تفسير رسالة رومية اصحاح 16 للقمص متى المسكين

الأصحاح السادس عشر

تحيات الختام ـ أو ذكصولوجية الرسالة 

هذا الأصحاح فريد من نوعه، يحمل صيغة رسالة بمفردها !

1- 
أ- 16: 1و2 توصيات بشخصيات هامة .
ب- 16: 3-16 تحيات عديدة .
ج – 17:16-19  تحذيرات من المعلمين الكذبة.
د- 16: 20 بركة جانبية .

2-
أـ 21:16-23 تحيات جانبية من إخوة حاضرين أثناء إملاء وكتابة الرسالة من الكاتب نفسه .
ب- 16: 24 بركة جانبية .

3- 
16: 25-27  تمجيد ختام ذو صيغة جديدة عند ق. بولس !

 

[ 16 : 1 و1 ] توصيات من نحو شخصيات هامة

16: 1و2 «أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين وتقوموا لها في أي شيء احتاجته منكم. لأنها صارت مساعدة لكثيرين ولي أنا أيضاً».

«أوصي»: Συνίστημι

الـتـوصـيـة نـوع مـن الـتـزكـيـة الشخصية والمديح معاً. وقد جاءت في كتابات ق. بولس بمعنى المديح : «لأننا لسنا نمدح أنفسنا أيضاً لديكم . » (2کو5: 12)

«خادمة الكنيسة »: διάκονον

الـقـديـس بـولـس اعـتـبـرها أولاً أنها أخته في المسيح وعرفها ثانياً أنها خادمة الكنيسة التي في كنخريا . وكنخريا هي المدينة الواقعة شرق كورنثوس مباشرة وعلى بعد 9 أميال منها والمحسوبة أنها مـيـنـاؤهـا الـبـحـري . وخدمة الدياكونية (الشماسية) للمرأة في الكنيسة كانت مقصورة على العناية بالفقراء والمرضى والغرباء الإناث الوافدين على الكنيسة: «أضافت الغرباء، غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين، اتبعت كل عمل صالح . » (1تي 5: 10)

والمعروف أن فـيـبـي هي التي حملت رسالة بولس الرسول إلى رومية من كورنثوس إلى مدينة روما. لذلك قدمها ق. بولس في التوصية على باقي الأسماء في الرسالة. والقصد أن يستقبلها شعب كنيسة رومية استقبالاً حسناً والمعروف أنها أمرأة غنية لها علاقات تجارية في روما فهي لم تبحر خصيصاً لتوصل الرسالة بل حملتها معها في رحلتها التجارية الخاصة إلى روما .

«كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين » :

« كـي تـقـبـلوها في الرب» أي كأنها قادمة باسم المسيح : « مبارك الآتي باسم الرب ». فهي عضو في الـكـنـيـسـة وتستمد وجودها وحياتها من الكنيسة، وخادمة كنيسة حينما تحل ضيفاً على كنيسة أخرى فهي تستقبل كمن يمثل الكنيسة، كمن هي قادمة من عند الرب .

« كما يحق للقديسين»: ἀξίως τῶν ἁγίων

والمعنى هو أن تنال استحقاق القديسين . يبدو أن فيبي كانت أمرأة ذات وقار وتقوى ، وأن أفضالها على كنيستها كانت قد شاعت لدى الكثيرين . والقديس بولس يصرح بذلك أنها صارت مساعدة لكثيرين : في اللاتينية Patrona = προστάτις، ويضيف أيضاً أنها كانت مساعدة له أيضاً فوق أنها حملت الرسالة على نفقتها الخاصة ، فيبدو أنها قدمت معونات في الخفاء لم يشأ ق . بولس أن يوضحها، ولكنه كان على أي حال متأثراً من سمو أخلاقها وتصرفاتها. ويقول العالم شاف إن نساء مثل هذه كن في كنائس الشرق ذوات نفع جزيل، لأن التفرقة الاجتماعية بين الرجال والنساء ألـزمـت الـكـنيسة بالالتجاء إلى مثل هاته النسوة ليخدمن بني جنسهن . ولكن الشخصيات الفذة النساء فاقت وتخطت دورهن في الاختصاص، فها هي فيبي تعمل عمل الرجال وليس كل الرجال، فامرأة تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط من شرقه إلى غربه في سفينة شراع تحمل رسائل وبضائع، هو عمل لا يقوى عليه كثيرون من أقوى الرجال ـ فأية امرأة هذه !! 

وتـوصـيـة ق. بولس كانت أن يقف بجوارها رجال كنيسة رومية في أي شيء احتاجته ، ولم تعدم كنيسة الله مـنـذ الدهور نساء على هذا المنوال ، فدبورة حكمت إسرائيل وحاربت سيسرا ، قادت جيشاً وهـزمـت جـيـوشـاً وألفت شعراً وغنت لنصرتها وسبحت لمن أقامها وشددها . ونساء « كـثـيـرات كن يخدمن الرب من أموالهن » ( لو 8: 3) … كما لا ننسى ليدية بائعة الأرجوان سيدة فيلبي (أع 16: 14 و15 و40)

[ 16-3:16 ] تحيات عديدة

3:16ـ5 «سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لستُ أنا وحدي أشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم وعلى الكنيسة التي في بيتهما » .

«سلموا » : Ἀσπάσασθε

هذه الكلمة يذكرها ق. بولس هنا 15 مرة، لكل فرد في الكنيسة باسمه. وهي الكلمة المحبوبة في لـيـتـورجـيـة الـكـنـيـسة حيثما يهتف الشماس في ختام صلاة الصلح قائلاً: «قبلوا ( أسبازستا) بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة » . ولكن الكلمة في الاستخدام المدني تعني مجرد سلام .

« بريسكلا وأكيلا » :

«بريسكلا» أو «بريسكا». القديس بولس يذكر هنا الزوجة قبل الزوج، لا بنوع الأدب الغربي بل بسبب علو شأن بريسكلا. وهما أصلاً يهوديان من مواطني إقليم بنيس بآسيا الصغرى . وقـد كـانـا يـعـيـشـان في روما وكانت صناعتهما صنع الخيام ـ مهنة بولس الرسول . وحينما صدر منشور كلوديوس بطرد اليهود من روما، هاجرا إلى آسيا الصغرى موطنهما ولكنهما تخلفا مدة يسيرة في كـورنـثـوس وهما في طريقهما إلى آسيا الصغرى ، فوجدهما ق. بولس هناك في زيارته الأولى لـكـورنـثوس . كان ذلك في سنة 53 ميلادية وبسبب صناعة الخيام كمهنة مشتركة عاشوا معاً ، فـكـانـت فـرصـة ق. بولس أن يتعرف منهما على أحوال روما : « و بعد هذا مضى بولس من أثينا وجاء إلى كـورنـثـوس فـوجـد يـهـوديـا اسـمـه أكيلا بنطي الجنس كان قد جاء حديثاً من إيطاليا ، و بريسكلا امرأته لأن كلوديوس كان قد أمر أن يمضي جميع اليهود من رومية فجاء إليهما . ولكونه من صناعتهما أقام عندهما …» (أع 18: 1-3)

وبعد أن مكث ق. بولس سنتين في كورنثوس، « سافر في البحر إلى سوريا ومعه بريسكلاً وأكـيـلا … فـأقـبـل إلى أفسس وتركهما هناك» (أع 18: 18و19). ومكث أكيلا و بريسكلا في أفسس يخـدمـان هـنـاك وقد استطاعا أن يجذبا الفيلسوف أبلوس الإسكندري إلى الإيمان المسيحي الصحيح: «فلما سمعه ، أكيلا وبريسكلا أخذاه إليهما وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق » (أع 18: 26). وفي هذه المدينة أفسس خدم ق. بولس مع أكيلا وبريسكلا، ويبدو أنهما أعلماه عن حالة الكنيسة في رومية، فشوقاه للخدمة هناك ، لأن ق. بولس لما كان في أفسس فكر أول ما فكر في الذهاب إلى رومية، ويبدو أن أكيلا وبريسكلا سبقاه بعد ذلك إلى هناك (أع 19: 21).

