تفسير رسالة رومية أصحاح 3 للقمص أنطونيوس فكري

تفسير رومية – الإصحاح الثالث

 

لم يقل بولس في الإصحاح الثاني أن الناموس بلا نفع أو أن الختان بلا نفع، بل إن من يختتن ولا يعمل بالناموس فقد صار كالأغرل. إذاً هو لا يقلل من شأن الناموس، بل يفضح اليهود الذين لم يعملوا به. ولكن بولس حين قال أن الله سيعامل اليهودي كما الأممي، وأن الكل واحداً أمام الله، تصوَّر أن اليهود في ثورتهم سيتساءلون. ألم يكرم الله اليهود ويعطيهم الختان كعلامة عضوية (تث29:33 + خر5:19 + أش8:41). والناموس أسماه الكتاب أقوال حية (أع38:7). والكتاب بلغتهم والأنبياء منهم. إذاً إن كان الله سيعامل اليهودي كالأممي فلماذا الناموس؟! وما فائدة الختان؟! وهذا هو ما بدأ الرسول به الإصحاح. السؤال الذي تصوَّر أن اليهود سيسألوه. 

 

 رو3: 1-8

آية (1): “إذاً ما هو فضل اليهودي أو ما هو نفع الختان.”

إذا كان الأممي قادراً علي أن يرضي الله إن عمل أعمالاً صالحة وذلك بواسطة الناموس الطبيعي المُعطَي له. وما دام الكل قد سقط في الدينونة سواء أمم (بمخالفتهم الناموس الطبيعي) أو يهود (بمخالفتهم لناموس موسى). فما فائدة الختان أو ماذا يميز اليهود؟

 

آية (2): “كثير على كل وجه أما أولاً فلأنهم استؤمنوا على أقوال الله.”

أول مزايا اليهود أن الله إستأمنهم علي أقواله. إذاً هم كانوا أفضل من الأمم أمام الله، فالله لم يكن ليستأمن أحد علي أقواله إن لم يكن جديراً بذلك. وكان اليهود هم أول من يستأمنهم الله علي كلامه.

وهنا الرسول يذكر ميزة واحدة لليهود وأكمل باقي مميزاتهم في (رو4:9) استؤمنوا علي أقوال الله= قيل أنهم صاروا أمناء مكتبة المسيحية. كانت التوراة فيها نبوات كاملة عن المسيح. كان الكتاب في أيديهم بنبواته عن المسيح شاهداً أن خطة الله لخلاص العالم كانت خطة أزلية. وهم كانوا بلا شك أمناء علي كتابهم وسلموه لنا دون تحريف. والله إختار إبراهيم المؤمن وحده وسط عالم وثني إنحرف عن الحق، كان إبراهيم أحسن الموجودين في العالم، وأعطاه الختان الذي كان علامة عهد الله معهم، فهم فعلاً كانوا مميزين عن باقي الشعوب المحيطة. والله إختارهم كشعب خاص له يخرج منهم المسيح والعذراء والرسل والأنبياء وكل أبرار العهد القديم، كل هؤلاء الأبرار خرجوا في ظل الناموس. ولنلاحظ أن الله أعطي الضمير لكل الناس شاهداً للحق داخل قلوب البشر ولما فسد الضمير أعطي الله الناموس عوناً للبشر، لكنه أعطاه لمن يقدِّره، أي لأحسن الناس وكان هؤلاء هم اليهود. وكان هذا حتى يأتي المسيح وبنعمته يُقْبَلْ كل البشر، إذ بالنعمة سيتغير الجميع عن طبيعتهم القديمة الفاسدة ويصيروا خليقة جديدة (2كو17:5). أي أن الخلاص لهم ومنهم ولكنه ليس حكراً لهم. ولكن فضل اليهود كان قبل مجيء المسيح، أما بعد المسيح فالكل واحد (غل28:3).

 

 

آية (3): “فماذا أن كان قوم لم يكونوا أمناء أفلعل عدم أمانتهم يبطل أمانة الله.”

