تفسير سفر أعمال الرسل ١٠ للقمص تادرس يعقوب

الباب الرابع

إلى أقصى الأرض

ص 10- ص 28

الأصحاح العاشر

انفتاح عينيّ بطرس الرسول

على خدمة الأمم

الآن إذ انتهى الأصحاح السابق بإقامة طابيثا من الموت باسم يسوع المسيح، هذه التي قدّمت أعمال محبّة في سخاء للأرامل والمحتاجين، فما الموقف بالنسبة للأمم، خاصة المشتاقين لخلاص نفوسهم؟ هل يُتركون في قبورهم موتى لمجرّد أنّهم من الأمم؟

لقد أعلن السيد بكل وضوح عن الكرازة بين الأمم (مت28: 19)، وفي عيد العنصرة تحدث القدّيس بطرس عن تحقيق نبوّة يؤئيل وأن “كل من يدعو باسم الرب يخلص” (أع 2: 21). لكن حتى بعد سنوات من العنصرة كان الرسل أنفسهم يظنّون أنّه لا دخول للأمم إلى الإيمان بيسوع المسيح إن لم يتهوّدوا أولاً.

يقدم لنا هذا الأصحاح بدء حقبة جديدة في تاريخ خدمة الرسل، إذ لم تعد رسالة الإنجيل قاصرة على اليهود، بل تمتد نحو الأمم لتُعلن لكل البشرية.

يقدم لنا القديس لوقا خلال الأصحاحات السابقة الكرازة في أورشليم ثم اليهودية فالسامرة، وفي نفس الوقت كان روح الرب يهيء الجو لانفتاح باب الإيمان للأمم. كانت الخدمة محصورة في دائرة أهل الختان، الآن يصدر الأمر واضحًا لرسول أهل الختان، بطرس، مؤكدًا بدء انفتاح الباب، وقد اختار القديس بطرس حتى لا يحدث شق في كنيسة المسيح، فتصير كنيستين منفصلتين ومتعارضتين، واحدة تضم الذين من أصل يهودي أو من المتهودين والأخرى تضم أهل الغرلة. كان يلزم أن يُعلن لرسول أهل الختان رفع نير حرف الناموس حتى لا يُتهم الكارزون بين أهل الغرلة أنهم مقاومون للناموس، ومستهينون ببركات العهد القديم.

انفتاح الباب للأمم كان سرًا حتى بالنسبة للرسل، وموضوع دهشتهم بالرغم من تهيئة الرب لأذهانهم لقبوله (مر16: 15)؛ وبالرغم من وجود نبوات متعددة في العهد القديم عن ذلك. فلا نعجب إن كان الله قد دفع القديس بطرس دفعًا للكرازة لبكر الأمم وتعميده. الآن قد رُفع الحجاب الذي يفصل أهل الختان عن أهل الغرلة، حتى يجلس الاثنان معًا على مائدة الرب الواحدة بلا تمييز، ويشتركان معًا في العبادة والتمتع بمواهب الروح الواحد، ويصير الكل أعضاء في جسد المسيح الواحد، وينتسبون للآب الواحد.

  1. رؤيا كرنيليوس 1-8.
  2. رؤيا بطرس الرسول 9-16.
  3. لقاء مع رجال كرنيليوس 17-23.
  4. لقاء مع كرنيليوس 24-33.
  5. حديث للقدّيس بطرس 34-43.
  6. عماد كرنيليوس ومن معه 44-48.
  7. رؤيا كرنيليوس

“وكان في قيصرية رجل اسمه كرنيليوس،

قائد مائة من الكتيبة التي تدعى الإيطالية”. [1]

في الأصحاح السابق يقدم لنا القديس لوقا صورة ممتعة لرجلٍ دخل تحت الناموس مع عظمة مركزه يتمتع بعظمة تقواه وشوقه العجيب لدراسة الكتاب المقدس، وغيرته المتقدة نحو خلاص نفسه (خصي كنداكة). وفي هذا الأصحاح يقدم لنا إنسانًا عظيمًا في رتبته، ومع كونه لم يكن يهوديًا، ولا تحت الناموس، لكنه كان عظيمًا في تقواه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يظهر عظمة تقواهما، فإنه من المدهش أن نجد شخصًا ما هكذا وهو في غنى وسلطان مثل هذين الشخصين].

v ما يسبب مدحًا للأول أنه قام برحلة طويلة بينما لم يكن في وقت عيد يستلزم هذا، وقراءته في الطريق، وهو في المركبة، وتوسله لفيلبس، وأمور أخرى عديدة. وأما عظمة مديح الأخير (كرنيليوس) أنه يقدم صدقات وصلوات، وكان تقيًا ويتمسك بوصية كهذه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

اختار السيد المسيح بكور مؤمنيه من اليهود من صيادي السمك البسطاء ليخزي بهم الحكماء؛ أما بالنسبة للأمم فاختار قائدًا رومانيًا. لم يختر فيلسوفًا يونانيًا ولا كاهن أوثان، بل قائدًا، كل ما يشغله حفظ الأمن وتنفيذ القوانين وتمتع البشر بالحرية، خاصة أصحاب الجنسية الرومانية. إنه صاحب فكر حر، ليس من يضغط عليه، ولا من يقدر أن يخدعه.

كان كرنيليوس قائدًا في الجيش الروماني تحت قيادته مئة جندي. سبق فسمعنا عن قائد المئة الذي سبق بإيمانه كل من في إسرائيل ليتكىء في ملكوت السماوات مع إبراهيم وإسحق ويعقوب (مت ٨: ١١ – ١٢). أما القائد الثاني فهو الذي شهد للسيد المسيح ومن معه أثناء الزلزلة، قائلين: “حقًا كان هذا ابن الله” (مت ٢٧: ٥٤). والآن نحن أمام قائد مئة ثالث الذي اشتاق إلى الحق الإلهي، فاستخدمه الله درسًا للقديس بطرس لفتح باب الإيمان للأمم. انضم إلى هذه الفئة قائد مئة رابع كان مكلفًا بحراسة الرسول بولس في الأسر ليذهب به إلى روما، هذا رفض قتل الأسرى حين انكسرت السفينة حتى يخلص بولس (أع ٢٧: ٤٢-٤٣).

يقول المؤرخ بوليبييوس Poliybius أن قواد المائة في الجيش الروماني كانوا معتبرين ملح الجيش الروماني، ممتدحًا أخلاقهم، إذ يُشترط أن يكونوا متعقلين، مستقيمين، ذوي حكمة ورزانة، قادرين على ضبط نفوسهم.

من الكتيبة الإيطالية“: كان قوامها ما بين ٦٠٠ و ١٠٠٠ جندي، لكن لم تكن مثل هذه القوات الكبيرة موجودة في فلسطين حتى سنة ٤١م، ولكن في أيام أغريباس الأول (أع ١٢: ١) وُجدت عدة قوات مثل هذه.

دًعيت الكتيبة الإيطالية، ربما لأن كل جنودها كانوا رومانيين قادمين من الجيش الروماني في إيطاليا، وهم متميزون عن بقية الجنود في الجيش المختارين من ولايات أخرى. هؤلاء كانوا موضع ثقة الإمبراطور، حتمًا يعملون لحساب السلطة الرومانية، لن يقوم من بينهم خائن للإمبراطورية.

“وهو تقي وخائف اللَّه مع جميع بيته،

يصنع حسنات كثيرة للشعب،

ويصلّي إلى اللَّه في كل حين”. [2]

بلا شك أن بعض اليونانيين والرومانيين، حتى الذين كانوا يعملون في الجيش تأثروا ببعض اليهود الأتقياء، فصاروا يعبدون الله الواحد (المجهول) بروح التقوى ومخافة الرب، فكانوا لا يميلون إلى عبادة التماثيل، ولا ينغمسون في الملذات والشهوات الجسدية، مثل هؤلاء فتح الروح القدس قلوبهم ليقبلوا الإيمان المسيحي.

v يقول: “وهو تقي خائف الله، مع جميع بيته“، فلا تظن أن ما حدث كان بسبب رتبته العظمى.

عندما أُجتذب شاول لم يظهر ملاك بل الرب نفسه، لم يرسله إلى شخصٍ عظيمٍ، بل إلى رجل عادي جدًا.

هنا على العكس جلب رسولاً عظيمًا لهؤلاء الأمم ولم يرسلهم إليه، لقد نزل إلى ضعفهم، فهو يعرف كيف يتعامل معهم.

في حالات كثيرة نجد المسيح نفسه مسرعًا إليهم بسبب أنهم أكثر ضعفًا. أو لأن كرنيليوس لم يكن قادرًا أن يترك بيته. هنا أيضًا نجد المديح العلوي للصدقات كما قُدم في حالة طابيثا.

v “خائف الله مع جميع بيته“. ليسمع هذا من كان منا مهملاً لأهل بيته، بينما كان هذا الرجل يعتني بجنوده أيضًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كان كرنيليوس رجلاً متدينًا، لا يعبد الأصنام، ولا آلهة باطلة، ولا يسمح لنفسه أن ينغمس في الرجاسات التي اتسم بها العالم الوثني. كل ما يعرفه ويؤمن به هو وجود إله خالق السماء والأرض، إله واحد حقيقي حي، لكنه مجهول بالنسبة له.

مع كونه صاحب سلطان كقائد مئة، لكنه يحمل مخافة وخشية لله المجهول اتسم بثلاث سمات هامة:

v قاد بيته إلى الحياة التقوية التعبدية، لم يضم تحت سقفه أي عابد للأوثان، ولا من يسلك بالشر، بل كان جميع أهل بيته وكل العاملين في البيت يخشون الله.

v اتسم بالحنو العملي وتقديم الصدقات؛ غالبًا وهو روماني يعمل في الكتيبة الإيطالية في قيصرية كعاصمة الولاية مدنيًا، يقدم صدقاته للفقراء والمحتاجين من اليهود. مع كونه أمميًا كان يعطي بسخاء للمحتاجين من اليهود.

v كان رجل عبادة وصلاة، يمارس الصلاة الدائمة في كل حين، يمزج العمل الصالح بحياة الصلاة.

ظن البعض أن كلمات القديس بطرس وأيضًا غيره من التلاميذ أنه كان أمميًا غريب الجنس، لم يختتن ولم يقبل الناموس (أع 11: 1-3؛ 10: 28). ربما أعجب بالديانة اليهودية من جهة الإيمان بالله الواحد، كما أُعجب بالمبادئ الأخلاقية والسلوكية وبالإلتجاء إلى الله والصلاة إليه، لكنه لم ينضم إليهم كعضوٍ في الأمة اليهودية أو كأحد أفراد الشعب، ولا حُسب دخيلاً. يدعوه البعض شبه دخيل.

“فرأى ظاهرًا في رؤيا نحو الساعة التاسعة من النهار،

ملاكًا من اللَّه، داخلاً إليه، وقائلاً له:

يا كرنيليوس”. [3]

إذ كان اليهود يعتزون أنهم تسلموا الناموس بخدمة ملائكة، فهوذا رجل أممي تقي محب للصلاة يتمتع بخدمة الملائكة.

في الساعة التاسعة، أي الثالثة بعد الظهر، حيث كان ذلك موعد الصلاة عند اليهود ظهر ملاك مرسل من الله، لا في الهيكل وسط المتعبدين، بل لرجلٍ أمميٍ يتعبد مع أسرته في بيته، ظهر له لا في حلم بل علانية.

لعله تعلم من اليهود ممارسة الصلاة في ساعات معينة، إذ كانوا يصلون ثلاث مرات: الصباح الباكر، والتاسعة من النهار، والغروب.

قدم كرنيليوس صلاته فصعدت كبخورٍ طيبٍ، كتقدمةٍ أو تذكارٍ أمام الله، مع أنه كان أمميًا. لقد قبل الله صلواته وصدقاته ذبائح سرور أمام الله، وإن كان محتاجًا إلى التمتع بالدم الثمين الذي بدونه لا تحصل مغفرة.

