لمحة عن بعض عادات المصريين القدماء
ظهر من دراسة ما وصل إلينا من طرائف العادات القديمة للمصريين، مدى ما وصلوا إليه من رجاحة العقل واتساع الأفق العلمي في كثير مما طرقوه من أنظمة وتقاليد، دلت على مكانتهم وتقدمهم الهائل في ذلك الزمن العريق في القدم، بدرجة انتزعت إعجاب كافة أمم العالم القديم منها والحديث.
أولاً: نظم القضاء والمحاكم
لم يكن من عادة الملوك مباشرة دعاوى الرعية ولا الحكم بأنفسهم في الوقائع، بل كانت المحاكم محلاً للتقاضي والأحكام. وكان القضاة والحكام يخرجون من مدينتي منفوعين شمس (في الوجه البحري) ومن مدينة «آبو» في الوجه القبلي. وكان من عادة كل مدينة من هذه المدن أن ترسل عشرة من القضاة لإجراء الأحكام، فيجتمع من المدن الثلاث ثلاثون قاضياً لمجلس القضاة.
طريقة التعيين: كان للقضاة الثلاثين المذكورين الحق في تنصيب قاضٍ منهم رئيساً عليهم، وبعد تنصيبه يكملون عدة الثلاثين من مدينة القضاة العشرة الذين اختير منهم ذلك الواحد.
التمويل: كانت تصرف نفقاتهم من خزينة الحكومة، ومرتبات رئيسهم من بيت المال.
إجراءات التقاضي: لا تقام الدعاوى في مجلس القضاة إلا بالكتابة، ولا تسمع الدعوى أو التخاصم مشافهة؛ خشية أن يتأثر القضاة من سماع كلام أحد المتخاصمين، وتستميل قلوبهم فصاحته أو عذوبة ألفاظه، وقد يترتب على ذلك الانحراف عن جادة الحق في الأحكام. فلذلك تحتم على المدعي كتابة شكواه، ثم بيان مقدار ما يلتمس من التعويض نظير ما خسره أو ما وقع عليه من جور.
تبادل المذكرات: فيعطى المدعى عليه صورة ما كتبه خصمه ليعلم ما قاله، فيطلع على كلام خصمه ويناقضه بما شاء. ثم يجوز أن يعطى جواب المدعى عليه للمدعي عساه أن يجيب عنه، وكذلك يجوز أن يعطى للمدعى عليه بعد ذلك.
إصدار الحكم: فإذا فرغت المناقشات، وجب على مجلس القضاة بعد البحث في القضية أن يحكم فيها بما يظنه بعد تمحيصها، فيكتب الحكم أيضاً.
ختم الحكم: ويختمه رئيس القضاة بطريقة عجيبة، وذلك أن الرئيس كان يتمنطق بسلسلة من الذهب، ويعلق في عنقه صورة من الجوهر عليها تمثل إلهة الحق، وكان يتحتم تعليقها في عنق الرئيس عند افتتاح الجلسات. فإذا صدر الحكم من المجلس، صدق عليه الرئيس بختمه بصورة الحق، ووجهها صوب أحد الخصمين الحاضرين بالمجلس حين الختم، علامة على أنه ظهر له الحق فعمل به وأنقذه.
وقد ظلت تلك النظم معمولاً بها في زمن الفراعنة حتى عهد البطالمة.
الرهن الغريب: وكان من عادة الفرد إذا أراد اقتراض مبلغ من المال، جاز له أن يقترض ويرهن في نظير دينه جثة أبيه المدفون! فيكون قبر أبي المدين تحت يد الدائن إلى وقت استحقاق الدين. فإذا لم يوفِ المدين دينه ومات، حُرِم من دفنه في مقابر والديه، وتحرم أولاده أيضاً ما لم يؤدوا دين والدهم.
ثانياً: التقاليد الاجتماعية والرياضة
احترام الشيوخ: كان من عوائد الشبان الاحترام والتبجيل للشيوخ، فكان إذا قابل الفتى شيخاً في طريقه تأخر عنه في السير. وإذا قدم شيخ على مجلس فيه شبان، قاموا إجلالاً لشيخوخته. وإذا تقابل المصري مع إخوانه في موضوع ولزم التسليم على من لقيه، انحنى الآخر.
النفور من الأجانب: كما كان من عادات المصريين هجر مجالسة الأجانب، وكانوا يبغضونهم ولا يأكلون معهم.
رمز رب الأسرة: وكثيراً ما كانوا يصورون رب العائلة واقفاً متكئاً على عصا طويلة، دلالة على الحكم والتصرف في منزله وبين أفراد عائلته.
الترفيه والرياضة: وكانوا شديدي الولع بلعب الشطرنج والسكرة والمضامة والمصارعة. وكثيراً ما كانوا يقضون أوقات الفراغ في ممارسة رياضة اقتناص الحيوان والطيور من بين الأحراش والأدغال، أو صيد الأسماك من البرك والمستنقعات في قوارب رشيقة خفيفة الحركة مصنوعة من نبات البردي.
صيد الملوك: وكان الملوك يخرجون لصيد الثيران الوحشية واقتناص الأسود وهي صغيرة، ويربونها حتى تصبح داجنة، وكانوا يسيرونها بعد تدريبها أمام العربة الملكية عند الخروج للحرب، فكانت تصارع وتُبلي في القتال بلاءً حسناً.
ثالثاً: عاداتهم في الطب والتطبيب
الوقاية: كان المصريون يعنون بصحة أجسادهم، وكانوا يتعاطون كل شهر ثلاثة أيام شرباً بقصد تنقية الجوف؛ لاعتقادهم أن أمراض الإنسان تنشأ عن المأكولات.
التخصص الطبي: وقد نبغوا في تشخيص الأمراض المختلفة ومعرفة أسبابها، واستنباط طرق مداواتها بواسطة بعض أنواع النباتات والأعشاب، والتي ما زال يستعملها أطباء اليوم في العلاج. وكان الطب مقسماً عندهم إلى أقسام متباينة، بمعنى أن كل طبيب كان يباشر نوعاً خاصاً من الأمراض.
التحنيط والجراحة: وقد برعوا في عمليات التحنيط ووصلوا فيه إلى درجة كبيرة. كما عرفوا طريقة التربية (الجراحة) منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، بدليل الجمجمة الموجودة بمتحف أسوان الأثري، وما يظهر عليها من آثار تلك العملية بطريقة رائعة لا تقل في دقتها وإتقانها عما يقوم به أبرع أطباء اليوم.
كراهية التشريح: وكانوا يكرهون التشريح؛ لاعتقادهم أن الجسم إذا شُرح يكون مشوَّه الخلقة عند بعثه. ولذا كانوا يبغضون كل من كان سبباً في تشريح جثة موتاهم، حتى أن المحنط الذي كان من وظيفته عمل الفتحات اللازمة لعملية التحنيط، كان عرضة للعن والكراهية، وكان إذا عمل الفتحات للجثة خرج مسرعاً فيلحقه الحاضرون ويرشقونه بالحجارة.
مسؤولية الطبيب: وكان الأطباء يعالجون المرضى حسبما كانت تقضي به الشريعة عندهم، فإذا خالفوا أو أخطأوا خاطروا بأنفسهم. وإذا مات المريض حال معالجته، حُكم على طبيبه بالقتل.
رابعاً: أنواع العقوبات
كانت لهم أحكام وعقوبات غاية في الغرابة ولكنها رادعة:
الحانث في اليمين: منها عقاب الحانث في يمينه بقتله؛ لاعتقادهم أنه ارتكب ذنبين: أولهما خيانة معبوده، وثانيهما خدع الناس بيمينه ليصدقوه، فأوقعهم في تصديق الكذب.
التقاعس عن إنقاذ معتدى عليه: كذلك من رأى في طريقه من يقتل إنساناً ولم ينجه من القتل مع قدرته على ذلك، فجزاؤه القتل. فإن كان لا يقدر على إنقاذه بنفسه، وإنما يتمكن من طلب الإغاثة بغيره، وجب عليه أن يطلب إغاثته من القادر عليها، فإن قصر في ذلك قتل أيضاً؛ لأن وجوده كعدمه.
تقطيع الأطراف: وكان الخائن الذي يبلغ الأعداء أسرار الحكومة جزاؤه قطع لسانه. ويحكم بقطع يمين مطفف الكيل والميزان، ومقلد ختم السلطان أو ختم أحد الناس، ومزور الخطوط، ومغير مواضيع الدعاوى الرسمية.
قتل الوالدين أو الأولاد: ومن قتل أبويه عمداً أُحرق حياً. ومن قتل ابنه أو ابنته، يحكم عليه بأن يعانق جثة المقتول ثلاثة أيام بلياليها.
الإصلاح في العهد الحبشي: وقد ذكر «هيرودت» المؤرخ الإغريقي أن هذا الحكم بقي حتى عهد الملك «سباقون» الحبشي، أحد ملوك الأسرة الخامسة والعشرين، فأبطله واستبدله بالأشغال الشاقة في حفر الترع وإقامة الجسور وغير ذلك من المنافع العمومية.
إثبات الديون: ومن أحكامهم أن الدين المدعى به لا يثبت على المدين إذا حلف على رؤوس الأشهاد أن ذمته بريئة من ذلك الدين، وأن الدائن لا يستحق في ذمته شيئاً. ووجه ذلك أن اليمين أقوى ما لم يثبت الدائن دينه بسندات.
الربح: وأن الربح عندهم في أي شيء كان في البيع والشراء لا يتجاوز رأس المال، وإلا كان ربحاً فاحشاً.
قانون أماسيس الفذ
ومن أروع القوانين الفذة التي ابتدعها الملك «أماسيس»، من أقدر فراعنة العصر الصاوي من الأسرة السادسة والعشرين. أنه فرض على كل مصري أن يثبت اسمه بالكتابة في آخر كل سنة في محكمة الجهة الداخل في دائرة اختصاصها، ويبين مهنته ووسائل معيشته وتكسبه. فإن قصر في ذلك أو ظهر أنه يأكل عن طريق الحرام، حُكم عليه بالقتل.
ولما زارت مصر وقتئذ «سولون»، أعظم مشرعي الإغريق الذائع الصيت في أزهى عصور أثينا، أعجب بالقانون المذكور وصمم على إدخاله في عاصمة بلاده أثينا.
خاتمة
لقد تبوأ المصريون القدماء حقاً مركز الصدارة بين جميع ممالك وشعوب الأرض قاطبة في كل أنواع المعرفة، وكانوا المنبع الأصيل لها في العلم والفن والأدب. رحم الله شوقي حين أنشد فيهم:
ومشَتْ بِنارِهِم في الأَرضِ رُوما
وَكانوا الشُهُبَ حينَ الأَرضُ ليلُ
تَعالَى اللَهُ كانَ السِحرُ فيهِم
وَمِن أَنوارِهِم قَبَسَت أَثينا
وَحينَ النّاسُ جُدٌّ مُضلِّينا
أَلَيسوا لِلحِجارةِ مُنطِقينا