أما من حيث الزمن ، فبولس الرسول كان في أفسس مع أكيلا و بريسكلا حتى (فصح) ربيع سنة 57 ميلادية، حينما أرسل رسالة إلى كورنثوس وأرسل فيها سلام أكيلا و بريسكلا إلى الـكـنـيـسة هناك حيث خدما فيها أولاً : «تسلم عليكم كنائس آسيا. يسلم عليكم في الرب كثيراً أكـيـلا و بريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما» (1كو 16: 16). ويقدر العالم جوديت الزمن بين كتابة هذه الرسالة وكتابة الرسالة إلى رومية التي يرسل فيها سلامه إلى أكيلا وبريسكلاً بـحـوالي سنتين من ربيع (عيد الفصح) 57 م حتى فبراير سنة 59، زمن كتابة الرسالة إلى رومية . وفي هذه المدة كان أكيلا وبريسكلاً قد عادا إلى رومية . وهناك سنة 64 عند بدء اضطهاد نيرون عاد أكـيـلا و بريسكلا إلى أفسس مرة أخرى ، لذلك نسمع اسميهما مرة أخرى في رسالة القديس بولس الثانية إلى تيموثاوس : «سلم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس» (2تي 4: 19)، وهذا حبك تاريخي بديع.

والإنسان يتعجب لهذه الألفة السعيدة في الرب يسوع بين فرسكا هذه وزوجها المغبوط وحبهما المـدهـش لـبـولـس الـرسـول ، ومرافقته في رحلاته والكرازة معاً بنجاح ، وسبق إعداد المكان له في الكنيسة التي ينوي زيارتها ، وقدرتهما النابعة من تقواهما على إقناع أبلوس الفيلسوف الإسكندري أن ينبذ تعلقه الشديد بيوحنا المعمدان ويقبل الإيمان بالمسيح . ثم كيف وضعا عنقيهما لإنقاذ حياة ق. بولس ومتى كان ؟ لقد كف ق. بولس عن التوضيح، ولكنه ظل يشكرهما علنا وبتأثر شديد، ويدعو كافة كنائس الأمم أن تشترك معه في ذكر هذا الفضل العميم وكأنهما تفضلا به على كافة الكنائس، وهذا حق، فحياة ق. بولس تساوي عندنا الكثير.

وأخـيـراً يـرسـل ق. بولس سلامه إلى الكنيسة التي في بيتهما موضحاً بذلك مدى نشاطهما في الكرازة باسم المسيح في رومية . وهكذا قامت الكنيسة في روما وأوروبا وكل الغرب على أكتاف نساء ورجال عظام حقأ وجبابرة إيمان حملوا شعلة الكنيسة وسلموها من جيل إلى جيل .

والمعروف في علم الحفائـر أنه لم يقم بناء خاص بكنيسة في كل الأقاليم سواء في روما أو غـيـرهـا قـبـل القرن الثالث، وهكذا كانت الكنائس تعقد اجتماعاتها في البيوت المتسعة. لذلك ، حينما تسمع أن هناك كنيسة في بيت ، فهذا معناه أن الشخص الحائز على هذا الشرف يكون عادة فوق المـسـتـوى الـعـام من جهة الإمكانيات التقوية والمالية. وأول كنيسة نسمع عنها أنها في بيت كانت هي كنيسة «مريم» أم يوحنا مرقس في أورشليم (أع 12: 12) ـ حيث كانت العلية ـ ولـكـن الذي يؤكده العلماء أن الكنائس حينما بدأت في الظهور وجد أنها بنيت فوق نفس البيت الذي كانت تعقد فيه اجتماعاتها، يا للتراث المجيد!! 

وقد دلـتـنـا الأبحاث الحديثة على تأصل اسم أكيلا و بريسكلاً، في روما كمؤسسي كنيسة قـامـت بـالـفـعـل وازدهرت : يذكر العالمان ساندي وهدلام عن De Rossi من واقع الأبحاث الأثرية وجود أثرين بارزين لهذين الاسمين :

1 – بين الكنائس الأثرية القديمة في روما واحدة موجودة في الـ Aventine تحمل اسم « القديسة بريسكا » ! ويقول هذا العالم إن هناك ما يؤكد صلة هذا الاسم باسم أكيلا و بریسكلاً. وفي «سفر الأعمال الحبرية » للبابا ليو الثالث (795-816م) وصفت هذه الكنيسة الأثرية باسم Titulus aquilae et Priscae ، أي على اسـم أكـلا و بريسكا .

وفي المخطوطة التي لقصة تاريخ حياة القديسة بريسكا الشهيدة ( وهي من القرن العاشر)، مذكور أن جسد القديسة بريسكا الشهيدة نقل عن طريق أوستيا حيث كانت قد دفنت ووضع في كنيسة بريسكا على الـ Aventine . إذا فقد ختمت حياتها بالاستشهاد لذلك بنيت الكنيسة باسمها .

۲ – كما أنه في الحفائر التي قام بها دي روسي كتابات واضحة باسم أكيلا وبريسكلا فيما يعرف بمدافن بريسكلا Coemeterium Priscillae. وهذه كلها توضح عودة أكيلا وبريسكلا من رحلاتهما في اليونان وآسيا إلى روما وازدياد نشاطهما وامتداد عملهما الـكـرازي وقـيـام كنيسة باسم بريسكا في روما. وهكذا احتفظ لنا الزمن باسمها صدقاً لتاريخها وتخليداً لذكراها .

5:16 «سلموا على أبينتوس Enaivetov’ حبيبي الذي هو باكورة أخائية ( خطأ وصحتها آسيا ) للمسيح» .

واضح أن ق. بولس مهتم به إذ له ذكرى حسنة في فكره لأنه كان أول من آمن بالمسيح في آسيا، ويبدو أنه تبع بولس الرسول وكان رفيقاً أيضاً و بالضرورة لأكيلا و بريسكلا فلما سافرا إلى روما نزح معهما واستوطن هناك .

والمرجح عند العلماء أن أبينتوس أممي متنصر، وبما أنه باكورة آسيا، وأن أكيلا وبريسكلا سبقا ق. بولس إلى أفسس وخـدمـا هـنـاك قـبـل مجيئه ، فيظن أنه آمن وتعمد على أيدي أكيلا و بريسكلا. ومن هنا يأتي ترجيح هجرته معهما إلى روما . وهذا يرجحه ذكر ق . بولس له بعد أكيلا وبريسكلا مباشرة. ووجد أيضاً في روما حفرية تحمل اسم أبينتوس الأفسسي EPHESIO EPAENETI. يا للتاريخ الناطق بصدق سير هؤلاء الأبطال الأوائل في الإيمان !! وما أذكى رائحتها .

6:16 «سلموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيراً» .

هذه الـ «مريم» هي سادس أمرأة مباركة بهذا الاسم في أسفار العهد الجديد، وصحة نطق اسمها هو ماريان. وأتعاب مريم الكثيرة واضح أنها واجبات ضيافة، إذ يبدو أنها كانت مثل نظيرتها مرثا وأختها في بيت عنيا، مضيافة بصورة زائدة. وهكذا عاشت الكنيسة على أكتاف مثل هاته النسوة المملوءات غيرة وفضيلة وحكمة ونعمة في تأدية واجبات الضيافة بصورة زائدة، إنهن ملائكة رحمة . وقد وجدت أيضاً حفائر باسمها في آثار روما. يا للمجد!! «ذكر الصديق يدوم إلى الأبد. » (مز 111: 6)

7:16 «سلموا على أندرونكوس ويونياس نسيبي المأسورين معي اللذين هما مشهوران بين الرسل وقد كانا في المسيح قبلي» .