الله فاض علي اليهود من خيراته، ولكنه لما جاء يطلب الثمر لم يجد سوي العقوق وعدم الأمانة. ولكن عدم أمانتهم في المحافظة علي عهود الله ووعوده لا تبطل أمانة الله في خطته لخلاص البشرية، عدم التزام اليهود بالناموس لن يعطل خطة الله في أن المسيح سيأتي من نسل اليهود. ذلك لأنه إذا وجد بعض من هؤلاء اليهود قد أظهروا عدم أمانة، فإن عدم أمانتهم لا تعطل أمانة الله ولا تبطل حب الله للحق، ولا تعطل صدق الله في وعوده. بولس هنا لا يسئ للناموس، بل لليهود مخالفي الناموس، بولس لم يقل أن الناموس بلا نفع، بل هو له نفع لو إقترن بعمل الصلاح. فماذا إن كان قوم= الرسول لم يقل الكل، بل إن كان قوم. فهو لا يعمم الخطية أمّا نحن فيوجد عندنا عيب أن ننسب الخطأ والعيب الكل.

 

آية (4): “حاشا بل ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك وتغلب متى حوكمت.”

حتى لو وُجِدَ العالم كله خاطئ لكن الله سيظل صادقاً. والرسول لم يلجأ لتاريخ اليهود في كتابهم لإظهار خطاياهم وعدم أمانتهم في مقابل بر الله، بل لجأ لكلام داود النبي في المزمور لكي تتبرر في كلامك وتغلب متي حوكمت فبالرغم من خطيتي وخطايا البشر وخطايا اليهود، فالله لم يعبأ بها بل أرسل إبنه الوحيد لأنه وعد بذلك. هنا يثبت بولس بناء على كلام داود صدق الله وأمانته وأنه صنع كل شئ لتبريرهم ولم يؤمنوا. تغلب متي حوكمت= لو حاول خاطئ أن يبرر نفسه بأنه له عذر، فالله سيظهر له أنه عمل كل شئ له حتى يخلص ولكنه هو الذي رفض. والله عمل لليهود كل شئ ولم ينتفعوا بأعماله.

ملحوظة: لا يصح أن نضطرب إذا رأينا أناساً يتركون الإيمان، فهناك يهوذا الذي خان الرب بعد كل ما رآه. وأيضاً هناك الشهداء الأمناء للمسيح.

 

آية (5): “ولكن أن كان اثمنا يبين بر الله فماذا نقول العل الله الذي يجلب الغضب ظالم أتكلم بحسب الإنسان.”

بولس هنا يرد علي بعض الذين فهموا كلامه وإستغلوه بطريقة خاطئة، حينما قالحيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً” (رو20:5) وأيضاً يرد الرسول علي من قال من الوثنيينأنه بسبب خطية اليهود ظهر بر الله وتجسد. إذا فلنزداد في الخطية ليظهر بر الله بالأكثرفهناك من يستغلون أي شئ لتبرير خطاياهم وللإستمرار فيها. ولقد تعود الإنسان منذ أخطأ آدم أول مرة علي نفي الخطية عن نفسه بل وتحميلها لغيره. ومعني الآية إذا كان إثمنا يظهر بر الله (بطريقة الـCONTRAST) فالله يصير ظالماً لأنه يغضب علي إثمنا وتصرفاتنا الخاطئة. أنا هنا (بولس يقول) أتكلم وأفكر كما يفكر الإنسان العادي الذي يحاول أن يبرر خطيته. فالشر لا يمكن أن يكون علّة للخير، لكن الله بحكمته يخرج من الشر خيراً يخرج من الجافي حلاوة.

 

آية (6): “حاشا فكيف يدين الله العالم إذ ذاك.”

حاشا= هذه مثل إذهب عني يا شيطان، هي طرد للفكر الردئ. فإنه من غير الممكن أن يكون الله ظالماً. فهو إن كان بره يزداد ويظهر بخطيتي فكيف يدين وكيف يحكم علي البشرية ويجازي كل واحد حسب أعماله. إذاً فهذا الفكر مرفوض.

 

آية (7): “فانه إن كان صدق الله قد إزداد بكذبي لمجده فلماذا أدان أنا بعد كخاطئ

معني الآية:- أن الله لن يستطيع أن يدين العالم إن كانت خطيتي تزيد بره. والرسول قال في (آية4) وكل إنسان كاذباً.. ويقول هنا قد إزداد بكذبي فالله هو الحق، والإنسان قد خُلِقَ ليحيا لله أي حسب الحق. فمن لا يعيش لله إنما يعيش لنفسه فقد ترك الحق وصار كاذباً لأنه صار يحقق إرادة نفسه، لا إرادة الله. صار يعيش بغير ما خُلِقَ ليعيش به. ولنلاحظ. أن أي إنحراف عن الحق هو كذب وضلال. ومن يجري وراء شهوته فهو في ضلال. إذاً فالخطية عموماً هي كذب أي اللاحق. وكل خطية فيها شئ من الكذب.

