لمن أنت؟!

(نش 6: 3)

 نشارك الكنيسة المنتصرة في خلوتها لنستمع في هدوء إلى المناجاة الخالدة بينها وبين داعيها الأمين. وإن كنا قد آلمتنا صورة الإنسان في سقوطه عندما أجاب على تساؤل الله، إلا أن نفوسنا سوف تبتهج عندما تسمع صوت الكنيسة يجيب على سؤال الله: «لمن أنت؟» قائلة: «أنا لحبيبي». ورغم بساطة التعبير إلا أنه يحتوي على كل أسرار الحياة الروحية النامية، ورغم قلة الكلمات إلا أنها تجيب في أمانة على كل ما قد يخطر ببالنا من تساؤل عن سر هذه العلاقة التي تربط النفس المقدسة بالمسيح.

أنا لحبيبي

في الكلمات الرائعة التي تلت هذه الألفاظ الحية، نجد السبب والنتيجة يتلازمان: أنا لحبيبي؛ لأن حبيبي لي، وأنا لحبيبي؛ لذلك فهو لي. طوبى للنفس التي تستطيع أن تردد في صدق مع الكنيسة أنشودة القديسين: «أنا لحبيبي». ولكن ما أندر هذه النفوس! فليست العبرة بترديد هذه الكلمات، وإنما العبرة بصدق القياس الذي به نستطيع أن نقولها. فليست هذه الكلمات إذن بداية، ولكنها ثمرة الحياة المتصلة من الشركة المقدسة مع المسيح. أيتها النفس التي تشتهي أن تشاركي في هذه الأنشودة المقدسة، لكي تكوني صادقة في هذه الشركة لتجيبي في أمانة: هل أنت حقاً له بكل الحواس؟

مفهوم “الكل” في التكريس

وإنه من الأهمية بمكان أن ندرك ضرورة كلمة «كل». لقد أدركها أحد خدام الله في العهد القديم ووقف يواجه الجماهير المخدوعة قائلاً: «حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟». وبنفس الإدراك الروحي السليم نادى الرسول في العهد الجديد: «أية شركة للنور مع الظلام؟». هذا هو الأساس الذي عليه نستطيع أن نقرر إن كنا لحبيبنا أم لا. فمهما بذلنا من جهد لكي نعيش لله والعالم فلن نستطيع. وإن بقي في جنبات القلب أقل أثر للظلمة السابقة، فلن يشرق علينا نور الحق. وإن حاولنا أن نتبع يسوع وفي القلب حنين للعالم، مهما كانت مظاهر التبعية صادقة، سوف نسمع صوت المسيح ينادينا: «اذهب بع كل مالك وتعال اتبعني». ترى لو فحصنا ذواتنا أمام الله، هل نجد أن كل هذه الحواس ملك له؟

فحص الحواس: أداة الملكية للمسيح

عيوننا… هل هي لله؟

لا يكفي ألا ننظر لدنس العالم لكي تكون هذه العين لله. بل هل نظرنا محاولين أن نجد خيراً في الناس؟ لقد نظر العالم إلى امرأة فلم يجد فيها إلا الخطيئة، ولكن نظرة المسيح لها دخلت إلى العمق ووجدت فيها خامة طيبة يمكن أن تشكل حسبما يريد. ورغم أن شر المرأة كان واضحاً، بل لقد أمسكت في نفس الفعل، إلا أن النظرة المقدسة تغاضت عن القبيح الظاهري لترى جمال النفس في الداخل وتناديها: «ولا تعودي تخطئي».

وفي قصة رمزية نرى الفرق واضحاً بين عين الناس والعين التي يملكها المسيح. يقولون إن دابة ماتت في الصحراء، وبعد أيام تعفنت جثتها، ومر بها أناس مختلفون: بعضهم ابتعد عن المكان مشمئزاً، وبعضهم كان يلقى باللائمة على الدابة قائلاً: لو لم تبتعد عن صاحبها ما ماتت. إلى أن مر بها عابد في الطريق إلى صومعته، فاقترب منها ثم قال: «ما أنصع بياض أسنانها!». وهكذا نرى العين المقدسة حتى في الذين أصبح لهم أربعة أيام في القبر ترى فيهم أملاً للحياة.