أنـدرويـكـوس اسم مشهور ولكن يونياس جاء باليونانية مفعولاً به فجاء «يونيان» Ἰουνίαν، لذلك اختفى التمييز إن كان مذكراً أو مؤنثاً. ولكن بالرغم من كونه رسولاً مع أندرونكوس قبل ق. بولس في الإرسالية والإيمان ، إلا أن القديس يوحنا ذهبي الفم قطع بالأمر إذ حسبها أمرأة و بذا تكون زوجة لأندرونكوس و يقول : [ أن تكون رسولاً فهذا بحد ذاته شيء كبير، ثم أن تكون بين الممدوحين هـنـا فـهـذا تمجيد عظيم ، على أنهما كانا مشهورين بسبب أعمالهما وإنجازاتهما . آه ما أعـظـم تـقـوى هذه المرأة أنها هكذا تحسب أهلاً أن تدعى رسولاً ]. ولكن بالرغم من ذلك لا نعتقد أنها كانت أمرأة .

« نسيبي  συγγενεῖς المأسورين معي»:

لا يقصد ق. بولس بهذا الاصطلاح أنهما كانا قريبيه ، ولكن يقصد أنهما يهوديان من بني جنسه وهذا واضح من الكلمة اليونانية. وحينما يقول أنهما كانا مأسورين معه فهو لا يعني في نفس السجن ولا نفس المدة وإنما أرباب سجون وتعذيب مثل حاله. وهذه هي سمة الشهداء بغير سفك دم. وربما من أجل تعاذيبهما نالا هذا اللقب المكرم للغاية : « رسولان » .

«مشهوران بين الرسل » :  ἐπίσημοι

« مشهوران» ترجمة قد تؤدي إلى معنى جانبي أنهما كانا معروفين فقط بين الرسل . ولكن شرح الآباء وخـاصـة الـقـديـس ذهـبـي الـفـم يفيد أنهما كانا رسولين بالفعل. فالكلمة اليونانية لا تفيد « مشهور» بل «ظاهر» وكأن عليهما علامة أو ختم وتأتي بالإنجليزية : stamped أو marked ، وهـكـذا تعني أنهما كانا مختارين أو متميزين distinguished ضمن الرسل وليس مجرد أنهما كانا معهم. ويقول العالم الأسقف لايتفوت شارحاً على غلاطية صفحة 93 أن كلمة «الرسل» كانت تستخـدم بـوضـوح على مستويين: الأول المستوى المحدود وكانت تعني الاثني عشر وهم معروفون بالاسم، وفيما عدا ذلك كانت بالمعنى الواسع، وهذا واضح جدا في الديداخي حيث كانت تطلق على الإنـجـيـلـيين المتنقلين. وهذا الشرح يبين لنا من أين أتى الإيمان المسيحي لروما بدون الاثني عشر، خاصة لأن بعد موت استفانوس تشتت هؤلاء الإنجيليون والرسل وصاروا يتنقلون كارزين ، وخاصة أولئك الذين تنصروا من مجمع الليبرتينيين في أورشليم، وهو المجمع الخاص بأهل رومية والذين كان منهم استفانوس (أع 11: 19).

« وقد كانا قبلي في المسيح» :

واضح هنا أنهما قبلا الإيمان المسيحي قبل دعوة الرب للقديس بولس إلى الرسولية ، أي منذ بداية ظهور الجماعة المسيحية في أورشليم الأمر الذي جعل إيمان أهل رومية يقول عنه ق. بولس أنه ذاع في العالم كله .

وقد وجدت آثار تحمل اسم أندرويكوس ويونياس في الكنائس القديمة في رومية  وسط أسماء المشهورين أنهم من أصل البيت الإمبراطوري بمعنى: «عبيد محررين» تحت اسم «يوليوس أنـدرويـكـوس»، حيث يكتب يوليوس ( اسم الإمبراطور) كاسم سيد للعبد، وذلك مع اسم آخر « يوليوس هرماس» حيث هرماس مذكور أيضاً في رومية 16: 14.

8:16 «سلموا على أمبلياس حبيبي في الرب». 

والاسم الأكثر صحة حسب المخطوطات الموثوق بها هو امبلياتوس Ἀμπλιᾶτος ، وهو من أشهر المسيحيين من جماعة أهل رومية، ووجدت مقبرته في الكتاكومب ( النفق) المخصص كمقبرة باسم دوميتلا Domitilla، حيث وجدت غرفة خاصة منقوش عليها اسم أمبلياتوس. وهي بحسب الأزمنة الأثرية قديمة جداً منذ بدء المسيحية، والعين التي كانت مخصصة للجسد تعطي تحقيقاً أنها فعلاً من أواخر القرن الأول . ويتعجب باحث الآثار من شدة وضوح نقش الحروف واتساعها ولا يوجد للاسم مميزات تشير إلى أبيه أو المحرر له مما يفيد أنه كان عبداً. وواضح أنه لا يكون لعبد مثل هذا الامتياز الظاهر في كل شيء إلا إذا كان مشهوراً جداً بين جماعة المسيحيين، إن لـم يـكـن أحـد روادها الأوائل، وبالإضافة فإنه في زمان آخر بعد هذا الزمن المحدد أي بعد القرن الأول وجـدت مـدافـن لـعـائـلـة بهذا الاسم أيـضـاً مما يفيد أنها عائلة هذا المسيحي الأول كرأس للأسرة. وقد علق العالم الأسقف لايتفوت على هذا الاسم في شرحه على رسالة كلمندس الأولى ـ صفحة 39. 

 

9:16 «سلموا على أوربانوس العامل معنا في المسيح وعلى إستاخيس حبيبي». Ουρβανόν, Στάχυν

« أوربانوس» اسم عبد يتبع عائلة الإمبراطور، وهو مسجل في مجموعة الآثار التي تسمى : Corpus Inscriptionum Latinarum ، أي .C.L.L، وقد ذكرها العالم لايتفوت .

« العامل معنا في المسيح »:

ليس من الضروري أن يكون ق. بولس قد رآه أو عرفه، ولكن يقصد أنه يعمل في حقل المسيح مع الجماعة المسيحية .

«إستاخيس» :

اسـم يـونـانـي ولـيـس رومـانـيـا ولكن وجد ضمن أسماء عائلة الإمبراطور في مجموعة حفريات ‏.C.I.L، وواضح أنه عـبـد تحرر إذ يوجد مميزات لاسم العائلة التي كان يتبعها وتشرف بعد ذلك بالنسب إليها، مع أنه تشرف أكثر منها بالمسيح .

10:16 «سلموا على أبلس المزكى في المسيح. سلموا على الـذيـن هـم مـن أهـل أرستو بولوس».

« أبلس » :

وهو اسم يوجد بين اليهود كما يوجد بين العبيد المحررين تبع عائلة الإمبراطور. ولكن يبدو أنه عمل عملاً مسيحيا مجيداً وسط الجماعة جعله مميزاً ومزكى لدى الجميع.

«الذين من أهل أرستوبولوس » :

بحسب تحقيقات لايتفوت يعتقد أن أرستوبولوس هو الابن الأكبر لهيرودس الكبير، وقد عاش ومات في روما. وكلمة «أهل بيته » تعني العبيد الذين اشتراهم وحررهم أو تحرروا بعد موته ، ومـنـهـم يـهـود و يونانيون ورومانيون ، وكثير منهم صاروا مسيحيين . وهكذا بعد موت أرستوبولوس أضيفت أسماؤهم على شرف بيت الإمبراطور وهم أشرف منه بالمسيح، وعلى القارىء أن يفرق بين كلمة «بيت الإمبراطور» و «أهل بيت الإمبراطور» ، فالأولى تعني أفراد العائلة، والثانية تعني الـعـبـيـد الذين حررهم وظلوا في خدمته حيث يكون لهم الحق بحسب القانون الروماني أن ينتسبوا للإمبراطور مع الامتيازات الخاصة .

11:16 «سلموا على هيروديون نسيبي. سلموا على الذين من أهل تركيسوس الكائنين في الرب».

هنا علينا أن تلتفت أن تنسيق الأسماء له دلالة كبيرة عند ق. بولس وفي التاريخ أيضاً، فذكر أهـل (عبيد) أرستوبولوس وهو ابن هيرودس الكبير تلاه مباشرة أسماء نفس عائلة هيرودس الذين قبلوا الإيمان المسيحي، فهنا هيروديون هو يهودي فلسطيني، لذلك أسماه بولس بنسيبي أي الذي من جنسي !!

«أهل بيت تركيسوس» :

هذا الاسم ظـاهـر ومعروف أنه العبد المحرر الذي أعدمه أغريبينا Agrippina بعد مدة قصيرة مـن تـولي نيرون، وهكذا صار كل أهل بيته أي عبيده جميعاً بحسب القانون اتباع بيت الإمبراطور. وقد وجد هذا الاسم مع لقبه في حفائر الآثار وعلق عليه العالم لايتفوت.

16: 12 «سلموا على تـريـفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب. سلموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيراً في الرب». 

تـريـفـيـنـا وتـريـفوسا أختان. وتريفوسا تلقب في الحفائر (باترونا) أي قديسة شفيعة . وقد وجد اسماهما في الحفائر.

13:16 «سلموا على روفس المختار في الرب وعلى أمه أمي». 

اسمه مشهور وهو المذكور في إنجيل مرقس 21:15 عندما ذكر سمعان القيرواني حامل صليب المسيح القادم من الحقل وهو أبو ألكسندر وروفس. والمعروف في التقليد أن القديس مرقس كتب إنجيله في روما. وحـيـنـمـا ذكـر مرقس الرسول هذه الحادثة ذكر روفس وكأنه شخصية معروفة للكنيسة هناك .

« … المختار في الرب … » :

يقصد ق. بولس بها أنه كمسيحي ممتاز يخدم الرب بحسب اختيار النعمة التي جعلته مسيحياً ، وحينما قال إن «أمه (هي) أمي» كان يعبر عن شكر وامتنان لضيافة قامت بها أمه له واعتنت به وكأنه ابن لها .

14:16 «سلموا على أسـيـنـكريتس فليغون هرماس (صحتها هرمين) بتروباس وهرميس (صحتها هرماس) وعلى الإخوة الذين معهم» .

«أسينكريتس»: عبد محرر لأغسطس، منقوش اسمه ضمن مجموعة الحفائر اللاتينية. « فليغون » : وصحتها فليغونتا. ولا تفصح النقوش عن شيء بالنسبة لهذا الاسم .

« هرمين » : اسم مشهور بين المسيحيين العبيد الذين كانوا يكونون جماعة المؤمنين في روما .
«باتروباس»: اسم مختصر للاسم الكامل باتروبيوس . من أشهر الأسماء المسيحية التي حررها نيرون وقد حكم عليه بالموت بواسطة جاليا Galba .

«هرماس»: اخـتـصـار للفظ هرماجوراس أو هرمادوروس أو هرموجانيس . وقد تعرف عليه بعض الآباء أنه هو هرماس الراعي أو صاحب كتاب « الراعي». ولكن يقول العالمان سانداي وهيدلام أن هذا خطأ.

« وعلى الإخـوة الـذيـن معهم » : معنى هذا يهمنا جداً إذ يفيد أن هذه الجماعة المسيحية من كنيسة روما كانت تعيش منعزلة وحدها، وكانت كنيسة روما مكونة هكذا من عدة جماعات كل مجموعة تعيش بمفردها .

15:16 « سـلـمـوا على فيلولوغوس وجوليا ونيريوس وأخته وأولمباس وعلى جميع القديسين الذين معهم ». 

فيلولوغوس: كثير من المسيحيين الذين نقشت أسماؤهم على قبورهم في السراديب كانوا بهذا الاسم ، ولكن يظن أنه أخو أو زوج جوليا .

أمـا نـيـريوس : فغالباً يكون هو وأخته نيرياس Nerias ، وكذلك أوليمباس، هم الثلاثة أولاد فيلولوغوس وجوليا .

أمـا جـولـيا: والاسم الصحيح «يوليانة » فهو أشهر اسم من الأسماء المسيحية المتداولة بين المسيحيين بين سيدات روما، وكذلك بين أهل بيت الإمبراطور. وقد وجدت هذه المجموعة من الأسماء معاً في لوحة واحدة مع كلافديا .

نيريا: وجد هذا الاسم منقوشاً مع الأسماء عاليه يتبع أهل بيت الإمبراطور مع جرمان ومع جـرمـانـيـوس وآنـوس ونـيـرونيس وسيزاريس. وهذا الاسم مشهور بسبب مخطوطة الأعمال المنسوبة لنيريوس Nereus وأخيللوس. وكلها أسماء منقوشة يرقى زمنها إلى الكنيسة الأولى في رومية . وعلى ما نعتقد أنها منقوشة في سجلات السماء قبل أن تبنى روما .

أولمباس: مختصرة من أليمبيودوروس ، وهؤلاء جميعاً كانوا يكونون جماعة واحدة .

 

16:16 « سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة. كنائس المسيح تسلم عليكم » .

« سلموا » : ( هي: قبلواἈσπάσασθε).

ق. بولس يضع هنـا تـقـلـيـداً مقدساً أخذته الكنيسة بحروفه و وضعته في صميم ليتورجيتها المقدسة. فالشماس ينادي المؤمنين قبل الدخول إلى التناول من جسد الرب ودمه بهذا النداء : « قبلوا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة » : 

وتعتبر هذه القبلة بمثابة إعلان حالة شركة بالروح التي تحتم الصفح الكامل عن الزلات المشتركة، وعهد سلام مقطوع بحضرة الله القدوس، وعربون محبة أبدية تربط الجميع في الجسد الواحد بروح واحد. وهكذا تصير الخبزة الواحدة جسد المسيح، وحينما يتناول منها الجميع يتناولون المسيح الـواحـد: « مـن يـأكـلني فهو يحيا بي» (يو 6: 57). وكأس الشركة دم المسيح يتوزع على الجميع فيستقي الكل من الروح الواحد للحياة الأبدية .

«كنائس المسيح تسلم عليكم » :

واضح أن هذه هي المرة الأولى التي يكتب فيها ق. بولس معبراً عن كافة كنائس المسيح، ومنها يتضح أن ق . يعتبر روما عاصمة الأمم وكنيستها موضع محبة ودعاء من الكافة .

[ 19-17:16 ] تحذيرات من المعلمين الكذبة

 

17:16« وأطـلـب إلـيـكم أيها الإخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافاً للتعليم الذي تعلمتموه وأعرضوا عنهم» .

هذه الآية بالرغم مما يبدو فيها أنها جاءت لتقطع مسلسل التحيات والسلام الذي يقرؤه على أعـضـاء الـكـنـيـسـة الـواحـدة، إلا أننا لو تأملنا في آخر الوصية وهي : « قبلوا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة»، نجد أنه هنا بلغ نهاية التعبير عن الوحدة السلامية القائمة على المودة الأخوية ، فماذا يقلق هذه الـوحـدة وما هو الذي يشتت فكر الكنيسة الواحدة المؤتلفة بالمحبة ؟ إلا الذين يصنعون الشقاق والعثرة !! فهذه التوصية هي التكملة الحتمية لبقاء قبلة السلام والمودة قائمة ومستديمة . وذلك بأن تهتم الكنيسة بوحدتها و بالقبلة المقدسة الواحدة التي تربط الجماعة بأن تلاحظ وتفرز وتحـاكـم الـذيـن يحـاولـون صنع الشقاق، والذين بواسطتهم يحاول الشيطان النفاذ إلى هذه الوحدة والمحبة لتمزيقها . لذلك فهذه الوصية توازي في قوتها ومضمونها وهدفها كل السلام الذي أرسله ق . بولس لجميع الأفراد .

