغربة بعيدة عن أرض إسرائيل وزاد بعدها جهلاً وتأخرا ،روحيين، وربما قبلت الزوجتان أن تؤمنا بالله وتسلكا حسب شريعته خصوصاً ونحن نراهما على أخلاق طيبة مما يدل على أنهما تأثرتا بالصفات والأخلاق التي لنعمى وابنيها. ولقد كان رجال الله يتزوجون أحياناً من نساء أجنبيات عن إسرائيل إذا تهودن، مثلما تزوج سلمون براحاب الكنعانية (مت 1: 5) ، وكما تزوج بوعز فيما بعد براعوث نفسها ( ص 4) . وعلى أي حال فالكتاب المقدس يروى الحوادث كما وقعت حتى إن تخللها بعض أخطاء لأشخاص صالحين.

5- ثم ماتا كلاهما محلون وكليون فتُركت المرأة من ابنيها ومن رجلها.

لم تكد دموعها تجف بعد موت زوجها حتى فجعت أيضاً في وليدها، فتُركت من ابنيها ومن رجلها لأنهم فارقوها وتركوها أرملة ثكلى. ولكن هل يتركها الرب؟ حاشا، فالإنسان إن تركه أهله وذووه وأحباؤه لا يتركه الرب بل يبقى بجانبه يؤازره ويسنده ويدبره (إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني مز 27: 10).

3- نعمى تعزم على العودة إلى أرضها (ع 6، 7)

6- فقامت هي وكنتاها ورجعت من بلاد موآب لأنها سمعت في بلاد موآب أن الرب قد افتقد شعبه ليعطيهم خبزا.

سمعت نعمى “أن الرب قد افتقد شعبه” أى عاد ونظر إليهم بعين رأفته (ليعطيهم خبزاً) والمقصود به الطعام من المحاصيل الزراعية وأثمار الأشجار وغيرها، فعزمت على ترك موآب لتعود إلى أرضها وقامت معها كنتاها راغبتين في مصاحبتها إلى أرضها.

7- وخرجت من المكان الذي كانت فيه وكنتاها معها وسرن في الطريق للرجوع إلى أرض يهوذا.

خرجن من الموضع الذى كن يعشن فيه في أرض موآب لكي يعبرن نهر الأردن ويذهبن إلى بيت لحم التي في أرض يهوذا.

4- نعمى تطلب من كنتيها أن ترجعا إلى بيتيهما (ع 8-13)

8- فقالت نعمى لكنتيها اذهبا ارجعا كل واحدة إلى بيت أمها وليصنع الرب معكما إحسانا كما صنعتما بالموتى وبي.

 يرجح أن الكنتين سارتا معها جزءاً من الطريق، ولكنها طلبت منهما أن تبقيا في موطنهما مواب وتعود كل واحدة منهما إلى بيت أمها وتقصد من ذلك بيت أبويها، وخصت ذكر أميهما، لأن راعوث ونعمى كانتا متعلقتين بنعمى وهى سيدة، ومن الأولى أن تعود كل منهما لتلتصق بأمها، فقد تجد معها ما يعزيها أكثر مما تجد مع نعمى المسكينة، وقد تتزوج كل منهما شاباً من الموابيين بدل ذهابهما إلى أرض غريبة هي أرض يهوذا.

 صلت لأجلهما قائلة : “وليصنع الرب معكما إحساناً كما صنعتما بالموتى وبى”: طلبت في صلاتها أن يكافئهما الرب ويحسن إليهما كما صنعتا الإحسان “مع الموتى”، أي مع ابنيها حيث خدمتاهما بأمانة وإخلاص، ومعها هي أيضاً لأنهما عاشتا معها في محبة ووفاق ولا تزالان مخلصتين ومحبتين لها.

9- وليعطكما الرب أن تجدا راحة كل واحدة في بيت رجلها فقبلتهما ورفعن أصواتهن وبكين.

 أضافت إلى دعواتها الصالحة أيضاً أن يرزقهما الله بزوجين صالحين حتى تجد كل واحدة منهما راحة فى بيت رجلها، فتتعزيا بعد حزنهما العميق على فقد زوجيهما اللذين ماتا.

“قبلتهما” لكي تودعهما، ورفع الجميع أصواتهن وبكين، مما يدل على عمق المحبة في قلوبهن.

10- فقالتا لها إننا نرجع معك إلى شعبك

 رغبت السيدتان الشابتان مصاحبتها إلى أرضها وإلى شعبها لتعيشا معها ولم تشاءا مفارقتها.

ما أحلى هذه العلاقة الجميلة بين كنتين من شعب غريب وبين حماتهما السيدة العجوز الحزينة، لقد أظهرت كل من هؤلاء النساء الثلاث كل محبة وولاء وإخلاص، في حياة الرجال كن يعشن في وفاق، ولم تفكر واحدة من الكنتين أن تفصل زوجها عن أهله ولم تكدر إحداهن صفو الأخرى ولا صفو البيت، بأى نوع من أنواع التكدير، وحتى بعد أن ترملن لم تذبل محبتهن أو تنقص بل بالعكس ازدادت اشتعالا وقوة.

ما أعظم الفرق بين راعوث وعرفة في أخلاقهما الطيبة ووداعتهما، وبين زوجتى عيسو الحثيتين اللتين كانتا “مرارة نفس الإسحق ورفقة” (تك 26: 35). 

ياليت البيوت تبنى على المحبة والوفاء والسلام وإنكار الذات، عندئذ تمتلئ بالبركة والسعادة والاستقرار.

11- فقالت نعمى ارجعا يا بنتى. لماذا تذهبان معى. هل في أحشائي بنون بعد حتى يكونوا لكما رجالاً.

انساقت راعوث وعرفة وراء محبتهما وعواطفهما وتمسكتا بحماتهما راغبتين من كل قلبيهما أن تصحباها ولا تفارقاها، ولكن نعمى السيدة المحبة التي لم تطلب ما لنفسها بل ما هو لخير كنتيها، طلبت إليهما أن تتركاها وتذهب كل منهما إلى بيت أبيها وأمها، وأن تستخدم كل منهما عقلها لتعمل ما فيه خيرها وبناء مستقبلها. وقد كلمتهما في هذا العدد والعددين التاليين بعبارات كلها رقة وحنان كما سنرى

( أ ) “ارجعا يا بنتى”: خاطبتهما كابنتين لها لما تحمل لهما من المحبة والعطف.
(ب) ” لماذا تذهبان معى؟”: لا خير لكما من الذهاب معى ومن الأصوب أن تعودا إلى
أهلكما.
(ج) “هل في أحشائي بنون بعد حتى يكونوا لكما رجالا؟” الاستفهام هنا يعتبر للنفى، وكأنها تقول لهما : كنت أتمنى أن يكون لي بنون آخرون ليتزوجوا بكما، ولكن يا للأسف ليس لى بنون، ولا فى أحشائي بنون ليتزوجوا بكما أيضاً.

ولعل نعمى تشير بهذا إلى العادة القديمة حيث كان الأخ يتزوج بامرأة أخيه الذي يموت دون أن ينجب نسلا ويكون الابن البكر لأخيه المتوفى حتى لا ينقرض اسمه، كما رأينا ذلك في خبر عير بن يهوذا الذى تزوج ثامار ومات ولم يكن له أولاد (تك 38)، وكانت الشعوب تحفظ هذا بالتقليد حتى أمرت به الشريعة المقدسة على يد موسى النبي (تث 25: 5، 6)

12- ارجعا يا بنتى واذهبا لأنى قد شخت عن أن أكون لرجل. وإن قلت لي رجاء أيضاً بأنى أصير هذه الليلة لرجل وألد بنين أيضاً.
13- هل تصبران لهم حتى يكبروا. هل تنحجزان من أجلهم عن أن تكونا لرجل. لا يابنتى فإنى مغمومة جدا من أجلكما لأن يد الرب قد خرجت على.

( د ) “ارجعا يا بنتى واذهبا لأنى شخت عن أن أكون لرجل” ارجعا إلى أهلكما وإلى أرضكما لأننى حتى لو فكرت في المستحيل وقلت إنى أتزوج من جديد، فإن هذا يتعذر على لأنني أصبحت سيدة متقدمة في الأيام لا يناسبها الزواج.