 

آية (8): “أما كما يفترى علينا وكما يزعم قوم أننا نقول لنفعل السيات لكي تأتي الخيرات الذين دينونتهم عادلة.”

أما كما يفتري علينا= هناك قوم إفتروا وظلموا بولس ونسبوا له هذه الأقوال. وقد إُتهِمْ رب المجد نفسه بأنه يتعاون مع بعلزبول. وإلقاء التهم علي خدام الرب هي لعبة شيطانية قديمة. فهم إفتروا علي بولس الرسول بأنه يدعو المؤمنين أن يفعلوا السيئات والأفعال الرديئة. وهؤلاء من العدل أن يدينهم الله فهم جعلوا من أنفسهم أداة في يد الشيطان. لنفعل السيآت= هم يبررون أنفسهم فيما يفعلون.

الآيات 9-18: هي إدانة للكل يهود ويونانيين حتى يستد كل فم، ويطلب الكل الرحمة. الرسول يظهر هنا أن الكل أخطأ سواء يهوداً أم أمم، وصار البشر كلهم بأشد الإحتياج للمسيح فيتبرر الكل بالإيمان. والتبرير نعمة مجانية لا يسوغ معها الإفتخار بأعمال الناموس، وليس لأحد فضل في هذا التبرير. حقاً الخلاص من اليهود (يو13:4) لأنهم لهم العهود ومنهم جاء المسيح. ومن آمن أو من يؤمن بالمسيح منهم حتى الآن يقبله الله.

 

 رو3: 9-20

آية (9): “فماذا إذاً أنحن أفضل كلا البتة لأننا قد شكونا أن اليهود و اليونانيين أجمعين تحت الخطية.”

أنحن= يقصد اليهود الذين دخلوا الإيمان ومنهم بولس نفسه. وهو هنا يتساءل هل نحن أفضل من الوجهة الروحية والأخلاقية من الأمم. وهو يجيب بلا. لأنه سبق وأوضح إدانة الكل سواء يهود أم أمم.

شكونا= إتهمنا وأقمنا الحجة.

 

 

الآيات (10،11): “كما هو مكتوب أنه ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم ليس من يطلب الله.”

ليس بار ولا واحد (مقتبسة من جا20:7) ليس من يفهم (مقتبسة من مز2:14، 2:53) وأيضا ليس من يطلب الله= لا يوجد شخص بار، ولا واحد. لا يوجد إنسان ما له فكر نقي غير ملتصق بالظلام، ظلام الخطيئة، أو قادر أن يدرك ويتفهم الحقائق الأخلاقية والدينية. ليس هناك إنسان ما يبحث بشوق ورغبة شديدة لكي يعرف الله. وليس من يَجِّد ويبحث في طلب معرفة الله. وهذا ناتج عن التعلق بالشهوات الخاطئة.

وحينما يخطئ الإنسان تنطمس عيون ذهنه فلا يعود قادراً أن يري ويدرك الأسرار الإلهية. مثال ذلك آدم إذ أخطأ لم يعد قادراً أن يدرك محبة الله فإختبأ وهرب من وجه الله. وحتى الآن ليس من يفهم وليس من يطلب الله، فكم من المؤمنين يجدوا لذتهم وفرحتهم في الجلوس مع الله، من الذي إكتشف هذا؟ ليس كثيرين للأسف. ولكن الكثيرين للأسف أيضاً لا يعرفون سوي ملذات العالم وإغراءاته. لكن كلما يتنقى القلب يستطيع الإنسان أن يبصر ويدرك لذة الله (أنقياء القلب يعاينون الله) وهذا ما تفعله التوبة.

 

آية (12): “الجميع زاغوا وفسدوا معا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد.”

راجع (مز3:14 + 3:53). حينما تركوا الله وتركوا طريق الفضيلة فسدوا.

 

آية (13): “حنجرتهم قبر مفتوح بألسنتهم قد مكروا سم الأصلال تحت شفاههم.”

