تفسير سفر أعمال الرسل 13 للقمص أنطونيوس فكري

 

آية (1):-

وكان في انطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلمون برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر ولوكيوس القيرواني ومناين الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع وشاول.

كان في إنطاكية = صارت إنطاكية مركزا مسيحيًا انطلقت منه رحلات بولس وكان يعود إليها. أنبياء= أي من ينطق بالروح القدس. وكان لقب أنبياء يطلق عمومًا على من يعظ فنحن سمعنا عن سيلا أنه نبي ولم نسمع منه عن نبوة واحدة ولكن سمعنا أنه يعظ (أع 32:15، 35). معلمون = كان عملهم تفسير الإنجيل بالروح القدسسمعان نيجر= سمعان هو الاسم اليهودي ونيجر هو الاسم اللاتيني. وغالبًا هو من مدن شمال إفريقيا، أسمر اللون (نجرو= نيجر). وغالبًا هو سمعان القيرواني الذي حمل صليب المسيح وأبو الكسندر وروفس (مر 21:15) لوكيوس القيرواني= القيرواني هي مدينة شمال إفريقيا، في ليبيا وكانت تسمى قيرين أو سيرين. وهي غير القيروان التي بناها العرب في تونس في القرن السابع. هيرودس = هو أنتيباس ابن هيرودس الكبير الذي أرسل إليه المسيح للمحاكمة. وشاول = لوقا يضعه في آخر القائمة إذ هو بلا رتبة حتى الآن.

 

آية (2):-

وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه.

يَخْدِمُونَ = أصلها ليتورجونتون ومنها ليتورجيا أي خدمة القداس الإلهي، خدمة الشكر والتسبيح للذبيحة الإلهية. وَيَصُومُونَ = الخدمة تحتاج لسهر وأصوام وصلوات وقداسات. ومثل هؤلاء يكلمهم ويرشدهم الروح القدس. وهنا نرى شخصية الروح القدس الذي يوجه الكنيسة فالروح القدس هو اللهأَفْرِزُوا لِي. ولاحظ أن المسيح قال له “اذهب فإني سأرسلك…. أع 21:22” وهذا إشارة للوحدة بين الابن والروح القدس. وللآن تصوم الكنيسة قبل القداسات والتناولأَفْرِزُوا لِي = بينما هم يصلون ويصومون يختار الروح القدس خدامه. وحتى الآن يُسام الأساقفة والكهنة خلال صلوات القداس. قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ = ربما لأحد الأنبياء لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ = وهو الكرازة لكل العالم.

 

آية (3):-

فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما.

هنا نرى دور الكنيسة، فالله اختارهم والكنيسة تضع اليد عليهم، هنا شاول صارت له درجة الرسولية (الأسقفية). ولاحظ أنه بعد أن تكلم الروح صاموا ثانية وصلوا لينجح الرب طريقهما. ولذلك يصوم الأسقف بعد سيامته لمدة سنة ويصوم الكاهن لمدة 40 يومًا بعد سيامته. صلوا ووضعوا عليهما الأيادي = هذا هو طقس السيامة.

 

رحلة بولس الرسول الأولى

آيات (4، 5) :-

فهذان إذ أرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرس. ولما صارا في سلاميس ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود وكان معهما يوحنا خادما.

قبرس = هم ذهبوا إلى قبرص أولًا، غالبًا لأن برنابا من قبرص، وقبرص محور مواصلات بين القارات واشتهرت بتجارة النحاس COPPER.  ومنها اشتق اسمها CYPRUS. وكان اسمها في العهد القديم هو كتيم (تك 4:10) سلاميس= على سواحل قبرص وكان بها أكثر من مجمع لليهود، فهي مقصد اليهود في قبرص. وكانت مجامع اليهود أول ما يتوجه إليه بولس الرسول. ونلاحظ أن كثيرًا من الأمم الأتقياء كانوا يتوجهون إلى هذه المجامع ويحضرون الصلاة مع اليهود وهؤلاء الأمم اجتذب منهم بولس الرسول الكثير.

خادمًا = ربما يقوم بعمل خدمة المعمودية، وتعليم الموعوظين أساسيات المسيحية ومرقس قد رأى المسيح في بيته وسمع كل تعاليمه وكتب إنجيل مرقص.