وضعت الكنيسة تدبيرًا للمؤمن أن يصلّي في ساعات معيّنة، حتى لا يهمل الصلوات، وإن كان هذا التدبير لا يمنع رفع الصلوات في كل حين، وانشغال الفكر باللَّه. في هذه الصلوات نتذكّر أعمال اللَّه الخلاصيّة، حتى لا يفارق الصليب فكرنا، ولا تُنزع صورة المخلّص عن قلوبنا.

v لتقم صلواتك في الساعة الثالثة (مر15: 25)، ففي ذلك الوقت أصدر بيلاطس الحكم على ربّنا ومخلّصنا بصلبه… ولتقم صلواتك أيضًا في الساعة السادسة، لأنّه وقت الصلب… أنّنا نلاحظ أيضًا الساعة التاسعة، ففي ذلك الوقت اِظلمّت الشمس وارتعدت الأرض، إذ لم تكن قادرة أن تتطلّع إلى مرارة القسوة.

القوانين الرسوليّة

v إذا كنت بالحقيقة في بيتك، فصلِّ في الساعة الثالثة وسبّح اللَّه، وإن كنت في موضع آخر وجاء ذلك الوقت فصلِّ في قلبك إلى الله. لأنه في تلك الساعة نُظر المسيح وهو يُسمرّ على الخشبة. ولأجل هذا ففي (العهد) القديم يأمر الناموس أن يُقدّم خبز التقدمة دائمًا في الساعة الثالثة (مثالاً لجسد المسيح ودمّه). وذُبح الحمل الصامت الذي هو مثال الحمل الكامل، لأن المسيح هو الراعي وهو أيضًا الخبز الذي نزل من السماء.

صلِّ أيضًا في الساعة السادسة، لأنّه في تلك الساعة عُلِّق المسيح على خشبة الصليب، وانشق ذلك اليوم، وحدثت ظلمة عظيمة. فليُصلَّ إذن في تلك الساعة صلاة قويّة، متشبّهين فيها بصوت من صلّى وصيَّر كل الخليقة مظلمة لليهود غير المؤمنين.

ليقيموا أيضًا صلاة عظيمة وتسبحة عظيمة في الساعة التاسعة، لتعرف أن نفوس الأبرار تبارك الرب الإله الحق، هذا الذي ذكر قدّيسيه، وأُرسل لهم ابنه الذي هو كلمته لينير عليهم. لأنّه في تلك الساعة طُعن المسيح في جنبه بالحربة، فخرج دم وماء، وأنار بقيّة ذلك اليوم إلى المساء. لذلك عندما بدأ ينام ابتدأ يوم آخر، فأعطى بذلك مثال القيامة.

التقليد الرسولي لهيبوليتس

v لماذا رأى ملاكًا؟ هذا أيضًا كان من أجل التأكيد الكامل لبطرس، أو بالأحرى ليس (لكرنيليوس) بل للآخرين الضعفاء (الذين كانوا معه).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إذ انتهى من اهتماماته وصار في سكون انشغل بالصلوات والندامة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v مع أن كرنيليوس لم يتعلّم وصايا الإنجيل صلّى سرّيًا وبإخلاصٍ في حجرته، فوُجد أهلاً أن يسمع صوت الملاك يتحدّث. وماذا نقول عن يونان، الذي لم يكن حتى في حجرته، بل في فخ مِعْدّة الحوت، تأهّل جدًا أن تُسمع صلواته التي من أعماق البحر، ولم يلحقه أذى من معدة وحشٍ عظيمٍ هكذا، وبقي حيًا؟.

خروماتيوس أسقف أكويلا

تمت هذه الرؤيا في وقت الساعة التاسعة، أي في وضح النهار، فلا مجال أن يسقط كرنيليوس فريسة لأوهام أو تخيلات، فقد كان يقظًا متنبهًا.

هذا وقت تمت هذه الرؤيا وقت الصلاة في الهيكل، حيث كان الكهنة يشتهون أن يسمع الله صلواتهم ويقبل ذبائحهم وتقدماتهم عن الشعب، ولم يدركوا أن الله مهتم بأممي في قيصرية في بيته. وأن الله قد أرسل إليه ملاكه، يعلن له عن قبول صلواته وصدقاته ليرتل مع النبي: “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك. ليكن رفع يدى كذبيحة مسائية” (مز 141: 2).

“فلما شخص إليه ودخله الخوف قال:

ماذا يا سيد؟

فقال له:

صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام اللَّه”. [4]

إذ رأى كرنيليوس بهاء الملاك وطريقة ظهوره، أدرك أنه كائن أعظم من الإنسان وليس بأقل من ملاك، فدخله الخوف بسبب الظهور المفاجئ، ودعوته له بالاسم. أدرك أنه رسول سماوي، قادم خصيصًا لأجله، يحمل رسالة شخصية، لكن ما هي هذه الرسالة؟ لذا تساءل: “ماذا يا سيد؟

حمل شوقًا صادقًا للتعرف على فكر الله، وكان مستعدًا أن يسمع ويستجيب لأي أمرٍ سماويٍ يصدر إليه، وذلك كما سبق فقال يشوع بن نون: “ماذا يقول سيدي لخادمه؟” وكما قال صموئيل النبي: “تكلم يا رب فإن عبدك سامع”.

كشف له الملاك أن صلواته وصدقاته قد صعدت معا إلى حضرة الله. هكذا لا قيمة للصلاة بلا حب ورحمة، ولا قيمة لعمل الرحمة للبشر بلا حب لله مترجم خلال الصلاة. لقد انطلقت صلواته وأصوامه، لا إلى الشوارع لكي ينال مجدًا من الناس كما كان يشتهي الفريسيون، وإنما صعدت معًا خفية إلي عرش الله، لتُسجل في سفر التذكار الذي يًكتب في حضرة الله، ليضم فيه أسماء خائفي الرب.

شخص إليه“: إذ تمتع كرنيليوس بقلبٍ محبٍ لله والناس، أمكن حتى لعينيه أن تتركزا في رؤية كل ما هو سماوي، دون أن تسحبهما الأمور الأرضية الزمنية.

بينما كان اليهود يقدمون الذبيحة المسائية في تلك الساعة، ويأملون أن تكون صعيدة مقبولة إذا بالملاك المرسل من الله يعلن صدقات وصلوات هذا الأممي أنها صعيدة أمكنها أن ترتفع وتصعد حتى أمام العرش الإلهي. فإن الله يطلب صعائد لذبائح الحب والطاعة والتسبيح (إش 1: 11-15؛ عا 5: 21-22؛ 1 صم 15: 22؛ هو 6: 6؛ جا 5: 1).

قد يتساءل البعض: كيف صعدت صلوات وصدقات هذا الأممي؟ ألم يكن في حاجة إلى دم ابن الله الوحيد للمصالحة مع الآب؟ ليس من شهادة أن هذا الأممي قد اعتمد على أعماله البارة الذاتية، لكنه كان يقدم صلوات وصدقاته خلال مخافته لله. كان يشتهي أن يتعرف على إرادة الله ويود أن يتممها، لهذا إذ ظهر له الملاك لم يجادل في شيء بل في خضوعٍ كاملٍ تمم ما صدر إليه من أمر إلهي. كان مشتاقا إلى مخلص، لذا أصغى إلى الرسالة السماوية وقبل كرازة القديس بطرس له بخصوص الخلاص بسرور في غير جدالٍ.

v لنتعلم عن السيد المحب المتحنن كيف لا يتجاهل أحدًا. وإنما إذ يرى نفسًا سامية يسكب نعمته عليها بسخاء.

v الصلاة فوق الكل يمكنها أن تحفظ باستمرار بهاء هذا الثوب الروحي. مع الصلاة يكون السخاء في العطاء الذي هو تاجنا في العمل الصالح ووسيلة خلاص نفوسنا. الصلاة مع العطاء يمكنهما أن يمدانا بخيرات علوية بلا عدد، وأن يطفئا نار الخطية في نفوسنا، ويهبانا حرية عظيمة.

v ليسمع ذلك المقيدون في الجيش، وليتعلموا أن الخدمة العسكرية لا تقف عائقًا ضد االفضيلة لمن يرغب أن يكون ساميًا. ليتعلموا أنه يمكن للإنسان أن يعطي اهتمامًا عظيمًا لفضيلته حتى وإن ارتدى حلة الجندية والمنطقة، وإن كان له زوجة ومهتمًا بأطفال، ومديرًا لبيت، حتى وإن كان ملتزمًا بعملٍ عامٍ.

v لا تسمح لحب الغنى أن يلتهب فيكم أو يمتلككم، بل لتهلك هذه الشهوة المفرطة، وتتبدد بنار الروح. لتتمزق بسيف الروح. إنها ذبيحة رائعة لا تحتاج إلى كاهن، بل يقدمها من يمارسها. إنها ذبيحة رائعة تتم أسفل (على الأرض) لكنها للتو ترتفع إلى العلي… هكذا كانت تقدمات كرنيليوس، فقد قيل: “صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله“. انظروا إنه أروع اتحاد.

v لاحظوا كيف لم يتحدث الملاك فورًا بل رفع أولاً عقله وسما به. عند رؤية الملاك صار خوف، لكنه خوف معتدل، قدرما يخدم تركيز ذهنه. الخوف رفعه، والمديح خفف ما في الخوف مما هو غير مبهج.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v علمنا الرب نفسه أن الشياطين العنيفة جدًا لا يمكن أن تُغلب إلا بالصلاة والصوم. وُجد كرنيليوس أهلاً لنوال عطية الروح القدس خلال الصدقات والأصوام المستمرة قبل العماد.

القديس جيروم

“والآن أرسل إلى يافا رجالاً،

واستدع سمعان الملقّب بطرس”. [5]

لقد أرسل الله ملاكًا لكرنيليوس ليقوده إلى الكنيسة ممثلة في أحد رسلها، لكنه لم يقدم له إنجيل الخلاص، ولا أعلن له عن الإيمان بيسوع المسيح، إنما طالبه باستدعاء الرسول بطرس الذي يقدم رسالة الإنجيل ويقوده إلى طريق الخلاص. فالكرازة بالإنجيل هو عمل خدام الكلمة وليس الملائكة. إنها نعمة فائقة مقدمة لرجال الله تكشف عن غنى المسيح الفائق (أف 3: 8). حقا أن الملائكة هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 2: 5)، يبعثون من الله إلى المعلمين أو الآباء كما إلى المحتاجين إلي التمتع بكلمة الخلاص.. غايتهم أن يلتقي الكل بالمسيح يسوع في كنيسته المقدسة.

“أنه نازل عند سمعان رجل دباغ،

بيته عند البحر،

هو يقول لك ماذا ينبغي أن تفعل”. [6]

بيته عند البحر” أي عند الشاطىء حيث كان سمعان دباغًا، والدباغة تحتاج إلى ماء كثير، خاصة وأن ماء البحر مفضل في عمليات الدباغة. ولعل ما كان يهم الإنجيلي لوقا هو أن هذا البيت لا تجاوره بيوت أخرى، إذ كان اليهود يحسبون عمل الدباغة دنسًا.

v ألا تلاحظون كيف أحب الرسل الخلوة والسكون فاختاروا الأماكن البعيدة للمدن؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فلما انطلق الملاك الذي كان يكلم كرنيليوس،

نادى اثنين من خدامه وعسكريًا تقيًّا من الذين كانوا يلازمونه”. [7]

في طاعة وبسرعة في غير تردد أرسل كرنيليوس اثنين من خدامه وجنديًا ليستدعى القديس بطرس. لو أن كرنيليوس وحده كان مشتاقا أن يحقق إرادة الله ويتمتع بالخلاص لذهب بنفسه إلى القديس بطرس، لكن كان كل أهل بيته وربما بعض جنوده وأصدقائه أيضا مهتمين بخلاصهم، لذا أرسل يستدعي القديس.