راجع (مز9:5) (سبعينية) + (مز3:140) حنجرتهم قبر مفتوح= حنجرة هؤلاء الأشرار تشبه قبراً مفتوحاً فهم يدبرون الموت للقريب. والكلام خارج منهم له رائحة عفونة. بألسنتهم قد مكروا= يتكلمون كلمات معسولة لأجل أغراض خبيثة. ولاحظ قول السيد عن الشيطان أنه الكذاب وأبو الكذاب، فهؤلاء يتاجرون بالكذب والخداع، وكلامهم الرديء يقطر من شفاههم الخاطئة كالسم. وفي هذا إشارة لأنهم بكلامهم يسيئون للناس ويشهرون بهم فيقتلونهم أدبياً، وربما إساءة السمعة تؤدي للقتل الجسدي. أصلال= جمع صل وهي الأفعى السامة.

 

الآيات (14-18): “وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم اغتصاب وسحق. وطريق السلام لم يعرفوه. ليس خوف الله قدام عيونهم.”

فمهم مملوء لعنة ومرارة (مز7:10) كلمات لعنة علي الله والبشر. (راجع أش7:59 + أم16:1 + أش7:59،8 + مز1:36) بالترتيب. ومن ليس عنده خوف الله يرتكب أي شر.

 

آية (19): “ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين في الناموس لكي يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله. “

كل ما يقوله الناموس فهو يقوله للخاضعين للناموس أي اليهود، وهو بهذا يفضحهم ليكسر كبريائهم. أي أن الناموس الذي يفتخرون به ها هو يدينهم(لكن هو يفتح الجرح ويظهر مدي سوء الداخل دون أن يقدم العلاج). وبهذا ينتهي بولس بأن الجميع قد أغلق عليهم في العصيان يهوداً وأمم، اليهودية بناموس موسى والوثنية بناموس الضمير عجزتا عن خلاص أتباعهم، وصار العالم في حاجة لإستعلان بر الله في البار الوحيد يسوع المسيح.

نلاحظ في الآيات السابقة أن بولس إستخدم آيات الناموس ليستد فم اليهود المتكبرين ولا يعترضوا.

 

آية (21): “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه لأن بالناموس معرفة الخطية.”

يقول معلمنا يعقوب أن من أخطأ في واحدة فقد صار مجرماً في الكل (يع10:2). فمَن مِن البشر لم يخطئ في واحدة. فالناموس وضع ليحكم علي الخطايا ويدين الخطاة، ولكنه عاجز أن يبرر أحد ليقف أمام الله بلا لوم. وكان وضع الناموس لمحاصرة الخطية والخطاة تمهيداً لظهور بر الله الذي وحده له القدرة علي محو الخطية وتبرير الخاطئ بأن يولد من جديد. لأن بالناموس معرفة الخطية= الناموس ليس علّة الخطية ولكن بواسطة الناموس تكشف وضعنا في الحياة الروحية. الناموس هنا كالمرآة أظهرت ما عليه البشرية من خطية وفساد. ولم يستطع الناموس أن يبرر الإنسان، لأن البشر عجزوا عن أن يتمموا وصاياه. وهكذا بالناموس تأكد ما يستحقه البشر جميعاً من قصاص الله نتيجة الخطية. ومن المنطقي أن المجرم لا يستطيع أن يلجأ لقانون العقوبات (أي الناموس) الذي يدينه طالباً العفو، أمّا المنطقي أن يطلب الرحمة والغفران.

 

 رو3: 21-31

آية (21): “وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء.”

فشل الإنسان في أن يتبرر بناموس موسى وبالناموس الطبيعي وصار العالم في ظلام دامس وفقد الكل البر، كان هذا ليل اليوم السابع للخليقة. وأما الآن= أشرقت شمس البر أي أتى المسيح ليقدم لنا بر الله بإتحاده بنا فنحمل سمات الإبن فينا ويصير بره براً لنا. بر الله بدون الناموس = بر الله أي الله مصدر كل بر فيّ.

بدون الناموس=

1. لأن اليهود إستغلوا الناموس ليثبتوا بر أنفسهم (رو31:9،32 +3:10،4) فإنتفخوا. ومثال لذلك نري بولس نفسه يقول عن نفسه أنه من جهة الناموس بلا لوم، أما في ظل النعمة فقال عن نفسه أنه أول الخطاة. ولنفهم أن علامة التوبة أن نمقت أنفسنا (حزقيال43:20). ولماذا يمقت التائب نفسه، لأن التائب تنفتح عينه فيري كم هي نجسة خطاياه التي يفعلها، وأيضاً تنفتح عينه ليري نقاوة الله. ولكن هذا يتحول لمحبة وتسبيح للمسيح الذي قبلني مع كل قذارتي ومع أنني لا أستحق. ومن يغفر له أكثر يحب أكثر. وهذا عكس بر الناموس الذي يسبب الكبرياء.