كذلك يبدو ق . بولس هنا أنه يعلم من هم الذين يحاولون فعلاً عمل الشقاق بين الإخوة، فهو هنا يرسل لهـم تحـذيـره تماماً كما يرسل للأتقياء والقديسين منهم سلامه. فهو لأنه ليس صديقاً وحسب بل رسولاً ومعلماً، شعر بضرورة إرسال هذه الإشارة الخفية لهؤلاء الأشخاص كإنذار من الله ، الذي له وحده النقمة والمجازاة .

وبعد هذا انـظـر وتـعـجـب ، أيها القارىء، كيف أن العلماء تضافروا واتفقوا أن هذه الآية دخيلة، وأنها مدسوسة من أحد المعقبين أو النشاخ ؟ مع أنها هي آية الأمان والضمان لكل السلام الذي أهداه ق. بولس للكنيسة .

الشقاقات والعثرات : διχοστασίας καὶ τὰ σκάνδαλα

ق. بولس لا يقصد مجرد الأشخاص المشاغبين، فالشقاق هنا يفهم في الحال أنه شقاق في فكر الإيمان الـواحـد الـصـحـيـح ، والـقـديـس بولس الرسول يوضح ذلك بقوله : « خلافاً للتعليم الذي تعلمتموه»، أي دش بدع إيمانية غريبة عن المسيحية للهلاك أو تعليم غير مسلم كالتقليد الرسولي المسلم إليهم في بنود محددة في إجراء سر المعمودية ، أي الكاتشزم الرسولي ! واضح هنا التحذير من المعلمين الكذبة. أما العثرات فهي الخروج عن وحدة المحبة لإعثار النفوس البسيطة المحبة بد الـوشـايـة والأفـكـار المـضـادة مـن واحـد لآخـر لتقسيم الجماعة ، لإخضاعها بعد ذلك أيضاً لسيادة المـبـتـدعين . إذا فبولس الرسول هنا يوعي المؤمنين أنه لكي يحتفظوا بالسلام وقبلة المحبة، عليهم أن يـكـونـوا على حذر شـديـد مـن أي تعليم إيماني غريب لأنه حتماً سيقسم الجماعة ويخلخل وحدتها ومحبتها وسلامها .

ونـفـس هـذه الـتـوعية أرسلها لأهل كورنثوس: «لأني أولاً حين تجتمعون في الكنيسة أسمع أن بينكم انشقاقات واصدق بعض التصديق ، لأنه لا بد أن يكون بينكم بدع أيضاً ليكون المزكون ظاهرین بینکم . » (1کو 11: 18و19)

ومن ذلك يمكن تحديد نوع الشقاقات والبدع والهرطقات التي تدور في يتكلم بعد ذلك في الآية القادمة على أن مثل هؤلاء المبتدعين يخدمون بطونهم !

18:16 «لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء» .

ق. بولس ينتهي في الآية السالفة بالتوصية أن يعرضوا عن هؤلاء المعلمين الكذبة والمبتدعين ، لأن أي نـقـاش مـعـهـم أو محاولة تصحيح أو تعديل ما يقولون يكون هو المصيدة التي بها يقعون في مصيدتهم كما صنع الشيطان حواء لما بدأت تشرح له الكلام الصحيح الذي قاله لهما الله ( ارجع للنص تك 1:3-7). 

ثم يعود هنا ويسترسل : «لأن مثل هؤلاء» هم مخادعون ، بمعنى أنهم يتكلمون بكلمات معقولة و بسيطة وكلاماً له شكل الحق والمعقول ، ولكن يحوي سماً قاتلاً.

 و يلاحظ القارىء أن ق. بولس يوضح صورتهم بقوله : « إنهم لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم »، أي أنهم يتكلمون عن المسيح وكأنهم خدام أمناء أوفياء للمسيح ، ولكن وراء كلامهم هناك طعنة في إيمان المسيح الصحيح؛ والذي يخدمونه في الحقيقة هو ذواتهم وشهواتهم . والقديس بولس وضع الكلمة «بطونهم » كأسوأ تعبير عن الذات، فهم بالنهاية يريدون أن يجمعوا الناس حولهم ويجمعوا منهم أموالهم ويستخدموا أموالهم لذواتهم . وهنا توضيح أكثر لاتجاه فكر ق . بولس : «لأن كـثـيـريـن يـسـيـرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم الذين يفتكرون في الأرضيات . » (في 3: 18 و19)

« وبالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء»:

هنا يكشف ق. بولس عن الخيوط الحريرية الناعمة التي يلفها الشيطان حول فرانسه فلا يشعرون بخطورتها بل يستحسنونها ويتلذذون بنعومتها ويمتدحونها ، فالكلمات ناعمة ووقعها لذيذ وممتع ومُسر للعقل ، ، تماماً كما «رأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهـيـة للـنـظـر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل»، فكان هو السم بعين الذي بلعته حـواء وابـتـلـعه آدم وكان ما كان . فالجودة كانت غاشة والبهجة مزيفة والشهوة فخاً مسموماً !!

 ق. بولس هنا يحصر الخداع في التعليم اللاهوتي الذي يدشه المعلمون الكذبة كأنه للمسيح وكأنه نور، وهو لعدو المسيح ولحساب الظلمة، مع أنه كلام له صورة كلام المسيح . القديس بولس يحذر أهل كورنثوس من هؤلاء فاضحاً هو يتهم : «لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون ، مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح . ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور، فليـس عـظـيـمـاً إن كـان خـدامـه أيـضـاً يغيرون شكلهم كخدام للبر الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم . » ( 2کو 11: 13-15)

و بتحليل هاتين الآيتين، ومن التعليق عليهما ، يمكن الآن أن نحدد ما الذي كان يهدد وحدة كنيسة روما وأهلها البسطاء المتحدين بالروح والإيمان والقبلة المقدسة، وذلك في اتجاهين واضحين يشير إلـيـهـمـا ق. بولس بكلمة من جهة هؤلاء الأعداء المدسوسين كمعلمين كذبة : مجموعة منهم تخدم بطونهم وليس المسيح، وهؤلاء الذين يدعون المؤمنين إلى الانحلال والحرية في الأكل والشرب عـمـومـا والـتـقـلـيـل من أهمية السر المقدس في الإفخارستيا وجعلها فرصة لولائم أكل وشرب وسكر (1کو 11: 20-22). والمـجـمـوعـة الأخرى ذات اتجاه إيماني منحرف ناحية الغنوسية أي المعرفة والحكمة وهـي الـتـي تـسـتـخـدم أفكاراً ومبادىء تبدو متقنة من جهة الحكمة ولها أصول وقواعد واختبارات ، ولكن ليست منحدرة من المسيح، وبعضها متوارث من فلاسفة اليونان والآخر من مصر والثالث من الفرس، وهذه هي التي يشير إليها ق. بولس في رسالته إلى كورنثوس بقوله : يغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح … ولكنها للهلاك . أما هنا في رسالته إلى رومية فيختصر الحديث بوصف مقدار سحرها : «بكلام طيب، وأقوال حسنة يخدعون قلوب السلماء» . 

«بالكلام الطيب والأقوال الحسنة » : χρηστολογίας καὶ εὐλογίας

بـولـس هـنـا يـتـلاعـب بـالألفاظ ليجمع بين جمال نـطـقـها وقبح معناها فالكلمة اليونانية “خـريـسـتـولـوجـيـا ” هي بحسب النطق : كلام المسيح، كلام مسحة النعمة . أما في الكتابة فتعطي معنی آخر يمكن أن يكون العكس لأن لكلام المسيح نكتب : χριστολογίας، ولكن هنا المكتوب هو “خريستولوجيا ‘‘ كتبت : χρηστολογίας وتعني «كلام ناعم » . كذلك افلوجيه تعني في اللغة الليتورجية «بركة» ، ولكن في اللغة العلمانية تعني ” حسن» بمعنى التملق الكاذب . وهكذا استطاع ق. بولس أن يعطي للسامع انطباعاً مساوياً تماماً لضمير هؤلاء والمـديـح المعلمين الغشاشين. فكلامهم له شكل المسيح والنعمة ، وهو في حقيقته دنيوي يحمل المضمون الدنيوي !!

وق. بولس أعطى وصفاً لهؤلاء المعلمين المعاكسين المشاكسين في خطابه إلى أهل فيلبي الذي كتبه من روما ذاتها بعد أن وصلها وعاش فيها وواجه هؤلاء المعلمين الكذبة المراثين المفسدين : «أمـا قـوم فعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح … فهؤلاء عن تحزب ينادون بالمسيح لا عن إخلاص ظانين أنهم يضيفون إلى وثقي ضيقاً . » ( في 1: 15 و16)

«يخدعون قلوب السلماء»:

السلماء ἀκάκων

هنا « ذوو القلوب السليمة » ترجمة للكلمة اليونانية التي تنفي عنهم الشر، بمعنى أناس بسطاء ليس فيهم شر وغير مستعدين لقبول الشر، ولكن يمكن بسبب بساطتهم أن ينخدعوا بالكلام الناعم والمنطق الحسن. وفي الحقيقة لنا هنا مراجعة لهذا المعنى، لأن هذه النفوس يستحيل أن تنخدع للباطل، لأن بساطة روح المسيح الذي فيهم يعطيهم مناعة ضد الخداع والمخادعين ، إلا إذا خدعتهم نفـوسـهـم ذاتـهـا حباً للكبرياء أو العظمة أو الحرية الكاذبة . فما من إنسان انخدع بخداع المعلمين الكذبة الغشاشين إلا وكان فيه ميل نحو الباطل في ناحية من نواحي حياته . فالروح القدس حارس أمين جدأ للنفس التي حازت اقتناءه في القلب ، وهو يسبق ويشعرها بالخطر القادم عليها حتى ولو كان بيد ملاك نور (مزيف ) !!

لذلك نقول إن البساطة نـوعـان : نـوع طبيعي يأتي من الجهل وعدم التدريب والاحتكاك بأصناف الناس، ونوع يأتي من وداعة الروح القدس الساكن في القلب بنوع التقوى ، وهذا يوغي الإنـسـان مـقـابـل المخاطر، وفي نفس الوقت يحفظ له بساطته حتى ولو تعامل مع الشياطين من بني البشر.

19:16 «لأن طاعتكم ذاعت إلى الجميع . فأفرح أنا بكم وأريد أن تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر» .

هنا وصلة للآية قبل السابقة ، فتسلسل الكلام إذا أسقطنا الآية 18 يكون هكذا : « وأعرضوا عنهم ، لأن طاعتكم للإنجيل والإيمان المسلم لكم من القديسين ذاعت إلى الجميع » . هذا يؤيده ما جاء في الأصحاح الأول : «إن إيمانـكـم ينادى به في كل العالم» (روا1 :8). أما رد فعل هذه الطاعة فهي: «فأفرح أنا بكم » ، كما جاءت في الأصحاح الأول : «أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم أن إيمانكم ينادى به في كل العالم » .

هنا كلام ق. بولس بهذه الحال والـواقـعـيـة يفهم منه أن هؤلاء الرسل الكذبة والمعلمين الغشاشين والمنافقين كانوا في الحقيقة في الطريق إليهم ولم يباشروا أعمالهم : لأن طاعة أهل رومية للإيمان لا تزال معروفة ومذاعة عند الجميع، ولهذا، فالقديس بولس يشكر الله ويفرح بهم ولـكـن يسبق ويعلن لهم أن التجربة على الأبواب ، فيلزم من الآن أن يميزوا بين الصالح والشرير. أما الصالح فيقبلوه بحكمة الله ليزدادوا حكمة، وأما الشر فيلزم أن يتعاملوا معه : هكذا :

«بسطاء للشر»: ἀκεραίους 

الكلمة اليونانية جاءت في الترجمة العربية مراراً بمعنى “البساطة”، ولكن في الترجمة الإنجليزية جاءت أيضاً بمعنى “البراءة”، وتجيء في القواميس بمعنى “بلا شر، وبلا غش، تقي السريرة (pure)، غير ملوث” .. لذلك كلمة «بسطاء في الشر» أو «تجاه الشر» لا تفي بالمطلوب ، أي نقاوم ونـحـتـرس مـن الشر، لذلك الأفضل في الترجمة أن تكون “إزاء الشر ـ بلا ميل للشر” أو «أبرياء أطهار pure ». وحينما جاءت الآيـة مـن فـم المسيح : « كـونـوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام» (مت 16:10)، فالمترجم هناك حاول أن يجعل تقابلاً بين « البساطة » إزاء «الحكمة »، وهي نفس الكلمة اليونانية المستخدمة هنا التي ترجمت «بسطاء»، فهل يمكن أن البساطة كأخلاق تناسب الحمام ؟ فالبساطة تليق بالإنسان أما ما يقابلها عند الحمام فهو عدم الميل للشر. بهذا يكون وجودنا بين الذئاب حسب ، مثل المسيح : « ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب ، فـكـونـوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام» (مت 16:10)، فبحسب قصد المسيح : أن لا يكون لنا «ميل للشر» وسط الذئاب فلا نستثيرها . أما البساطة، كبساطة وسط الذئاب ، فإنها تعدنا للأكل والافتراس. كذلك إذا كنا بسطاء تجاه الشر فالشر يأكلنا، ولكن إذا كنا بدون ميل إلى الشر، فالشر لا يدخل فينا .

أما الحكماء إزاء الخير فهذا يعني أن تفتح مجالات الحكمة والوعي تجاه الخير والصالح فنزداد خيراً وصلاحاً .

[ 16: 20 ] بركة جانبية

 

«وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعاً. نعمة ربنا يسوع المسيح معكم. آمين» .

ق. بولس يـتـكـلـم مـن مـنـطـق مـن هو في المسيح يسوع والمسيح يحيا فيه، إذا فنحن في زمن الخلاص، وبهذا يرى ق. بولس أن وعد الله تم ولا يزال يتم من جهة الشيطان : « وقال الرب الإله للحية (الشيطان) لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية … وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها . هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه » (تك 3: 14 و15). لقد تمت النبوة وبلغت العداوة حربها الأخيرة وسحقت الحية عقب المسيح على الصليب، وسحق هو رأسها بالموت والقيامة. القديس بولس يعيش تحقيق سحق رأس الشيطان ، وسحق الرأس هو تحت الأقدام كناية عن بلوغ النصرة بسلطان. لذلك فبولس الرسول يدعو، من مركز المنتصر وأعظم من منتصر في المسيح يسوع (رو 8: 17)، ويلعن الشيطان بفم الله الذي لعنه . أما «سريعاً» فكناية – أن التجربة حاضرة دائماً والنصرة أكيدة وسريعة دائماً !! ولكن ليس بيد الإنسان ولا رجله، ولكن بواسطة إله السلام المسيح الذي أبطل العداوة بصليبه وأسس ملكوت السلام بقيامته. 

فالدعاء الذي يقوله ق. بولس هنا هو قمة التشجيع للمقاتلين في حروب الرب ، المدعوين للسير في موكب نصرة المسيح (2کو 2: 14).

علماً بأن دعاء ق. بولس جاء ليغطي به مخاوف الشقاق والعثرات وأعمال المعلمين الكذبة الـذيـن يـتـشكلون بشكل ملاك نور وهم رسل الشيطان . هنا القديس بولس يقول للكنيسة، في كل مكان وزمان، إن وحدة القلب وقبلة المحبة والسلام وألفة الأعضاء في جسد المسيح تعطي الضمان الأكـيـد أن المسيح يمارس حقه الأزلي فيها بأن يطأ الشيطان بأقدام الكنيسة فلا تقوى عليها أبواب الجحيم (مت 16: 18).

ويـقـول الـعـالـم شـد Shedd إن هذا الدعاء العجيب المكتوب الآن أمام عيوننا ، لكنيسة روما التي كانت والكائنة الآن أمام عيوننا ، يوضح أن الله سمع فعلا الدعاء : [ إن حفظ الكنيسة الأولى من العثرات القاتلة التي هاجمت الكنيسة بالفعل بعد ذلك (سريعاً) يحتسب واحداً من أعظم أعمال العناية الإلهية نحو كنيسته، فقد سحقت الكنيسة الرسولية جماعة الإيبيونيين وجماعة  الغنوسيين. ] 

«نعمة ربنا يسوع المسيح معكم . آمين»:

البركة الأخيرة المعتادة بقلم ق. بولس نفسه كما جاءت في : 1كو 16 : 23 ، 2کو 13: 14 ، غل 6: 18 ، في 4: 23، 2تس 3: 18.

[ 16: 24-21 ] تحيات جانبية من إخوة حاضرين أثناء إملاء وكتابة الرسالة من الكاتب نفسه

إضافات هامشية :

هنا بعد أن أكمل ق. بولس إملاء الرسالة، واضح أن الإخوة الحضور الذين استمعوا إلى الإملاء الـتـهـبـت قلوبهم بالشوق إلى أهل رومية أبدوا رغبة أن يرسلوا تحياتهم أيضاً للإخوة هناك واستجاب بولس فجاءت تحياتهم كالآتي :

16: 21 «يسلم عـلـيـكـم تـيموثاوس الـعـامـل معـي ولـوكيوس وياسون وسوسيباترس أنسبائي».

وبعد أن أملى بولس هذه الأسماء الأربعة غار كاتب الرسالة، وهو ترتيوس، فاستأذن بولس أن يملي بنفسه اسمه فكتب :

16: 22 «أنا ترتيوس كاتب هذه الرسالة أسلم عليكم في الرب».

وهنا انبرى البقية يطلبون إرسال أسمائهم بالتحية فأومأ بولس إليه أن يكمل هكذا وأملى عليه :

16: 23 و24 «يسلم عليكم غايس مضيفي (في كورنثوس) ومضيف الكنيسة كلها (في بيته). يسلم عليكم أراستس خازن المدينة وكوارتس الأخ . نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم . آمین» .

أمـا تـيـمـوثـاوس الذي اعـتـدنـا أن نقرأ اسمه دائماً في أول الرسالة، يظهر في هذه الرسالة في نهايتها ، ويبدو أن ق. بولس ارتأى ذلك كون تيموثاوس لم يكن معروفاً في روما ، أو ربما أنه كان غائباً في بـدايـة كـتـابـة الرسالة وحضر في ختامها. ومعروف أن تيموثاوس كان في رفقة بولس في كنائس مكدونية .

أمـا لـوكـيـوس فهو ليس لوقا الإنجيلي كما اعتقد ذلك أوريجانس وغيره، ولكنه ربما يكون هو لوكيوس القيرواني الذي جاء ذكره في أع13: 1  .

أمـا يـاسـون فـربما يكون هو المذكور في أع 17: 5 الذي له بيت في تسالونيكي، الذي كان ق . بـولـس مـقـيـمـاً عـنده والذي أمسك به المشاغبون من اليهود وأحضروه إلى الوالي ولكنه دفع الكفالة وأطلقوه .

هي

أمـا سـوسـيـبـاتـرس فهو سوباترس أع 20: 4 ، وهذه الأسماء لأشخاص يهود أحباء لبولس الرسول وكانوا يتبعونه في رحلاته «العاملون معي » ، « أنسبائي» .

أمـا تـرتـيـوس كاتب الرسالة فهو روماني الجنس، وكاتب الرسالة يعتبر نفسه عادة شريكاً في تحياتها .

أما غايس، فبولس الرسول هو الذي يقدمه بنفسه باعتباره صاحب الضيافة والبيت الذي يجتمعون فيه، والذي تجتمع فيه الكنيسة أيضاً.

أما أراستس فهو خازن المدينة، وهو صاحب وظيفة مرموقة وأكثر الموجودين حيثية وكرامة .

وأخيراً يجيء اسم كوارتس، وربما كان معروفاً لأهل روما، غير أنه مجهول في الرسائل كلها .

عودة لذكصولوجية الرسالة ‏[27-25:16]

 

16: 25و26 « وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان الشر الذي كان مـكـتـوماً في الأزمنة الأزلية ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان » .

بـنـوع خاص ودون كافة الرسائل، ينهي ق. بولس رسالته إلى رومية بهذا التمجيد الفائق في الدقة اللاهوتية والمشاعر البشرية واليقظة الروحية بالواقع الذي يتعامل معه بولس الرسول في رومية بصفة خاصة باعتبارها عاصمة الأمم جميعاً، وباعتبارها غريبة عليه ولم تطأها قدماه فلم يسعد بعد هـو ولـم تـسعد هي أيضاً بأن يسلمها بالفم ما استلم هو بالروح من المسيح، فيما يخص قوة الكرازة بالإيمان القويم الخالي من نوافل العبادة القديمة في ناموس موسى وعوايد الأمة المرفوضة. لذلك يدعو لها بالثبات على ممر الدهور على الإيمان الذي شرحه لهم، وهو عالم بالضيقات والشقاقات المستهدفة لها عبر الزمن. وبالرغم من تجريح النقاد لهذا الأصحاح وهذه الخاتمة بهذا الوضع، تقرأ المديح الصريح للعلامة الألماني ماير الذي كتب وشرح لبولس الرسول وللإنجيل ككل، يقول في هذه الخاتمة [ كخاتمة كاملة تحمل هذا المديح الله، محتوية على هذا الغنى العميق وهذه المشاعر الفياضة التي يعتقد أن بولس كتبها بيده ـ كعادته ـ حيث تحوي مجمل المبادىء القائدة التي في الرسالة وكما مبينة بوضوح في البداية في الأصحاح الأول (1-5) التي هي بمثابة مفتاح سر الرسالة ، هي كذلك كتكرار فصل ما ذكر في الأصحاح الحادي عشر (33–36) بتعبيراته التمجيدية المبدئية . وهكذا يضيف عليها هنا ما يعتبر جماع الإلهام التقوي الذي كان يتفجر من أعماقه فيقدس كل ما سبق وقاله في هذه الرسالة ككل ].

« وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلي» :

قادر، يثبتكم 

واو العطـف هـنـا لا تفيد العطف على شيء، وهي زائدة في الترجمة العربية، ولكن الآية تبدأ

 

 بعبارة  τῶ δὲ التي تفيد معنى والآن، أي نحن الآن في الخاتمة نقول : هنا «الله» مستتر في كلمة «القادر»: الآن الله القادر أن يثبتكم . ولو يذكر القارىء كيف كان ق. بولس يتمنى في بداية الـرسـالـة أن يذهب إليهم ليهبهم الثبات «متضرعاً دائماً في صلواتي عسى الآن أن يتيسّر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إلـيـكـم ، لأنـي مـشـتـاق أن أراكـم لـكـي أمـنـحـكـم هبة روحية لثباتكم» (رو1: 10و11)

 فالآن وفي ختام رسالته وقد استودع أهل رومية لرعاية الله وعنايته ، رفع سؤاله وطلبته وشهوة قلبه مرة أخرى الله لكي يثبتهم هو وليس بولس : « وللقادر أن يثبتكم …» . التعبير هنا عما يجيش في صدر ق . بولس بديع للغاية، فهو يشعر الآن وهو على بعد منهم ، بل وعلى غير وثـوق مـنـه أنـه سـيـذهـب إلـيـهـم ، نظر إلى فوق إلى الله ، القادر وحده الآن ودائماً وإلى الأبد أن يثبتهم !! وكلمة «يثبتكم » تأتي باليونانية بمعنى التقوية والتقويم معاً، أي يقومكم ويقويكم لـتـبـقـوا مـتـمـسّكين وأمناء لإنجيلي ، بمعنى ما سبق وأن شرحه لهم بخصوص بر الله بالإيمان بيسوع المسيح بدون أعمال الناموس . هذا هو معنى «إنجيلي»، أي إنجيل ق. بولس، أي البشارة التي يبشر بها ق. بولس .

« والكرازة بيسوع المسيح »:

هنا يبدو غريباً نوعاً ما أن يضيف الكرازة للإنجيل، ولكن ق. بولس باختصار شديد يريد أ أن يؤكد أن إنجيله الخاص، أي بشارته بالمسيح بدون الناموس أصلاً وفرعاً، هو مساو تماماً وطبق الأصل للكرازة بيسوع المسيح في كل شيء، لا فرق إلا في حذف سلطان الناموس . ثم عاد ليزيد الأمـر وضـوحـاً بالنسبة لكلمة «إنجيلي » بقوله : «حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية» والسر الذي أعـلـن لـبولس الرسول وهو الذي يبشر به هو: «أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل» (أف 3: 6)!! الأمر الذي دعي له ق. بولس خصيصاً من قبل ربنا يسوع المسيح الذي ظهر له من السماء ودعاه ليخدم الأمم كرسول فوق العادة ! أي أنه اؤتمن خاصة على السر الذي كان مختفياً في الله منذ الأزل بخصوص دعوة الأمم لنوال بر الله بالإيمان بيسوع المسيح بدون الناموس.

هذا التأكيد في كون ق. بولس قدم لهم إنجيله بحسب الكرازة بالمسيح التي دعي لها في حدود ما كلفه به المسيح دون أي خروج عن أمر المسيح، هذا التأكيد سبق أن قدمه بقوله في الأصحاح الخامس عشر: «فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما الله لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل . » ( 15 : 17 و18)

وهـذا الـتـواضع العجيب من . بولس الذي يسند به قوة عمله ورسالته ، يقدمه هذا الرسول العجيب لله كمديح وتمجيد.

ويعود ق. بولس ويقدم ما جاء في الكتب النبوية ـ طبعاً بخصوص دعوة الأمم ، ودخول الأمم، ونور الأمم ، وبـركـة الأمـم ـ ليسند به صدق رسوليته الخاصة للأمم وبالتالي صدق وقوة إنجيله الخاص للأمم الذي قدمه لهم بدون ناموس ولا سبت ولا ختان !! يقوله : « حسب إعلان السر الذي كان مـكـتـوماً في الأزمنة الأزلية ولكن ظهر الآن وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان . » (٢٦:١٦)

بمعنى أن ق. بولس يحتسب إنجيله الخاص للأمم أنه استعلان حقيقي للسر المخفى منذ الدهور في الله ، حد حسب قوله لأهل أفسس : « … أنه بإعلان عرفني بالسر كما سبقت فكتبت بالإيجاز الذي بحسبه حينما تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح … الذي صرت أنا خادماً له موهبة نعمة الله المعطاة لي حسب فعل قوته، لي أنا أصغر جميع القديسين أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم يغنى المسيح الذي لا يستقصى . » (أف 3: 3-8)

«لاطاعة الإيمان » :

نعلم أن ق. بولس بدأ رسالته في الأصحاح الأول بقوله : «لإطاعة الإيمان في جميع الأمم » ( رو 1: 5)، والآن يـقـول في آخرها : «أعلم به جميع الأمم … لإطاعة الإيمان » . وهكذا أنهى ق . بولس رسالته بنفس القصد الذي ابتدأ به : أن ق. بولس وإنجيل بولس ورسالة رومية هي أولاً وأخـيـراً للأمم لإطاعة الإيمان!! «الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمـم الـذيـن بـيـنـهم أنتم أيضاً مدعوو يسوع المسيح إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين » .

فانظر أيها القارىء العزيز بولس بين بادئة رسالته وختامها في توافق بديع .

27:16 « الله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين» .

لكي نفهم وضع هذه الآية يلزمنا أن نوصل بداية الآية (25) ببداية الآية (27) أي نهاية الرسالة كلها كالآتي: « وللقادر أن يثبتكم … الله الحكيم وحده … المجد إلى الأبد آمين » . لاحظ هنا إضافة حرف اللام «”للقادر «الله المجد» ! فإذا أردنا زيادة إيضاح المعنى لدى القارىء ، تـكـون: «المجد لله الحكيم القادر أن يثبتكم». وهنا صفة الحكمة المنسوبة الله هي هي من واقع تدبيره بالسر الذي كان مكتوماً منذ الأزل واستعين الآن، كما هو مسجل تماماً في الكتب النبوية . فالحكمة هنا صفة حقيقية أيضاً قد استُعلنت باستعلان الرحمة . ولأن السر الأزلي الذي كان مكتوماً عند الله قد استُعلن بواسطة يسوع المسيح، أصبحت صفة «الحكمة» التي الله المتعلقة بالسر منسوبة أيضاً ليسوع المسيح ، فلولا يسوع المسيح ما استعلنت حكمة الله . فالآن « الله الحكيم بواسطة يسوع المسيح». ولـكـن إضافة «وحـده » هنا ترمي إلى بعيد جداً، لأن البركة الأخيرة للقديس بولس اشتملت على توعية من خطر المعلمين الكذبة ، والمقصود بهم الغنوسيون المعتبرون أنهم معلمو الحكمة أو الحكماء. فهنا ألحق ق. بولس التمجيد الأخير الله بإعطائه «وحده » صفة الحكمة، كما هي مستعلنة بيسوع المسيح، ليستثني كل مدعي الحكمة من الغنوسيين . 

أما بالنسبة للعلماء الذين يلحون ويؤكدون أن هذه الخاتمة الأخيرة بهذا التمجيد، أي بإعطاء الله صفة الحكمة بيسوع المسيح، هي ليست لبولس الرسول ، ويستندون في ذلك على رأي مارسيون أو مـاركـيـون الـكـافـر، لهؤلاء نقول إن هذه الخاتمة الأخيرة هي لبولس الرسول بكل تأكيد، وهي امتداد لنفس الخاتمة التي سبق أن أعطاها ق. بولس في ختام الأصحاح الحادي عشر والتي جاءت كالآتي: «يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه . ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء». والآن يـكـمـل ق. بولس بعد استعلان سر الله بواسطة يسوع المسيح هكذا : « الله “الحكيم“ وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين» . 

والآن انظر أيها القارىء مدى انسجام الأسلوب والكلمات والمعنى هذا الذي يظهر بوضوح أضفنا الاثنين إلى بعض: «يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد. آمين » .

وهكذا رأينا أن نسبة الحكمة لله وحده في نهاية الرسالة هي من واقع « المعنى » :
أ ـ لضرب فكرة معلمي الحكمة أو الحكماء الكذبة فالله هو الحكيم وحده .
ب ـ ثـم بـسـبـب اسـتـعلان السر الأزلي بالنسبة لدخول الأمم في مشورة الخلاص ، فانكشفت حكمة الله التي كانت مخفية .

ثم هي من واقع «أسلوب» الرسالة، فالمقابل لها موجود في نهاية الأصحاح الحادي عشر 36-33، مما يجعل حكمة الله هنا مطابقة وممتدة من حكمته المعلنة سابقاً .

ثم إذا عدنا إلى الرسائل الأخرى لبولس الرسول نسمع نفس أسلوب ق . بولس فيما يختص بحكمة الله المرتبطة باستعلان سر خلاص الأمم بيسوع المسيح هكذا: «كما قد أعلن الآن … أن الأمـم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل الذي صرت أنا خادماً له … لايشر بين الأمم … وأنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في الله، خالق الجميع بيسوع المسيح لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة “بحكمة الله المتنوعة“ حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا . » (أف 3: 2-11)

وهكذا أصبحت «حكمة الله» في «سر الله» « لخلاص الأمم» « بيسوع المسيح » معلومة لاهوتية ذات أربعة أركان هي ـ بحد ذاتها ـ خلاصة الرسالة إلى رومية ! فإن جاءت الذكصا الأخـيـرة هـكـذا تعبر عن ذلك، فما أصدقه تعبيراً بل ما أحكمه تمجيداً! فهو يشهد بصدق الرسالة كلها وصدق كاتبها . 

تفسير رومية 15 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد فهرس
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى