لا تدينوا لكي لا تُدانوا
«لا تدينوا لكي لا تُدانوا» (مت 7: 1)
ما هي الإدانة؟
الإدانة هي أن يفحص الإنسان أعمال الناس ويفتش عن أخطائهم وسيئاتهم، ويتحدث عنها في غيبتهم. وهو بذلك يعكس أخطاءه وعيوبه الشخصية عليهم؛ لأن العيوب التي يراها الناقد في الآخرين إن هي إلا أخطاؤه وعيوبه، يحاول أن يسقطها عليهم تنفيساً خاطئاً عما أصابه من فشل أو لازمه من أخطاء وضعف.
تحذير السيد المسيح
ويحذرنا السيد المسيح في موعظته على الجبل من الوقوع في هذا المرض الاجتماعي الخطير، الذي ينفث سمومه في المجتمع بين الأفراد والجماعات، ويسبب كثيراً من المنازعات والخصومات بين الأفراد والعائلات والجمعيات. ويدعونا الرب أن نعمل على تنقية قلوبنا من نقائصنا وعيوبنا بدلاً من أن نفتش عن زلات الآخرين، فيقول:
«ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟… يا مرائي، أخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك» (مت 7: 3-5).
نصائح رسولية وآبائية
كما يقدم القديس معلمنا بولس النصح قائلاً:
«لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان، كل من تدين. لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها» (رو 2: 1).
ويقول القديس دوروثيئوس عن الدينونة:
“من دان أخاه في قلبه، وتحدث في سيرته بلسانه، وخص أعماله وتصرفاته، وترك النظر فيما يصلح ذاته، فحينئذ تتخلى عنه المعونة الإلهية، فيسقط فيما دان أخاه فيه”.
الله هو الديان الوحيد
وموضوع الإدانة يخص الله وحده، ديان المسكونة كلها؛ لأنه العارف بمكامن القلوب والكلى. وكثير على الإنسان الخاطئ أن يجسر ويأخذ مكان الله ويدين أخاه. وينتظر الرب في طول أناة عجيبة على الأشرار، ويتمهل في مجازاتهم حق ينقيهم، بينما يتعجل البشر الساقطون، مغتصبون مركز الديان، لينتقموا من إخوتهم. ولذلك ينصحنا الرسول قائلاً:
«إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوقت، حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام، ويظهر آراء القلوب. وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله» (1 كو 4: 5).
حكمة من أقوال الآباء القديسين
ويطيب لنا أن نأخذ صورة كاملة عن موضوع الدينونة من نصائح وإرشادات وردت على لسان بعض آبائنا القديسين، نرى فيها روحاً وحياة. وكلها تكشف لنا أن الكمال يحجب العين عن أن ترى عيوب وأخطاء إخوتها، إنما ترى الله في كل نفس أخرى، بينما العين الشريرة تلبس منظار الشر فلا ترى سواه في كل شيء.
القديس أنطونيوس الكبير:
“المحبون يواجهون الناس في حضرتهم عن أي أمر ضروري، أما في غيابهم فليس فقط يكفون عن نقدهم، بل لا يسمحون لغيرهم أن يحاولوا النطق به”.
ويقول أيضاً: “إن الإنسان المحب الله لا يوبخ أحداً، إذ يعلم أنه هو أيضاً خاطئ، وهذه هي علامة النفس السالكة في طريق الخلاص”.
ويقول أيضاً: “لو دققت في حياتك تجد أنك تسقط في الخطية التي تدين فيها أخاك، بمجرد إدانتك له؛ لأن النعمة لا تحفظ للمتكبرين على إخوتهم”.
القديس بولس الرسول:
«أيها الإخوة، إن انساق أحد وأخذ في زلة، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة، ناظراً إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً» (غل 6: 1).
القديس مقاريوس الكبير:
“يا أخي: على نفسك أحكم قبل أن يحكموا عليك، لأن الحكم لله”.
ويقدم النصح لتلميذه قائلاً: “لا تصنع بأحد شراً، ولا تدن أحداً. احفظ هذين وأنت تخلص”.
القديس باخوميوس:
“لا تحتقر أحداً من الناس ولا تدينه، ولو رأيته ساقطاً في الخطية؛ لأن الدينونة تأتي من تعاظم القلب، أما المتضع فإنه يعتبر كل إنسان أفضل منه”.
الأنبا أشعيا (للمبتدئين):
“لا تقبل أن تسمع ضعفات أخيك أو تلومه، وإلا فأنت هالك”.
ويقول أيضاً: “إذا انشغلت عن خطاياك، وقعت في خطايا أخيك”.
ويقول أيضاً: “إذا أبصرت إنساناً قد أخطأ، فلا تحتقره ولا تزدر به، لئلا تقع في أيدي أعدائك”.
شيخ مجهول:
“إذا نظرنا إلى خطايانا، لما نظرنا إلى خطايا غيرنا”.
القديس يوحنا السلمي:
“الشياطين تحثنا على أن نخطئ، وإن لم نطعها حثتنا على أن ندين من يخطئ”.
القديس يوحنا فم الذهب:
“لماذا تدين أخاك؟ لماذا تزدرى به؟ فإنك لم تؤمر بهذا يا إنسان، بل أمرت أن تختبر ذاتك. فلماذا تخطف منزلة السيد؟ الحكم له وليس لك”.
خاتمة وتذكرة روحية
أخي المؤمن: ديان الأرض يتمهل ولا يدين.. والإنسان الساقط يدين؟!
ليتنا نترك هذا المرض الخطير، ونحذر من الوقوع فيه، ونوجه أنظارنا إلى داخلنا الممتلئ شراً ونجاسة، إذ قضايا حزينة تنتظرنا. ولنستمع إلى قول بطرس الرسول:
«إن الله أراني وأوصاني أن لا أقول عن إنسان أنه نجس أو رجس».
فالقلب النقي ينظر كل الناس أنقياء.
وليتمجد الرب في ضعفنا.