2. بر الله بدون الناموس، كان بالإيمان والمعمودية التي فيها يموت الإنسان العتيق مع المسيح، ويقوم مع المسيح، يعطيه المسيح حياته ليكون خليقة جديدة.

3. الناموس هدفه أن نصل للمسيح وطالما ظهر المسيح إنتهي دور الناموس إذ قد وصل إلي غايته العظمي. إذاً دون عمل الناموس ظهر البر الذي يهبه الله.

4. البر الذي للمسيح هو للكل يهوداً وأمماً، فكان لابد أن يكون بدون الناموس ليتبرر الأمم الذين لا يعرفون ناموس موسى.

مشهوداً له من الناموس والأنبياء = أي سبق الناموس والأنبياء وأخبروا عن المسيح والبر الذي بالمسيح (أش12:46،13 + 1:61-11 + 6:64 + دا 24:9). إذاً كان البر الذي بالمسيح في فكر الله الأزلي وظهر في ملء الزمان.

 

آية (22): “بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق.”

هذا البر يُعطَي من الله بواسطة الإيمان بالمسيح يسوع (الإيمان هو المدخل (راجع المقدمة للتبرير). ولكن هناك خطوات متعددة). فبدون المسيح لا نقدر أن نفعل شيئاً (يو5:15). ولاحظ أن الإيمان ليس هو الإيمان النظري بأن الله واحد مثلث الأقانيم لكن الإيمان بأن المسيح قادر أن يعطيني حياة، وأن عمله في حياتي هو عمل قوي، وأنه إله حنون كل ما يسمح به للخير. وهذا معناه أن الخبرات الإيمانية تزداد يوماً فيوم (راجع تفسير رو17:1) والإيمان يزداد:- 

1.  بالصلاة يا رب أعن عدم إيماني. 

2.  بالعشرة مع الله (صلاة/ تسبيح/ كتاب مقدس).

3.  بالشكر وسط الضيقات وبلا تذمر (كو7:2).

وهذا البر يُعطَي إلي كل الذين يؤمنون.. النعمة ستصل إلي كل من يؤمن ومنسكبة من السماء علي كلمن يؤمن من اليهود والأمم بلا فرق = ولهذا لا معني أن يرفضوا بعضهم بعضاً أو يحتقروا بعضهم أو يتفاخروا علي بعضهم البعض. وهناك من فسر قول الرسول علي كل أن البر سيكون كتاج وإكليل يوضع علي رأس المؤمن.

 

آية (23): “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله.”

ليس هناك تمييز لأن الجميع قد أخطأوا وإفتقروا للمجد الذي يمنحه الله. ولقد لمع وجه موسى حين رأي جزءاً من مجد الله، فماذا كان عليه مجد آدم في الفردوس. ونحن بالخطية خسرنا صورة هذا المجد وخسرنا نعمة الله، بل فقدنا رؤية الله (أش15:45). ولنفهم أن المجد هو وجود الله وسطنا (زك5:2). فمجده يظهر وسط أولاده، لا بل ينعكس عليهم (1يو2:3). هذا هو مجدنا الحقيقي أن يكون الله وسطنا ويسكن فينا. والمسيح أتي ليعيد لنا صورة المجد (يو22:17)، ويسكب علينا من نعمته وبره. نحن الآن في مجد غير ظاهر لسكني الله فينا ولكن هذا المجد سيستعلن فينا في الأبدية (رو18:8).

إذ الجميع أخطأوا = نحن فقدنا صورة المجد بسبب الخطية، صرنا لا نحتمل أن نري مجد الله بسبب الضعف الذي حدث في طبيعتنا بسبب الخطية، فآدم لم يحتمل أن يري الله بعد أن أخطأ، لذلك إختبأ، وإستمر الضعف، حتى أن موسى حينما طلب أن يري مجد الله، قال له الله لا يراني الإنسان ويعيش (خر20:33) هذه مثل من يريد أن ينظر للشمس ولكن ضعف عينيه لن يحتمل نور الشمس. ولذلك قال بولس الرسول أن لحماً ودماً لن يرثا ملكوت الله (1كو50:15). فكيف نرث المجد ونحن غير قادرين علي أن نراه. هذا لن يكون إلا بعد أن نلبس الأجساد الممجدة.