(هـ) وحتى لو قلت ما هو أكثر استحالة بأنى أتزوج هذه الليلة “وألد بنين أيضاً”، فهل تنتظران ممتنعتين عن الزواج حتى يكبر بني؟

“تنحجزان” بمعنى تنحبسان وتمتنعان عن الزواج

( و ) “لا يا بنتى ” لا تفكرا في الذهاب معي

( ز ) “فإني مغمومة جدا من أجلكما” : إنى حزينة لظرفكما القاسي وتجربتكما الشديدة

( ح ) “لأن يد الرب قد خرجت على”: “يد الرب” أى قوته ومشيئته وتقصد بالعبارة:
(أولا) إن الرب قد سمح بحدوث هذه التجربة المرة من الغربة إلى فقد زوجي ثم ابنى، إلى رؤيتكما أمامي أرملتين.
(ثانيا) والعبارة مرتبطة بقولها لهما فإنى مغمومة جدا من أجلكما والمعنى أنكما يا
بنتي بريئتان لم تعملا ذنبا تستحقان عليه التجربة التي أصابتكما، ولكن إن كان هناك ذنب فأنا المذنبة ويد الرب “قد خرجت على” أنا شخصيا لتأديبى ومعاقبتي، وما أصابكما قد أصابكما بسببي أنا ….

ما أجمل هذا الشعور وهذا الإنكار للذات وهذه المحبة إنها تستذنب نفسها لتبرر كنتيها، تستر عيوبهما وتنسب كل العيب إلى نفسها.

ألم يعمل الله معنا كل هذا وأعظم من هذا حينما جعل آثامنا وديوننا كلها على عاتق ابنه الحبيب البار لكى يبررنا ؟ بلى، لأننا كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا (إش 53: 6) و “لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”(2كو 5: 21).

5- رجوع عرفة وتمسك راعوث بحماتها (ع14-18)

14- ثم رفعن أصواتهن وبكين أيضاً. فَقَبَّلت عرفة حماتها وأما راعوث فلصقت بها.

رفعن أصواتهن بالبكاء مرة ثانية كما فعلن ذلك عند حديثهما الأول لهما (ع9) وقد أجهش بالبكاء بالنسبة للظرف القاسي الذي واجهن جميعا، وبالنسبة للعبارات الرقيقة المؤثرة التي نطقت بها نعمى، وبالنسبة لأن الأيام ستفرقهن بعد عشرة هادئة سعيدة وحياة جميلة عشنها معاً في بيت واحد.

 استسلمت عرفة وعزمت على العودة إلى بيت أبيها (فَقَبَّلَت حماتها قبلة الوداع وتركتها.

 أما راعوث (فلصقت بحماتها 🙂 : تشبثت بها ولم تشأ أن تفارقها.

15- فقالت هوذا قد رجعت سلفتك إلى شعبها وآلهتها. ارجعي أنت وراء سلفتك.

حاولت نعمى أن تقنع راعوث بأن ترجع إلى بيت أبيها، فأغرتها بأن سلفتها عرفة قد رجعت إلى شعبها وآلهتها، ومن المناسب لها أن تقتدى بها وترجع إلى شعبها لأن ذلك أنسب لها.

و “السلفة” هي زوجة شقيق الزوج

16- فقالت راعوث لا تلحى على أن أتركك وأرجع عنك. لأنه حيثما ذهبت أذهب وحيثما بت أبيت . شعبك شعبي وإلهك إلهى.

17- حيثما من أموت وهناك أندفن. هكذا يفعل الرب بي وهكذا يزيد. إنما الموت يفصل بيني وبينك.

هذه المرأة الموابية العجيبة كم أظهرت من الشعور النادر والمحبة القوية التي أصبحت مضرب الأمثال في جميع الأجيال، ورغم إلحاحات نعمى عليها لكي تعود إلى أرضها، ورغم أن والديها كانا لا يزالان على قيد الحياة ( ص 2: 11)، ورغم أن حماتها لم تعد إلا أرملة وحيدة فقيرة، فإنها مع ذلك لصقت بها وأجابتها بكل عزم وتصميم بأنها لن تتركها بأي حال من الأحوال.

( أ ) رجاء حار : “لا تلحى على أن أتركك وأرجع عنك” : كأنها تقول لها إن إلحاحك لن يثنيني عن عزمي فأرجوك أن تكفى عنه لأني قد عقدت العزم على ألا أفارقك طول حياتي.

(ب) عزم على أن تتبعها حيثما ذهبت لأنه حيثما ذهبت أذهب وحيثما بت أبيت): سأترك وطني وديارى وأذهب معك حيثما تذهبين وأتبعك في الطريق الذي تسيرين فيه، وحيثما يطيب لك العيش والإقامة يطيب عيشى وإقامتي.

(ج) تضحية بشعبها وآلهتها شعبك شعبي وإلهك إلهى): إنني راضية لا أن أضحى بموآب وطني فقط، بل فى سبيل محبتى لك ولإلهك، أترك أيضاً شعبي وإلهى، ومستعدة أن أعتبر شعبك شعبى فأصير إسرائيلية، بل لقد تركت آلهة موآب الباطلة، ولصقت بيهوه إلهكم. ما أعظم تأثير المؤمنين الأتقياء، إن تقوى نعمى وولديها جذبت قلب هذه المرأة الموابية إلى حب الله الإله الحقيقى، ونحن إذا أردنا جذب الخطاة وتقريبهم إلى الله علينا أن نسير سيرة حسنة ونكون قدوة طيبة، فتنجح خدمتنا.

( د ) عزم على أن تتبعها حتى الموت حيثما مت أموت وهناك أندفن: إنني سأترك وطني وشعبي وإلهى لا مدة حياتك معى فقط، ولكن إلى الموت أموت في البلد الذي تموتين فيه وأندفن حيثما تدفنين.

(هـ) قسم وتأييد لعزمها : هكذا يفعل بي الرب وهكذا يزيد هذه صيغة قسم ودعاء على نفسها معروفة منذ القدم أيدت به قولها وعزمها. والمعنى أن الرب شاهد على قولى ويفعل بي ما يشاء وينزل بي ما أستحق من عقاب وأكثر مما أستحق إذا حنثت في كلامي لقد قالت لنعمى “وإلهك إلهى”، وأيدت إيمانها القوى بالرب فأقسمت به وحده ولم تقسم ببعل فغور أو غيره من آلهة شعبها.

( و ) الأمر الذى لا حيلة معه: “إنما الموت يفصل بيني وبينك”: ما دمنا أحياء لابد أن أكون معك، ولكن إن ماتت إحدانا فلا حيلة لي في ذلك، فهو وحده الذي يفرق جسدينا.

(۲) إن راعوث الموابية:

( أ ) ترسم صورة حقيقية للمحبة العاملة الثابتة المضحية ولأن المحبة قوية كالموت. الغيرة قاسية كالهاوية. لهيبها لهيب نار لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً (نش 8: 6، 7)

(ب) وترسم لنا صورة للنفس النقية المستعدة لأن تتبع فاديها الحبيب وعريسها السماوى في كل طريق، وفى كل ظرف فى الحياة وحتى إلى الممات، ولسان حالها يقول “من سيفصلنا عن محبة المسيح؟” (رو 8: 35) ، وفى ترنيمتها تنشد بعزم وحب وتصميم:

حيث قادني أسير    حيث قادني أسير

حيث قادني أسير    أمشى معه دوما كل حين

 

18- فلما رأت أنها مشددة على الذهاب معها كفت عن الكلام إليها .

رأت نعمى عزمها على التوجه معها ووجدت أن الكلام معها لن يثنيها عن عزمها فلم تكلمها بعد في هذا الأمر، وقبلت أن ترافقها راعوث الموابية إلى أرض يهوذا.

6- نعمى وراعوث في بيت لحم (ع 19- 22)

19- فذهبتا كلتاهما حتى دخلتا بيت لحم. وكان عند دخولهما بيت لحم أن المدينة كلها تحركت بسببها وقالوا أهذه نعمى.

 سارتا في طريقهما ربما على حمارين حتى وصلتا بيت لحم

وبمجرد دخولهما المدينة ) تحركت المدينة بسببهما ( أى تأثرت واهتزت وكان لمجيئها وقع كبير على كل المدينة، وتحرك المدينة يدل على:

( أ ) أن نعمى وزوجها كان لهما مركز ممتاز بين جميع الناس

(ب) أن غياب نعمى الطويل نحو عشر سنوات وحضورها المفاجئ أثار اهتمام الناس ومشاعرهم.

(ج) وتحرك أهل المدينة أيضاً إذ سمعوا بالتجارب المرة التي وقعت لنعمى. ( د ) ولعل مجئ راعوث الغريبة الجنس في صحبة حماتها الأرملة حرك أيضاً مشاعرهم وتعجبهم.

“وقالوا أهذه نعمى؟” : الضمير وهو واو الجماعة في “قالوا” في العبرية يشير إلى جمع الإناث مما يدل على أن النساء قد حضرن لرؤيتها.

“أهذه نعمى؟”: الاستفهام هنا للتعجب، وقد دفعهم للتعجب:

( أ ) طول مدة غيابها ومجيئها فجأة، وكأنهم يقولون: وأخيرا جاءت نعمى بعد هذا الغياب الطويل ؟!.

(ب) التغير الشديد الذي طرأ عليها، حيث بدت عليها علامات الشيخوخة المبكرة، وفقدت حيويتها ومرحها وسرورها، وكأنهم يقولون: أهذه نعمى الشابة النضرة القوية؟ أهذه صاحبة الابتسامة الدائمة والطلعة المشرقة الحية؟ لم تغيرت هذا التغير الأليم؟ يرى البعض أن بعض النسوة سألن هذا السؤال بشئ من الشماتة وذكرن مثل أصدقاء أيوب أن تجربتها بسبب تركها بلادها أو بسبب خطايا أخرى، والأرجح أن النساء سألن سؤالهن بلغة الرثاء والعطف وبروح الشفقة.

20 – فقالت لهم لا تدعونى نعمى بل ادعوني مُرَّةً لأن القدير قد أَمَرَّني جدا

في حديثها تضاد مؤلم بين نعمى ومرة، وقد طلبت إلى أهل بلدها ألا يدعوها “نعمى” التي تعنى سعيدة وحلوة بل يدعوها (مرة) لأن هذا ما يناسب حياتها والحال الذي صارت إليه.

“لأن القدير قد أمرنى جداً”: أى أن الرب وهو وحده صاحب القدرة والسلطان هو الذي سمح فأذاقنى المرار.

لم يكن هذا تجديفاً أو اعتراضاً من نعمى بل اعترافاً بسلطان الله وقدرته وتسليماً وخضوعا لمشيئته. 

كانت توجه كلامها إلى النساء اللاتى جئن لاستقبالها وإلى كل من جاء أيضاً من رجال المدينة.

21- إني ذهبت ممتلئة وأرْجَعَنى الرب فارغة. لماذا تدعونني نعمى والرب قد أذلني والقدير قد كسرني. 

“إني ذهبت ممتلئة وأرجعنى الرب فارغة”: خرجت من هنا وأنا “ممتلئة” لأن معى زوجي العزيز وابني العزيزين، ولكن الرب سمح أن أعود فارغة.

“لماذا تدعونني نعمى؟” لماذا تدعونني بهذا الاسم الذى يعبر عن السعادة والمرح الرب قد أذلني والقدير قد كسرني أى فى حين أن الرب قد سمح بأن أقاسي الذل وأن ينكسر قلبي وجناحاى بعد فقد زوجي وولدي؟ 

عادت نعمى أيضاً فأعلنت أن الرب هو صاحب السلطان على عباده، وفي إعلانها هذا إعلان لإيمانها وتسليمها لحكمه تعالى.

 ولا يجب أن نعترض على عبارات الألم التي نطقت بها لأنها بشرية ضعيفة تعبر عن حالها ولكنها في كل شئ كانت مثل أيوب الذى لم يخطئ إلى الله ولم ينسب إلى الله جهالة (أى 1: 22) فلم تعترض أو تقاوم مشيئته. 

22- فرجعت نعمى وراعوث الموابية كنتها معها التي رجعت من بلاد موآب ودخلتا بيت لحم في ابتداء حصاد الشعير.

هذا تلخيص لما ذكر يوضح ثانية أنها فى عودتها من موآب إلى بلدها لم تأت وحدها :

( أ ) بل جاءت مع كنتها راعوث الموابية.

(ب) كما يوضح موعد مجيئها بقوله فى ابتداء حصاد الشعير، والشعير عادة يحصد في أواخر مارس وابتداء أبريل، وكان يليه بعد قليل حصاد الحنطة.

ومن هنا نرى تدبير الله العظيم لهاتين الأرملتين اللتين لم يتركهما أو يتخل عنهما بل أرشدهما إلى العودة إلى بيت لحم في موسم الحصاد، حيث السعة والشبع للأغنياء أصحاب الحقول، وللفقراء أيضاً بما يلتقطونه من السنابل في الحقل وبما يجود به الأغنياء عليهم.

وقد خدم الحصاد نعمى وراعوث ليس بمدهما ببعض السنابل فقط، بل دبر الله أن يؤثر على حياة هذه الأسرة المنكوبة ويغيرها بعطف بوعز عليها ثم بزواجه براعوث كما نراه واضحاً في الأصحاحات القادمة. والله دائما يعتنى بأولاده ويفتقدهم في ضيقتهم لأن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ ( 1كو 10: 13)

فهرس راعوث 1  تفسير سفر راعوث
تفسير العهد القديم تفسير راعوث 2
الأرشيذياكون نجيب جرجس
تفاسير راعوث 1  تفاسير سفر راعوث تفاسير العهد القديم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى