الخلفية اليهودية لصلوات السواعي 

أساسيات الخدمة الليتورجية اليهودية 

لا زالت الآراء سجالاً بين علماء الليتورجيا فيما يختص بالأساسيات التي تنبني عليها الخدمة الليتورجيَّة اليهودية، ونظام الصلوات في المجمع اليهودي، في زمن السيد المسيح، باستثناء نظام العبادة في هيكل أورشليم والذي تتفق حوله الآراء. 

ويبحث علماء الليتورجيا عن إجابات شافية لأسئلة حائرة تدور حول هذا الموضوع. ومن بينها: هل كانت الخدمات الليتورجية في المجامع اليهودية Synagogues يوميَّة أم تختص ببعض أيام الأسبوع دون غيرها؟ وإن كانت يوميَّة فأي السَّاعات بالتَّحديد تختص بمثل هذه الخدمات الليتورجيَّة؟ وماذا كانت بنيتها الأساسية؟. 

هذه أسئلة لازالت قيد البحث، ولم تنل حقها في الإجابة عليها بتحديدات قاطعة هذا من جهة ومن جهة أخرى، ماذا كان تأثير العبادة اليهوديَّة ونظامها على تطور نظام العبادة المسيحية في كنيسة العهد الجديد؟ وهل هناك ثمة رابطة مباشرة بينهما؟ لقد تطلبت الإجابة على هذه التساؤلات من الشرَّاح جهداً كبيراً بين مؤيد ومعارض. 

إن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن المسيحيين الأوائل من أصل يهودي كان لهم نفس بنيّة الصَّلوات ونفس ،أوقاتها، كما كان يمارسها اليهود المعاصرون لهم، ولكن بأسلوبها المسيحي، وبمفهومها الخلاصي الذي صار في العهد الجديد. حتى أنه يتعذر على المرء أحياناً أن يفرق فيما إذا كان الذي يراه أمامه هو مجمع يهودي أم كنيسة مسيحيّة ناشئة

وكانت صلوات الصَّباح والمساء أهم ساعات الصلاة في الخدمة الليتورجية اليهودية، وهو ما صار بالفعل في الكنيسة المسيحية. وبالطبع فإن موضوعات ونصوص بعض صلوات العهد القديم قد شكلت جانباً الصَّلوات المسيحيّة منذ البداية، ولكن غموضاً لا زال يكتنف الأمر من وراء هذا التعميم

الصَّلوات اليهودية ونظامها في القرن الأول المسيحي 

قبل انفصال الكنيسة عن المجمع اليهودي، وقبل خراب هيكل أورشليم الذي حدث سنة ٧٠م نعلم أن المسيحيين المنحدرين من أصل يهودي في فلسطين كانوا يشاركون في الصَّلاة مع اليهود في المجامع، وفي الهيكل بأورشليم. بينما كان المسيحيون من أصل يوناني (أي من غير فلسطين) ينظرون إلى نظام العبادة في الهيكل كأمر يلزم تجنبه. ورسالة القدِّيس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس تعتبر وثيقة لنظام العبادة عنــد المسيحيين من أصل أممي. وهي في ذلك أقدم وأهم وأوضح مصدر للعبادة المسيحية في العهد الجديد. والأصحاح الحادي عشر من نفس الرسالة يختص بنظام هذه العبادة في عشاء الرَّب. أما الأصحاح الرابع عشر منها فيعتبر بحق النَّص الحقيقي لمضمون هذه العبادة المسيحية، إذ يصف الاجتماعات بما تحوي من تكلم بألسنة ورؤى وإعلانات ونبوات وتعليم وترتيل للمزامير وصلوات بركة وصلوات شكر، بل وصيغ محددة من هذه الصلوات مثل: ”مارانا ثا“، ”آمین“. 

كذلك أعطت بعض الرسائل الأخرى صيغاً أخرى، ولكن مع ذلك فإنه يبدو من غير الممكن الربط بين هذه المعطيات وبين ما عُرف فيما بعد باسم صلوات السَّواعي Liturgy of Hours إلا من خلال نظرة عامة تربط بينهما فحسب.  

أما التباين في الآراء بخصوص أوقات الصلوات اليهودية في هذه الفترة فمرجعه أن العبادة اليهودية في القرن الأول المسيحي كانت بعيدة عن تكون عبادة موحدة تُمارس في كل مكان، نظراً لوجود مدارس فكرية كثيرة، فريسيون وصدوقيون وأسينيون فضلاً عن المسيحيين الأوائل الذين كانوا إما من أصل يهودي أو يوناني. 

ولما كان شكل الليتورجيَّة اليهوديَّة غير محدد المعالم في هذه الفترة، فلا نستطيع أن نسلم بوجود رباط واحد أو نموذج واحد لنظام تقديم الذبيحة الصَّباحية أو المسائية في الهيكل . أما الصلوات الخاصة التي كانت تُقدَّم في الهيكل في هذا الوقت عينه، أي في وقت تقديم الذبيحة، فقد كانت هي النواة التي نشأت على غرارها خدمتا الصَّباح وا والمساء الرئيسيتان في الكنيسة المسيحيّة . ثم أضاف الربيون ساعة صلاة ثالثة في الهيكل في وقت الساعة التاسعة. وأضاف الأسينيون إلى هذه الساعة كما فعل جماعة الثيرابيوتا Therapeuta قبلهم – تسابيحاً – من سفر دانيال (١٠)، ومزمور (١٧:٥٦/٥٥ونبوة أخنوخ الثانية (٤:٥١) . ولدينا شهادات من العهد الجديد عن وجود هذه الأوقات الثلاثة في خدمة الهيكل اليهودي : الصَّباحية ونصف النهارية والمسائية

ولقد تركزت الصَّلوات اليهوديَّة المبكرة في ثلاثة أماكن رئيسية هي الهيكل، والمجمع، والبيت. وهو ما سنعرض له في السطور التالية. 

١ – هيكل أورشليم 

معروف أن هناك ذبيحتان كانتا تقدَّمان يومياً في الهيكل، واحـــدة صباحاً والأخرى مساء. أي أن خدمة الصَّلاة اليهودية في الهيكل كانت مرتين في اليوم، إذ كان تقديم الذبائح مقترناً بصلوات طويلة. أما كتاب العهد الجديد فيخبرنا بأن المسيحيين الأوائل كانوا يباركون الله باستمرار في الهيكل “وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله(لوقا ٥٣:٢٤)، وأيضاً “وكانوا يواظبون كل يوم في الهيكل بنفس واحدة(أعمال ٤٦:٢). وهكذا صار هيكل أورشليم هو أول مكان اجتمع فيه المسيحيون الأوائل لتقديم صلواتهم، حتى وإن كانت هذه الصلوات المسيحية في شكل وطقس العبادة اليهودية، ولكن ليس بروحها وعهدها الذي شاخ. 

أما العالم الليتورجي الأب برادشو Bradshaw فله رأي آخر، إذ يرى أن ما ورد في سفر الأعمال عن كراز الرُّسل بالمسيح بين اليهود في هيكل أورشليم يوضح لنا أن هؤلاء المسيحيين الأوائل كانوا يجتمعون في رواق سليمان كجماعة منفصلة ليكرزوا بيسوع أنه هو المسيح، لهذا كانوا يُضطهدون من اليهود الآخرين. 

وعلى كل حال يمكننا القول بتحفظ بأن مسيحيي أورشليم الأوائل قد نقلوا ببساطة نظام العبادة اليهودي من الهيكل مع نصوص الصلوات التي تقال فيه دون إضافة أو تعديل لتصبح هي ممارستهم المسيحية الأولى ونظام عبادتهم

٢ – المجمع اليهودي 

ليس واضحاً تماماً مما كانت تتكون الصلوات المجمعية المشتركة خلال القرن الأوَّل المسيحي، أو كم يوماً في الأسبوع تُعقد فيهــا هــذه الاجتماعات. ولكن يبدو لنا وجود خدمات مجمعيَّة عامة في أيام محددة من الأسبوع، وهي على الأقل يومي الاثنين والخميس، بالإضافة إلى يوم السبت طبعا ً. 

ويقترح العالم الليتورجي بيكويد Beckwith نموذجاً من أربعة اجتماعات: صلاة الصباح، وصلاة إضافية في أي ساعة من ساعات النَّهار، وصلاة بعد الظهر، وصلاة المساء. 

أما يوم السبت ففيه اجتماع للصَّلاة في الصَّباح وآخر بعد الظُّهروتحوي خدمة الصَّباح ترتيل كل من الـ “شيما – Shema”، و”تيفيللا – Tefilla “بالإضافة إلى قراءة من التَّوراة وفصول أخرى من الأنبياء. 

والشيما أو الشَّمع أو السَّماع، هي قانون العقيدة عند اليهود، وهي: “اسمع يا إسرائيل، الرَّب إلهنا ربِّ واحد فتحب الرب إلهك مـن كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك …،، وهي تتكون من ثلاثة أجزاء من أسفار موسى الخمسة، بالإضافة إلى الوصايا العشر. وهذه النصوص الكتابية لهذا القانون تسبقها صلاتان للبركة والشكر من أجل الخليقة والإعلان الإلهي . وهي متضمنة في صلاة بركة وشكر من أجل الخلاص من عبودية مصر. وفي المساء تقال صلاة من أجل الراحة (راحة الليل)

أما التيفيللا Tefillah أي الصَّلاة ، وهي بالتحديد “صلاة التضرع والتشفع”، فهي مجموعة صلوات قديمة العهد جداً، مجموعها ۱۸ صلاة – أصبحت الآن ۱۹ يرتلها اليهود في المجمع وقوفاً أمام التابوت الذي يحوي الأسفار المقدَّسة، والذي وجهته ناحية هيكل أورشليم. لذلك تجي أحياناً هذه الصَّلوات تحت الاسم العبري “أميداه – Amidah” أي “وقوفا standing”. ومعظم هذه الصَّلوات مأخوذ من آيات من العهد القديم تُرتل في أيام الأسبوع في الثلاثة اجتماعات اليومية في المجمع اليهودي

أما الثلاث صلوات الأولى منها فهي صلوات بركة benedictions ، والثلاث الأخيرة هي صلوات شکر thanksgivings . وهي تُرتل في السبوت والأعياد وعيد كيبور (عيد الغفران). أما باقي الصلوات فهي طلبات ذات أهداف محددة، وهي طبقاً للتلمود تعود إلى الحكماء الأوائل أو إلى الـ ١٢٠ شيخاً بينهم مجموعة الأنبياء

من 

وقد تقحت هذه الصَّلوات وعدلت تعديلاً يمتنع معــــه معه امكانية استخدامها بواسطة المسيحيين الأوائل من أصل يهودي، أو بواسطة الغنوسييّن، وكان ذلك في أيام عمالائيل الثاني (۸۰- ۱۲۰م). فقد أُضيفت – حوالي سنة ٩٠ ميلادية فقرة على البركة الأخيرة التي تختم بها صلوات المجمع اليهودي، ونصها هو: “للمرتدين لا يكن لهم رجاء، ولتسقط وتنقرض مملكة المتعجرفين من أصولها في أيامنا، وليهلك أتباع يسوع الناصري والهراطقة في لمحة عين، وليمح اسمهم من سفر الحياة، ولا يُحسبوا مع الصدِّيقين. مبارك أنت يارب الذي تذلل المتكبرين” 

ولقد تعدّلت هذه البركة في الليتورجيا الحديثة للمجامع اليهودية المعاصرة لتكون أكثر اعتدالاً، وذلك بحذف اسم النصارى والهراطقة واستبداله باسم “النمامين والأشرار والمتكبرين”. وحتى ترتيب القراءات التي تتلى من الأسفار المقدسة قد تعدَّلت أيضا في المجمع اليهودي نتيجـــة الخوف من التيار المسيحي، وهو حذف نبوة إشعياء عن الخروف الصامت أمام جازيه، وهو الفصل الذي شرحه فيلبس المبشر الخصي كنداكـــة ملكة الحبشة، رغم دخول الفصول السَّابقة واللاحقة ضمن خدمــــة القراءات في المجمع اليهودي. ويعلق على ذلك أحد الربيين المعاصرين بقوله: “إن السبب في ذلك هو التفسير المسيحي الذي أعطي لهذا الفصل”

هذه الصلوات التي استقرت في المجمع اليهودي بعد توقـــف العبادة تقريبا في الهيكل بسبب توقف تقديم الذبائح. وفصل الإنجيل الذي يورده القديس لوقا البشير يصف لنا مشاركة يسوع في واحدة من هذه الاجتماعات. 

ومن جهة أخرى فإن القديس إبيفانيوس (٣١٥ – ٤٠٣م) يتحدَّث عن ثلاث ساعات للصَّلاة في المجمع اليهودي يمارسها اليهود فيقول

[… في الصباح وفي نصف النهار وفي المساء ثلاث مرات في اليوم عندما يتلون صلواتهم في المجامع]. 

ويخبرنا كتاب العهد الجديد أن القدِّيس بولس الرسول كان يتردد على المجامع المحلية في رحلاته التبشيرية قبل سنة ٦١م. ومن النصوص الكتابية يتضح لنا أنه كان يذهب إليها ليكرز بالمسيح، وكان ذلك سبب اضطهادات له من اليهود المتعصبين لدينهم. لذلك فمن الصعوبة أن نظن بوجود عبادة مسيحيَّة للمسيحيين الأوائل في مثل هذه المجامع

ويتّضح لنا فعلاً أن المسيحيين الأوائل من أصل يهودي قد شيدوا لأنفسهم مجامع تختص بهم يصلون فيها. ورسالة القديس يعقوب التي كتبها حوالي سنة ٤٩ ٥٨م وأرسلها إلى اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية، يشير فيها إلى عبارة مجمعكم في قوله: «فإنه إذا دخل إلى مجمعكم رجل …» (يعقوب ٢)، مما يعني أنه يخاطب مسيحيين لهم مجمع عبادة خاص بهم. إلا أن بشارة القدِّيس متى تسوق لنا أحداثاً من الاضطهاد الذي كانت تتعرض له الكنيسة المسيحية الناشئة من المجمع اليهودي في ذلك الوقت. لذلك كانت نصيحة الرب يسوع لأتباعه أن يصلّوا في بيوتهم

٣- البيت اليهودي 

لدينا شهادات واضحة ومؤكدة عن ممارسة الصلوات في البيوت في بدء ظهور المسيحيَّة . فنقرأ في الكتاب المقدَّس عن المسيحيين الأوائل من أصل يهودي الذين كرسوا نفوسهم للصَّلاة في البيت بنفس واحدة. ومثل هذه الصَّلوات كانت أحياناً صلوات مشتركة في بيوت خاصة. فهل مثل هذه الصَّلوات كانت تُمارس في أوقات محددة كل يوم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كانت متفقة في توقيتها مع أوقات الصلاة اليهوديّة؟ . هذه أسئلة تفيدنا في تتبع الأصول الأولى لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحيَّة، وهل هي ذات أصول يهوديَّة أم لا

عن أوقات الصلوات اليهودية والمحددة قانونياً حسب التقليد اليهودي، فنجد أن هذه الأوقات قد ارتبطت بترديد لصلوات محددة في المجمع اليهودي ولعدد محدد من المرات. وكما سبق أن رأينا، فهناك ترتيل الـ”شيما”، التي تُقال في بداية اليوم ونهايته، والـ ”تيفيللا“ التي يقول الربيون عنها إنها تُقال في الصَّباح وبعد الظهر والمساء. ولكن بعض الشواهد الأخرى أشارت إلى صلاة تُقال في الصباح والظهر والمساء كما سبق القول

وعلى الرغم من أن هناك ما يؤكد وجود ارتباط بين تقديم الذبيحة المسائية في الهيكل وبين صلاة خاصة تصاحب تقديم هذه الذبيحة، إلا من غير الواضح أن صلوات التيفيللا تأتي متفقة في وقتها مع توقيت تقديم ذبيحة الهيكل، أو مع الساعات المخصصة لترتيل الشما، على الأقل في زمن العهد الجديد

ويسمح كتاب المشنا  Mishna “- بترديد الـ تیفیللا الصباحية في أي وقت قبل الظهر. أما التيفيللا التي تقال بعد الظهر فمسموح بترديدها في أي وقت قبل غروب الشمس. فالصلاة خلال اليوم ليس لها أوقات محدَّدة، ولكن صلاتي الصَّباح والمساء ترتبطان بترتيل الشيما. 

بالإضافة إلى ذلك فهناك أيضاً صلوات أخرى تردّدها بعض الجماعات الخاصة مثل الأسينيين في فلسطين، والثيرابيوتا في مصر، وهم يهود من أصل يوناني.. ونصوص وادي قمران غامضة في هذا الشأن، تفتح مجالا واسعا لتأويلات عديدة. ولكن يبدو أن الأسينيين كانوا يصلون ثلاث مرات في اليوم في الصباح والظهر والمساء، بالإضافة إلى حفظهم لسهر ليلي يكرسونه لدراسة الناموس

 فبعيداً عن نصوص بعض المزامير ، هناك دليل وحيد على وجود صلاة في الليل عند يهود فلسطين. فيصف فيلو (۱۳ ق.م – ٥٠م) صلاة تختص بجماعة الثيرابيوتا عند الفجر وأخرى عند المساء، وفي السبوت يقيمون سهراً ليلياً. ولكن مصدراً آخر هو كتاب “نبوة أخنوخ “ أو أسرار أخنوخ “ والذي يبدو أنه كتب في مصر بواسطة يهودي هلليني في بداية ظهور المسيحية – وقد ورد ذكره عند بعض آباء كنيسة الإسكندرية مثل العلامة كليمندس الإسكندري (۱٥۰ – ۲۱٥م)، والعلامة أوريجانوس (١٨٥ ٢٥٤م) – أشار إلى تقليد قديم عن نظام الصلاة ثلاث مرات في اليوم حيث يقول ما نصه : “صالح هو الذهاب إلى بيت الرَّب صباحاً وفي نصف النهار ومساء من أجل محمد خالقكم (٢أخنوخ ٤:٥١). 

ويبدو أن المؤرّخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس (٣٧ – ١٠١م) في مؤلفه آثار اليهود ٤: ۲۱۲ ، يحدد مكاناً متميّزاً لصلاة الصَّباح وآخر لصلاة المساء، علاوة على وصفه لطبيعة وروح هذه الصلوات بأوصاف تشبه تماماً تلك التي استخدمها آباء الكنيسة فيما بعد عندما تحدثوا عـــــن تسبحة الصباح المسيحية والأخرى المسائية : “مرتان كل يوم، عند الفجر وعند ساعة الرَّاحة في ختام اليوم ليعترف الجميع أمام الله بالعطايا التي منحها لهم أثناء خروجهم من أرض مصر، فالشكر واجب طبيعي، وهـو يُقدِّم اعترافاً بالفضل على المراحم السَّابقة، ولكي أيضاً يحنن العاطي على مراحم آتية

ولذلك فإذا ربطنا بين صلوات كل من الهيكل والمجمع، وأوقات ترديد الشيما والتيفيللا يتضح لنا أن ساعتي الصباح والمساء هما السَّاعتان الهامتان ،عموماً، والمتميّزتان كساعتين للصَّلاة في التقاليد اليهودية المختلفة في الفترة التي نحن بصددها الآن

فهل حفظ المسيحيون الأوائل ساعات الصَّلاة اليهودية هذه؟ إنه لمن الصعب أن نعطي إجابة محددة على هذا السؤال، بل من المستحيل أيضاً. ولكن مع ذلك فإن كتاب العهد الجديد قد عرف الـ شیما وأظهر لنا يسوع يصلّي في الصباح وفي المساء فضلاً عن حفظه سهر الليل مثل جماعة الأسينيين والثيرابيوتا. وفيما بعد وفي سفر أعمال الرُّسل نرى التّلاميذ يصلون في الساعة الثالثة، وفي السادسة، وفي التاسعة. بالإضافة إلى أنهم تمثلوا بيسوع في الصَّلاة بالليل. 

إن السهر الليلي انتظاراً لمجئ العريس كما تحدث عنه كتاب العهد الجديد يعكس لنا سبب اهتمام الكنيسة وانتظارها في ذلك الوقت وهي في حالة صلاة لمجئ المسيح الثاني، حيث نكون مع الرَّب كل حين

وبعد ذلك بقليل نجد مادة ليتورجيَّة تملأ الاجتماعات المسيحية المبكرة في هذه الفترة من تاريخ الكنيسة الناشئة، فيكتب القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل كولوسي لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة مترنّمين في قلوبكم للرَّب. وكل ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين الله والآب به» (كولوسي ١٦:٣ ١٧). وهذا النص مع غيره يخبرنا بحقيقة أن المسيحيين لم يكن يشغلهم في اجتماعاتهم سوى المزامير والألحان والقراءات والصلوات

إن أمر العهد القديم بتقديم ذبيحة في الهيكل صباحاً ومساء هو أمر قد أثر بلا شك فيما بعد على صلوات السواعي في الكنيسة المسيحية، ولكنني أود أن أنظر إلى ذلك كأحد موضوعات العهد القديم العامة التي شغلت الفكر المسيحي بدءًا من القرن الثالث الميلادي أكثر من كونها موضوعاً قد أثر مباشرة على ظهور صلوات السواعي في الكنيسة المسيحية كتأثير مباشر أعقب قبول المسيحيين من أصل يهودي للإيمان. لأنه في غضون القرن الثالث الميلادي احتل موضوع السبت أهميَّة مماثلة ليوم الأحد كيوم تقدَّم فيه الإفخارستيا ويُمنع فيه الصوم. مثل تل الموضوعات المختصة بكهنوت العهد القديم قد لاقت قبولاً وتطبيقاً في الممارسات الطقسيَّة الكنسية في العهد الجديد

إذا لسنا نريد أن ننكر كل تأثير للعبادة اليهودية وأشكالها علـــى صلوات الكنيسة المسيحية وعبادتها . فكتاب الديداخي والكتاب السابع من المراسيم الرسولية يثبتان مثل هذا التأثير اليهودي على الكنيسة المسيحيّة، ولاسيما الأنافورا. وبرغم أن كثيراً من كتابات علماء الليتورجيا لا تتَّفق فيما بينها اتفاقاً تاماً على هذا الأمر، لكنها تُظهر بوضوح كاف مثل ذلك الرباط الذي يربط خدمة العهد القديم بما صارت إليه خدمة كنيسة العهد الجديد. وإن اختيار ساعات محددة في اليوم وتخصيصها للصلاة هو أمر يمكننا أن نسلم بوجود استمرارية مباشرة له، انتقلت من العهد القديم إلى نظيره الجديد في بعض الأماكن دون بعضها الآخر، وبالتحديد في كل من فلسطين ومصر حيث كانت الجماعات اليهوديّة والأخرى المسيحية في البداية غير متمايزة عن بعضها البعض، بل ومختلطة اختلاطاً واسعاً

وأخيراً، فإنه من الواضح تماماً أن الكتاب المقدس بمزاميره وتسابيحه وشرح رموزه قد هيأ المادة الطبيعية والرموز الطّقسيَّة لما عُرف فيما بعد باسم صلاة أو خدمة السواعي. ولذلك فإن صلوات السواعي تدين تماماً للتراث اليهودي، ولكننا لا نستطيع أن نوافق دجمور Dugmore و آخرين حينما حاولوا أن يروا استمرارية أكبر من ذلك تربط مباشرة بين التراثين القديم والجديد لأن الوثائق والأحداث لا تقطع بذلك

 

الخلاصة 

 

إن أهم ما نقوله عن الخلفية اليهوديَّة لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية هو أن المسيحيين مثل اليهود قد حافظوا على عادة الصلاة في أوقات محددة، وأهم تلك الأوقات التي خُصصت للصلوات المشتركة في كلا التقليدين اليهودي والمسيحي كانت بداية اليوم ونهايته. إلا أن هاتين الساعتين هما من سواعي الصَّلوات الطبيعيَّة في أي تقليد. والبعض يرى أن الثلاث سواعي للصلاة في الثالثة والسادسة والتاسعة هي ساعات توازي أوقات الصلوات الخاصة عند اليهود، وهو ما يُعتبر نظرة حصيفة على الأقل في مصر حيث اتبع المسيحيون الأوائل من أصل هلليني العادات اليهودية بدقة زائدة في البداية قبل الاضطهادات التي حلت بهم من قبل اليهود أنفسهم خصوصاً تحت حكم الإمبراطور هدریان (۱۱۷- ۱۳۸م)، والتي جعلت الاندماج مع اليهود أمراً غير مرغوب فيه على الإطلاق.  

والخدمة الكنسيَّة التي عُرفت باسم “صلوات السواعي” قد وصلت إلينا كنتاج للمسيحيين من أصل أممي غير يهودي، وإن اتصالها اتصالاً مباشراً بالتراث اليهودي أمر ينقصه الإثبات ولكن الحقيقة أن كثيراً من الشواهد تشير إلى الاتجاه الآخر، لأن غياب المزمور ١٤٠ من صلوات المساء اليهودية وهو المزمور التقليدي في صلاة المساء المسيحية هو مثال واضح يجذب الانتباه، ويدعم الرأي بعدم تأثر صلوات السواعي المسيحية بنظيرتها اليهودية بطريقة مباشرة. 

والأمر الأكثر أهميَّة من أي علاقة يهودية بخدمة السواعي في الكنيسة المسيحيّة هو أن الخدمة المسيحيَّة ذات سمة خلاصيّة. فصلاة السواعي في العهد الجديد تدور حول الإيمان بأن الآب خلصنا بإبنه يسوع المسيح، ولهذا فنحن نحيا حياة جديدة فيه. والعهد الجديد ملئ بالتسابيح المعزية والمملوءة بالفرح والشكر لهذه الخليقة الجديدة التي صرنا إليها، فهذا هو محور التسابيح والألحان التي يرفعها المسيحيون الله الآب يوماً فيوماً صباحاً ومساءً وفي نصف الليل وسيظلوا يرفعونها إليه باسم ابنه يسوع المسيح الرُّوح القدس حتى إلى مدى الأزمان. 

رأي بعض علماء الليتورجيا في أصل صلوات السواعي المسيحية

لقد ذهب كثير من علماء الليتورجيا إلى أن الساعات القانونية لخدمة صلوات المزامير في الكنيسة المسيحية أصل يهودي، وامتداد لخدمة المجمع اليهودي على أن المرء ليتردَّد كثيرا في قبول نظرية معاكسة جاء بها كاهن فرنسي بكثير من العلم والحذق هو الأب بيير باتيفول Pierre Battifol – الذي أسعده الحظ أن حضر محاضرات العالم دي روسي Rossi – فيرى الأب باتيفول Battifol … أن الساعات القانونية لا علاقة لها على الإطلاق بساعات الصَّلاة اليهوديَّة، بل هي وليدة خدمة السهر ليلة السبت، وقد كان منشأ هذه مسيحيا بحتا وكانت تقسم إلى ثلاثة أقسام: 

خدمة المساء وصلاة الغروب. 

– خدمة صلاة نصف الليل.

– خدمة صلاة السحر والتسابيح. 

ثم ما لبثت خدمة سهر ليلة السبت أن تعممت في الاستعمال في تذكارات الشهداء. وفي أيام ترتليان (١٦٠ – ٢٢٥م) – إن لم يكن قبله – صار لكل من يومي الأربعاء والجمعة خدمة خاصة، ولما انتشرت السيرة النسكية والرهبانية صارت هذه الخدمة تقام كل يوم

ويضيف الأب باتيفول Battifol … قائلا إن هذه العادة دخلت أنطاكية نحو سنة ٣٥٠م، وللحال انتشرت حتى عمت الشرق كله. أما السَّاعات الصغرى (أي الثالثة والسادسة والتاسعة) فيعتقد أنها نشأت بدءًا الأديرة، وأن الساعات الأولى وصلاة النوم انتقلت من غرف المنامة إلى الكنيسة تماماً مثلما انتقلت إليها خدم تذكارات الشهداء من قاعات الطعام. 

ويتّفق العالم فان اسبن Van Spin مع الأب باتيفول P. Battifol ، وذلك في معرض تعقيبه على القانون ٦٦ الذي وضعه مجمع ترولو سنة ٦٩٢م والذي ينص على: من يوم قيامة إلهنا المقدَّسة إلى الأحد الأول بعده أي مدة الأسبوع كله يجب أن يواظب المؤمنون على الحضور إلى الكنيسة المقدَّسة وهم أحرار من العمل متهللين بالمسيح بمزامير وتسابيح وترانيم ،روحيّة، وفي احتفالاتهم بالموسم يحصرون أذهانهم في قراءة الكتب المقدَّسة ويتنعمون بالأسرار الإلهية، لأننا لذلك نرتفع مع المسيح ونقوم

فيقول فان اسين Van Spin : “مما لا ريب فيه أن الكنيسة كلها في الشرق والغرب كانت تحفظ أسبوع الفصح كله موسم عيد وفرح. فلم يدخل المجمع في قانونه هذا عادة جديدة. وفي هذا القانون وصف جلي للأسلوب الذي كان يقضي المسيحيون فيه يوم العيد. فقد كانوا يستسلمون بكليتهم إلى ترتيل مزامير وترانيم وتسابيح روحية. ومن هذه نظمت خدم الصلوات ات القانونية ولاسيما خدمتي السحر والغروب. نفهم أيضاً أن كل المؤمنين يجب أن يشتركوا في الترتيل، وقـــــد استمرت هذه العادة قروناً عديدة كما بينت في بحثي عن نشأة خدم الساعات القانونية

على أن نظرية الأب باتيفول Battifol . . ما لبث أن أنتقدها وفندها الأب سويبرت بومر Suibber Baumer وهو راهب بندكتي ألماني، فيقول: إن المسيحيين الأولين انفصلوا عن مجامع اليهود نحو سنة ٦٥م بعد المسيح، وفي هذا الوقت من الانفصال كان الرُّسل قد وضعوا بجانب خدمة القداس خدمة ساعات صلوات قانونية على الأقل، وربما خدمتين هما صلاة السَّحَر وصلاة المساء. وإذا كانت هذه الخدمة تُقام يوميا في أورشليم في عهد الرُّسل فقد انحصر استعمالها في العصر التالي لهم مباشرة في أيام الآحاد إذ حال الاضطهاد دون مداومة التَّقليد الرَّسولي بإقامة الصلاة العامة صباح كل يوم ومساءه على أن فروض الصَّلوات الشخصيَّة في الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة حسب التقليد الرسولي لم تنقطع، وهكذا عندما توقف الاضطهاد عادت فكرة الصَّلوات العامة في هذه الساعات وجرى العمل بها حسب التقليد الرَّسولي القديم. لعل هذا هو الرأي الأكثر قبولاً والأشد انطباقا على ما سبقه من أبحاث العلماء في هذا الموضوع

أما العالم روبرت تافت Robert Taft فقد أخذ موقفاً وسطاً، حين قال: أنا أشك تماماً في أي محاولة تحاول الربط المباشر بين ما بدأ في الظهور في القرنين الثالث والرابع للميلاد من ساعات صلاة قانونية ذات أوقات محددة، وبين الصلوات اليهودية المسيحية المبكرة المشتركة التي نشأت في فترة العهد الجديد المبكرة

زر الذهاب إلى الأعلى