 

آية (24): “متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح.”

متبررين: راجع المقدمة.

مجاناً= ليس لأن الثمن رخيص، بل لأنه لا يُقَّدر بمال. يُقال أنهم صنعوا دواء للسرطان تكلف مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية وأرادوا أن يجربوه. وكانت امرأة هناك لها إبن مصاب بالسرطان، وذهبت إلي هذا المستشفي طالبة العلاج لإبنها. فقالوا لها عندنا دواء تحت التجربة فقالت لهم فلنستعمله، وشفي الولد، فسألت عن ثمن العلاج، ولما كان الثمن باهظاً، وهي لا تتصور الثمن، قالوا لها أن هذا الدواء مجاناً. لذلك قال السيدمن يرد فليأخذ ماء الحياة مجاناً” (رؤ17:22). فقط علينا أن نؤمن فنخلص بالنعمة (الإيمان مدخل وهناك خطوات أخري. راجع المقدمة).

 

آية (25): “الذي قدَّمه الله كفَّارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله.”

كفَّارة= من COVER أي غطاء. فالمسيح غطانا بدمه، ولم يعد الآب يري من هو ثابت في المسيح، في وضعه الضعيف، بل يري المسيح نفسه فيرضي علي من هو ثابت فيه. ويشرح هذا تماماً تابوت العهد في العهد القديم فكان موضوعاً في التابوت لوحي الشريعة وهما يناديان بالموت لكل من خالف وصية مكتوبة فيهما، ومن هو الذي لم يخالف؟ولكن كان التابوت له غطاء (كافورت من COVER) والغطاء مغطي بدم ذبيحة الكفارة، وكان الله يرضي علي الشعب ويغفر خطاياهم حين يري الدم. كان هذا رمزاً لما عمله المسيح بصليبه، وهذا معني أن المسيح حيُُّ ليشفع فينا (عب25:7) + ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلي الأقداس فوجد فداءً أبدياً (عب22:9). الذي قدمه الله = بمعني قدم الله الآب المسيح ليكون قُدّامه دائماً، فيغفر برحمته، ويعطي بره لمن يؤمن، وليكون وساطة للصلح بينه وبين الإنسان، والمدخل لكل ذلك هو الإيمان لإظهار بره= بسفك دمه أظهر المسيح عدل الله، الله الذي لا يحتمل الخطية، ولابد للخطية من عقاب، هذا العقاب تحمله المسيح. بره= عدله السالفة = السابقة. من أجل الصفح = لقد أمهل الله الأباء ولم يعاقبهم علي خطاياهم. وكان هذا بإمهال الله = فالله لم يُرِد أن يهلك البشرية حتى يأتي المسيح ليصلح حال البشر. ونفهم من هذه الآية أن دم المسيح وفدائه شمل الأباء الأبرار من آدم للمسيح بأثر رجعي.

 

آية (26): “لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع.”

لإظهار بره = لإظهار عدله، فالله لم يُسامح البشر مجاناً بل تحمل هو عقوبة الخطية. فالعدل والرحمة تلاقيا علي الصليب. في الزمان الحاضر= أن المسيح بذل دمه كفارة، لكي يظهر عدله في الوقت الحاضر الذي هو ملء الزمان (غل4:4). ليكون باراً= لا يوجد بار سوي الله، ولقد ظهر بره في فداء المسيح [1] عدله في عقاب الخطية إذ هو قدوس [2] في تحقيق وعوده التي وعد بها البشر أنه سيخلصهم ويفديهم (أش22:44،24). ولاحظ أن الآية السابقة تظهر أن المسيح برر الأباء الذين أتوا من قبله، بدمه، وهذه الآية تظهر أن التبرير بدمه سيكون لكل من يؤمن حتى إنقضاء الدهر. لأنه هكذا هو بار، ورحمته ستشمل كل البشرية وهذا التبرير سهل المنال لكل من يؤمن (هذا هو المدخل) ويكون شاعراً بالإحتياج لهذا التبرير.

