عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة الأولي 

لأبينا القديس يوحنا رئيس أساقفة القسطنطينية، ألقاها في بداية الصوم الأربعيني عن الصوم وعن السبب الذي لأجله بدأ موسى حديثه عن السماء والأرض وعن عمل الرحمة. 

مقدمة عن ربيع الصوم 

1- مفرح هو الربيع للبحارة وكذلك أيضا للمزارعين، غير أنه ليس بهذا القدر من الابتهاج بالنسبة للبحارة والمزارعين بقدر ما هو مبهج وقت الصوم لأولئك الذين يرغبون في التأمل. فهو وقت الربيع الروحي للنفوس حيث الهدوء الحقيقي للأفكار والحواس. فإن الربيع ممتعًا للمزارعين لأنهم يروا الأرض وقد تكللت بالزهور، وأوراق النبات تزهر ممتدة في كل أجزاء الأرض مثل الثوب المزخرف، أما البحارة فالربيع لهم ممتع إذ أن فيه مظهر البحر يمنح الشعور بالأمان لملاحة السفن، فالأمواج ساكنة وأسماك الدلفين تلعب بطمأنينة شديدة وكثيرًا ما تقترب من جوانب السفن، أما بالنسبة لنا فربيع الصوم ممتعًا لأنه عادة يُسكِن لنا لا أمواج البحر إنما الشهوات الجامحة ، فنتكلل ليس بالزهور ولكن بالنعم الروحية لأنه يقول “إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأْسِكَ ” فمجيء طائر السنونو عادة لا يطرد بسهولة الشتاء، بمقدار ما تطرد فترة الصوم شتاء الأهواء فلا توجد حرب النفس ضد الجسد إذ لا تتمرد العبدة على سيدتها، بل تتوقف تماما هذه الحرب. 

فطالما عندنا سلام وهدوء عظيم، فدعونا نبحر بمركب التعليم، ناقلين أسمعانا الهادئة من ميناء لأخر. ليتنا نشرع في الانشغال بالمعاني السامية متأملين في السماء والأرض والبحر وكل عناصر الخليقة الأخرى. لأن هذه الأمور قد قرئت علينا اليوم.

الخليقة كوسيلة لمعرفة الخالق 

(وقد يتسأل المرء قائلاً): ماذا يهمنا في الحديث عن الخليقة؟ فأقول بكل تأكيد أن الأمر يهمنا يا أحبائي، إذ أنه يمكننا أن نرى الخالق من خلال عظمة وجمال الخليقة، فبمقدار اهتمامنا وانشغالنا بعظمة الخليقة بمقدار ما يقودنا ذلك أكثر وأكثر إلى الخالق نفسه. 

فإنه لصلاح عظيم أن نعرف ماهية الخليقة ومَنْ هو الخالق؟ ما هو العمل (المخلوق)؟ ومن هو المُبدع؟ لأنه لو أن أعداء الحق كانوا يعرفون أن يميزوا بينهما بدقة ما كانوا قد وصلوا لخلط كل الأشياء معا، قالبين الأمور رأسًا على عقب، ليس لأنهم انزلوا النجوم والسماء لأسفل، ورفعوا الأرض لأعلى، بل لأنهم أنزلوا ملك السماوات من العرش الملوكي وأقاموه مع المخلوقات، بينما تلك المخلوقات كرموها بكرامات الألوهية. 

فلو أن أتباع ماني عرفوا أن يقدموا تعليما سليمًا عن الخليقة، ما أمكنهم أن يكرموها ويخصوها بصفات الغير المخلوق، تلك المخلوقات التي جاءت من العدم، التي تفنى وتتغير ومصيرها إلى الاضمحلال.

فلو أن اليونانيين عرفوا أن يقدموا تعليماً صحيحًا عن الخليقة ما أمكنهم أن يضلوا عن الحق ويكرمون الخليقة ويعبدونها بدلا من خالقها. فالسماء رائعة لذلك خُلقت حتى تسجد (أنت) لخالقها. والشمس متلألئة لكنها خلقت حتى تتعبد لباريها. أمّا إذا بقيت متأملاً أعجوبة الخليقة وتوقفت عند جمال المخلوقات فإن النور يكون قد صار لك ظلامًا، أو بالأخرى تكون قد حوّلت النور إلى ظلمة. 

