آفة الحياة الروحانية: الإهمال وكيف نتغلب عليه؟ 

 

1. أنبذ الفضولية و « عمل ما يحلو لك » 

لكي تتجنب الوقوع في شر الإهمال الوبيل الذي يوقف تقدمك نحو الكمال و يسلّمك إلى أيدي أعدائك ، عليك بأن تهرب من كل أنواع الفضول (كمحاولة معرفة ما هنا وما هناك والثرثرة الفارغة ، والحوم هنا وهناك)، ومن أي تعلق بشيء أرضي، ومن كل الأعمال التي لا قصد منها سوى إرضاء «المزاج » ، أي بلغة القديسين : « عمل ما يحلو لي » الذي لا يتفق مطلقاً مع قصدك.

بل عليك أن تغصب نفسك على أن تعمل باختيارك كل ما يرشدك إليه معلموك وآباؤك الروحيون. 

2 . لا تتأخر في مباشرة العمل الواجب عليك :

لا تتأخر مطلقاً في مباشرة الأعمال الواجبة عليك، لأن أول تأخير قصير يقود إلى تأخير ثان أطول، والثاني إلى ثالث أطول أيضاً ، وهلم جرا … إلى أن تبدأ العمل بعد فوات الأوان فلا تتممه في وقته المحدد أو تهمله بالكلية وقد أصبح ثقيل العبء عليك جداً. 

وهكذا بتذوقك لذة البطالة تبتدىء تستحسنها وتفضلها على العمل. وباشباعك هذه الرغبة تعتاد شيئاً فشيئاً على الكسل وعدم العمل، فيتملك فيك هوى البطالة لدرجة تكف معها حتى عن رؤية بطلانها وإجرامها. 

حتى إذا مللت الكسل واشتقت مرة أخرى إلى القيام بعملك، تعي بخجل كم كنت مهملاً، وكم من الأعمال الضرورية أهملت من أجل لذة عمل « ما يحلو لك » .. 

3- «ملعون من يعمل عمل الرب باسترخاء » ( ملكوت السموات يغصب) :

+ إسمع ما كتب : « ملعون من يعمل عمل الرب باسترخاء » ( إرميا ٤٨: ١٠)، فكيف تجلب لنفسك هذه النكبة بكسلك، لأنك تهمل التفكير بقيمة وكرامة العمل المتوجب عليك؟

لو داومت على التفكر في هذا الإنذار، فسيحملك هذا على القيام بعمل الله في وقته و بتصميم يقصي كل ذكر الصعوبات المرافقة له والتي يوحيها إليك الكسل لكي يحوّلك عنه.

+ لا تنسَ أبداً أن رفع العقل مرة واحدة إلى الله ، وسجدة متواضعة واحدة أمام مجده وإكراماً له، لأثمن بما لا يحد من كل كنوز العالم، و بأن كل مرة تقصي فيها الإهمال ، نضطر ذواتنا أن نقوم بالعمل الواجب علينا باجتهاد

4. قاوم الأفكار الداعية إلى الإهمال كما يلى: 

+ إن جاءتك فكرة شريرة لتوقعك في الإهمال وأوحت إليك بأن اكتساب الفضيلة يتطلب عملاً طويلاً وشاقاً للغاية، و بأن أعداءك الروحيين أقوياء ومتعددون بينما أنت ضعيف ووحيد، وبأن عليك أن تفعل كثيراً وتنجز أعمالاً عظيمة حتى تبلغ إلى هدفك، أقول إن أوحت لك فكرة الإهمال كل هذا لا تصبغ إليها، بل أنظر إلى المسألة هكذا: 

+ قل لنفسك: بالطبع عليك أن تعمل، ولكن ليس كثيراً، عليك أن تخوض مشقات طفيفة، ولكنها لن تدوم طويلاً، ستصادف أعداء، ولكنهم واحد فقط ، ومع أنه عدو قوي جداً عليك وحدك، لكنك أقوى منه بما لا يُقاس ، لأنك تستطيع دائماً أن تركن إلى معونة الله مقابل ثقتك الكبيرة فيه.

+ إن اتخذت هذا الموقف فإن الإهمال يبدأ بالإنسحاب وتحل محله فيك تدريجياً ـ بتأثير الأفكار والإحساسات الصالحة – غيرة ونشاط في كل شيء يتملكان في النهاية على كل طاقات النفس والجسد

5. الإهمال يبيد الحياة الروحية : 

+ إعلم أيضاً، يابني، أن مرض الكسل والإهمال يُتلف تدريجياً بسمومه ليس فقط الجذور الأولى الصغيرة التي تُنبت العادات الفاضلة، بل أيضاً تلك الجذور العميقة التي تُؤلّف أساس الحياة الصالحة بأسرها. 

مثل الدودة التي تنخر جذور الشجرة تدريجياً، هكذا الإهمال إذا استمر، يلاشي قوام الحياة الروحية نفسها و يبيدها بطريقة غير محسوسة. فمن خلاله يدبر الشيطان بسط شباكه ومد حبائل التجارب لكل إنسان، و يتولى بعناية خاصة ودهاء خبيث أولئك الحارّين في الحياة الروحية، عالماً بأن الرجل المهمل والكسلان إنما يذعن بسهولة للشهوات وللسقطات ، كما هو مكتوب «نفس الكسلان تشتهي ولا شيء لها» ( أم ١٣ : ٤).

6. إعط « الآن » لله :

+ إذن، كن إلى الأبد محترساً، صل وتمسك بكل شيء صالح كما ينبغي على الجندي الشجاع «ونفس المجتهدين تسمن » ( أم ١٣: ٤)

+ لاتجلس مكتف اليدين مرجئاً تفصيل حلة زفافك إلى وقت الخروج لملاقاة العريس، المسيح ربنا. بل تذكر كل يوم بأن «الآن» في أيدينا ، وأما « غداً» فبيد الله ، وبأن ذاك الذي أعطاك هذا الصباح لم يتعهد بإعطائك هذا المساء.

+ ارفض الإصغاء إلى الشيطان وهو يوشوش لك قائلاً : إعطني «الآن » وخذ « غداً » لتعطيه الله. لا، لا! بل إقض كل ساعات حياتك بطريقة مرضية الله؛ داوم على التفكير بأنك بعد الساعة الحالية لن تُعطى ساعة أخرى، و بأنك ستؤدي حساباً دقيقاً عن كل دقيقة في هذه الساعة ، اذكر أن الوقت الذي لديك الآن لا ثمن له، فإذا أضعته باطلاً فستأتي الساعة التي تطلبه فيها ولن تجده

+ إعتبره ضائعاً ذلك اليوم الذي، بالرغم من قيامك فيه بكل عمل صالح، لم تجاهد فيه للتغلب على ميولك وشهواتك الفاسدة. 

+ ختاماً أكرر وصية الرسول «جاهد الجهاد الحسن » دائماً (١تي ٦ :١٢ ) . لأن ساعة واحدة من العمل النشيط كثيراً ما أكسبت السماء، وساعة واحدة من الإهمال أضاعتها ! … 

(عن كتاب “الحرب اللامنظورة”) 

 

زر الذهاب إلى الأعلى