 

آية (27): “فأين الإفتخار قد انتفى بأي ناموس أبناموس الأعمال كلا بل بناموس الإيمان.”

إين الإفتخار= بعدما فهمناه أن التبرير يكون بالإيمان بدم المسيح فبماذا نفتخر، أنفتخر بناموس موسى؟ هذا الذي يحكم علينا بالموت!! أو نفتخر بناموس الأعمال؟ هل نفتخر بأعمالنا؟ وهل أعمالنا كانت تعطي لنا حياة؟!. بل نفتخر بعمل المسيح الذي أعطانا حياة نحصل عليها بالإيمان ناموس الإيمان= ناموس أي قانون. فالإيمان ليس فوضي، بل له قانون نلتزم به، هو ناموس الحب والحرية، هو إيمان عامل بمحبة (غل6:5). وهو تدبير الروح الجاد المدقق.

ولاحظ أن قول بولس هذا هو قول رجل عيناه مفتوحتان، فهو كان يقولمن جهة الناموس أنا بلا لوم” (في6:3) وبعد النعمة إنفتحت عيناه، فقالالخطاة الذين أولهم أنا” (1تي15:1) وإذ شعر بخطاياه فهم أن أعماله لا تخلِّص ولا تعطي حياة.

 

آية (28): “إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس.”

لأنه لو كان للناموس فاعلية لظهرت قبل مجيء المسيح. والناموس هنا أي التطهيرات والغسلات والختان. ولكن هذا لا يُفهم منه أن الرسول يريد أن يبطل الوصايا الأخلاقية كالوصايا العشر مثلاً.

 

آية (29): “أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضاً بلى للأمم أيضاً.”

بولس يوضح لليهود أن إحتقارهم للأمم يهين مجد الله، لأنهم يريدونه إلهاً لهم وحدهم، ولا يريدونه إلهاً للجميع، فإن كان إلهاً للجميع، يحاسب الجميع ويضبط الجميع وخالق الجميع، فهو كإله للجميع فإنه عليه أن يهتم بالجميع ويخلِّص الجميع بذات الطريق أي الإيمان. أم الله لليهود= بولس هنا يكلم اليهود الذين آمنوا بالمسيح قائلاً، إذا كنتم قد فهمتم أن الخلاص ليس بالناموس ولا بالأعمال، بل بالإيمان، فالأمم أيضاً يمكنهم الخلاص بنفس الشرط أي الإيمان.

 

آية (30): “لأن الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان

الله واحد لليهود وللأمم، وسيبرر كليهما بالإيمان بالمسيح يسوع.

 

آية (31): “أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبِّت الناموس.”

هذه الآية تظهر إرتباط العهدين، فالله أوحي بهما كليهما. والسيد المسيح قالما جئت لانقض بل لأكمل” (مت17:5،18). وكما فهمنا فإن الناموس يعجز عن تحقيق الخلاص. ولكن بولس يثبته فلماذا؟

1. لأنه بالإيمان تتحقق غاية الناموس في أن يتبرر الإنسان (رو4:8) ولكن ليس بالناموس وحده بل بالمسيح. بل إن غاية الناموس هو المسيح (رو4:10). فمن يتبع الناموس لابد وسيصل للمسيح، وأكبر دليل علي ذلك هم تلاميذ المسيح، الذين عاشوا في بساطتهم متبعين وصايا الناموس بلا كبرياء لذلك عرفوا المسيح، أمّا الكهنة والفريسيين فهم عاشوا ليثبتوا بر أنفسهم فلم يعرفوا المسيح.

2. الناموس يفضح خطايانا وتظهر ضعفاتنا وعدم قدرتنا أن نحفظ وصاياه فنلجأ للمسيح، الناموس يعلن إحتياجنا الدائم للمسيح.

3. بالمسيح نكون كاملين كما أراد الناموس.

4. الناموس سبق وتحدث عن المواعيد التي حققها المسيح.

5. المسيح صلب ليصفح عن خطايا تعدياتنا ضد الناموس.

6. الناموس مرشد لنا في جهادنا. فعلينا أن نتبع الوصايا الأخلاقية فيه.

نفهم مما سبق أن العكس هو الصحيح، فعدم الإيمان بالمسيح يبطل الناموس لأن الناموس يشهد للمسيح.

تفسير رومية 2 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 4
 القمص أنطونيوس فكري
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى