تفسير سفر التكوين أصحاح 2 لمار أفرام السرياني
[1] بعد ان تكلم عى راحة يوم السبت وكيف ان الله بارك وقدس هذا اليوم، عاد ايضاً الى قصة التكوين الأول للخلائق ليمر باختصار على الامور التي كان قد ذكرها، ويروي باسهاب الامور التي اهملها. ثم بدأ بالكتابة عن قصة الخلائق ثانية عندما قال :هكذا هذا نشأة السماء والارض حين خُلقتا. في اليوم الذي صنع الله السماء والارض، وكل اشجار الحقل لم تكن بعد، والعشب لم ينبت بعد لأن الله لم يُمطر على الارض، ولم يكن هناك آدم ليشتغل في الارض، وكان نبع يصعد [ من باطن الارض] ويروي وجه كل الارض.
[2] افهم ايها السامع اذ رغم ان ايام الخلق قد كملت وان الله بارك يوم السبت الذي تقدس وختم الرواية، الا ان موسى عاد ليروي ثانية عن بداية افعال الخلق حتى من بعد أن كملت ايام الخلق.
هذه نشأة السماء والارض، أي هذه قصة تكوين السماء والارض، في اليوم الذي صنع الرب السماء والارض، وكل اشجار الحقل لم تكن بعد، والعشب لم ينبت بعد. وبالرغم من ان هذه الامور لم تكن بعد قد خلقت حقيقة في اليوم الاول لأنها صُنعت في اليوم الثالث، الا ان موسى لم يقدم لنا جزافا في اليوم الاول قصة تلك الامور التي خُلقت في اليوم الثالث.
[3] قال بان الاشجار لم تكن بعد والعشب لم ينبت بعد لأن الرب لم يُمطر على الأرض، وكان نبع يصعد من الأرض لسقاية كل وجه الارض. ولأن كل شيء خُلق ويخلق من الارض بتزاوج المياه مع الارض شرع موسى ايضا ليبين بان الاشجار والعشب لم تخلق مع الارض، لأن المطر لم يهطل بعد لكن بعد أن صعد الينبوع العظيم من الغمر العظيم وروى كل وجه الأرض، وبعد ان تجمعت المياه في اليوم الثالث أولدت الارض كل العشب في اليوم الثالث.
ان تلك المياه التي كان الظلام مخيما عليها في اليوم الأول هي التي صعدت من هذا الينبوع، وبطرفة عين غطت كل الارض؛ وهو ذات الينبوع الذي فتح في ايام نوح وغطى وجه كل الجبال التي على الارض. ان هذا الينبوع لم يصعد من تحت الأرض لكن من الارض حيث قال: ان الينبوع صعد ليس من تحت الارض انما من الارض، وان تلك المياه التي في الارض لم تكن اقدم من الارض لأن الارض التي احتوت المياه في حضنها تشهد [على ذلك].
ان الينبوع اذا صعد من الارض كما قال الكتاب المقدس، وروى وجه الأرض كلها، وحينها اثمرت الارض الاشجار والعشب .والنباتات ان هذا لا يعني بان الله لم يكن قادرا على خلق كل شيء من الارض بطريقة اخرى، لكن مشيئة الله ارادت ان تولد الارض بواسطة المياه. ان الله خلق نباتات الارض بهذه الطريقة منذ البداية لكي تستمر هذه العملية لغاية نهاية [العالم].
[4] بعد ان تحدث عى هذه الامور التي تركت ولم يُحكى عنها في اليوم الاول عاد ليكتب عن جبلة آدم عندما قال هكذا ولم يكن هناك آدم ليشتغل في الارض، ولم يكن آدم موجودا في تلك الايام التي سبقت اليوم السادس لأنه خُلق في اليوم السادس. وجبل الرب في اليوم السادس آدم ترابا من تراب الارض ونفخ في منخريه نسمة الحياة، فصار آدم نفسا حية لكن بالرغم من ان الوحوش والبهائم والطيور كانت مساوية لآدم في تناسلها ونفسها لكن الله شرف آدم بالكثير : أولا بالعبارة التي قيلت بأنه جبله بيديه ونفخ فيه نفساً ؛ وسلطه على الفردوس وعلى كل ما هو خارج الفردوس ؛ والبسه مجداً ؛ ومنحه المقدرة على الكلام والفكر لكي يدرك عظمة الله.
[5] بعد ان تحدث عن جبلة آدم الممجدة عاد ليكتب عن الفردوس وعن دخول آدم الى هناك عندما قال هكذا : وكان الرب قد غرس من قبل فردوساً في عَدْنٍ ووضع هناك آدم الذي كان قد جبله.
ان عدن هي ارض الفردوس، وبقوله “من “قبل” يدل على ان الله كان قد غرسه في اليوم الثالث. ويشرح هذا ويقول بان الرب انبت من الارض كل شجرة شهية المنظر وطيبة المأكل 8 وليري بانه كان يتكلم عن الفردوس قال: وشجرة الحياة في وسط الفردوس، وشجرة معرفة الخير والشر.
[6] بعد ان تحدث عن الفردوس وفي اي يوم غُرس، وعن دخول آدم الى هناك، وعن شجرة الحياة ونظيرتها عاد ليكتب عن النهر الذي يخرج من داخل الفردوس والذي يُقسم الى اربعة فروع خارج الفردوس عندما قال هكذا: وكان نهر يخرج من عدن لسقاية الفردوس.
وهنا ايضاً يسمي ارض الفردوس الخصبة عدن لو كان النهر يسقي الفردوس لما قسم الى اربعة فروع خارج الفردوس أقولُ بانه ربما بالاستناد الى التقليد قيل “يسقي“، لأن اشجار الفردوس الروحانية لم تكن تحتاج الى سقاية مياه. لكن حتى وان كانت روحانية فانها تشرب من المياه المباركة والروحانية التي هناك؛ وحول هذه [النقطة] لن أجادل.