“وأخبرهم بكل شيء،

وأرسلهم إلى يافا”. [8]

عاشت الكنيسة في مجدٍ عجيبٍ يقدمه لها الروح القدس قائد الكنيسة والمعزي لها. لذا نرى في حركة الكنيسة ظهور ملائكة، وأحلام مقدسة، ورؤى إلهية، بل وأحيانًا يحمل الروح الخدام وينطلق بهم إلى مواضع للكرازة.

حقًا إنه لأمر عجيب أن يرى قائد أممي ملاكًا يصدر له أمرًا باستدعاء رجل يهودي لم يتعرف عليه قبلاً، وربما لم يسمع عنه، فيرسل بعثة، ويحدد لها موقع البيت واسم الشخص، وكأن الأمر قد صدر إليه من أعلى درجات القيادة لجيش السماء. تحرك القائد في طاعة كاملة بغير أدنى تشكك، ليصير بحق بكر كنيسة الغرلة، يتقبل الروح القدس بطريقة فريدة، ليفتح أمام إخوته أهل الغرلة مخازن الروح القدس ونعمه الفائقة.

v لاحظوا شخصية هذا الرجل المتواضعة، فإنه لم يقل لهم: استمعوا إليّ، بل أخبرهم بكل الأمر – ما أفعله إنما أُمرت به من قبل العناية الإلهية. فإنه لم يرد أن يستخدم سلطانه لإحضار بطرس إليه، لهذا “أخبرهم بكل شيء“.

القديس يوحنا الذهبي الفم

نقف بكل تقديرٍ واعتزازٍ أمام هذا القائد الذي يرى في السلطة حبا واتساع قلب، فإنه لم يصدر أوامره ويلتزم خدامه وجنوده بالطاعة العمياء، وإنما اخبرهم بكل شيء كأب محب يعلن أسراره لأولاده المحبوبين لديه، حتى يشاركونه البركات الإلهية. صورة رائعة لمفهوم القيادة والسلطة كثيرًا ما لا نجدها حتى في حياة الوالدين أو المرشدين أو الكهنة!

أرسلهم إلى يافا، حيث ينطلق القديس بطرس من هناك إلى قيصرية يجتذب بكر المؤمنين من بين الأمم. وهي نفس البقعة التي منها انطلق يونان النبي ليكرز لأهل نينوى، الشعب الأممي، ليقدموا توبة ويتمتعوا بالمراحم الإلهية.

  1. رؤيا بطرس الرسول

“ثم في الغد فيما هم يسافرون،

ويقتربون إلى المدينة،

صعد بطرس على السطح ليصلّي نحو الساعة السادسة”. [9]

إذ انطلقت البعثة إلى مدينة يافا التي تبعد حوالي ٣٠ ميلاً عن قيصرية، تحركت السماء لتعلن للقديس بطرس قبيل وصول البعثة التي انطلقت في الصباح المبكر لتصل في وقت الظهيرة (تقطع الخيول المسافة في ٦ ساعات). ظهرت الرؤيا لبطرس الرسول، والبعثة على أبواب البيت. كانوا يسألون عن القديس بطرس، وكأن الأمر يصدر أن يقوم فورًا من الغيبة ليعمد الأمم ويقبلهم في شركة مائدة الرب.

كان تحقيق هذا الأمر فيه صعوبة، فقد حرم الناموس الاختلاط بالأممين مهما كان سلوكهم. كان لابد من أمرٍ إلهيٍ يصدر للرسل عند تحركهم العملي للبدء في خدمة الأممين. لهذا كانت هناك حاجة ملحة إلي رؤيا سماوية للقديس بطرس كي ينطلق إلى بيت كرنيليوس، كما كانت الحاجة أيضا إلى رؤيا سماوية لحنانيا، كي يذهب إلى شاول الطرسوسي، ويكرز له ويعمده. فبالرغم من النبوات الصريحة والواضحة في العهد القديم برجوع الأمم إلي الله، ومن دعوة السيد المسيح لتلاميذه أن يكرزوا في الخليقة كلها لم يكن ممكنًا التحرك العملي لتحقيق ذلك دون رؤى سماوية في لحظات البدء بالعمل.

لقد صعد بطرس على السطح ليصلي، ووهبه الرب هذه الرؤيا، لكنه لم يكشف له ما حدث في بيت كرنيليوس، ولا عن الرسل القادمين إليه يستدعونه، ولا عما سيحدث في اللقاء مع كرنيليوس؛ إنما جاءت الرؤيا تدفعه للتحرك مع هؤلاء الرسل. فالله يكشف لخدامه قدر ما يناسب الزمن. كان على القديس بطرس أن يتحرك في طاعة للرؤيا، ليرى بعينيه أعمال الله العجيبة التي لم يكن يتوقعها. عليه ألا يسأل عما سيحدث، وإنما أن يثق في عمل الله الفائق، وأن يدرك أن لكل أمرٍ زمن معين لدى الله.

على السطح“: كان الناموس يلزم المؤمنين أن يقيموا سورا يحوط بالسطح حتى لا يسقط أحد. وكان السطح المكشوف أو الحجرة المقامة عليه تعتبر من أفضل الأماكن للخلوة مع الله والصلاة. ولم يكن أحد من الساكنين في المنازل المجاورة أو الذين في الشارع يرى من يجلس أو يركع أو يقف أثناء خلوته على السطح. يرى البعض أن الصلاة على السطح تعطي فرصة أعظم للصلاة، فمن جانب يرى السماء مكشوفة أمامه، فلا ينشغل فكره بالأرضيات، بل يترقب انطلاقه إلى بيته السماوي، متحررًا من كل ما هو أرضي. ومن على السطح يرى نصيبًا كبيرًا من المدينة، فيتحدث مع الله باسم الشعب كله، ويطلب عن إخوته. وعلى السطح لا يسمع أحدًا ولا يسمعه أحد، بل يتحدث في خلوة مع إلهه.

نحو الساعة السادسة“: كان غالبية اليهود يحرصون على الصلاة الصباحية والمسائية، أما الأتقياء فيحرصون على الصلاة في وقت الظهيرة، أي يصلون ثلاث مرات، كما كان دانيال النبي يفعل في السبي (دا 6: 10-13)، وأيضا داود النبي (مز 55: 17). وكان المسيحيون الأوائل يحرصون على هذه الصلوات الثلاث كما يقول القديس إكليمنضس السكندري.

“فجاع كثيرًا،

واشتهى أن يأكل،

وبينما هم يهيئون له وقعت عليه غيبة”. [10]

غيبة“: تشير إلى حالة للعقل فيها يمتص بالكامل في فكرٍ معينٍ أو أمرٍ ما حيث تبدو الحواس الخارجية كأنها متوقفة جزئيًا أو بالكامل. هي حالة انسحاب للفكر والقلب عما هو منظور أو مسموع لينسحب كيان الإنسان إلى أعماقه. وكأن لا شيء حوله، أو كأن النفس قد انطلقت من الجسد، لتعبر إلى جوٍ روحيٍ لا يخضع للحواس البدنية. قيل عن بلعام أنه رأى القدير في رؤيا بينما كان ساقطًا في غيبة (عد 24: 4، 16). والقديس بولس سقط في غيبة وهو في الهيكل (أع 22: 17)، وتكرر الأمر معه (2 كو 12: 2).

جاع القديس بطرس كثيرًا واشتهي أن يأكل، فقدم له السيد المسيح طعامًا يشبع قلوب السمائيين، وهو دخول الأمم إلى الإيمان. لقد جاع السيد المسيح نفسه بعد أن صام أربعين يومًا، وقد طلب الشيطان منه أن يحول الحجارة خبزًا، وقد رفض السيد ذلك، لأنه ترقب هذا اليوم الذي فيه يحول الحجارة البشرية التي صارت صلدة بلا أحاسيس بسبب عبادة الأصنام الحجرية لتصير بالحق طعامًا سماويًا يبهج قلب الله. لقد تحولت الحجارة إلى خبزٍ مشبع، كما تحولت الحجارة إلى أولاد لإبراهيم، كما وعد السيد المسيح بذلك، حين قال أن الله قادر أن يقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم.

v ماذا يعني تعبير غيبة ek[ta[ic؟ منظر روحي (ثيؤريا)، فلتقل أن النفس صارت كأنها خارج الجسد. “فرأى السماء مفتوحة…”.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v طلب والد يعقوب طعام الكلمة، لأن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل كلمة من الله (مت 4:4؛ لو 4: 4). مثل هذا الطعام طلبه اسحق (تك 27: 4). مثل هذا الطعام جاع إليه بطرس عندما رأى العلامات السرية لمستقبل إيمان الأمم.

القديس أمبروسيوس

” فرأى السماء مفتوحة،

وإناء نازلاً عليه مثل ملاءة عظيمة،

مربوطة بأربعة أطراف،

ومدلاّة على الأرض”. [11]

اعتاد العهد القديم أن يتحدث عن السماء، وقد انفتحت أبوابها لنزول شيء ما منها، وكأنها قد صارت مغلقة أمام البشرية تنفتح أبوابها لتحقيق رسالة معينة لتبقى مغلقة أمام وجه الإنسان الذي أعطى ظهره لله. وقد جاء كلمة الله المتجسد ليفتح أبواب السماء، بل ويقيم ملكوته داخل الإنسان.

ما أن ارتفع قلب القديس بطرس الرسول إلى السماء حتى انفتحت أبوابها ليتكشف غنى نعمة الله وإحساناته.

v إنك ارتفعت إلى السطح مثل الرسول بطرس؛ هذا الذي إذ كان جائعًا بين اليهود أشبع إيمان كرنيليوس جوعه. وكبح الرغبة الجامحة التي سببها عدم إيمانهم خلال تحول قائد المئة والأمميين الآخرين إلى الإيمان. تعلم من الإناء النازل من السماء إلى الأرض بجوانبه الأربعة كرمز للأناجيل الأربعة أن كل البشر يمكن أن يخلصوا. أضف إلى ذلك هذه الملاءة البيضاء الجميلة التي في الرؤيا التي ارتفعت مرة أخرى، كانت رمزًا للكنيسة التي تحمل المؤمنين من الأرض إلى السماء، تأكيدًا أن وعد الرب حتمًا يتحقق: “طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله” (مت 5: 8).

القديس جيروم

v قد يسأل أحد: لماذا ظهرت ملاءة (إناء عظيم على شكل ملاءة) حوت هذه الحيوانات؟ بالتأكيد لم يكن هذا بدون سبب. نحن نعلم أن العث الذي يفسد الثياب الأخرى لا يصيب الملاءة لهذا كل من يرغب أن يبلغ سرّ الكنيسة الجامعة يلزمه أن يستبعد من قلبه فساد الشهوات الشريرة. يلزمه أن يثبت في الإيمان بطريقة لا يمكن إفساده، حتى أنه لا يفسد بالأفكار الشريرة كأنها عث، إن أراد أن يبلغ سرّ تلك الملاءة التي ترمز للكنيسة.

لماذا نزلت من السماء ثلاث مرات إلا لأن كل الأمم الذين ينتمون إلى أربع جهات الأرض حيث تنتشر الكنيسة، يُعمدون باسم الثالوث؟ أُشير إلى الكنيسة في الأركان الأربعة التي تنتمي للإناء، إذ يجدون الذين يؤمن باسم الآب والابن والروح القدس حتى يبلغوا مرافقة القديسين وشركتهم. لهذا فإن أربعة أركان أو اتجاهات العالم والثلاثة ظهورات التي تشير إلى سرّ الثالوث، هذه الحقيقة تشير إلى رقم 12 الذي للرسل، حيث يُبعث ثلاثة إلى الأربعة، فأربعة ثلاث مرات تعادل 12. ولما كان الاثنا عشر رسولاً قد عُينوا للكرازة بسرّ الثالوث في أركان العالم الأربعة، لهذا فإن الأربعة أركان نزلت من السماء ثلاث مرات.

الأب قيصريوس أسقف آرل

v شاركْ القديس بطرس في هذا النوع من الغيبة عندما كان جوعانًا ومخمورًا في نفس الوقت. كان بطرس جوعانًا قبل أن يُقدم له غذاء المادي، وأراد أن يتذوقه، وبينما كان أعضاء عائلته يجهزون الطعام (أع 10:10) جرب بطرس هذه الغيبة المقدسة الصاحية. وخرج من نفسه بواسطتها ورأى الرؤيا الآتية: “فرأي السماء مفتوحة، وإناءً نازلاً عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض. وكان فيها دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء. وصار إليه صوت: قم يا بطرس واذبح وكلْ. فقال بطرس: كلا يا رب لم آكل قط شيئًا دنسًا أو نجسًا. فصار إليه أيضًا صوت ثانية ما طهره اللّه لا تدنسه أنت. وكان هذا على ثلاث مرات” (أع 11:10-15). نتعلم من الصوت الذي ناداه في المرة الأولى أن اللّه الآب هو الذي يُطهر، وفي المرة الثانية أن الابن الوحيد هو الذي يُطهر، وفي المرة الثالثة أن الروح القدس هو الذي يطهر كل شيء. تحدث هذه الغيبة من الخمر الذي يقدمه اللّه لكل من يجلس على مائدته. فالله يُشجع بحق كل من يعيش حياة الفضيلة ويقترب منه، وليس للبعيدين عنه: “كلوا أيها الأصحاب اشربوا، واسكروا أيها الأحياء”. “لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميزٍ جسد الرب” (1 كو 29:11) فهو يطلق كلمة “إخوة” على المستحقين لهذا الطعام. “لأن من يصنع مشيئة اللّه هو أخي وأختي وأمي”(مر 35:3).

القديس غريغوريوس النيسي

“وكان فيها كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء”. [12]

كانت هذه الملاءة النازلة من السماء تشير إلى الكنيسة المقدسة، فإن كانت الملاءة لا تضم حيوانات أليفة فحسب بل ووحوش أيضًا؛ لا تضم فقط حيوانات ودواب الأرض بل وطيور السماء، هكذا فإن الكنيسة كجسد المسيح محب كل البشرية يفتح أبواب الإيمان أمام كل الناس، أصحاب الطبائع الهادئة أو الضعيفة، الذين عاشوا وسط وحل الأرض، والذين كانت قلوبهم تشتهي ان تحلق في السماوات… إنه يقيم منهم جميعًا شعبًا مقدسًا متشبهًا بالملائكة. تضم الكنيسة اليهود والأمم، السادة والعبيد، الكبار والصغار، ليس بربري ولا سكيثي (كو 3: 11). تضم شبكة الكنيسة من كل صنفٍ، تقدس الكل، وتقيم من الكل أعضاء متنوعة للجسد الواحد المتناغم معًا.

“وصار إليه صوت:

قم يا بطرس، اذبح وكل”. [13]

طلب من القديس بطرس أن يذبح ويأكل دون تمييز بين طاهر ونجس في نظر الناموس، إذ يصير الكل شركاء المسيح في الصليب، يشتهون أن ُيذبحوا معه بروح الحب والبذل، فيصير الكل مقدسين فيه، لأنه هو قدوس. كان الأكل يميز بين اليهودي والأممي، فاليهودي لا يأكل ما نجس حسب الناموس، ولا يشارك أيضا الأممي في أطعمته المقدمة للأوثان.

لم يظهر للقديس بطرس ملاك من السماء، بل سمع الصوت الإلهي نفسه يدعوه أن يذبح ويأكل. فالأمر جد خطير، ويصعب تصديقه، لذلك تحدث الرب نفسه مع بطرس، كما هو واضح من إجابة القديس بطرس نفسه.

v واضح أن الناموس نفسه خلال العالم كله له أربعة أركان: الشرق والغرب والجنوب والشمال، كما يقول الكتاب. ولهذا فإن الإناء الذي حوى كل الحيوانات الرمزيّة الذي أُعلن لبطرس عندما قيل له: “اذبح وكلْ” [13] لكي يظهر أنه يلزم أن يؤمن الأمم، ويدخلوا في جسد الكنيسة، كما يدخل في جسمنا ما نأكله، وأن هذا الإناء كان نازلاً من السماء بأربعة أركان، مظهرًا أن العالم كله حتمًا سيؤمن.

القديس أغسطينوس

v عندما قيل لبطرس: “اذبح وكُل”، يشير هذا إلى الكنيسة الجامعة أن تذبح أولاً ثم تأكل كل من يؤمنوا بالمسيح. بمعنى آخر، يُذبح عدم الإيمان حتى يُغرس الإيمان. إذ لا يستطيع أحد أن يؤمن بالمسيح ما لم يمت أولاً. وكما يقول الرسول: “قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” (كو 3: 3).

الأب قيصريوس أسقف آرل

“فقال بطرس:

كلاّ يا رب،

لأني لم آكل قط شيئًا دنسًا أو نجسًا”. [14]

في البداية رفض بطرس أن يأكل، لأنه حسب أن المواعيد الإلهية والبركات السماوية الطاهرة لا تُقدم للأمم الأنجاس، إذ كانوا في عينيه بلا إلهن وليسوا من رعوية إسرائيل!

ما هو الفرق بين الدنس والنجس؟

الدنس هو الشيء الذي لا يُكرس لله، فمن يعبد آلهة غريبة غير الله فبحسب ناموس موسى يُحسب دنسًا. في الأصل اليوناني معناه “عمومي” أو “عام”، أي ليس مخصصًا لله. لذلك يتطلع اليهود إلى كل الأمم أنهم دنسون. أما النجس فهو ما لم يتطهر. فاليهودي متى لمس ميتًا يُحسب نجسًا حتى المساء، حيث يستحم ويتطهر. والأوزة التي يذبحها آخر غير الحاخام نجسة لا تؤكل، أما إذا ذبحها حاخام وصفى دمها، فتُحسب حلالاً وطاهرة.

فالرسول بطرس كسائر اليهود يتطلع إلى الأمم ليس كأنجاس يحتاجون إلى تطهير، كما يتنجس أي يهودي فيتطهر، وإنما كأدناس غرباء عن الله لا يمكن تطهيرهم.

يميز العهد القديم بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة (لا 11: 2- 27؛ تث 14: 3-20). لم يكسر القديس بطرس قط هذا المبدأ. الآن قد حان الوقت لتحقيق الناموس، لا في حرفيته القاتلة، بل بالروح المحيي، فإن لهذه الشرائع مفاهيمها الروحية، وقد سبق لنا توضيحها أثناء تفسير سفري العدد والتثنية.

“فصار إليه أيضًا صوت ثانية:

ما طهره اللَّه، لا تُدنسه أنت”. [15]

ماذا يقصد بالقول: ما طهره الله؟ ما أعلن الله عنه أنه طاهر، أو ما يأمرك به الله أن تفعله، فإنه حتمًا لا يكون دنسًا ولا خطأ. ما كان لديك في فكرك من تمييز بين ما هو طاهر وما هو غير طاهر يقوم على التفسير الحرفي كبعض الشرائع في الناموس. الآن لتحمل فكرًا روحيًا، لترى ما هو طاهر وما هو دنس، ليس بمنظار ناموسي حرفي، فترى الأمم دنسين. الآن يدعون لنوال ذات الإحسانات والبركات التي يقدمها لله لليهود. لقد انشق الحجاب الحاجز بين الفريقين، ودُعي العالم كله للشركة معًا والتمتع بإنجيلٍ واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ (أف 2: 14؛ غل 3: 28). الآن يلزم إعادة النظر في فهم الشرائع الناموسية بعد انهيار الحجاب الحاجز.

لقد كان بين اليهود والأمم حائط، فيظن اليهود أنهم وحدهم لهم نصيب في هيكل الرب، وأن الآخرين مرذولون. لقد جاء حجر الزاوية الذي يضم بالحق الحائطين معًا في الهيكل الجديد.

في حديث القديس إكليمنضس السكندري عن “الطعام” يعلق على هذه العبارة، قائلاً: [ليس هناك اعتبار لما نستخدمه من هذه الأشياء (الأطعمة)، إذ تتساوى كلها، “لأنه ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان…” أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة” (أم 15: 17)… البقول والأعشاب ليست هي المحبة، بل ما يجب علينا هو أن نتناول وجباتنا بالمحبة، وذلك ما نقصده بالأغابي أو وليمة المحبة. في هذا من الأفضل إتباع الاعتدال في الأمور… فإن الإفراط (في الأكل) فيه خطورة، والمغالاة (في الصوم) مكروه، وأما اختيار الوسط في الأمور فجيد.]

“وكان هذا على ثلاث مرات،

ثم ارتفع الإناء أيضًا إلى السماء”. [16]

لعل الملاءة التي نزلت من السماء كانت ترتفع وتنزل مع الصوت الذي تكرر ثلاث مرات، وكأن كنيسة المسيح تتمتع بالبنوة لله القدوس، لكي يصير كل مؤمن حقيقي مقدسًا وطاهرًا في الرب خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس، وذلك بالعماد بالتغطيس باسم الثالوث القدوس. يصر الله على إعلان إبداع حبه للأمم، فإنهم إذ يؤمنون يتطهرون بالمعمودية ويصيرون أبناء الله.

ارتفعت الملاءة (الإناء) إلى السماء. فما لم يقبله بطرس ويخشى أن يتنجس ويتدنس إذا بالسماء تقبله. صارت التي ليست بمحبوبة محبوبة لدى الله، والتي ليست شعبه شعبه (رو 9: 25).

v إذن تشير الملاءة إلى الأرض، والوحوش التي فيها هم من الأمم، والأمر “اذبح وكُلْ” يشير إلى الالتزام بالذهاب إليهم أيضًا، وقد تكرر ثلاث مرات إشارة إلى المعمودية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. لقاء مع رجال كرنيليوس

“وإذ كان بطرس يرتاب في نفسه،

ماذا عسى أن تكون الرؤيا التي رآها؟

إذا الرجال الذين أُرسلوا من قبل كرنيليوس،

وكانوا قد سألوا عن بيت سمعان،

وقد وقفوا على الباب”. [17]

كان شاول بعد خدمته قرابة ثلاث سنوات في العربية وخدمته في دمشق التقى بعد ذلك بالقديسين بطرس ويعقوب ويوحنا في أورشليم، ولعلهم قد أدركوا دعوة شاول للخدمة بين الأمم. لم يكن في مخيلة القديس بطرس أن يخدم الأمم، إذ هو مدعو لخدمة الختان، لكن الله أراد له أن يبدأ بإذابة هذا الثلج الذي يسود على العلاقة بين الأمم والختان، فيقوم هو بحصاد بكر خدمة الأمم، حتى لا يظن أهل الختان وجود تضاد بين الخدمتين.

“ونادوا يستخبرون،

هل سمعان الملقّب بطرس نازل هناك”. [18]

“وبينما بطرس متفكر في الرؤيا،

قال له الروح:

هوذا ثلاثة رجال يطلبونك”. [19]

يدعوه الروح القدس نفسه قائد الكنيسة أن يكف عن التأمل فيما قد رآه وما سمعه وينزل للعمل، فإن الروح الإلهي الذي قدم له الإعلان الإلهي يقدم له التفسير في حينه.

لعل القديس بطرس كان يترقب من الروح القدس تفسيرًا واضحًا للرؤيا، لكن الروح أصدر أمره بالعمل، ليقدم له التفسير أثناء العمل. ونحن أيضًا كثيرًا ما نجلس في هدوء للتأمل في كلمة الله، ويكشف لنا الروح القدس مفاهيم حية للكتاب المقدس، لكننا نكتشف أعماق جديدة لكلمة الله كلما تحولت الكلمة إلى عمل تحت قيادة الروح القدس. فالعمل ليس نقيضًا للتأمل، بل هو واحد معه، لا ينقسمان!

“لكن قم وانزل،

واذهب معهم غير مرتاب في شيء،

لأني أنا قد أرسلتهم”. [20]

صدر له الأمر بالعمل السريع بلا توانٍ وبغير ريبةٍ. لينطلق إلى الرجل الأممي متهللاً، وإن كان لا يعرف ماذا سيفعل، ولا لماذا اختير هذا دون غيره. كان الرسول بطرس متحيرًا، وفيما هو يفكر ما عسى أن تكون الرؤيا، إذا بالروح يفسرها له عمليًا، معلنًا له أن البعثة القادمة إليه هي من قبله، إذ هو الذي أرسلهم. كان بطرس الرسول مرتبكًا كيف تأمره السماء أن يأكل مما هو دنس أو نجس، وإذا بالروح يحركه كما بغير إرادته لينزل إلى قيصرية، حيث يذهب إلى من يستدعوه. وكأن الروح القدس قد منطق بطرس الرسول، منطق عقله وقلبه وكل كيانه الداخلي ليسير به حيث لا يشاء (يو ٢١: ٢٨).

جاءت الرسالة لكرنيليوس عن طريق ملاك، وأما القديس بطرس فتكلم بالروح، فبقدر ما يمتلئ الإنسان بالروح القدس يتمتع بقيادة الروح وحديثه معه.

v يقول (الروح) “أنا قد أرسلتهم”. عظيم هو سلطان الروح، ما يفعله الله يقول الروح أنه يفعله. أما الملاك فبخلاف ذلك بل قال أولاً: “صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله”، مظهرًا أنه قد جاء من هناك، وبعد هذا قال: “الآن أرسل…” لم يفعل الروح هكذا، بل قال: “أنا قد أرسلتهم”.

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فنزل بطرس إلى الرجال الذين أُرسلوا إليه من قبل كرنيليوس،

وقال: ها أنا الذي تطلبونه،

ما هو السبب الذي حضرتم لأجله؟” [21]

لم يسمع أحد طرقات الرجال، ولعلهم لم يطرقوا الباب نهائيًا فقد نزل إليهم القديس بطرس بناء علي أمر الروح القدس. ربما نزل من السلم الخارجي من السطح إلى الباب، وإذ أخبروه بقصدهم انكشف له لغز الرؤيا، وأدرك أن الله يدعوه لرسالة يتممها خارج دائرة اليهود، أسمى من البحث في طعام طاهر أو غير طاهر.

استقبلهم القديس بطرس هم ورسالتهم، واستفسر منهم عن سبب مجيئهم الذي أخفاه عنه الروح القدس لسمعه منهم.

v لم يقل الروح: “لهذا السبب أظهرت لك الرؤيا” بل قال: “أنا قد أرسلتهم، فنزل بطرس“. هذه هي الطريقة التي بها يجب أن يُطاع الروح دون طلب المسببات. يكفي أن يتأكد تمامًا بأن الأمر صادر من الروح، وعليه أن يؤمن بهذا، ليس إلاَّ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فقالوا أن كرنيليوس قائد مئة،

رجلاً بارًا وخائف اللَّه،

ومشهودًا له من كل أمة اليهود،

أُوحى إليه بملاك مقدس أن يستدعيك إلى بيته،

ويسمع منك كلامًا”. [22]

قدموا له شخصية قائد المئة كرجلٍ بارٍ يخاف الله، ومع كونه ليس يهوديًا تشهد له كل أمة اليهود عن تقواه، بل وتشهد له السماء حيث بعثت إليه ملاكًا مقدسًا لكي يستدعي القديس بطرس، وأنه الآن مستعد أن يسمع للقديس ويتعلم منه.

“فدعاهم إلى داخل وأضافهم،

ثم في الغد خرج بطرس معهم،

وأناس من الإخوة الذين من يافا رافقوه”. [23]

استضافهم القديس بطرس كمن هو صاحب البيت، وقضوا معه اليوم بعد سفر دام حوالي ٦ ساعات، لكي ما يذهب معهم في اليوم التالي. استضافهم مع أنهم أمميون ولم يستنكف من أن يأكل معهم، وكان من بينهم خادمان وكان الثالث جنديًا. لقد بدأ يدرك ما وراء الرؤيا التي شاهدها.

لم نسمع عن معارضة أبداها رب البيت، ولا الجماعة التي كانت تجتمع معًا هناك بكونها كنيسة يافا. لكن بلا شك وقف الكل في دهشةٍ يسمعون ما يقوله الرجال عن كرنيليوس ورؤياه ولا يفهمون ماذا يحدث. كان الله يعد الأذهان مع القلوب لقبول انفتاح باب الإيمان للأمم تدريجيًا.

انطلق في اليوم التالي، بعد أن قضى معهم ليلة، إلى قيصرية وكان في رفقتهم 6 مسيحيين من يافا (أع 11: 12)، فقد كان من عادة الرسل أن يكون معهم رفقاء في رحلاتهم. وإذ كان لهذه الرحلة أهميتها الخاصة أمام التاريخ كان لا بد من أن يشهد هذا الحدث بعض المؤمنين ليعلنوا الأحداث كشهود عيانٍ.

  1. لقاء مع كرنيليوس

“وفي الغد دخلوا قيصرية،

وأمّا كرنيليوس فكان ينتظرهم،

وقد دعا أنسباءه وأصدقاءه الأقربين”. [24]

إذ قطع هذه الرحلة غالبًا على قدميه دخل بيت كرنيليوس ليجده هو وأسرته وأقرباءه يترقبون مجيئه. فقد دعاهم كرنيليوس ليتمتعوا معه بالبركات الإلهية التي كان يتوقعها بناء على حديث الملاك معه.

v هذا هو دور الصديق، دور التقي، فإنه حيث توجد البركات، يهتم بأصدقائه المقربين ليكونوا شركاء معه فيها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

“ولما دخل بطرس استقبله كرنيليوس،

وسجد واقعًا على قدميه”. [25]

تطلع إليه كرنيليوس كسفير لله، لذلك سجد عند قدميه، فقد اعتادوا في الشرق قديمًا السجود عند أقدام الملوك وأصحاب الكرامة العظيمة. ولعله ظن في بطرس أن اللاهوت قد تجسد أو أنه المسيا الذي يترقبه اليهود.

v فعل هذا ليعلم الآخرين، ويعبر عن شكره لله، ويظهر تواضعه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

“فأقامه بطرس قائلاً:

قم أنا أيضًا إنسان”. [26]

أقصى ما يقدمه قائد الجيش هو انحناء رأسه وإلا يُحسب كمن أهان إمبراطوره الحامل لواء كرامته. لكن كرنيليوس انحنى حتى السجود إلى الأرض، وإن كان قد اختلط في ذهنه، فلم يميز بين الراسل والمرسل. فأسرع القديس، وأقامه ليسجد الكل بالروح والحق لمن له حق السجود والعبادة. رفض القديس بطرس مثل هذه التكريم، لذلك احتضنه بيديه، ورفعه كصديقٍ له. لا يحتمل الإنسان المقدس ولا الملاك أن يتقبل سجودًا للعبادة (رؤ 19: 10؛ 22: 9). لقد أوضح لقائد المئة أنه أيضًا إنسان. إنه إناء خزفي يحمل في داخله الكنز السماوي. كأنه يقول له: أنا في ذاتي لست بشيء، إني مثلك إنسان مجرد، لا يليق بي قبول تكريمٍ كهذا.

v ألا ترون أنه قبل كل شيء يعلمنا الرسل هذا الدرس ألاَّ نظن فيهم أنهم شيء عظيم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v لا يعبد المخلوق مخلوقًا آخر، بل يعبد العبد الرب، والمخلوق اللََّه.

لذا عندما أراد كرنيليوس أن يسجد لبطرس منعه الرسول بطرس قائلاً: “أنا أيضًا إنسان” [26].

وعندما أراد يوحنا أن يسجد للملك في الرؤيا منعه الملاك، قائلاً: “أنظر لا تفعل فإني عبد معك، ومع إخوتك الأنبياء، ومع الذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد للَّه” (رؤ 22: 9).

لذلك فالسجود يكون للَّه وحده. وقد عرف الملائكة أنفسهم هذا بالرغم من أنهم يفوقون غيرهم في المجد. فهم جميعًا مخلوقات، وليسوا من الذين يُسجدون لهم، بل هم من بين الذين يسجدون للرب.

البابا أثناسيوس الرسولي

“ثم دخل وهو يتكلم معه،

ووجد كثيرين مجتمعين”. [27]

لعله التقى به عند الباب، فقد خرج إليه يعَبر عن فرحه الشديد بحضوره، واستعداده للاستماع إليه. وإذ رآه القديس بطرس وقفا لحظات يتحدثان، ثم انطلقا معًا إلى الداخل. فوجئ القديس بكثرة عدد الحاضرين، الأمر الذي لم يكن يتوقعه، فقد عمل الروح القدس في قلب كرنيليوس حتى قبل قبوله الإيمان لكي يجتذب الكثيرين، ليسمعوا معه، ويتمتعوا بما دعته السماء إليه.

“فقال لهم:

أنتم تعلمون كيف هو محرَّم على رجل يهودي،

أن يلتصق بأحد أجنبي، أو يأتي إليه،

وأمّا أنا فقد أراني اللَّه أن لا أقول عن إنسانٍ ما أنه دنس أو نجس”. [28]

لقد منعت الشريعة اليهودية من الدخول في علاقات زوجية أو معاهدات مع الأمم المحيطة بهم (لا 18: 24- 30؛ تث 7: 3-12؛ عز 9: 11-12)، وقد فسرها اليهود بالامتناع حتى عن علاقات الصداقة معهم أو العلاقات التجارية.

حدثهم الرسول عن الرؤيا التي شاهدها كيف أراد الله أن يزيل الحجاب الحاجز بين اليهود والأمميين بالكرازة بإنجيل الخلاص للعالم كله. حسب القديس بطرس أنه يلزم ان يكشف لهم أن تغيير نظرته لهذا الأمر لم يكن من فكره الخاص بل بدعوة إلهية.

بدأ حديثه بالكشف عن مراحم الله الغنية لكل البشرية، وأن ما حدث من غنى نعمة الله، لا فضل لبطرس فيه. هكذا تحدث بروح التواضع، ما يفعله إنما بكونه أداة في يد الله.

تعلم القديس بطرس مبدأ إلهي كان يصعب جدًا عليه قبوله، وهو “أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس“. هكذا يعترف القديس بطرس أنه قد جاء بناء على إعلان إلهي، حاسبًا تلك اللحظات هي بدء افتتاح طريق الإيمان للأمم، كي يتمتعوا على قدم المساواة مع اليهود بالوعود الإلهية.

v كان الذين مع القديس بطرس يشكون إن كان يمكنه أن يعمد الغرل.