فائدة الحديث عن الخلق 

أرأيت كم هو صالح أن تعرف علة وسبب الخلق؟ فلا تتغافل إذن عن تلك الفائدة ولكن لتنتبه للكلمة بكل اهتمام لأننا لن نتحدث فقط عن السماء والأرض والبحر ولكن أيضاً عن خلقتنا الخاصة ووجودنا ومن أين أتى الموت ولأي سبب الحياة مليئة أتعاباً ومن أين تأتي الضيقات والهموم؟ وأيضا كيف تأتينا العناية الإلهية؟ إذ أن الله قدم شرحًا لأسباب كل ذلك ولأمور أخرى كثيرة وأرسل لنا هذا السفر، لان الله لا يتحاشى أن يتحاجج مع البشر بل يصرخ بواسطة النبي قائلاً “هلم نَتَحَاجَج، يَقُولُ الرَّبُ” فهو لا يحاجج ويدين فقط ولكن يُعلمنا أيضا كيف يمكن أن نتجنب الدينونة لأنه لم يقل فقط “هلم نتحاجج” بل يعلمنا أولاً ما يجب أن نقول وما يجب أن نفعل وهكذا يقودنا إلى المُحَاكَمَةِ.

اسمع أولا الكلمة النبوية: “اِغْتَسِلُوا تَنقَّوا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ كُفُوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ. تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ اقْضُوا لِلْيَتِيم. حَامُوا عَن الأَرْمَلَةِ”. بعد أن قال هذا أردف حينئذ قائلاً : “هَلْم نَتَحَاجَج، يَقُولُ الرَّبُّ” وكأنه يقول لا أريد أن آخذكم مجردين ومقفرين من حقوقكم بل مسلحًا إياكم بالحجج والبراهين، هكذا أدعوكم لتحمل المسئولية، وأيضا أود أن أتقدم في المحاكمة معكم لا لكي أدينكم إنما كي أتحنن عليكم، وهكذا يقول في موضعا أخر ذَكِّرْنِي فَنَتَحَاكَمَ مَعًا . حَدِّثْ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ . ألديك مشتكٍ قاس وصعب المراس، الحق واخطف مكانه وسد فمه الوقح.

2- فمنذ البدء إذن والله يتحدث بنفسه مع البشر كلما أمكن أن يسمعوه فهكذا اقترب وتحدث مع آدم هكذا أكرم قايين، وبالمثل تحاور مع نوح وقبل ضيافة إبراهيم، لأن طبيعتنا قد جنحت للشر وفصلت نفسها وكأنها في منفى بعيد وهو يرسل لنا رسائل مُجَدِدًا صداقته القديمة معنا، وكأننا نوجد في هجرة بعيدة. وهذه الرسائل قد بعثها الله، وقدمها لنا موسى، فماذا تقول إذن هذه الرسائل ؟ : “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ”.

لماذا لم يتحدث عن خلقة الملائكة والكائنات الروحية؟

لأي سبب لم يحدثنا عن الملائكة ولا عن رؤساء الملائكة؟ لأنه إن كان الخالق يُنظر (يُعرف) أكثر من المخلوقات، فبالأكثر يظهر جليًا من خلال تلك الكائنات الروحية، فالسماء حسنة ولكن ليست حسنة بنفس مقدار الملاك، والشمس لامعة ولكن ليست بنفس لمعان رئيس الملائكة. 

لأي سبب إذن ترك الطريق الأسمى قائدًا إيانا للطريق الأدنى؟ لأنه كان يُحدِث اليهود الذين كانوا غير مدركين (للأمور الروحية) وكانوا معتادين على الأمور الحسية إذ قد خرجوا لتوهم من مصر حيث كان الناس يعبدون تماسيحًا وكلابًا وقرودًا، وما كان من الممكن أن يقودهم (موسى النبي) للخالق بالطريق الروحي الأكثر سمواً. لأن ذلك الطريق وإن كان أكثر سمواً ولكنه أيضا أكثر صعوبة، وصعوده صعب، وشاق على الضعفاء روحيًا، لذلك قادهم بالطريق الأكثر سهولة من خلال (الحديث عن) السماء والأرض والبحر وكل الخليقة المنظورة. وللبرهان على أن هذا هو السبب، اسمع كيف يتحدث إليهم النبي عن تلك القوات السمائية، عندما حققوا بعض التقدم الروحي الطفيف فيقول: “سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ. سَبِّحُوهُ فِي الْأَعَالِي سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلائِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ لِتُسَبِّح اسْمَ الرَّبِّ لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ”.

ولكن ما هو العجب في كون العهد القديم يطبق هذه الطريقة في التعليم، في حين أننا نجد نفس الأسلوب في العهد الجديد – وهو عصر التعاليم الأكثر سمواً – إذ نجد بولس يتحدث مع أهل أثينا مستخدمًا هذا الأسلوب في التعليم، وهو ذات الأسلوب الذي استخدمه موسى معلمًا به اليهود، هكذا لم يتحدث القديس بولس عن الملائكة ولا رؤساء الملائكة، ولكن عن السماء والأرض والبحر، قائلاً الآتي : “الإله الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلُّ مَا فِيهِ، هَذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي” ولكن عندما كتب لأهل فيلبي لم يقودهم بطريقة التعليم هذه وإنما نقلهم إلى مستوي أعلى من التعليم قائلاً الآتي: “فَإِنَّه فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوسًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتِ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. وهكذا أيضا يوحنا (الانجيلي) – إذ أن تلاميذه كانوا أكثر نضجاً روحياً – فقد ذكر (المخلوقات السماوية) مع كل الخلائق الأخرى، لأنه لم يقل السماء والأرض والبحر ولكن ” كُل شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ”. متحدثاً عما يُرى و ما لا يُرى.

كما يحدث تماما مع المعلمين ، فتجد أن المعلم الذي يأخذ الصبي من أمه يعلمه أولاً الحروف، أما المعلم الذي يأخذ الصبي من معلم أخر (سلفًا له)، فأنه يقود التلميذ لمستوى أعلى في التعليم هكذا قد حدث مع موسى وبولس ويوحنا. لأن موسى وضع في حسابه طبيعتنا، التى لم تكن تعرف شيئاً ، لأنها كانت لتوها قد فُطِمَت عن اللبن، فعلمها أولا المبادئ الأولى لمعرفة الله، أما يوحنا وبولس فلأنهما استلما أولئك (أي الشعب اليهودي) من موسى كمن يستلم تلاميذا من معلم، قائدين إياهم للتعليم الأكثر سمواً، مذكرين إياهم باقتضاب بالتعاليم السابقة. أرأيت القرابة التي بين العهدين؟ أرأيت التوافق بين التعليمين؟ أسمعت عن المخلوقات الحسية في العهد القديم، وعن (الكائنات) الروحية داود وهو يقول: لأَنَّهُ أَمَرَ فَخُلِقَتْ هكذا أيضا في العهد الجديد بعد أن تحدث عن القوات التي لا تُرى حينئذ تحدث عن المخلوقات المنظورة. 

الخلق من العدم

” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ”. هذه العبارة مقتضبة وبسيطة وفريدة ولكنها من الممكن أن تحطم كل حصون العدو، انتبه إذن، فقد يأتي أحد أتباع ماني ويَدَعِي أن المادة غير مخلوقة، فقل له “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ “. وحطم حالاً كل كبرياء له ولكن إن قال : لا أؤمن بكلام الكتاب، لذلك فلتصده وترده على أنه مخبول، لأن ذلك الذي لا يؤمن بكلام الله ويعتبر أن الحق مثل الكذب، فكيف لا يعد عدم إيمانه مثال جلي على خبله؟ فإن قال كيف يمكن أن يصير شيئًا من العدم؟ فمن فضلك أخبرني أنت كيف يمكن أن يصير شيء من مادة سابقة الوجود ؟ لأنه إن كنت أؤمن بخلق الأرض من العدم بينما تتشكك أنت في ذلك، فماذا عن خلق الإنسان من (تراب) الأرض وهو أمر نقبله نحن الاثنان، فلتجب إذن عما نقبله نحن الاثنان وهو أمر أسهل، أعني كيف أن الطبيعة البشرية قد صارت من التراب. لأنه من الأرض يصير الطين والطوب والقرميد والأواني الفخارية، ولكن أحدًا لا يمكن أبدًا أن يري لحما من الأرض، فكيف صارت إذن الطبيعة البشرية ؟ كيف تشكلت العظام والأعصاب والأوردة والشرايين والأغشية والدهن واللحم والجلد والأظافر والشعر، ومجموعة كبيرة متنوعة من عناصر الجسد من أرض وجدت من قبل؟ ولكن لن تستطيع أن تجيب، فكيف إذن لا يكون من الهراء أن تجهل الأكثر وضوحاً وسهولة، ثم تفحص وتدقق في الأصعب وغير المفهوم.

3- أو هل ترغب أن أقودك إلى أمر أخر أسهل ويحدث معك يوميًا؟ ولكن ولا حتى على هذا الأمر سوف تستطيع أن تجبني عن سببه، فيوميًا نأكل الخبز، فقل لي كيف إذن تتحول طبيعة الخبز إلى الدم والمخاط والصفراء وباقي العناصر الموجودة في جسدنا؟ لان الخبز صلب وجامد بينما الدم سائل ولين، والخبز أبيض أو قمحي بينما الدم أحمر أو أحمر قاني وباقي العناصر الأخرى التي لو فحص المرء الاختلافات فيما بينها فسوف يجد فارق كبير بين الدم والخبز، قل لي إذن كيف يصير كل هذا وأشرح السبب ولكنك لن تستطيع. ثم أنك غير قادر علي شرح التغير الحادث يوميًا على الأطعمة (في أجسدنا)، هل تريدني أن اشرح لك عمل الله في الخلق؟ فكيف لا يكون هذا أسوء مثال على عدم التعقل؟ 

لا يمكن تعليل أفعال الله في الخلق لأنه حتى أفعال البشر أحيانا نفشل في تفسيرها 

في الواقع، لو كان الله مماثلاً لنا فلتطلب حينئذ سبباً لأفعاله، ولكن غالبا حتى لو أن الأمر كذلك، فإنك لا تستطيع إيجاد تفسيرًا لأن كثير من الأعمال التقنية للطبيعة البشرية لا نستطيع إيجاد تفسير عن سبب صيرورتها ، فعلى سبيل المثال، كيف تصير من أرض المناجم طبيعة معدن الذهب، كيف يتحول الرمل إلى زجاج نقي، وأشياء أخر كثيرة غير تلك نستطيع أن نذكرها ، تصير من أعمال البشر ولا نستطيع أن نعرف علة صيرورتها، ولكني أقول لك لو أن الله مماثلاً لنا، فلتطلب إذن تفسير لعلة هذه الأشياء، أما إن كان يختلف عنا لأبعد الحدود، ويسمو عن أن يقارن بنا ، فكيف لن يكون أكبر مثال للحماقة أن نعترف من ناحية بأن حكمته وقوته هى غير محدودة، وطبيعته الإلهية غير مدركة، وأن نأتي من ناحية أخرى ونحاسبه على كل شيء يُحدِثه كما لو كان الأمر يختص بعمل من أعمال الطبيعة البشرية؟ 

ولكن لنترك تلك الهواجس ولنعود إلى الصخرة الصلبة (التي تؤكد أنه): “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ” وعلى هذا الأساس قف ولا تجعل أي شخص يلقيك في لُجة الأفكار البشرية المضطربة “لان هواجس البشر خبيثة وأفكارهم خاطئة وغير آمنة” فلا تترك ما هو راسخ وتستأمن خلاص نفسك على ما هو هش وغير آمن “وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنتَ” إذ يقول ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ” فإن اقترب أحدًا منك سواء من أتباع ماني أو ماركيون أو أولئك الذين يعانوا من تعاليم فالانتينوس السقيمة أو أي شخص آخر، اعرض عليه هذا القول وإن رأيته يضحك، فلتبك أنتَ لأجله لأنه أحمق. فأولئك لهم لون أصفر، ومقطبة حواجب أعينهم وكلامهم مملوء من النعومة لكن تجنب الطعم وميز الذئب الذي يختفي تحت جلد الحمل، لذلك أمقته لأنه بالنسبة لك يظهر كأنه شريك في العبودية (لله) وممتلئ وداعة وألفة، بينما بالنسبة لربنا كلنا فهو متوحش ومن الكلاب المسعورة إذ يعلن ضد السماء معركة بلا إنذار وحرباً بلا هدنة، مستبدلاً الله بقوة مضادة له. فلتتجنب إذن سُم الشرور ولتكره الدواء السام. أما الميراث الذي نلته من الآباء أي الإيمان والتعليم الذي ينبع من الكتب الإلهية، هذا استمسك به بحرص شدید. 

” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ” ما يعني هذا ؟! أخلق أولاً السماوات وبعد ذلك الأرض؟ هل خلق أولاً السقف ثم بعد ذلك القاعدة؟ إن الله ليس خاضعا لما يقتضيه الترتيب الطبيعي، ولا يذعن للقوانين الفنية، لأن مشيئة الله هي إرادة الخالق ومبدع الطبيعة والأعمال الفنية وكل الموجودات بشكل عام. 

لماذا خلق السماء دفعة واحدة بينما الأرض شرح بالتفصيل مكونتها وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً ٥٨ فلأي سبب يا ترى خلق السماء على أكمل وجه بينما الأرض صنعها بشكل متدرج كما قال موسى؟ بهدف معرفة قدرته على العنصر الأسمى أي السماء فتكون مقتنعًا أن لديه المقدرة على أن يصنع الأرض كاملة منذ البداية مثل السماء غیر أنه لأجلك ولأجل خلاصك لم يفعل هكذا فإن قلت لي كيف إذن لأجلي ولأجل خلاصي لم يفعل هكذا ؟ ذلك لأن الأرض هي مائدتنا ووطننا وطعامنا وأمنا أجمعين، فهي مدينتنا وقبرنا كلنا، إذ أن أجسادنا قد أتت منها وطعام أجسادنا نخرجه منها وفيها نسكن ونحيا وبعد موتنا نعود إليها مرة أخرى، وهكذا لكي لا يجعلك تتقبل بشكل اضطراري فائدة الأرض، ويجعلك تندهش أكثر مما يجب ويجرفك تعدد خيراتها إلى عدم التقوى، فيظهرها لك خربة وخالية (بلا جمال أو شكل) قبل أن يظهرها متكاملة، حتى عندما تنظر إلى ضعفها الذي كانت عليه، تتعجب من ذاك الذي خلقها ووضع فيها كل هذه القوة، كي تمجد ذلك الذي صنع كل تلك الأشياء الكثيرة لراحتنا . لتمجد الله ليس فقط نظريًا بالمعتقد القويم ولكن بالسلوك والمعيشة الفاضلة، لأنه يقول ” فَلْيُضِيُّ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”. 

خاتمة عن أهمية عمل الرحمة 

4- كنت أود أن أحدثكم عن عمل الرحمة، غير أنني أرى أنه من نافلة القول أن أعلمكم بالكلام فى الوقت الذي في وسطنا يوجد ذلك القادر أن يعلمنا بأعماله ، أبينا كلنا ومعلمنا ” ، الذي بيته الأبوي كما لو أنه استلمه من أسلافه لهذا الهدف، لكي يقدمه لخدمة الغرباء وجعله مفتوحًا على الدوام لأولئك الذين كانوا مطرودين بسبب الحق، واستقبلهم وأحاطهم بكل عناية بكافة الطرق . لدرجة أنني لا اعرف إن كان يجب أن يدعى بيته بأنه بالفعل “بيته” أم “بيت الغرباء” أم بالحري يجب أن يكون ملكه لأنه ملك للغرباء، في الواقع أملاكنا تكون ملكنا ليس عندما تكون في حوزتنا نحن إنما عندما تكون للفقراء، ولكن بأي طريقة يكون هذا؟ أقول لك، عندما تضع أموالك في يمين الفقير فلن يهاجمك مُغتاب، ولن تنظرك عين حاسدة ، ولن يسلبك لص، والمجرم لن يهجم عليك كي يخطف أموالك، والعبد لن يسرقك ويفر هاربًا، لأن خزينة أموالك تلك (التي وهبتها للفقراء) هي ملجأ وحمى لا يخترق. ولكن إن أخفيتها في بيتك عندئذ ستترك أموالك في تصرف اللص والمجرم والحاسد والمتكلم بالسوء والعبد وهكذا تكون هذه الأموال معرضة للتلف . ففي كثير من المرات، على الرغم من أن الأموال تكون مؤمنة بأبواب عدة وأقفال ، لتحفظها من الأخطار الخارجية، غير أنها لا تحفظها من القائمون على حراستها حيث يستولوا عليها ويفروا هاربين. 

أرأيت كيف عندئذ نكون أسيادًا على أملاكنا ، عندما نعطيها للفقراء؟ هذا الطريق (العطاء) ليس فقط آمن من جهة الحراسة والحفظ، ولكنه صار سببا لفائدة ومكسب أعظم. لأنه عندما تقرض مالك لإنسان فإنك ستنال مثلاً فائدة واحد في المئة، أما إن أقرضت الله من خلال الفقير، فستنال فائدة ليست واحد في المئة بل مئة ضعف. فإن كنت تزرع حقلاً خصبًا فعندما تنتج حصادًا كبيرًا ، فسوف تحصد ثمارًا عشرة أضعاف أو حتى ضعف ذلك، ولكن إن كانت فلاحتك في السماء فإنه بخلاف عشرات الأضعاف من الثمار فإنك علاوة على ذلك ستنال حياةً أبديةً خالدةً وغير بائدة. فإنه (على الأرض) التعب عظيم لأولئك الذين يزرعون البذور بينما هناك (في السماء) فبدون احتياج لحرث أو ثيران أو مزارعين أو أي من المشقات الأخرى. ومن غير الممكن أن نزرع هناك (في السماء) ونخاف الجفاف أو هطول السيول أو أي من آفات النبات. ولا من البرد أو من أسراب الجراد أو من فيضان الأنهار أو أي شيء أخر . ولكن زرعهم هناك يوجد بعيدًا عن أي ضرر. إذن عندما لا يوجد تعب ولا خطر ولا ارتياب أو أي فشل ويصير ما ينمو أكثر كثيرًا من الذي يُزرع وينبت كثير من الخيرات “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ كيف لا يكون مثالاً لأسوء لا مبالة أن نسعى للقليل ونترك الكثير ، وأن نهجر الأمن ونطلب المتقلب الممتلئ من الأخطار والحاوي لكثير من الإخفاق؟ لأنه أي عذر لنا نحن الذين نفعل هذا وأي حجه سندافع بها؟ بلا شك نتحجج بفقرنا كعذر لنا ولكننا لسنا أفقر من الأرملة التي كان معها فقط فلسين وقدمتهما. 

ليتنا تظهر إذن غيرة من غنى تلك المرأة، دعونا نقلد شهامة عزيمتها، حتى نظفر بالخيرات المحفوظة لها، تلك الخيرات التي نتمنى كلنا أن ننالها باستحقاق بصلوات وتشفعات الكهنة، وبنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. أمين. 

زر الذهاب إلى الأعلى