اما الانهر الاربعة التي كانت تتفرع من ذلك النهر فلم يكن طعم مياها يشبه طعم مياه الينبوع الرئيسي. فلو تغيرت المياه في اراضينا ووضعت كلها تحت حكم اللعنة، لتميز طعم ارض عدن المباركة عن طعم تلك الارض التي وضعت تحت لعنة العادل بسبب تجاوز آدم الوصية.
اما الانهر الاربعة فهي فيشون الذي هو دانوبيس، وجيحون الذي هو النيل، ودجلة وثم الفرات الذين نسكن بينها وبالرغم من ان الاماكن التي تنبع منها معروفة الا ان الينبوع الرئيسي غير معروف. ولأن الفردوس موضوع على ارتفاع عظیم فان الانهار ابتلعت حوله، وهبطت لداخل البحر كما لو من قناة عالية، وعندما اجتازت الى هنا داخل الأرض التي تحت البحر قذفت الارض [دانوبيس الذي هو فيشون] في الغرب، [وقذفت] جيحون في الجنوب، ودجلة والفرات في الشمال.
[7] وبعدما تحدث عن الفردوس وعن الانهار التي تتفرع منه عاد ليخبر عن دخول آدم الى الفردوس وعن الناموس الذي وضع له حينما قال: وأخذ الرب الاله آدم وأحله فى فردوس عدن ليفلحه ويحرسه.
لكن بماذا كان سيفلحه عندما لم تكن لديه آلات فلاحة؟ وكيف كان بامكانه ان يفلحه عندما لم يكن قادراً بذاته على فلحه؟ ولما كان سيفلحه عندما لم يكن هناك حسك وشوك، وكيف كان سيحرسه عندما لم يكن قادراً على احاطته، ومن ماذا كان سيحرسه عندما لم يكن هناك لصوص ليدخلوا اليه ؟ ان السياج الذي أقيم بعد كسر الوصية يشهد على انه لم يكن يلزمه حارس اثناء حفظ آدم الوصية.
لم يكن هناك شيء لآدم ان يحفظ غير الناموس الذي وُضِعَ له، وحتى لم يُكلف باي عمل غير ان يكمل الوصية التي أمرت له. فان كان [أحد يقول بانه] مع [حفظ] الوصية قد كلف بعمل هذين الأمرين فانني لن اعارض هذا الرأي.
[8] بعد ان تحدث عن دخول آدم الى الفردوس ولماذا أدخله [الله] عاد موسى ليكتب عن الناموس الذي وضع له حيث قال: وأمر الله آدم وقال له: من جميع شجر الفردوس تأكلُ ، وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل، لأنه في اليوم الذي تأكل منها موتا تموت.
لقد كانت هذه الوصيه سهلة، اذ اعطاه كل الفردوس ومنعه [فقط] من شجرة واحدة. ان كانت شجرة واحدة كافية لطعام شخص ما ومُنعت عنه اشجارا كثيرة، لكانت تلك الشجرة فرجاً لضيقه وقوتا لجوعه. اما ان كان الله قد منحه عدة اشجار بدلا من الشجرة الواحدة التي كانت تكفيه، فان كسرت الوصية [في هذه الحالة] فلن تكون بسبب الشدة لكن بسبب الاحتقار.
لقد منعه الله من شجرة واحدة وأحاطها الموت، فان لم يحفظ آدم الناموس لأجل محبة واضع الناموس فان الخوف من الموت الذي أحاط بالشجرة سيخيفه من التجاوز على الناموس.
[9] بعد ان تكلم موسى عن دخول آدم الى الفردوس، وعن الناموس الذي وضع له عاد ليكتب عن الاسماء التي وضعها للحيوانات عندما قال هكذا: وجبل الرب من الارض جميع حيوانات البرية وطير السماء، وجلبها الى آدم ليرى ماذا يسميها.
انها لم تُجبل جَبْلاً لأن الارض اخرجت الحيوانات، وأخرجت المياه الطير. لقد رغب موسى في ان يعلمنا عن هذه عندما قال بانه “جبل“، ومن تزاوج الارض والمياه ولدت جميع الحيوانات والزواحف والبهائم والطيور.
وقال موسى بان الله جلبها لآدم ليدل على حكمة آدم وعلى الأمان الذي بين الحيوانات وآدم قبل ان يخالف الوصية. وجاءت اليه الحيوانات كما تجيء الى راع محب، وكانت تمر من امامه دون خوف قطعانا قطعاناً حسب انواعها واجناسها.
لم تكن تخاف لا منه ولا من بعضها البعض. مر قطيع الحيوانات المفترسة وجاء بعده وبدون خوف قطيع الحيوانات الضحية.
[10] نال آدم اذا سلطاناً على الارض، وفي هذه اليوم أصبح سيدا على الكل استناداً الى البركة التي نالها ان كلمة الخالق تجسدت بشكل عملي واكتملت بركته بشكل فعلي في نفس اليوم الذي الذي تسلط فيه آدم على كل شيء، رغم انه سارع وتمرد على سيد الكل. ان الله لم يمنحه فقط سلطانا على كل شيء كما وعده، بل أضاف ومنحه ايضا ان يسمي الحيوانات باسمائها والتي لم يعده بها. لما كان الله قد فعل لآدم أكثر مما أراده آدم ، فلماذا يجرد الله آدم من تلك الاشياء لو لم يخطىء آدم؟
ان كان احد استنبط اسماء قليلة العدد فليس امراً عظيماً ان تحفظ هذه الاسماء في الذاكرة، لكنه أمر عظيم ومأثور للبشرية ان يستنبط انسان ما آلاف
الاسماء في ساعة واحدة ولا [يكرر الاسماء] باطلاقه على الآخرين نفس الاسماء التي اطلقها على الأولين من الممكن ان يطلق انسان ما اسماء كثيرة على انواع كثيرة من الحشرات والوحوش والبهائم والطيور، لكن عدم تسمية نوع ما باسم نوع آخر عمل يخص الله أو شخصا ما اعطيت له من الله.
فاذا كان الله قد منحه سلطانا وشاركه في الخلقة، والبسه المجد، ووهبه جنة، فاي شيء آخر كان على الله ان يضيفه لآدم ليحفظ آدم الوصية ولم يفعله؟
[11] بعدما تحدث عن جبلة الحيوانات وعن الاسماء التي نالت، عاد ليكتب عن نوم ،آدم وعن الضلع التي انتزعت منه وتكونت منها امرأة حيث قال هكذا ولم يكن لآدم معين له كمثاله ان موسى يسمي حواء معينا، فرغم وجود معينين له من بين الحيوانات والبهائم الا انه احتاج الى معين من بني جنسه ومثله. كانت حواء تهتم بالأمور الداخلية [التي في الفردوس] وبالاغنام والماشية والخيول والقطعان في البرية، وكانت تساعد آدم بالابنية والحضائر والصنايع التي كان يقدر عليها . اما الحيوانات فبالرغم من انها كانت مستعبدة لكنها لم تكن قادرة على مساعدته في هذه الامور. لأجل هذا صنع الله لآدم مساعدا لتهتم معه بكل شيء، وكانت تساعده بامور كثيرة.
[12] وأوقع الرب سكوتا على آدم ونام ، وأخد احدى اضلاعه وسد مكانها بلحم، وبنى الرب امرأة من الضلع التي اخذها من آدم، وجاء بها الى آدم،2 ان ذلك الرجل اليقظ والممسوح بالبهاء والذي لم يكن يعرف بعد ما هو النوم، سقط على الارض عارياً ونام. ويبدو ان آدم كان يتراءى له في منامه الشيء الذي كان يحصل له في اليقظة. ولما نُزع الضلع بطرفة عين وسد الله مكانها باللحم في غمضة جفن وتكونت الضلع المنزوعة بكل الصور وبكل الجمالات، جلبها الله من ثم الى آدم الذي كان كلا واحدا واثنين اذ كان واحدا لأنه كان آدم، وكان اثنين لأنه خُلق ذكراً وانثي.
[13] بعد ان تحدث عن سباته وعن الضلع التي نزعت وكونت منها امرأة وجاء بها الى آدم کتب موسى بان آدم :قال هذه المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي هذه تسمى امرأة لأنها من امرىء أخذت.
ان عبارة “هذه المرة” تعني هذه التي جاءت بعد الحيوانات، ولم تكن مثلها لأن الحيوانات تكونت من الارض “اما هذه فعظم من عظامي ولحم من لحمي“. ان آدم قال هذه [العبارة] اما كنبؤة او انه شاهدها وعلمها من رؤية في الحلم كما قلنا اعلاه.
ولأن كل الحيوانات قبلت منه اسماء انواعها في ذلك اليوم فان الضلع التي تكونت منها حواء] لم يسمها حواء باسم ذاتها، بل سماها امرأة هذا الاسم الذي اعطي لكل جنسها [ من النساء]. وبقوله لذلك يترك الرجل اباه وامه ويلتزم بامرأته ليلتحما ويصير الاثنان [جسداً] واحدا ” بدون انقسام، كما كانا من قبل.
[14] بعد ذلك قال موسى بأن الاثنين كانا عريانين ولم يخجلا. [ان عبارة ]“لم يخجلا” لا تعني انهما لم يعرفا ما هو الخجل. فلو كانا أطفالا كما يقول الغرباء، لم يكن موسى ليقول انهما كانا عريانين ولا يخجلان ، ولم يكن ليقول ايضا [ عبارة] “آدم” وامرأته ان لم يكونا شباباً ان الاسماء التي وضعها آدم للحيوانات تكفي لتقنعنا بما يخص حكمته.
وقوله “لكي يحرثه ويحرسه” يدل على قوة آدم؛ والناموس الذي وُضع لهما يشهد على مرحلة بلوغهما ، كما ان كسر الوصية يشهد على غرورهما. “ولم يخجلا” بسبب المجد الذي كانا يتوشحان. لكن بعد نزع المجد عنهما على اثر كسر الوصية خجلا لكونهما عريانين. وركض الاثنان لورق [الاشجار] ليغطيا، ليس جسدهما، لكن عوراتيهما.
[15] بعد ان تكلم عن عريهما المزين بلباس سماوي ولم يخجلهما عاد ليكتب عن خبث الحية عندما قال هكذا وكانت الحية أحيل من جميع حيوانات البرية التي خلقها الرب. وبالرغم من ان الحية كانت خبيثة الا انها كانت أخبث من الحيوانات العجماوات التي يديرها الانسان، وليس لانها فاقت بدهائها مستوى الحيوانات رفعت الى درجة الانسان انها كانت فقط أكثر ذكاءً من تلك الحيوانات التي ليس لها نطق، وداهية اكثر من الحيوانات التي ليس لها عقل. ولأن ليس للحية عقل الانسان لذلك واضح ليس لها حكمة الانسان ايضاً. ان آدم مفضل على الحية بالخلقة وبالنفس والعقل والمجد والمكان. وحتى بالدهاء ايضا فان آدم مفضل على الحية بدون حدود.
وكان آدم الذي عُيّن سيداً ومدبراً على الحيوانات، أحكم من جميع الحيوانات، وادهى من جميعها لأنه وضع اسماء لجميعها. كما ان اسرائيل لم يستطع ان ينظر في وجه موسی بدون حجاب، كذلك الحيوانات لم تكن تستطع النظر إلى بهاء آل آدم، اذ لما مرت الحيوانات من امام آدم في الوقت الذي اخذت اسماءها منه كانت عيونها مطرقة نحو الأرض، لأن عيونها لم تقدر ان تستوعب مجده. بالرغم من أن الحية كانت أدهى من الحيوانات فانها كانت غبية امام آدم وحواء المتسلطين على سائر الحيوانات.
[16] بعد ان تحدث عن دهاء الحية عاد ليكتب عن مجيء المحتال الى حواء عندما قال :هكذا وقالت الحية للمرأة: أحقا قال الله: لا تأكلا من جميع شجر الفردوس؟ بالنسبة لكلام الحية فاما ان آدم كان يعلم طبيعة لغة الحية او ان الشيطان تكلم بها او ان الحية سألت بعقلها وأعطي لها كلام، او ان الشيطان طلب من الله ان يُمنح الكلام للحية لفترة وجيزة. ان كلام المُجَرب لم يجعل المُجَرَبين يخطأا لو لم يكن جشعهما مساعدا للمُجَرب؛ ولو لم يأتِ المُجرب لكانت الشجرة قد أثارت لهما بواسطة جمالها صراعا مع جشعهما. كان جشعهما السبب في تمسكهما بنصيحة الحية. كان جشعهما مضراً بهما أكثر من نصيحة الحية لهما.
[17] وقال ان المرأة رأت ان الشجرة طيبة للمأكل وشهية للعيون، وبهية للنظر، فاخذت من فاكهتها وأكلت وان كانت قد غلبت بجمال الشجرة وبشهوة ثمارها، فانها لم تغلب بواسطة النصيحة التي دخلت سمعها بل انها خضعت للجشع المنطلق من داخلها.
وبسبب وضع وصية للمُجَرَبين كان على المُجَرب ان يأتي حالا. أعطى الله بنعمته لآدم كل ما في داخل وخارج الفردوس، ولم يطلب منه اي شيء لا بسبب خليقته ولا بسبب المجد الذي البسه.
لكن الله منع شجرة واحدة بعدالة من ذلك الذي منحه بنعمته كل ما في الفردوس والارض والهواء والبحار ، لأنه لما خلق آدم لم يجعله مائتا، ولم يجبله بدون موت، وبحفظه الوصية او بكسرها سيقتني آدم من احدى الاشجار الشيء الذي كان يرغب [الحياة ام الموت].
لقد خلق الله شجرة الحياة وحجبها عن آل آدم اولاً لكي لا تصارع معهما بجمالها وتزيد من جهادهما، لذلك لم يكن لائقاً بسبب المكافأة التي أمام أعينهما ان يحترسا من وصية ذلك الذي لم يكن مرئياً. ورغم انه منحهما كل شيء بنعمة، الا انه اراد اي يعطيهما بعدالة حياة غير مائتة من خلال أكل شجرة الحياة.
لذلك وضع الله لهما وصية، ولم تكن وصية كبرى بالنظر الى المكافأة الممتازة التي أعدها لهما، إذ منع عنهما شجرة واحدة لتكون كافية ليكونا تحت الوصية. لقد منحهما الله كل الفردوس لكي لا يضطرا الى كسر الوصية.
[18] كان هناك حاجة لمُجَرب كما قلتُ. لذلك لم يُسمح للشيطان ان يرسل اي من الملائكة او اي من السرافيم او الكروبيم الى آدم. ولم يُسمح للشيطان ان يأتي الى آدم في الجنة لا في مظهر انساني ولا في رؤية الهية كما جاء بها الى ربنا على الجبل . ولم تأتي لآدم وحواء الحيوانات العظيمة والمشهورة اي بهموت أو لويتان، ولم تأتي من الحيوانات الاخرى، أو من البهائم المسالمة لئلا تحصل ذريعة بواسطتها لآدم وحواء لكسر الوصية. لكن سمح للحية ان تأتي إليهما، إذ رغم كونها ماكرة الا انها كانت حقيرة وخسيسة بدون حدود.
ان الحية التي جاءت لم تصنع عجائب حقيقية [لتصدق] ولم تلفق حتى اية رؤية كاذبة، لكنها جاءت لوحدها ذليلة مطروقة العينين لانها لم تستطع النظر الى بهاء ذلك الذي كانت ستُجربه. ولم تأتي لآدم بسبب خوفها لكنها جاءت لحواء كي تسارع في اطعامها من الشجرة التي مُنعت عن الاكل منها. وحواء لغاية الآن لم تذق من الوف وربوات الشجر التي مُنحت لها ؛ انها لم تذقها ليس لانها صائمة، لكن لم يكن قد سيطر عليها الجوع ،بعد ، لأنها كانت قد خُلقت لتوها.
ولم تمنع الحية ابدأ من المجيء بسرعة لأن سرعة الحية كانت ضد الحية. في الوقت الذي خلقت فيه حواء لم تكن تعرف ما هو الجوع، ولم تتعذب لغاية الان من الصراع الناشيء من جمال الشجرة؛ ولأنها لم تشعر بالجوع ولم تدخل في صراع بخصوص جمال الشجرة، لذلك لم تمنع الحية لتكون المحرض لها.
لو انتصرت حواء في حرب اللحظة وفي المعركة القصيرة الامد لنالت الحية وذلك الذي داخل الحية ايضا القصاص الذي حل عليهما، ولأكلت حواء مع زوجها من شجرة الحياة ولعاشا الى الابد. ومع الحياة الموعودة التي حصلا عليها بواسطة العدالة، لكان لهما بالعدالة كل ما اعطي لهما سابقا بواسطة النعمة.
اسرع المجرب بالمجيء اليهما ولم يُمنع. لقد جاء كمجرب في الوقت الذي أعطيت الوصية ليعلما بانه المجرب وليحتاطا من حيلته. لذلك جاء واعطاهما نصيحة كبرى [ ليأكلا من الشجرة] وهو الذي لم يستطع ان يمنح نفسه اسما صغيراً.
[19] ان ذلك الذي كان في الحية قال للمرأة بواسطة الحية: أحقا قال الله: لا تأكلا من جميع شجر الفردوس؟ علينا ان نفهم لو انهما منعا من جميع الاشجار كما قالت الحية لكانت الوصية كبيرة. لكن لأنهما أوصيا العكس كما لو لم تكن هناك وصية لأنها كانت وصية صغيرة، اعطيت لهما لمدة يسيرة قبل ان يغادر المجرب من عندهم.
ردت حواء وقالت :للحية من ثمر شجر الفردوس نأكل، ومن ثمر الشجرة التي في وسط الفردوس قال [الله] لا تأكلا منه ولا تقتربا منه لئلا تموتا. ولما سمعت الحية، و[سمع] ذلك الذي في داخل الحية، بان جميع شجر الفردوس مُنحت لطعام آدم وحواء، ومنعت عنهما شجرة واحدة فقط،، ظنت الحية والذي في داخلها بانهما يلبسان العار لأنهما علما بعدم وجود مجال لاعطاء النصيحة لأدم وحواء
[20] ونظر المُجرب الى وصية الأمر، اذ ان آدم وحواء لم يأتمرا فقط ان لا يأكلا من الشجرة لكن عليهما ان لا يقتربا منها ايضا. وعلمت الحية بان الله قد حذرهما سابقا من النظر الى الشجرة لئلا تسبيهما بجمالها. لأجل هذا حرضت الحية حواء للنظر الى الشجرة عندما قالت لن تموتا، لكن الله يعرف أنكما تأكلان من ثمر تلك يوم الشجرة تنفتح أعينكما وتصيران مثل الله تعرفان الخير والشر. لكن حواء اهملت التفكير في كلمات الحية التي كمجرب قالت عكس ما قاله الله. ولم ترد على الحية وتقول : كيف ستنفتح عيوني وهي غير مغلقة؟ وكيف سأعرف الخير من الشر من خلال أكل الثمر، ها ان الثمر موجود لدي قبل ان أكل؟ لقد اهملت حواء هذه الامور التي كان ينبغي ان تصد بها الحية، وعملت حسب مشيئة الحية فنقلت نظرها من الحية التي امامها وأخذت تنظر الى الشجرة التي أمرت أن لا تدنو منها.
اما الحية فقد سكتت لأنها أحست بان حواء ستندحر حالا. ولم تكن نصيحة الحية التي دخلت اذن حواء وحثتها لتأكل من الشجرة هي التي استغوتها كثيرا لتقطف وتأكل من ثمارها، بل نظرها الذي وجهته نحو الشجرة.
كان بامكان حواء ان تقول للحية إن لم ار فكيف يمكن ان ارى كل ما يُرى؟ وان لم اعرف الخير من الشر فكيف بامكاني ان اميز نصيحتك ان كانت خيرة او شريرة؟ وكيف لى ان افهم بان الالوهية خيرة وانفتاح العيون حسن؟ و من این استدل بان الموت سيئ؟ واذا كانت هذه الامور عندي فلماذا جئتِ لعندي؟ ان مجيئكِ لنا يشهد عن الامور التي توجد لدينا. لذلك وبواسطة النظر الذي املك وبمقدرة تمييزي بين الخير والشر، سأفحص نصيحتك وان كنتُ سأقتني هذه الامور التي تنصحينني بها فأين دهاؤكِ كله الذي لم يستطع الوقوف في وجه حيلتك ؟ لم تقل حواء هذه الامور الى الحية لتفحمها، بل ركزت نظرها نحو الشجرة لتعجل في هزيمة ذاتها.
وعندما تبعت شهوة عينيها وهي تتشوق للالوهية التي وعدتها بها الحية، قطفت بدون علم زوجها وأكلت واعطت ثم لزوجها وأكل معها. ولأنها صدقت الحية لذلك اكلت هي أولا وهي تنتظر أن تتوشح بالالوهية امام ذلك [آدم] الذي انفصلت عنه كامرأة. سارعت وأكلت قبل زوجها لتصبح رأسا لرأسه، ولتتمكن من اعطاء الامر لذلك الذي كان يأمرها، ولتصبح أقدم عهدا بالالوهية من آدم الذي كانت اصغر منه في البشرية.
[21] وعندما أكلت ولم تكبر أو تصغر، ولم تقتني انفتاح العيون، ولم تحصل على الالوهية التي كانت تترقبها، ولم تجد انفتاح العيون الذي يأخذها للفردوس. أخذت [من الثمر] لزوجها وأطعمته بعد توسل كثير، رغم انه لم يُكتب بانها توسلته بعد ان اكلت حواء لم تمت كما قال الله، ولم تحصل على الألوهية كما قالت الحية. ولو انها جُردت من لباسها لكان آدم قد خاف وما أكل، وبرغم ان آدم لم يدان حيهنا لانه لم يأكل الا انه لم ينتصر لانه لم يُجَرَب، ولكان عري زوجته قد منعه من الاكل وليس حبه او خوفه من صاحب الوصية. ولما كان ادم يُجرب حينها باغراءات حواء كما هي جُربت بنصيحة الحية، دنت حواء وأكلت ولم تعرى.
[22] عندما خدعت آدم واطعمته قال الكتاب المقدس: لذلك انفتحت أعين الاثنين وعرفا انهما عريانان ان أعينهما انفتحت لا لكي يصيرا مثل الله كما قالت الحية لهما، لكن ليريا عريهما كما كان العدو [الحية] يتوقع.
كانت عيونهما مفتوحة ومغلقة بآن واحد]: مفتوحة لأنها كانت تشاهد كل شيء، ومغلقة لأنها لم تشاهد شجرة الحياة وعريهما. لقد حسدهما العدو لأنهما من بين كل [المخلوقات] التي على الارض كانا مفضلين بالمجد والمنطق، ولأنهما وحدهما وعدا بالحياة الابدية التي تعطى من شجرة الحياة. ومن هذه الامور التي كانت لآل آدم ومن الامور التي كانا سينالانها، حسدهما العدو وتحيل، وفي صراع اللحظة أخد منهما الامور التي لم يكن ينبغي لهما ان يضيعاها حتى في صراع عظيم.
[23] لو رفضت الحية مع الخطيئة لكان آدم وحواء قد اكلا من شجرة الحياة، وما مُنعت عنهما شجرة المعرفة، ولكانا قد حصلا على معرفة غير ضالة من احدى الشجر ونالا حياة لا تموت من الشجرة الاخرى. ولكانا قد نالا الالوهية مع الانسانية وحصلا في جسمهما على معرفة غير ضالة وحياة غير مائتة. هكذا وبنصيحة الحية توقف عنهما كل الشيء الذي كان سيصبح لهما. لقد أوهمتهما الحية بانهما سينالان كل شيء بكسر الوصية، لكن الوصية ستكسر ولن ينالا ما كانا سينالانه بحفظ الوصية.
ان الحية منعتهما من الحصول على الألوهية من خلال الالوهية التي وعدتهما ،بها وجعلتهما هكذا لئلا ثضاء اعينهما بوعد شجرة الحياة وهما اللذان وعدا من شجرة المعرفة بفتح العيون.
لو ان آدم وحواء رغبا وتابا بعد كسر الوصية، وبالرغم من انهما ما كانا سيأخذا الشيء الذي كانا يقتنياه قبل كسر الوصية، الا انهما كانا سينجيا من اللعنات التي فرضت على الارض وعليهما. لقد تأخر الله عندما نزل اليهما [ليمنحهما فرصة ] ليؤنبا بعضهما البعض وليطلبا الرحمة حين يأتيهما الديان. لم يتأخر مجيء الحية لئلا تثقل معاناتهما من منظر الشجرة الجميل. تأخر الديان وجاء ليعطيهما مجالا لتحضير دعوتهما للتوسل ان سرعة المُجرب لم تساعدهما بالرغم من ان اسراعه نحوهما كان لاجل إسداء المساعدة ولم يستفيدا من تأخر الديان بالرغم من ان تأخره كان لنفس الغاية.
[24] وسمعا صوت الرب يمشي في الفردوس عند انحدار النهار، واختبأا من امام الرب بين شجر الفردوس. ان الله لم يرد ان يساعدهما في طول الاناة التي منحهما فقط، بل اراد ان ينفعهما ايضا حتى في صوت رجليه. ان الله صنع صوتا لخطواته الصامتة لكي يتهيأ آدم وحواء بواسطة الصوت وليتضرعا امام مرسل الصوت. ولما لم يأتيا ليراه بتضرع، لا من خلال تأخره ولا من الصوت الذي أرسل ،امامه اضاف الله واستعمل صوت الشفاه كما استعمل صوت الخطوات وقال اين انت يا أدم؟ 2 لكن بدلا من ان يعترف آدم بحماقته ويطلب الرحمة قبل ان يصدر بحقه الحكم قال: “سمعت صوتك في الفردوس فخفتُ ، وعندما رأيتُ بانني عريان اختبأت”.
ان صوت الاقدام الذي جاء قبل الله ، والذي كان سينكشف في العقوبة على آل آدم رمز الى صوت يوحنا [المعمدان] الذي كان مزمعاً ان يأتي قبل الابن الذي يمسك الرفش بيديه ليطهر أهراءه ويحرق التبن بالنار، وينقي الحنطة لادخالها للمخاز.
[25] سمعت صوتك فاختبأت. متى سمعت صوته كما سمعته الان؟ اذ عندما جبلك وأدخلك الفردوس، وعندما رمى عليك السبات ونزع ضلعك وكون المرأة وجلبها لك، لم تسمع صوته فان سمعت صوته مجددا، فينبغي ان تفهم الآن ان صوت خطواته مُنح لاقدامه لأجل تضرع من شفتيك. قل الله الان قبل ان يسألك عن مجيء الحية وعن تجاوزك وتجاز حواء، فعسى اعتراف شفتيكما يغفر لكما من خطايا الثمر الذي قطفت اصابعكما . لكن آدم وحواء رفضا ان يعترفا بالشيء الذي فعلا، بل اخبرا عارف الكل عن الشيء الذي حصل لهما.
[26] أين أنت يا آدم؟ أفي الالوهية التي وَعَدَتْكَ بها الحية؟ أم انك تحت [حكم] الموت الذي أصدرته عليك؟ حبذا لو انتظرت بخصوص تناول الثمر! تأمل بهذا يا آدم إذ بدلا من الحية المحتقرة من جميع [المخلوقات] والتي أتت اليك كان ملاك أو اله آخر سيأتي اليك؟ أكان لائقا لك ان تحتقر أمر ذلك [الله] الذي منحك كل هذه الامور وتطيع نصيحة تلك [الحية] التي لم تفعل لك لغاية الآن اي خير بشكل عملي ؟ أتعتبر ذلك الذي جبلك من لا شيء وجعلك إلها ثانيا على الخليقة شريراً، وتعتبر خيراً تلك التي وعدتك فقط كلاما جميلا؟
ولو ان إلها آخر جاء إليك في قوة ألم ينبغ ان ترفض نصيحته؟ فكيف اذا بالنسبة للحية التي أتت اليك بدون قوات وبدون معجزات بل تحدثت إليك فقط بمجرد كلام؟ لقد انكرت الهك وصدقت الذي غشك ، خنت صانع خيراتك الذي جعلك حاكما على كل شيء وصدقت تلك المحتالة التي مكرت لتجردك من سلطتك كلها.