 

آيات (8:6):-

ولما اجتازا الجزيرة إلى بافوس وجدا رجلا ساحرا نبيا كذابا يهوديا اسمه باريشوع. كان مع الوالي سرجيوس بولس وهو رجل فهيم فهذا دعا برنابا وشاول والتمس أن يسمع كلمة الله. فقاومهما عليم الساحر لان هكذا يترجم اسمه طالبا أن يفسد الوالي عن الإيمان.

بَارْيَشُوعُ = سَاحِرًا = يدعى معرفة الغيب= نبيا كذابا. وفي آية (8) يقال عنه عَلِيمٌ = وهذا الاسم أصله عربى ويشير لمعرفته بالغيب فهو غالباً يهودي عربى.

رَجُلٌ فَهِيمٌ = متعلماً يبحث عن المعانى والأفكار والحقائق شأن فلاسفة روما. وغالباً فقد أعجب الوالى بعليم الساحر الذي يعمل أعماله بالشياطين ولكن لم يخضع له. ولما ظهر بولس وبرنابا وجد فيهما الحق الذي يبحث عنه، هو سمع عنهما فدعاهما ليسمع منهما فهاج عليم الساحر طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ = بأن يشوش على تعاليم بولس ومحاولة أن يثبت كذبها.

 

آيات (9-11):-

وأما شاول الذي هو بولس أيضًا فأمتلا من الروح القدس وشخص إليه. وقال أيها الممتلئ كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل بر إلا تزال تفسد سبل الله المستقيمة. فالان هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة فجعل يدور ملتمسا من يقوده بيده.

كان هناك عادة لليهود أن يكون للشخص إسمان، اسم عبري وآخر يوناني. وشاول الطرسوسي كان له اسم لاتيني هو باولوس أو بولس ومن هذه الآية يستخدم الكتاب المقدس (سفر أعمال الرسل) اسم بولس بدلًا من شاول… (1) كرمز للتغير الذي حدث له (2) لأن مجال خدمته سيكون وسط الأمم واسم بولس اسم شائع وسطهم (3) تواضعًا منه استعمل اسم بولس الذي يعنى الأقل أو الأصغر (1كو 9:15).

يا ابن إبليس = باريشوع تعني ابن يسوع. ولكن بولس هنا يسميه بحسب حقيقته. وإبليس تعنى الافتراء والوشاية. وبار يشوع كان يستعمل الشياطين في سحره، ويستخدمهم ليدعى المعرفة ويبعد الناس عن الإيمان الحقيقي.

ألا تزال تفسد = إذا هو له زمان يمارس كذبه وغشه وسحره وبولس طلب له الظلمة لأنه حاول إخفاء النور ليطلب من قلبه النور الحقيقي لذلك قال له إلى حين أي “إلى أن تؤمن”. ولم يقل له تصير أعمى إلى الأبد.

 

آية (12):-

فالوالي حينئذ لما رأى ما جرى آمن مندهشا من تعليم الرب.

ثبت تاريخيًا أن هذا الوالي صار مسيحيًا أي آمن واعتمد.

 

آية (13) :-

ثم اقلع من بافوس بولس ومن معه وأتوا إلى برجة بمفيلية وأما يوحنا ففارقهم ورجع إلى أورشليم.

بَرْجَةِ = هي عاصمة مقاطعة بمفيلية في أسيا الصغرى. ثُمَّ أَقْلَعَ = أي ركبوا البحر إلى مقاطعة بمفيلية. بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ = هنا نرى أن بولس صار أولًاً. ويقال عن برنابا والباقين ومن معهُ. وهذا يشير لتواضع الباقين الذين قبلوا في محبة تقدم بولس عليهم. وهنا انفصل مرقس عنهم ربما لأنه اشتاق للخدمة في أورشليم، وربما وجد أن الطريق عبر جبال آسيا مَخاَطِرهُ كثيرة وأمراضه كثيرة، خصوصاً أنهم قطعوا قبرص كلها بعرضها حوالي 400 ميل في طرق صعبة ومخاطر من اليهود والوثنيين، وربما كان مرقس وقتها متأثراً بمرض ما، لأن مرقص قطع بعد ذلك رحلة أصعب ليبشر بلادنا. لذلك عاد بولس وقال عن مرقس كلاماً حلواً بعد أن كان قد انفصل عنه بسبب هذا الموقف (كو 10:4+2 تى 11:4).

 

آيات (14-16):-

وأما هم فجازوا من برجة وأتوا إلى إنطاكية بيسيدية ودخلوا المجمع يوم السبت وجلسوا. وبعد قراءة الناموس والأنبياء أرسل إليهم رؤساء المجمع قائلين أيها الرجال الإخوة أن كانت عندكم كلمة وعظ للشعب فقولوا. فقام بولس وأشار بيده وقال أيها الرجال الإسرائيليون والذين يتقون الله اسمعوا.

فَجَازُوا = بولس وبرنابا إجتازا عبر جبال طوروس. وقيل جازوا لأن اليونانية ليس فيها صيغة المثنى. وَجَلَسُوا = غالباً جلسوا وسط الربيين لإعلان أنهم قادرين على الوعظ. وكانت القراءات عند اليهود على نظام تقسيم التوراة والنبوات على أيام الأسبوع والسبوت بالذات. وغالباً كانت القراءات عن خروج شعب إسرائيل من مصر وبدأ بولس عظته من هنا.

رُؤَسَاءُ الْمَجْمَعِ = إن كان المجمع كبيراً يكون له عدة رؤساء وإن صغيراً يكون له رئيس واحد.

عظة بولس الرسول الأولى:

العظة مبنية على أن الله اختار إسرائيل وإعتنى بهم ليأتي منهم المسيا المخلص وأن الله أعطاهم من النبوات عن المسيح كل ما يثبت أن المسيح المخلص هو الذي أتى فعلاً وصلبوه. وأن آخر نبي من أنبياء العهد القديم وهو يوحنا المعمدان شهد أيضاً للمسيح. إذاً من يرفض، سيرفض المجد.

واختار بولس 3 آيات يشيروا للمسيح:-

  1. أنت ابني أنا اليوم ولدتك (مز7:2).
  2. لن تدع قدوسك يرى فسادًا (مز 9:16-11).
  3. سأعطيكم مراحم داود الصادقة (اش 3:55).

فالمسيح هو الذي وُلِدَ، هو ابن الله الذي أخذ جسدًا ليموت به ويقوم. وحتى لا يظن أحد أن هذه النبوات عن داود قال إن داود مات ورأى فسادًا، ويكون المسيح هو مراحم الله لداود وشعبه فهو غافر الخطايا لمن يؤمن ورفضه هو رفض لله. وكان رفض الله في العهد القديم له عقوبة رهيبة، كما نرى في حب 5:1 أن الكلدانيين سحقوا الشعب لرفضهم الله وعدم طاعتهم له. وهكذا نرى بولس الرسول في هذه العظة ضليعًا في الكتاب المقدس. ونجد هنا نبوة لبولس الرسول ضد شعب إسرائيل الرافض للمسيح. ولكن الخراب أتى بيد الرومان هذه المرة وليس بيد البابليين كما في حب 5:1. بولس رأى بالروح ما سوف يحدث. ولقد خرب الرومان أورشليم فعلًا بعد هذه النبوة بحوالي 20 سنة.

 

آية (17):-

اله شعب إسرائيل هذا اختار آباءنا ورفع الشعب في الغربة في ارض مصر وبذراع مرتفعة أخرجهم منها.

آباءنا= إبراهيم وإسحق ويعقوب. ورفع الشعب في الغربة= أي آزر شعبه في أثناء عبوديتهم في مصر، ورفعه أي رفع رأسهم.

 

آية (18):-

ونحو مدة أربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية.

احتمل عوائدهم= كأب يحتمل عناد طفله المشاكس وتمرده (تث 31:1).

 

آية (19):-

ثم اهلك سبع أمم في ارض كنعان وقسم لهم أرضهم بالقرعة.

لاحظ أنه يطوى الأحداث بسرعة ليصل للمسيح (تث 1:7).

 

آية (20):-

وبعد ذلك في نحو أربع مئة وخمسين سنة أعطاهم قضاة حتى صموئيل النبي.

450 عامًا= من دعوة إبراهيم إلى موت يشوع.

 

آية (21):-

ومن ثم طلبوا ملكا فأعطاهم الله شاول بن قيس رجلا من سبط بنيامين أربعين سنة.

شاول البنيامينى الملك بدأ عصر الملوكية، وشاول بنيامينى آخر بدأ كنيسة الأمم.

 

آية (22):-

ثم عزله وأقام لهم داود ملكا الذي شهد له أيضًا إذ قال وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي.

لم يدم حكم شاول إذ أنه ليس حسب قلب الله لكنه حسب شهوة عين الشعب، أماّ الله فينظر للقلب. وكان داود رمزاً للمسيح في ملكه وفي ألامه حين طُرِدَ من ملكه حافياً ورأسه مُعَرَّى (مز 19:89-37). وكان داود حسب قلب الله في طهارته عند اختياره وفي تواضعه وإيمانه وقلبه الذي يسبح الله دائماً وكملك حطم عبادة الأوثان وكملك عادل في حكمه وهو في كل ذلك يرمز للمسيح. وداود أيضاً حسب قلب الله في أنه يعترف بخطيته حين يخطئ، ويبكى نادماً. داود هو حسب قلب الله فهو الذي سيؤسس المملكة التي يريدها الله. وأخذ بولس الرسول قول الله هذا عن داود وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي = من نبوة صموئيل عن داود (1صم13 : 14 + 1صم15:28).

 

آية (23):-

من نسل هذا حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصا يسوع.

من نسل هذا= المسيح من نسل داود. حز 23:34، 24 + أر 5:23، 6 + 9:30.

 

آيات (24، 25):-

إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب إسرائيل. ولما صار يوحنا يكمل سعيه جعل يقول من تظنون أنى أنا لست أنا إياه لكن هوذا يأتي بعدي الذي لست مستحقا أن احل حذاء قدميه.

يوحنا كسابق للمسيح كان يهيئ القلوب بالتوبة. وتركيز الأناجيل وتركيز بولس هنا أن يوحنا ليس هو المسيح كان لأن كثيرين ظنوا أن يوحنا هو المسيح وظلت هذه الشيعة موجودة لأزمنة كثيرة (أع 1:19-5) في أع 1:19-5 نرى أن هناك من لا يزال يعتمد بمعمودية يوحنا.

 

آية (26):-

أيها الرجال الإخوة بني جنس إبراهيم والذين بينكم يتقون الله إليكم أرسلت كلمة هذا الخلاص.

كان يحضر في المجامع اليهود= بنى جنس إبراهيم= ومعهم بعض الأمم الأتقياء= الذين بينكم يتقون الله. كلمة هذا الخلاص= إشارة لوعود الله لإبراهيم. وبولس هنا يثير اليهود ليتقبلوا المسيح ففيه تحقيق الوعد لإبراهيم أبوهم.

 

آية (27):-

لان الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا وأقوال الأنبياء التي تقرا كل سبت تمموها إذ حكموا عليه.

رؤساؤهم= رؤساء الساكنين في أورشليم. وهؤلاء حكموا على المسيح إذ لم يتَعَرَّفوا على المسيح. بينما أن النبوات التي تقرأ عليهم كل سبت تؤكد حقيقته.

 

آية (28):-

ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقتل.

قارن مع يو 38:18 + 4:19، 6 لنجد أن بيلاطس لم يجد فيه عله واحدة وفي هذا يرمز خروف الفصح للمسيح، إذ أن خروف الفصح بلا عيب ويذبحه اليهود.

 

آية (29):-

ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر.

طلب اليهود من بيلاطس أن ينزل الأجساد من على الصلبان حتى لا تبيت للسبت. ( ولكن يوسف الرامى ونيقوديموس هما اللذان أنزلا جسد يسوع. ووضعوه في قبر= بولس يريد أن يثبت أنه مات موتًا حقيقيًا. وهذا بالتالي إثبات لقيامته (1كو 3:15، 4). ولاحظ أن موت المسيح وقيامته هما السبب في غفران الخطايا.

 

آية (30):-

ولكن الله أقامه من الأموات.

القيامة من الأموات هي إثبات بنوة المسيح عند بولس الرسول (رو 2:1-4).

الله أقامه من الأموات = جسد المسيح قام بقوة لاهوته.

 

آية (31):-

وظهر أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب.

الظهور دليل القيامة 1كو15. وشهود القيامة هم الذين كانوا يعرفونه من قبل، أي تلاميذه الذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم.

 

آية (32):-

ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا.

هذه البشارة هي لكل من يؤمن.

 

آية (33):-

أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضًا في المزمور الثاني أنت ابني أنا اليوم ولدتك.

بولس هنا يربط بين مزمور “أنت ابني أنا اليوم ولدتك” وبين قيامة السيد المسيح. فالقيامة كما رأينا عند بولس هي دليل بنوة المسيح لله رو 2:1-4. فإبن الله له طبيعة وجوهر الله. والله حي لا يموت، وهذه الطبيعة هي التي أقامت المسيح من الأموات. وبالقيامة أعطانا المسيح حياته فنصير أولاداً لله. المسيح هو ابن الله منذ الأزل، وُلِدَ زمنياً ليتحد بإنسانيتنا وليموت ويقوم ويعطينا حياته، فيصبح كل مؤمن معمد إبناً لله. لذلك يقول بولس الرسول هنا اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا = أي الله أكمل لنا بميلاد المسيح وقيامته عمل التبني، فصرنا أولاداً لله، الله أكمل بقيامة المسيح كل الوعود التي أعطاها للأباء، هو أكمل بهذا خلاصنا، وبهذا صرنا أولاداً لله.

 

آيات (34-37):-

انه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضًا إلى فساد فهكذا قال أنى سأعطيكم مراحم داود الصادقة. ولذلك قال أيضًا في مزمور آخر لن تدع قدوسك يرى فسادا. لأن داود بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد وانضم إلى آبائه ورأى فسادا. وأما الذي أقامه الله فلم ير فسادا.

قام من الموت وهزمه للأبد وأعطى للبشرية هذه الحياة الأبدية التي إكتسبها لنا بقيامته من الأموات (أف 5:2). وهذه القيامة هي مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ = مراحم داود الصادقة (إش 3:55) هي البركات التي وُعِدَ بها داود في المسيح. مراحم داود الصادقة هي وعد الله الذي عوض هجرانه لشعبه سيعود ويرحمهم لمحبته الصادقة والثابتة لداود. غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ = لن يموت ثانية بعد ما قام كما مات لعازر الذي أقامه ثانية. لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا = هذه نبوة عن قيامة المسيح، وأيضا تشير أن جسد المسيح في القبر لم يرى فسادا، حقا مات جسديا بأن إنفصلت روحه الإنسانية عن جسده، لكن استمر جسده متحدا بلاهوته فكان فيه حياة فلا يفسد. وما قاله بولس هنا هو نفس ما قاله بطرس في (أع 25:2-32).

 

آيات (38، 39):-

فليكن معلومًا عندكم أيها الرجال الإخوة أنه بهذا ينادى لكم بغفران الخطايا. وبهذا يتبرر كل من يؤمن من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى.

قيامة المسيح لم تكن فقط انتصار على الموت بل انتصارًا على الخطية. فموت المسيح وقيامته كانا لغفران خطايانا وإعطائنا حياة جديدة. وهذا هو التبرير الذي لا يستطيع الناموس أن يعمله. غفران المسيح يشمل كل الخطايا حتى خطايا الضمير الداخلية. فالمسيح القائم من الأموات هو الذي يقيم من موت الخطايا المميتة.

 

آيات (40، 41):-

فانظروا لئلا يأتي عليكم ما قيل في الأنبياء. انظروا أيها المتهاونون وتعجبوا واهلكوا لأنني عملا اعمل في أيامكم عملا لا تصدقون أن أخبركم أحد به.

هنا يستخدم بولس الرسول نبوة حبقوق (5:1) التي قالها حبقوق كتحذير عن عدم الطاعة. ونبوة حبقوق كانت أن أقوى قوة عسكرية في الوجود وهي قوة بابل وقتها ستدمر أورشليم والهيكل لعدم الطاعة. واستخدام بولس لهذه النبوة، هو نبوة من بولس أن أقوى قوة عسكرية في الوجود في أيامه وهم الرومان سيدمرون أورشليم والهيكل لسبب عدم الطاعة أي عدم قبول المسيح وهذا تم في أقل من 20 سنة.

 

آية (42):-

وبعدما خرج اليهود من المجمع جعل الأمم يطلبون إليهما أن يكلماهم بهذا الكلام في السبت القادم.

كان ترتيب الخروج من المجمع بأن يخرج اليهود أولًا ثم الأمم الذين يحضرون. فبعد أن خرج اليهود كان هناك فرصة للأمم الأتقياء ليستفسروا ويتكلموا بحرية مع بولس. وفرح الأمم بكلام بولس. لكن اليهود امتلأوا نقمة ظهرت في السبت التالي. وتحولت إلى مقاومة علنية، والسبب هو عنصريتهم، فهم رفضوا أن يقبل الله الأمم ويصيروا أولاد الله مثلهم.

 

آية (43):-

ولما انفضت الجماعة تبع كثيرون من اليهود والدخلاء المتعبدين بولس وبرنابا اللذين كانا يكلمانهم ويقنعانهم أن يثبتوا في نعمة الله.

إنفضت = يفهم من الأصل اليوناني أن المسئولين عن المجمع وقد شعروا بخطورة تعاليم بولس على اليهودية فضوا الاجتماع بالأمر. وهناك من فسر الكلمة إنفضت بأنها تعني طُرِدَتْ. فمن طُرِدوا ساروا وراء بولس يستفهمون منه فرحين ببشارته. الدخلاء = أمم وثنيون أحبوا إله اليهود ورفضوا أوثانهم وكانوا يحضرون اجتماعات اليهود في مجامعهم.

 

آيات (44، 45):-

وفي السبت التالي اجتمعت كل المدينة تقريبا لتسمع كلمة الله. فلما رأى اليهود الجموع امتلاوا غيرة وجعلوا يقاومون ما قاله بولس مناقضين ومجدفين.

الأمم الأتقياء نشروا هذه الأخبار في المدينة فامتلأ المجمع في السبت التالي، وهذا ما جعل اليهود في غيرة شديدة، هذا هو شيطان الحسد (مت 18:27). وكانوا يجدفون على المسيح ويحاولون إثبات عكس ما يقوله بولس.

 

آية (46):-

فجاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تكلموا انتم أولًا بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم.

بولس حتَّم على نفسه بأن يبدأ باليهود فهم أصحاب الوعد الأساسيين (رو 16:1). ولما كان اليهود يرفضون كان يذهب للأمم (أع 6:18 + 27:28، 28). غير مستحقين للحياة الأبدية = من آمن بالمسيح وقام مع المسيح هو يحيا من الآن الحياة الأبدية مع المسيح. نعيشها بالروح الآن حتى ندركها في الدهر الآتي حيث ندرك طبيعتها وأمجادها. إذًا كل من رفض المسيح فهو قد حكم على نفسه بأنه غير مستحق للحياة الأبدية.

 

آية (47):-

لان هكذا أوصانا الرب قد أقمتك نورا للأمم لتكون أنت خلاصا إلى أقصى الأرض.

هنا إشارة إلى (أش 6:49) ونلاحظ أن المسيح هو نور العالم (يو 12:8) وأرسل تلاميذه كنور للعالم (مت 14:5) لينيروا للأمم فيكون الخلاص للعالم كله. بمقارنة هذه الآية + آية (39) كل من يؤمن + آية (17) وهي اختار شعب إسرائيل. نفهم أن الخلاص هو لكل من يؤمن من اليهود والأمم لكن الله اختار إسرائيل ليأتي منهم المسيح المخلص.

 

آية (48):-

فلما سمع الأمم ذلك كانوا يفرحون ويمجدون كلمة الرب وآمن جميع الذين كانوا معينين للحياة الأبدية.

الذين آمنوا انفتحت أعينهم ففرحوا بالخلاص. وهنا لوقا قدَّم الفرح على الإيمان، فهو يسجل ما حدث أمامه إذ هم فرحوا ثم أعلنوا إيمانهم. معينين = إشارة لمعرفة الله السابقة (رو 29:8). وهي تعني أن أسماءهم مسجلة ومعروفة عند الله في كتاب سفر الحياة.

 

آية (49):-

وانتشرت كلمة الرب في كل الكورة.

الكورة = إشارة لكل الإقليم وهو إقليم فريجية وغلاطية. راجع (أع 6:16). فبولس وبرنابا يعلمون ويكرزون والمسيحيون الذين يؤمنون ينشروا معهم بشارة الإنجيل لأقاربهم ومعارفهم. لقد استخدم الروح القدس الجميع ليشعل الكرازة.

 

آية (50):-

ولكن اليهود حركوا النساء المتعبدات الشريفات ووجوه المدينة وأثاروا اضطهادا على بولس وبرنابا وأخرجوهما من تخومهم.

أثار اليهود نساء الأمميين الأتقياء المتهودات وبالتالي أثارت هؤلاء النسوة أزواجهن فنظموا حملة لطرد بولس من المدينة واستصدروا أمرًا بذلك.

 

آية (51):-

أما هما فنفضا غبار أرجلهما عليهم وأتيا إلى ايقونية.

هذه وصية الرب (مت 14:10، 15) ونفض الغبار معناه أنهم أصبحوا غير مسئولين عن هذه المدينة، وأن هذه المدينة اختارت مصيرها بنفسها.

 

آية (52):-

وأما التلاميذ فكانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس.

لاحظ أنه مع ازدياد الاضطهاد والتجارب يزداد فرح المؤمنين.

فاصل

سفر أعمال الرسل : 123456789101112131415161718192021222324  – 25262728

تفسير سفر أعمال الرسل : مقدمة1 23456789101112131415161718192021222324 25262728

زر الذهاب إلى الأعلى