القديس أغسطينوس

“فلذلك جئت من دون مناقضة إذ استدعيتموني،

فاستخبركم لأي سبب استدعيتموني”. [29]

جاء إليهم دون مقاومة أو تردد، وأنه مستعد لتقديم كل مساعدةٍ. حتمًا كان قلب القديس بطرس كغيره من الرسل يشتهي خلاص العالم كله، لكن كان يصعب عليه الالتصاق بالأمم، حتى قدمت له السماء تصريحًا بالعمل بلا تخوف ولا تردد. ولعل الرسل في البداية ظنوا أن تحقيق ما أمرهم به السيد المسيح أن يكرزوا للخليقة كلها يتحقق بعدما يدخل الأمم إلى اليهودية، ويرتبطوا بحرف الناموس، لكن الآن أدرك القديس أن الباب مفتوح دون حاجة إلى ذلك. الآن فمن جانب الرسول صار من حقه أن يعلن الحق، فماذا من جانبهم هم، لماذا استدعوه؟

حقًا لقد ضيقت الشريعة على اليهودي في تعامله مع الأممي، لأن عبادة الأمم للأوثان وممارستهم للرجاسات والأمور المخلة بالأخلاقيات، كانت تمثل خطرًا على المؤمنين. أما الآن وقد حلّ الروح القدس على الكنيسة، فصار واجبها الشهادة للسيد المسيح أمام الأمم حتى ينضم الكل إلى الرأس، كأعضاء في جسده الواحد، لم تعد الكنيسة تخشى النجاسات والرجاسات، لأن دم المسيح قادر أن يطهر من كل خطية، وذراعاه مبسوطتان لتضم كل الأمم معًا بروح الحب والوحدة في حياة مقدسة طاهرة.

“فقال كرنيليوس:

منذ أربعة أيام إلى هذه الساعة كنت صائمًا،

وفي الساعة التاسعة كنت أُصلّي في بيتي،

وإذا رجل قد وقف أمامي بلباس لامع”. [30]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن النص هو “منذ اليوم الرابع” من الأسبوع، وليس منذ أربعة أيام.

“وقال: يا كرنيليوس،

سُمعت صلاتك،

وذُكرت صدقاتك أمام اللَّه”. [31]

v انظروا عظمة فضيلة العطاء في المقال السابق (أصحاح ٩) وهنا. هناك أنقذ العطاء من الموت المؤقت، وهنا من الموت الأبدي، وفتح أبواب السماء.

v هكذا هو العطاء، بجانب هذا الينبوع لا تجد شجر السنديان والصنوبر والسرو، بل نباتات أخرى تختلف عن هذه، أفضل منها بكثير لها مكانتها الفاضلة، وهي: الصداقة مع الله، مديح الناس، مجد لله، مسرة للجميع، محو للخطايا، دالة عظيمة واستخفاف بالثروة. هذا هو الينبوع الذي يروي نبات الحب. فإنه ليس شيء اعتاد أن يرتوي به الحب مثل أن يكون الشخص رحيمًا، يجعل فروع شجرة الحب ترتفع إلى العلا. هذا الينبوع أفضل من ذاك الذي كان في الفردوس (تك ٢: ١٠)، فإنه ليس بالينبوع الذي ينقسم إلى أربعة رؤوس، بل يصعد إلى السماء عينها. إنه يلد ذلك النهر الذي ينبع إلى حياة أبدية (يو ٤: ١٤).

القديس يوحنا الذهبي الفم

v كرنيليوس الأممي الذي لم يتهوّد قبل عطيَّة اللَّه، وواضح من الكتاب المقدّس أنّه قد تبرّر.

أمبروسياستر

“فأرسل إلى يافا، واستدعي سمعان الملقّب بطرس،

إنه نازل في بيت سمعان رجل دبّاغ عند البحر،

فهو متى جاء يكلمك”. [32]

“فأرسلت إليك حالاً،

وأنت فعلت حسنًا إذ جئت،

والآن نحن جميعًا حاضرون أمام اللَّه

لنسمع جميع ما أمرك به اللَّه”. [33]

بدأ أول اجتماع لكنيسة الأمم في قيصرية بقيادة قائد مئة روماني مع كل بيته وأصدقائه ليسمع الكل ما أمر به الرب على لسان القديس بطرس، ويتمتعوا بالإيمان ونوال المعمودية.

والعجيب لم يقتحم الرسل الأمم ليكرزوا لهم، بل اقتحم الأمم الرسل، وطلبوا أحدهم ليأتي إليهم ويبشرهم.

لقد سبق فطلب السيد المسيح أن يشهدوا له بين الأمم، إذ تأخر الرسل عاتبهم الأمم على تأخيرهم، وحثوهم على إتمام رسالتهم، إذ يقول قائد المئة باسم جميع الأمم: “الآن نحن جميعًا حاضرون أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الله، وكأنه يعاتب الرسل بطريقة مهذبة عن تأخيرهم في الكرازة لهم، وإغفالهم حقهم في التمتع بالوعود الإلهية.

  1. حديث للقدّيس بطرس

“ففتح بطرس فاه، وقال،

بالحق أنا أجد أن اللَّه لا يقبل الوجوه”. [34]

يقدم لنا القديس لوقا مختصرًا لحديث بطرس أو لعظته التبشرية لكرنيليوس وأسرته وأصدقائه.

بقوله: “فتح بطرس فاه“، يعبر القديس لوقا عن أفواه الرسل التي كانت مغلقة بالنسبة للأمم الغرل، لم يكن لديهم ما ينطقون به إليهم، لكن الروح القدس فتح أفواههم للحديث ووهبهم تصريحًا بالكرازة لهم، بل وتكلم هو بنفسه خلال أفواههم. ما بدأ ينطق به القدّيس بطرس هو حديث جديد من نوعه، لم يكن يخطر على فكره، ولا استعد له بحكمة بشريّة، لكنّه حديث الروح القدس على فمه.

لا يقبل الوجوه“، أي لا يقدم إحسانًا لشخصٍ ما من أجل رتبته أو أسرته أو غناه أو لسببٍ شخصيٍ خاص به. فقد ظن اليهود أنهم دون سواهم لهم حق التمتع بإحسانات الله، لا لشيء إلا لأنهم نسل إبراهيم حسب الجسد، ولأنهم يهود. ظنوا أن الخلاص خاص بهم دون سواهم.

نجد ذات التعليم في رو 2: 11؛ أف 6: 9؛ كو 3: 25. إنه يؤكد أن الله لا يخلص الإنسان لمجرد أنه يهودي ولا لأنه متعلم أو غني أو صاحب كرامة، إنما حسب شوقه الداخلي الجاد للخلاص. إنه لن يسمح بهلاك إنسانٍ لمجرد أنه أممي، بل من أجل إصراره على مقاومة الحق، ورفض نعمة الله المجانية.

v إن كان الله لم يغفل المجوس ولا الإثيوبي (الخصي) ولا اللص ولا الزانية فبالأكثر لا يتغاضى عن الذين يعملون البرّ.

v لاحظوا تدبير عناية الله. فإنه لم يسمح بأن ينتهي الحديث، ولا أن المعمودية تُمارس بأمرٍ من بطرس، بل أوضح الله كيف أن أذهانهم عجيبة، وقد بدأ عمل التعليم، وقد آمنوا بالتأكيد أن المعمودية لغفران للخطايا. لهذا حلّ الروح القدس عليهم فورًا. لقد تم ذلك بتدبير الله لكي يسند بطرس، ويجد أساسًا لتدبير موقفه. لم يحلّ الروح القدس عليم فحسب، بل وجعلهم يتكلمون بألسنة، الأمر الذي أدهش الحاضرين. هذا الأمر لم يكن يحبه الكل، أن الكل لله، ويمكن القول بالنسبة لبطرس أنه كان حاضرًا لكي يتعلم معهم الدرس، وأنهم هم الأشخاص الذين يتحقق معهم هذا. لأنه بعد كل هذه الأحداث العظيمة بقي البعض في قيصرية وأورشليم يتساءلون عما حدث.

v لا يُظهر اللَّه محاباة للأشخاص، إنّه يحكم بالأعمال. يقول بولس أن اليهود يختلفون عن الأمم، لا في أعمالهم بل في أشخاصهم فقط. وأنّه ليس بسبب هذا واحد يُكرّم والآخر يُهان. إنّما من الأعمال تحلّ الكرامة أو الإهانة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v فاض أيضًا بطرس العظيم بالسوّسن المنير لكلمة اللّه عندما كان في منزل كرنيليوس، وملأ مستمعيه بالمرّ. وعندما استقبلوا كلمة اللّه دُفنوا مع المسيح، وأماتوا أنفسهم بالنسبة لهذه الدنيا (أع 34:10-48). وتوجد أمثلة كثيرة في حياة القديسين. لأنهم أصبحوا فم الكنيسة العام، وملأوا مُستمعيهم بالمرّ الذي أمات أهواءهم وحملوا ثمارًا بسوّسن الكلمة.

القديس غريغوريوس النيسي

“بل في كل أمة الذي يتقيه،

ويصنع البرّ مقبول عنده”. [35]

هنا يؤكد أن إحسانات الله ليست محدودة باليهود، بل ممتدة إلى كل الأمم يتمتع بها من يُكرم الله ويحفظ وصاياه، ذاك الذي يتعبد لله مشتهيًا الشركة معه كصديقٍ له. لم يقل: “في كل دين“، بل “في كل أمّة“، فالباب مفتوح لكل الشعوب، لكن الخلاص يلتزم الإيمان الحقيقي الصادق. ففي يوم الرب العظيم لا يُسال الإنسان عن جنسه، من أي أمّة هو قادم.

يصنع البرّ“، أي يلتزم بالسلوك مع إخوته حسب برّ الله بغير ممارسة للظلم.

تعلم القديس بطرس من الرؤيا أنه لا يدعو إنسانًا ما نجسًا أو دنسًا، ولا يميز بين يهودي ويوناني، فالله لا يحابي اليهودي على حساب الأممي. هذا التعليم وإن بدا جديدًا على ذهن الرجل اليهودي، لكن الله سبق فأعد لهذا المبدأ في العهد القديم، إذ يقول: “ألستم لي كبني الكوشيين يا بني إسرائيل، يقول الرب؟ ألم أُصعد إسرائيل من أرض مصر، والفلسطينيين من كفتور، والآراميين من قير؟” (عا ٩: ٧)

يرى القديس إكليمنضس السكندري أن أبواب الرب مفتوحة، يدخل فيها الأبرار من كل الأمم (مز 118: 19-20)، وأن الرب على المياه الكثيرة (مز 39: 3)، لأن التعاليم المتباينة تقدم لليونانيين والبرابرة تقودهم إلى البرّ.

v بحق يقول الكتاب المقدس: “الثور والدب يرعيان معًا” (إش 11: 7)، لأن اليهودي يُشار إليه بالثور، إذ هو تحت النير ويُحسب طاهرًا حسب الشريعة، والثور له ظلف مشقوق ويجتر. ويُرمز للأممي بالدب الذي هو نجس ومفترس… فمن يهتدي من الأمم، يتشكل من الافتراس إلى الوداعة بواسطة الكلمة، وإذ يُروض يصير طاهرًا كالثور.

القديس إكليمنضس السكندري

v “طوبى لكل من يتقي الرب” (مز 128: 1). تعلن الكلمة المُوحى بها الطوبى ليس لذاك الذي من صُلب إبراهيم، ولا من ذرية إسرائيل، بل للشخص الذي يتزين بالمخافة (التقوى) الربانية.

v “هكذا يُبَارك الرجل المتقي الرب” (مز 128: 4). الله هو ديان السلوك لا الجنس. هكذا هو الطريق الذي به كافأ الله أيوب بالإكليل، الذي هو من نسل عيسو. هذا هو الطريق الذي به قاد أبيمالك إلى الحق (تك 21: 22، 26). هذا هو طريق الخصي، طريق كرنيليوس، وطريق كل الأمم.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

v حيثما تصنع يد البار رحمة، تراقبها عين اللَّه. وحيثما يصلّي لسانه يجتذب الأذن الإلهية للاستماع، وكمثال لذلك صلاة كرنيليوس قد نالت مكافأة.

أندرياس

كتب القديس جيروم رسالة تعزية إلى سالفينا Salvina إحدى نساء القصر الإمبراطوري لوفاة زوجها Nebridius مقارنًا إياه بقائد المئة كرنيليوس.

v كعسكري، نيبريديوس لم يصبه أي ضرر من ثوبه العسكري ولا من حزام السيف وفرق المنظمة، بينما كان يلبس الزي الخاص بالقصر الإمبراطوري كان اسمه مسجلاً في قائمة خدمة الله.

القديس جيروم

v تُدعى الكنيسة الفندق الذي يُقبل الكل ويتّسع للكل، بعكس المفهوم الضيق للناموس اليهودي والعبادة الشكليّة. فبدلاً من أن تسمع القول: “ولا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب” (تث 32:3)، تسمع: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت 28: 19). وأيضًا: “في كل أمة الذي يتّقيه ويصنع البرّ مقبول عنده” [35]… المسيح الذي يحب الفضيلة يقبل كل الذين يجتهدون في المساعي الصالحة.

القديس كيرلس الكبير

v يظهر بولس أن اللَّه لا يرفض اليهود ولا الأمم إن آمنوا بالمسيح، بل الكل يتبرّرون بالإيمان.

إمبروسياستر

v يُقال عن اللَّه أنّه بعيد عن الأشرار كقول الأمثال (15: 19)… وكما أن الأشرار بعيدون عنه، هكذا هو قريب من القدّيسين.

القديس جيروم

“الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل،

يبشر بالسلام بيسوع المسيح،

هذا هو رب الكل”. [36]

إذ كان السامعون من الأمم أظهر أنهم وإن كانوا مهتمين بإنجيل المسيح الذي هو غاية الكلمة التي أرسلها لبني إسرائيل، فإن هذا الموعود به في العهد القديم إنما هو رب الكل، وليس خاصًا بإسرائيل وحده. حقًا لقد جاءت الكلمة لإسرائيل من أجل التمتع بالسلام الداخلي في الإنسان كما مع أخيه في المسيح يسوع، وبالتالي بين اليهود وإخوتهم الأمم.

يعلن القديس بطرس أن العطية المقدمة لبني إسرائيل هي ظهور الكلمة المتجسد يسوع المسيح، حيث بشرت الملائكة بالسلام، لأمة اليهود وحدها، بل للعالم كله، لأن المتجسد “هو رب الكل“. لقد بشرت الملائكة كل البشرية: “المجد الله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة” (لو ٢: ١٣-١٤). تشهد السماء نفسها أن السيد المسيح قد جاء للناس ككل وليس لليهود وحدهم. وقد عبّر عن ذلك القدّيس بولس في صورة مبدعة للغاية: “ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح، لأنّه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط السياج المتوسّط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسدٍ واحدٍ مع اللَّه بالصليب، قاتلاً العداوة به، فجاء وبشّركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين الخ.” (أف2: 13-17).

v لكن عندما يقول “الكل“، هل تستثني ربوبيته على أحد، لأنه سواء ملائكة أو رؤساء ملائكة أو رئاسات أو سلاطين أو أي مخلوق آخر دعاه الرسول، يخضع الكل لربوبية الابن…

القديس كيرلس الأورشليمي

v كانوا في وقتٍ ما بعيدين عن المسيح الخالق، وعن طريق الإسرائيليّين، والعهود، والرجاء في الوعد، واللَّه نفسه. كانوا يومًا ما بعيدين، الآن صار الأمم ملتصقين بالمسيح في الأمور التي كانوا بعيدين عنها.

v وُلد بطريقة فريدة من عذراء بالروح القدس. وُلد لكي يصالح كلاً من الأمم واليهود مع اللَّه، فكلاهما أخطأ في حق اللَّه. صالحهما في جسدٍ واحدٍ بالصليب. قتلت العداوة بهذا الأسلوب. تمّت المصالحة في جسده إذ تألّم على الصليب.

العلامة ترتليان

v صار أولئك الذين يعرفون الناموس الروحي ويعيشون به في رعويّة إسرائيل أكثر من الإسرائيليين حسب الجسد فقط.

العلامة أوريجينوس

v إنّه يصالح الاثنين، أي الذين من أصل أممي والذين من أصل يهودي، صالحهما في جسدٍ واحدٍ قُدّم عن الكل، لكي يصيروا في النهاية جسدًا واحدًا. إنّه يدعو كل المؤمنين إنسانًا واحدًا، لأن المسيح ربّنا هو الرأس الواحد، والذين يتمتّعون بالخلاص يقومون بدور الأعضاء.

الأب ثيؤدورت أسقف كورش

“أنتم تعلمون الأمر الذي صار في كل اليهودية،

مبتدئًا من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا”. [37]

بعد أن شهدت السماء للعطية الفائقة: “مسيح الجميع” بدأ القديس بطرس يروي قصة السيد حيث ظهر في اليهودية واعتمد، ثم انتقل إلى الجليل ليختار تلاميذه، ويبدأ الخدمة.

إذ لم تكن قيصرية بعيدة عن الجليل، فحتمًا قد بلغت أخبار أعمال السيد المسيح ومعجزاته الفائقة في الجليل إلى سكان قيصرية، لهذا يقول: “أنتم تعلمون“.

“يسوع الذي من الناصرة،

كيف مَسحَه اللَّه بالروح القدس والقوّة،

الذي جال يصنع خيرًا،

ويشفي جميع المتسلط عليهم، إبليس،

لأن اللَّه كان معه”. [38]

أعلن الآب أنه قد مسح يسوع الناصري بالروح القدس والقوة، إنه المسيا، جال يصنع خيرًا ويحرر من تسلط عليهم إبليس. فإن كان في ميلاده قد بشرت السماء الأرض كلها، والبشرية بأجمعها، فالسيد في خدمته جاء ليخلص العالم من رئيس هذا العالم الشرير، إبليس. فإن كانت الأمم قد سقطت أسرى لهذا العدو، فالسيد قد جاء ليحررهم منه كما حرر الذين تسلط عليهم من اليهود.

هنا يتحدث عن قصة السيد المسيح وأعماله وأهدافه في اختصارٍ شديدٍ دون سرد لقصصٍ أو معجزاتٍ معينة، مما يشير إلى أن السامعين، خاصة قائد المئة، كانت لهم دراية وافية عما فعله السيد المسيح، وأن عمل القديس بطرس هو الكشف عن خطة السيد في كل هذه الأعمال.

v نزول الروح عليه في الأردن إنّما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا.

وهذا لم يصر من أجل ترقي اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في محبته، ولكي يُقال لنا: “ألستم تعلمون أنكم هيكل اللََّه، وروح اللََّه يسكن فيكم؟” (1 كو 3: 16)

فحينما اغتسل الرب في الأردن كإنسانٍ، كنّا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما اقتبل الروح، كنّا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهرون أو داود أو الباقين، قد مُسح بالزيت هكذا، بل بطريقة مغايرة لجميع الذين هم شركاؤه، أي بزيت الابتهاج (مز 45: 7-8)، التي فُسّر أنه يعني الروح قائلاً: “كيف مسحه اللََّه بالروح القدس” [38].

متى قيلت عنه هذه الأشياء، إلا عندما صار في الجسد، واعتمد في الأردن، ونزل عليه الروح (مت 3: 16)؟ وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن “الروح يأخذ مما لي” (يو 16: 14)، و”أنا أرسله” (يو 16:7)، و”اقبلوا الروح القدس” (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطي للآخرين ككلمة الآب وبهاءه، يُقال الآن أنه يتقدّس يسوع، وهذا من حيث أنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدّس هو جسده ذاته.

البابا أثناسيوس الرسولي

الذي قام بمسحه ملكًا ليس إنسانًا بل الله الآب نفسه، وقد جال لا ليسيطر ويتسلط بل ليحرر من الأمراض ومن قوة إبليس.

“ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم،

الذي أيضًا قتلوه،

معلِّقين إيّاه على خشبة”. [39]

إن كان الله قد أرسل الكلمة لليهود أولاً، فإن الرسل يشهدون أنهم قد صلبوه على أرض يهودية خارج أورشليم.

“هذا أقامه اللَّه في اليوم الثالث،

وأعطى أن يصير ظاهرًا”. [40]

بعد أن تحدث عن غاية ميلاده، ثم عماده، واختياره للرسل، وخدمته لصالح البشرية وتقديم النصرة لهم على عدو الخير، تحدث عن عمله الخلاصي بالصليب والقيامة في اليوم الثالث. وهنا يركز القديس على تأكيد القيامة، وأنها تكشف عن أمور تمس مستقبل كل البشرية، فهي تؤكد أنه ديان الأحياء والأموات، وأن فيه تحققت النبوات لينال كل من يؤمن به غفران الخطايا. إنه ذبيحة الفصح الحقيقي، الذي وُضع إثم كل البشرية عليه.

لقد ظهر السيد المسيح القائم من الأموات لكثيرين علانية، فقيامته حقيقة لا يمكن أن يُشك فيها، ليس فيها خداع.

“ليس لجميع الشعب،

بل لشهودٍ سبق اللَّه فانتخبهم لنا،

نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات”. [41]

لقد تم الصلب علانية أمام الجماهير، لعلهم يدركون أنه المسيا الذي فيه تحققت النبوات، فيقبلونه ويؤمنون بخلاصه العجيب. أما قيامته، فأعلنها لكثيرين من أهل الثقة والمشتاقين إلى اللقاء معه، لطالبي الحق.

أكد قيامته ليس بظهوراته فحسب، وإنما أكل التلاميذ معه وشربوا بعد قيامته.

“وأوصانا أن نكرز للشعب،

ونشهد بأن هذا هو المعين من اللَّه

ديانًا للأحياء والأموات”. [42]

إن كان كرنيليوس ومن معه لم يتمتعوا بمجيء السيد المسيح للخلاص، فهو قادم سيلتقي بمن يكونوا أحياء يوم مجيئه وأيضًا يلتقي بالراقدين (1 تس4: 16، 17؛ 1 كو 15: 52)، يأتي ديانًا ليهب مؤمنيه شركة المجد، وأما رافضوه فيسقطون تحت الدينونة.

v سيأتي في مجيئه الأخير على السحاب ليدين الأحياء والأموات، وذلك كما بشّر من السحاب في صوته الأول الذي أعلنه في الأناجيل: “يبصرون ابن الإنسان آتيّا على سحاب السماء بقوّةٍ ومجدٍ كثيرٍ” (مت 24: 30)… لقد جاء أولاً في الكرازة، وملأ كل العالم المتّسع. ليتنا لا نقاوم مجيئه الأول حتى لا نرتعب عند مجيئه الثاني.

القديس أغسطينوس

v السلام لك يا ملك كل الأحياء!

السلام لك يا ديّان كل الأموات!

تجلس على العرش عن يمين أبيك، في القوّة العلويّة.

من هناك تدين الخطاة،

فستأتي يومًا ما.

برودنتيوس

v دعا بولس اللَّه “الآب” لأنّه لا يدين أحدُا، لكنّه دعا الابن “الرب” لأنّه الديّان. إنّه يدعو اللَّه “الآب” ليُشير إلى حمايته لنا. ويدعو الابن “الرب” لكي نُدرك أنّنا دُعينا أبناء خلال صلاح اللَّه وأن يسوع هو اللَّه الحقيقي بالطبيعة وهو ربّنا.

سفيريان أسقف جبالة

“له يشهد جميع الأنبياء،

أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا”. [43]

بقيامته أُعلن أن الذبيحة المقدمة باسم كل البشرية الأحياء والأموات قد قًبلت، لينال كل مؤمنٍ غفران خطاياه. وبقوله: “كل من يؤمن به” يرفع الامتياز الذي خص اليهود وحدهم، ليصير امتيازًا عامًا لكل البشرية. فالإيمان ليس حبيس أمة معينة، والوعود الإلهية ليست قاصرة على شعب خاص.

  1. عماد كرنيليوس ومن معه

“فبينما بطرس يتكلم بهذه الأمور،

حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة”. [44]

في يوم الخمسين، في أورشليم، حث القديس بطرس سامعيه على التوبة ونوال المعمودية لغفران الخطايا وقبول الروح القدس (أع 2: 38). أما هنا في قيصرية فقد جاء الترتيب مختلفًا، إذ حل الروح القدس على كرنيليوس ومن معه قبل العماد. هنا ليس يوم بنطقستي جديد، إنما هو امتداد للبنطقستي الذي تحقق مع اليهود قبلاً، يتحقق بعينه مع الأمم بما يناسب بدء فتح باب الإيمان لهم.

ما كان يمكن للقديس بطرس أن يعلم بهذا لو لم يتمتع بالرؤيا، لكن كان محتاجًا إلى شهادة السماء لصدق هذا التعليم وتأكيده، لذلك لم ينتظر الروح القدس أن يكمل خطابه، ولا انتظر حتى ينال الحاضرون العماد، بل “حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة“. وكأن البيت قد صار علية صهيون الثانية، أو كأن يوم الخمسين قد تكرر. أراد الروح القدس أن يعلن عدم محاباة الله لشعبٍ معينٍ، فبادر بالحلول على هؤلاء الأمم حتى قبل عمادهم، وقبل أن يمد القديس بطرس يده ليضعها على رؤوسهم. لقد أعلن الروح القدس راحته في الأمم الراجعين إليه بإخلاص. وأنه ليس من فضلٍ لشخصٍ ما في هذه العطية، بهذا استطاع الرسول أن يعلن بكل قوة: “فلما ابتدأت أن أتكلم حلّ الروح القدس عليهم كما علينا أيضًا من البداية… فإن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضًا بالسوية، مؤمنين بالرب يسوع، فمن أنا؟ أقادر أن أمنع الله؟” (أع ١١: ١٥-١٧). كما قيل: “الله العارف القلوب شهد لهم معطيًا لهم الروح القدس كما لنا أيضًا” (أع ١٥: ٨).

تحقّق حلول الروح القدس قبل إنهاء الرسول حديثه ليطمئن الرسول ومن معه أن حلول الروح على الأمم صدر بأمر إلهي، وليس بفضل إنسانٍ ما فيتجاسر ويعمّدهم بلا تشكّك ولا خوف من أهل الختان. ومن الجانب الآخر حلول الروح القدس في هذا التوقيت يُحسب أشبه بختم سماوي مقدّم للأمم لكي يصدّقوا ما تحدّث عنه الرسول بطرس معهم. وكأن اللَّه يشهد على صدق كرازته لهم ويصادق عليها بقوّته الإلهيَّة، بل وبحلول روحه نفسه عليهم.

حلول الروح القدس على كرنيليوس كان بدء إشارة لتحقيق الوحدة أو المصالحة بين اليهود والأمم في المسيح يسوع، إذ يقول الرسول بولس: “لأن به لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب” (أف2: 18). ويعلّق على هذه العبارة الأب ماريوس فيكتورينوس، قائلاً: [صار لكلٍ من اليهوديّة والأمم قدوم إلى الآب بالمسيح نفسه. لكن كيف؟ “في روحٍ واحدٍ”. لأن الروح الذي هو واحد مع المسيح يدخل فينا عندما نؤمن بالمسيح. عندئذ نشعر بحضور اللَّه، نعرف اللَّه ونعبده، هكذا نأتي إلى الآب بذات الروح الواحد بالمسيح. لا يأتي أحد سواء كان يهوديًا أو أمميًّا إلى الآب إلا بالمسيح.]

“فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان،

كل من جاء مع بطرس،

لأن موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضًا”. [45]

لم يكن بعد يدرك المسيحيون الذين رافقوا القديس بطرس أن الإنجيل يمتد إلى الأمم، فإن تعصبهم اليهودي أغمض أعينهم عن إدراك هذه الحقيقة. ولعلّ سرّ دهشتهم أن مجد اللَّه صار ظاهرًا، وحلوله علنًا، بينما تدرّبوا حسب التقليد اليهوديّ أن الحضرة الإلهيَّة المعلنة أحيانًا خلال الكاروبين اللذين على غطاء الهيكل داخل قدس الأقداس! الآن انشق الحجاب، وانفتحت أبواب السماء، وصار روح اللَّه حالاً علانيّة على الأمم خارج الهيكل في أورشليم!

“لأنهم كانوا يسمعونهم يتكلّمون بألسنة،

ويعظمون اللَّه،

حينئذ أجاب بطرس”. [46]

وهبهم اللَّه التكلّم بألسنة، لأنّه أمر ملموس يكشف عن نوالهم قلوب جديدة مع الألسنة الجديدة.

لما كان دخول الأمم إلى الإيمان أمر يكاد يستحيل على اليهودي أن يقبله قدم الروح القدس علامات ظاهرة تؤكد هذه الحقيقة أنها صادرة من الله. لذلك صار المؤمنون الذين من أهل الختان يسمعون الأمم يتكلمون بألسنة، ويعظمون الله. التكلم بالألسنة تأكيد استمرار يوم الخمسين حتى يدخل الأمم الإيمان، وتعظيم اسم الله، هو أهم خاصية خاصة بشعب الله تميزه عن بقية الشعوب. صار الذين كانوا من أهل الختان شهودًا لعمل الله مع الأمم وقبولهم كشعب الله.

v كان الروح القدس يُعطى بهذا النوع في ذلك الحين، حتى أنه كان يُظهر نفسه منظورًا. فإن الذين قبلوه تكلّموا بألسنة كل الأمم، ليعني أن الكنيسة التي بين الأمم يلزمها أن تتحدّث بألسنة الكل. لهذا فإنهم قبلوا الروح القدس، وظهر هو بوضوح فيهم.

القديس أغسطينوس

“أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء،

حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس،

كما نحن أيضًا”. [47]

لقد رأى الرسول ومن معه، وسمع بأذنيه، وتأكد الجميع أن الروح القدس قد حلّ عليهم، لهذا وجد الرسول نفسه مُلزمًا أن يعمدهم. ما نطق به الرسول هنا كان يحدث به نفسه كما يحدث الذين حوله من أهل الختان… لقد تأكد: “ما طهره الله لا تدنسه أنت“. لم يعد بعد قادرًا أن يقول عن الأمم أنهم دنسون.

لو لم يحل الروح القدس بطريقة علنية وبتأكيدات وبراهين ظاهرة ما كان يمكن لبطرس الرسول أن يقبل عمادهم، اللهم إلاَّ إذا تهودوا أولاً. الآن يقول: “لم يميز بيننا وبينهم، إذ طهر بالإيمان قلوبهم” (أع ١٥: ٩).

v من جانبي، لا أستريح للذين يؤجلون تكريسهم الكامل لله. عندما نقرأ عن قائد المئة كرنيليوس أنه بار للحال نسمع عن عماده.

القديس جيروم

v في مناسبة إذ حلّ الروح قبل استخدام الماء لم يقف الرسول عند هذا الحد، فإذ كان الماء ضروريًا وليس أمرًا ثانويًا لاحظ ماذا يقول: “أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

“وأمر أن يعتمدوا باسم الرب،

حينئذ سألوه أن يمكث أيامًا”. [48]

ألزمه الروح القدس بتعميدهم، فقد بادر وأعلن قبول السماء لهم. لكن لماذا لم يقم الرسول نفسه بتعميدهم، بل طلب من المرافقين له أن يقوموا بهذا العمل؟ ربما لكي تصير الشهادة أقوى حين يقف هؤلاء الخدام (الكهنة) بإعلان أن الروح القدس بحلوله على الأممين ألزمهم بهذا العمل، وأنهم قاموا بهذا العمل بأنفسهم. ولعل القديس بطرس أراد تأكيد ذات فكر القديس بولس الرسول أن الله لم يرسله ليعمد بل ليكرز، فيترك العماد، إن أمكن، للخدام المساعدين له (1 كو 1: 14-17).

في مجمع الرسل لمعالجة قضية قبول للإيمان لم يأخذ القديس بطرس كرسول الختان موقفًا متشددًا من جهة الأمم، بل حسب ما تم على يديه خلال عمل الروح القدس موضوع اعتزاز: “أيها الرجال أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا أنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل ويؤمنون” (أع ١٥: ٦-٧).

يعتمدوا باسم الرب“، فمن يعتمد باسم الرب يسوع، إنما يعتمد بناء على إيمانه بالسيد المسيح أنه هو الرب، فيقبل الآب أبًا، والروح القدس روح المسيح الرب.

v ما أقوله هذا ليس من عندي، إنما هو كلام الرب يسوع صاحب السلطان في هذا الأمر. أنه يقول: “إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه” (راجع يو 3:3) فمن يعتمد بالماء ولا يكون متأهلاً للروح (بسبب سوء نيته) لا يتقبل نعمة الكمال، كذلك إن كان فاضلاً في أعماله ولم يتقبل الختم بالماء لا يدخل ملكوت السماوات.

هذا القول فيه جسارة، لكنه ليس مني بل أعلنه يسوع.

وفيما يلي برهان على ذلك بشهادات من الكتاب المقدس. يقول الكتاب أن بطرس أمرهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح [48] حتى تُولد النفس مرة أخرى بالإيمان، ويكون للجسد شركة في النعمة بواسطة الماء.

كان كرنيليوس إنسانًا بارًا، تكرّم برؤية ملائكة، وصعدت صلواته وصدقاته تذكارًا صالحًا أمام اللَّه في السماء. جاءه بطرس وانسكب الروح القدس على المؤمنين، وتكلموا بألسنة، وتنبأوا، وبعد نعمة الروح يقول الكتاب أن بطرس أمرهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح حتى تُولد النفس مرة أخرى بالإيمان، ويكون للجسد شركة في النعمة بواسطة الماء.

القديس كيرلس الأورشليمي

نالوا عطيَّة الروح فاشتهوا بالأكثر أن يتمتّعوا بالتعاليم الرسوليّة لنموّهم الروحي المستمرّ، لذلك سألوا القدّيس بطرس أن يمكث أيّامًا، حسبوها أيّامًا ذهبيّة لن تنسى!

من وحي أع10

لك أيّها الرب الأرض وملؤها!

 

v لك في كل أمّة شهود أمناء!

لك في قلوب الكثيرين موضع خاص!

بحث عنك قائد المئة الأممي.

لم يكف عن الصلاة، طالبًا أن يتعرّف عليك!

قدّم صدقات للمساكين من أجلك.

بينما أغلق بعض الكهنة قلوبهم أمام وجهك.

سكنوا أورشليم وخدموا في الهيكل،

لكنّهم كانوا بعيدين عنك!

v أعلنت لرسولك بطرس خطة حبّك.

تفتح أبواب الإيمان للجميع بلا محاباة!

ليس أمامك يهودي وأممي،

ولا رجل وامرأة،

فأنت خالق الكل، ومخلّص الجميع.

v أرسلت ملاكك يخدم الأممي،

وتحدّثت صراحة مع تلميذك بطرس!

إنّك لن تحابي الوجوه!

أنت تطلب خلاص الجميع!

v أرسلت روحك على كرنيليوس ومن معه.

روحك القدّوس هو روح الوحدة.

يحلّ على اليهودي والأممي،

يقيم من الكل أعضاء لجسدك الواحد.

بروحك يصير الكل واحدًا فيك،

فأنت الرأس الواحد للجسد الواحد!

فاصل

سفر أعمال الرسل : 123456789101112131415161718192021222324  – 25262728

تفسير سفر أعمال الرسل : مقدمة1 23456789101112131415161718192021222324 25262728

زر الذهاب إلى الأعلى