آذاننا… هل هي لله؟

ولا يكفي ألا نستمع لأحاديث العالم لكي نقول في أمانة إن آذاننا أصبحت للمسيح. بل التأكيد أولاً: هل تفرق هذه الأذن جيداً بين صوت الراعي وصوت الأجير، فتعرف صوت راعيها مهما كانت الضجة التي يحاول العالم أن يطفي بها على هذا الصوت؟! هل لنا الأذن التي تستمع لأنين الضعفاء والمحتاجين، وتنصت لمن يدعون: «أعبر إلينا وأعنا»؟ وهل لنا الأذن التي لا تسعى طالبة أن تسمع صوت المديح، والتي لا ترفض صوت الحق عندما يكشف لها خطاياها الخفية؟

ألسنتنا… هل هي لله؟

وهنا أيضاً لا يكفي أن يكون لساناً سلبياً لا يشتم ولا يكذب. بل إن كان حقاً للمسيح، فهل يظهر ذلك في التسبيح المستمر؟ وهل يمجد هذا اللسان إلهه في كل حين عندما يشهد للحق؟ وهل يستخدم لساننا لربح النفوس أم للدينونة؟ هل هو أداة بناء أم معول هدم؟ وهل يصمت على الشر ابتغاء مرضاة الناس، أم أنه مستعد أن ينادي: «لا يحق لك»، حتى ولو كلفته الشهادة للمسيح حياته الظاهرية وأمجاده في العالم؟

أفكارنا… هل هي لله؟

وفوق الكل… هل فكرنا ملك للمسيح؟ ترى ماذا يجول بخاطرنا عندما نختلي إلى نفوسنا؟ هل نحقق بالفكر ما لا نستطيع أن نحققه في الواقع، فتتجسم أمامنا خطايانا وننتقم بالفكر ممن عجزنا عن الانتقام لسبب أو لآخر؟ وقد يصل بنا الخيال إلى مشتهى نفوسنا في الخفاء محققاً لنا أمانينا الشريرة. أم هل لنا الفكر المقدس الذي عبر عنه بولس الرسول بالعبادة العقلية؟ الفكر الذي يتأمل في الروحيات ويصلي من أجل خلاص الجميع. الفكر الذي يكشف لنا في شفافية مقدسة كل خداع النفس، فيدعونا أن نعوم كل ليلة سريرنا بدموعنا.

حساب الخدمة: لمن نعمل؟

ثمة سؤال آخر لا بد أن نجيب عليه قبل أن نقول: «أنا لحبيبي». إن كنا حقاً له، فهل يظهر هذا الإحساس في خدمتنا؟ وما هو مكان الله في هذه الخدمة: أهو الصدارة، أم أنه يختفي منها لأنها ليست له؟ أيها الخادم، لو كثرت الخصومات والمشاحنات في خدمتك، ولو ثارت نفسك لأنها لم تلق في الخدمة الكرامة التي تنتظرها، ولو تشتاق الخراف لأنها لم تشعر بدفء الرعاية وحنانها، ولو شعرت بالملل واليأس يكاد يسطو عليك عندما تلقى العثرات في الخدمة فنظرت للوراء بعدما وضعت يدك على المحراث، عندئذ قف قليلاً وراجع ذاتك، قد تكون خادعاً لذاتك وليس لله. وعندما تكتمل ملكية المسيح لحواسنا، سوف تتم الأنشودة الخالدة: «أنا لحبيبي وحبيبي لي». ولهذه الشركة المقدسة ثمارها:

1. تحفظنا من السقوط: عندما نحس أننا لسنا لذواتنا ولكننا ملك له، نستطيع أن نختبر ما اختبره بولس الرسول عندما قال: «هل آخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا!».
2. تمنحنا ثمر الروح الذي هو فرح وسلام: حبيبنا لنا، وعندئذ سوف تشبع نفوسنا، وستتغير نظرتنا للأمور، وسنختبر عملياً كيف يحول الظلام إلى نور، وكيف يعطي مع التجربة المنفذ، وكيف يسكت بكلمة كل العواصف والأمواج.

 

زر الذهاب إلى الأعلى