لو مُنعت الحية من المجيء الى آدم لتجربه، لكان الذين يلومون اليوم مجيء الحية، سيلومون الوضع [بحجة ان] الحية مُنعت عى المجيء. وكانوا سيقولون بان الحية منعت من المجيء [الى آدم] بسبب الحسد، وان آدم حينها كان سيحصل على حياة ابدية بعد تجربة سريعة. وهؤلاء الذين يقولون لو لم تأتِ الحية ما أخطأ آدم كانوا سيقولون لو اتت الحية ما كان آدم قد أخطأ. وكما يتوهم الذين يعتقدون بانه حسن يفعل هؤلاء الذين يقولون لو لم تأت الحية ما أخطأ آل آدم ولكانوا قد توهموا اكثر بأنهم يفعلون حسنا عندما يقولون لو أتت الحية ما أخطأ آل آدم. ومن كان سيصدق ان لم تحصل هذه، بان آدم كان سيصغي الى حواء وان حواء كانت ستقتنع من الحيوان الزاحف؟
[27] سمعت صوتك فخفت واختبأت ولأن آدم أهمل ما كان مطلوبا منه ليقول، وقال بدلا عنه ما كان غير مرغوبا للقول وبدلا ان يعترف بما فعله حيث كان سينفعه، روى الشيء الذي جرى له وحيث لم ينفعه. فقال له الله: من عرفك انك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تأكل منها؟ هل شاهدت عورتك من خلال النظر الذي اكسبتك الشجرة والذي وعدك اياه منظر الألوهية المجيد؟
أهمل آدم ثانية ليعترف بحماقته ولام المرأة نظيرته [قائلا]: المرأة التي اعطيتني معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلتُ لستُ أنا الذي دنوت من الشجرة، ولم تتجرأ يدي لتمتد نحو الثمر. ولأجل هذا حتى الرسول ايضا يقول: ان آدم لم يخطىء لكن حواء تجازوت الوصية. 2 واذا كان الله قد أعطاك المرأة يا آدم، فانه اعطاها لك كمساعدة وليس كمؤذية، وكمأمورة وليس كآمرة.
[28] ولما لم يرغب آدم للاعتراف بحماقته نزل الله بسؤال الى حواء وقال لها: ما هذا الذي فعلت؟ وبدلا من ان تتضرع حواء بواسطة دموعها وتأخذ الخطيئة على عاتقها وعسى ان يشملها وزوجها الغفران لم تجب ان الحية نصحتني أو أغوتني، لكنها قالت ببساطة: أن الحية خدعتني فأكلت.
[29] ولما سُئلا كلاهما وتبين انهما لم يندما ولم يقدما اعتذارا صادقا، نزل الله نحو الحية لا ليسألها انما ليعاقبها لما كان هناك مجال للتوبة استعمل الله طريقة الاستجواب، لكنه استعمل القصاص مع التي لا تعرف ما هي التوبة [الحية]. ولكي تعلم [ايها القارىء] بان الحية ليس لها امكان للتوبة قال لها الله بما انكِ فعلت هذا فأنتِ ملعونة من بين كل البهائم، ان الحية لم تقل: انني لم افعل هذا لأنها كانت تخاف ان تكذب، ولم تقل اني فعلت هذا لانها لا تعرف التوبة. ملعونة أنتِ من بين كل البهائم، لأنكِ خدعت المتسلطين على كل البهائم.
وبدلا من ان تكوني أدهى من كل الحيوانات تصبحين ملعونة من كل الحيوانات وعلى بطنك تسيرين [ تزحفين] لانكِ أدخلت أوجاع الولادة [الطلق] على جنس النساء، وتراباً تأكلين كل ايام حياتكِ لأنكِ حرمتِ آل آدم من طعام شجرة الحياة. وأقيم عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلكِ ونسلها، لأنكِ بحبكِ المزيف [لها] خدعتيها واخضعتيها للموت هي ونسلها.
وثم بين لنا الله العداوة المصنوعة بين الحية والمرأة، وبين نسل الحية ونسل المرأة عندما قال: وهو يدعس رأسكِ، اي ذلك الذي يريد ان ينجو من استعباد نسلها [للموت]، وأنتِ تضربينه، ليس باذنه انما بعقبه.
[30] بالرغم من ان الحكم الذي صدر بحق الحية صدر بالحق، لانه من حيث يبدأ الاثم الى هناك يعود القصاص ايضا، الا ان الموضوع كله بدأه الله من هذا [المخلوق] المنبوذ بهدف انه عندما تهدأ العدالة غضبها على هذا [المخلوق] فان آل آدم سيخافون ويتوبون، وسيكون هناك مجال للنعمة [الالهية] لتحفظهم من لعنات العدالة وعندما لعنت الحية ولم يتضرع آل آدم جاء الله بالقصاص. جاء [اولا] الى حواء لانه بواسطتها انتقلت الخطيئة الى آدم.
أصدر الله الحكم على حواء وقال: أزيد أوجاعك وحبلك كثيرا، وبآلام الحبل تلدين الاطفال بالرغم من انها كانت تلد لاجل بركة الولادة التي تلقتها مع كل الحيوانات الاخرى الا انها لم تلد كثيرا لان الذين ولدتهم كانوا سيبقون بدون موت كان بالامكان ان تُحفظ من آلام ولادتهم ومن عار تنشأتهم، ومن النواح عند موتهم والى زوجك تردين” للمشاورة وليس لاعطائه المشورة، “وهو يسود عليك” ، لأنكِ اعتقدت انه بأكل الثمرة ستسودين عليه.
[31] بعد ان أصدر الحكم على حواء ولم يصدر أي ندم من آدم التفت الله نحو آدم بعقاب قائلا: لأنك أطعت كلام امرأتك وخدعت لتأكل من الشجرة التي قلتُ لكَ ان لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك . بالرغم من ان الارض لم ترتكب اي اثم الا انها ضربت بدلا من آدم ان الله بلعنه تلك [الارض] التي لا تعاني جعل آدم القابل للآلام ان يعاني من خلال عملية لعن الارض لعن ذلك الذي لم يلعن. ان آدم لم ينج من العقاب الذي نالته الارض من خلال اللعنة. لقد اصدر الله الحكم عليه قائلا: “بالآلام تأكل كل ايام حياتك “ بعد الوصية. ان الارض التي كنت ستأكلها بدون آلام بحفظك للوصية، ستنبتُ لك شوكا وحسكا من بعد الخطيئة، لو لم تكن الخطيئة لما انبتت الارض لك هؤلاء. ستأكل عشب الحقل لانك بسبب اغراء امرأتك الصغير نبذت فواكه الفرودس الشهية. وبعرق وجهك ستأكل الخبزة لأنه لم يحلُ لك ان تتنعم في الجنة بدون كد. وستحصل لك هذه الامور الى ان تعود الى الارض التي أخذت منها ، لأنك احتقرت الوصية التي كانت ستمنحك حياة ابدية بواسطة ثمر شجر الحياة التي سُمح لك أكلها. ولأنك من التراب ونسيت ذلك فستعود لترابك، ومن خلال انحطاطك ستستدل على ماهيتك.
[32] وكذلك الشيطان، الذي خُلق مع الهاوية التي في داخله في تلك الايام الستة، فقد كان حسنًا لغاية اليوم السادس مثلما كان آدم وحواء جميلين لغاية الوقت الذي تجاوزا فيه على الوصية. ومثلما اصبح الشيطان شيطانا بالخفاء في هذا اليوم [السادس]
كذلك ايضا بالخفاء حُكم وشجب ان الله لم يشأ ان يعلن حكمه على الشيطان امام هؤلاء اللذين لم يحسا بتجربته لهما ؛ ان المرأة قالت: بأن الحية اغوتني وليس الشيطان.
لذلك حُكم الشيطان خفية ، وشجبت من خلاله كل اجناده، ولأن الخطيئة كانت عظيمة فان ادانة أي منهما لوحده ستكون عقابا صغيرا. مثلما تقررت آلام الحبل على حواء وبناتها، ومثلما تقررت الاشواك والموت على آدم ونسله، ومثلما حُكم على الحية بان تسحق مع كل نسلها، كذلك حُكم على ذلك الذي في الحية [الشيطان] ان يذهب الى النار مع كل اجناده ان ربنا كشف في العهد الجديد ما كان مخفياً في العهد القديم عندما قال ان حكم اركون هذا العالم هكذا هو، فانه أدين.
[33] بعد ان تحدث عن العقوبة التي نالها المُجرب والمُجَرَبين كتب موسى ان الرب صنع لآدم وامرأته ثيابا من الجلد وألبسهما. اما تلك الثياب فهل كانت من جلد الحيوانات او انها خلقت خلقا مثل الاشواك والحسك التي خلقت من بعد ان انتهت اعمال الخلقة؟ ولأنه قيل ان الرب صنع وألبسهما يبدو انه عندما وضعا اياديهما على ورق الشجر [التي غطيا فيها عورتهما] وجدا انفسهما لابسين ثيابا من جلد لكن هل قتلت حیوانات امامهما لكي يقتاتا من لحمها، ويغطيان بجلدها عريهما، وبموتها [الحيوانات] يريا موت اجسادهما.
[34] بعد ان انهى هذه الامور :قال وصار آدم كواحد منا يعرف الخير والشر في القول بان آدم صار” كواحد منا ، لم يكشف سر الثالوث فحسب بل استهزأ بأدم لأنه قيل له ستكونا كألهة عارفين الخير والشر.
لكن بالرغم من ان آل آدم عرفا كلا الامرين من أكل الثمر لكنهما قبل ان يأكلا الثمر كانا فعلا قد احسا بالخير فقط، وسمعا عن الشر سمعا فقط. لكن بعد ان أكلا حصل التغيير إذ سمعا عن الخير: سمعاً وذاقا الشر فعلاً. لقد زال منهما المجد الذي كانا يتوشحان به وتسلطت عليهما الاوجاع التي كانت بعيدة عنهما.
[35] والان لئلا يمد يده ويأخد ايضا من شجرة الحياة، فيأكل ويعيش للابد.3 اذا كان آدم قد تجرأ وأكل من الشجرة التي أمر ان لا يأكل منها ، فكم بالحري كان عليه ان يركض الى الشجرة التي لم يُمنع منها؟ لكن حكم عليهما ليكونا بالتعب والعرق وبالاوجاع وآلام الولادة. لئلا يأكلا من الشجرة ويعيشا معذبين للابد في تلك الحياة، منعهما الله من ان يأكلا منها لما كانا متوشحين باللعنة ذالك (الله) الذي كان حاضرا ليعطيهما لما كانا محفوظين من اللعنة ومتوشحين بالمجد.
وفعل الله كذلك لئلا تتحول الموهبة المحيية الى شقاء وتشق عليهما أكثر هذه التي اخذاها بواسطة شجرة الحياة من تلك التي اقتنياها بواسطة شجرة المعرفة. فمن احدى الشجر نالا آلام العصر اي اوجاع ذلك الوقت التي جعلها لهما ابدية، ومن الشجرة الاخرى نالا الموت الذي يحل منهما قيود ،آلامهم، أي انه يجلعهما مدفونين في حياتهم ويتركهما معذبين باوجاعهما للابد منعهما اذا من شجرة الحياة لأنه ليس موجبا بان تعطى لهما حياة التنعم في ارض اللعنات وان يجدا حياة ابدية في العالم الفاني لكن لو أكلا لحصل احد الامرين اما ان يُكَذب حكم الموت، او تنكر مقدرة الشجرة على اعطاء الحياة. لذلك ولئلا يبطل حكم الموت وتُكَذِّبُ مقدرة اعطاء الحياة لدى شجرة الحياة ابعد الله آدم من هناك لئلا يجلب الخسارة على نفسه كما تضرر من شجرة المعرفة. أرسله اذا لفلاحة الأرض التي أخد منها، ليعود ويستفيد من تعب الارض ذلك الذي تضرر من راحة الجنة.
[36] عن اخراجه من الفردوس كتب موسى ان الله اقام في شرقي فردوس عدن ملاكا [ كروبيم) وسيفا حادا يرتد [لكل الاتجاهات] الحراسة الطريق المؤدية الى شجرة الحياة. وكان سياجه حياة يسير من تلقاء نفسه بكل الاتجاهات لحراسة طريق شجرة الحياة من كل الذين يتجرأون ويريدون قطف ثمره لأنه سيقتل بحافة سيفه اي [كائن] مائت ليسرق حياة خالدة.