تفسير سفر الجامعة ٩ للقمص تادرس يعقوب

الأصحاح التاسع

الحكمة ووليمة العرس

إذ سبق فكشف عن فاعلية الحكمة في حياة الإنسان الداخلية، وسلوكه وفي مواجهة الأشرار بالثقة في معاملات الله وعنايته الفائقة، الآن يؤكد أن هذه الحكمة الإلهية هي هبة إلهية، يُقدمها لمؤمنيه المجاهدين، مهيئًا إيَّاهم لوليمة العرس الأبدي.

  1. عجز الإنسان عن معرفة مقاصد الله       [1-3].
  2. الله يُقدم فرص التوبة                       [4-6].
  3. لنعمل للعرس الأبدي                        [7-10].
  4. لا نفع للعمل بدون النعمة                  [11].
  5. كن مستعدًا بالحكمة                        [12-18].
  6. عجز الإنسان عن معرفة مقاصد الله:

لأن هذا كله جعلته في قلبي، وامتحنت هذا كله أن الصديقين والحكماء وأعمالهم في يد الله.

الإنسان لا يعلم حبًا ولا بُغضًا. الكل أمامهم” [1].

v     المعنى هو أنني قد سلمت قلبي للتأمل، مشتاقًا أن أعرف من يحبه الرب ومن يبغضه. ووجدت بالحقيقة أن أعمال الأبرار هي في يدّ الله، أما كونهم محبوبين أم مبغضين من الله فهم يتأرجحون غير موقنين من ذلك[178].

القدِّيس جيروم

غموض النص يثير تساؤلات كثيرة، منها كيف لا يدرك المؤمن إن كان محبوبًا من الله أم لا؟ وهل يبغض الله أحدًا؟

إن ما يؤكده الجامعة هو أن جميع الصديقين والحكماء بكل أعمالهم هم في يدّ الله، سواء كانت أيامهم مملوءة فرحًا أم حزنًا ومتاعب… لا يليق بالمؤمن الحقيقي أن يشك في عناية الله به واهتمامه بكل أموره الصغيرة والكبيرة. لكن الإنسان في ضعفه يقف متذبذبًا، متسائلاً: هل الله يحبه أم يبغضه؟ وسط مرارة الضيق تعبر به أفكار لتحطمه أن الله ينتقم منه أو يبغضه أو أنه لا يشعر بضعفاته. لهذه كثيرًا ما يتساءل: لماذا يسمح الله ليّ بتجارب قاسية تكاد تحطم نفسيتي وتفقدني إيماني؟

لعله مما يشكك البعض، أنهم  يرون أنه لا فارق بين ما يحلّ بالبار والشرير، الصالح والطالح، الطاهر والنجس، الذابح (يقدم ذبيحة لله) وغير الذابح، الذي يقسم (باطلاً) ومن يخشى الحلف… حتى أنهم في دهشتهم وارتباكهم يصيرون كمن هم في حالة جنون [2-3]، لا يعرفون تفسير الأحداث التي تحل بهم وبمن هم حولهم.

بالحقيقة وإن كانت حياة الأبرار وكل أعمالهم في يدّ الله، لكنه بالنسبة للإنسان الطبيعي يصعب عليه إدراك ذلك بسبب تشابه الظروف الخارجية بالنسبة للأبرار والأشرار، الحكماء والجهلاء، فإنه من الخطر أن نقيس حب الله لنا بالظروف الخارجية.

ليتنا لا ننشغل بالأحداث الخارجية بل نتطلع إلى أعماقنا لنرى يد الله العاملة لتقيم ملكوته فينا، ونراه يقيم أيقونة سمواته فينا فنتهلل ونفرح، ويتهلل هو أيضًا بنا إذ يرانا أطفاله المدركين حكمته والمتمتعين، كقول الإنجيلي: “تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب… لأنك أخفيت هذه عن الحكماء وأعلنتها للأطفال” (مت 11: 25). أنه يفرح بالأطفال الذين يتهيئون بإعلانه السماوي للعرس الأبدي وحكمته.

v     يا للحسرة على وهن الطبيعة البشرية وزوالها؟، إلاَّ أن إيماننا بالمسيح يرفعنا إلى السماء ويعدنا بأبدية نفوسنا. أما بالنسبة للأحوال المادية في الحياة فهي ذاتها التي لنا وللبهائم أيضًا[179].

القدِّيس جيروم

  1. الله يقدم لنا فرص التوبة:

مما يحزن قلب الجامعة أن الله يعطي للإنسان فرصًا للتوبة في هذه الحياة، لكي يرجع إلى نفسه ويتأمل في معاملات الله معه عوض الارتباك بالأحداث الخارجية التي تُحطم نفسيته، لكنه عوض الانتفاع بها يمتلئ قلبه شرًا وحماقة حتى يُباغته الموت.

يقارن سليمان الحكيم بين الأحياء والأموات، موضحًا الآتي:

أ. الإنسان الحيّ نترجى توبته، أما الميت ففقد فرصة التوبة: “لأنه من يُستثنى؛ لكل الأحياء يوجد رجاء، فإن الكلب الحيّ خير من الأسد الميت” [4]. إذا بلغ الإنسان النجاسة حتى دُعي “كلبًا”، حيث كانت الكلاب في العهد القديم من الحيوانات الدنسة المكروهة لديهم جدًا، حتى دعوا الأمم الوثنية هكذا، فهو أفضل من أسدٍ ميت.

قد ينظر الإنسان إلى نفسه ككلب بسبب كثرة ضعفاته وسقطاته، لكنه بروح الاتضاع يقتني الحياة الجديدة ويصير أفضل ممن يعتد ببره الذاتي حاسبًا نفسه كأسد، لأنه بالكبرياء صار ميتًا!

v     كثير من الأبرار سقطوا من برّهم، وحلّ خطاة كثيرون مكانهم، لذلك لا يليق بالبار أن يتشامخ، لأنه لا يزال في الجسد، كما لا يليق بالخاطي أن ييأس لأن الله قريب منه إن كان يطلبه، وهو مستعد أن يقبله إن غيّر طريقة حياته والتفت إلى (الرب)[180].

مار إسحق السرياني

الإنسان قليل المواهب أن ظن في نفسه أن لا دور له في الحياة ولا سلطان له أو قوة أشبه بكلب مُحتقر (في نظر اليهود)، فإنه إذ يتحد بالمسيح الحيّ القائم من الأموات يصير أفضل ممن له مواهب كثيرة وإمكانيات، ومجد زمني ومهابة كالأسد، لكنه باعتزاله مخلصه يفقد حياته ويُحسب ميتًا! حياتنا في المسيح، وقيامتنا به أفضل من كل إمكانية أو عظمة!

ب. الحيّ الصادق مع نفسه يستعد ليوم رحيله:

“لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون.

أما الموتى فلا يعلمون شيئًا،          

وليس لهم أجر بعد لأن ذكرهم نُسي” [5].

كل بشر يدرك هذه الحقيقة أنه حتمًا سيموت… لكن الحيّ الحريص على خلاص نفسه والمهتم بأبديته يتمتع بالمعرفة الفعّالة، التي تدفعه إلى الاستعداد لذلك اليوم، أما من مات دون توبة فلم تعد بعد له معرفة، لأنه قد مات فعلاً ولا عودة له للحياة هنا كي يُجاهد فينال أجرًا، إنما صار هو وكل أعماله في حكم النسيان. أين ذهبت محبته للعالم؟ أين بغضه للآخرين وحسده لهم؟ هذا كله قد هلك معه، ولا نَصيب له ولا لأعماله في الحياة الأبدية [6].

  1. لنعمل للعرس الأبدي:

إن كان الموت يغلق باب التوبة تمامًا، ويفقد الإنسان كل ما جمعه في هذه الحياة مادام خارج دائرة الرب، لهذا يليق بنا أن نعمل مادمنا أحياء؛ نعمل بروح الحكمة الإلهية

لنتهيأ للعرس الأبدي. وقد قدم الجامعة النصائح التالية:   

أ. لنمارس حياتنا بفرح، بقلب صالح:

“اِذهب كُل خبزك بفرح،     

واِشرب خمرك بقلب طيب،  

لأن الله منذ زمان قد رضيَ عن عملك” [7].

كثيرًا ما يكرر الجامعة التزامنا باستخدام عطايا الله حتى الزمنية بفرح روحي، وبروح الشكر لله… لنأكل ونشرب ونعمل بروح الاعتدال. “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1 كو 10: 31).

حياة الفرح هنا وسط الآلام تهيئ النفس للفرح الأبدي حيث لا ضيق ولا ألم بل فرح دائم ووليمة عرس لا تنقطع.

ب. لننعم بالوليمة السماوية:

يقدم لنا العريس جسده خبزًا يفرح النفس ودمه خمرًا يبهجها… وخلال هذا السرِّ العجيب يثبت فينا ونحن فيه فنُحسب موضع سرور الآب، ويرضى عن كل أعمالنا.

v     يقول سليمان مشيرًا إلى تلك النعمة، في سفر الجامعة: “تعال كُل خبزك بفرح“، بالطبع الخبز الروحي “تعال” هي دعوة مفرحة إلى الخلاص والبركة.

واشرب خمرك بقلب طيب (بنفس مسرورة)“، أي الخمر الروحية.

واسكب الدهن على رأسك“. ها أنت ترى كيف يُشير إلى المسحة السرية.

ولتكن ثيابك بيضاء في كل حين، لأن الله قد رضيَ عن أعمالك” [7-8]. أما الآن، وقد خلعت ثيابك القديمة ولبست البياض الروحي، يجب عليك أن تظل دائمًا ثيابك بيضاء. لا أُريد القول أنه يجب أن تلبس دائمًا ثيابًا بيضاء، بل يجب أن تكون مرتديًا النقاوة الحقة والبهاء الروحي. لكي يمكنك القول مع الطوباوي إشعياء: “تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البهجة” (61: 10)[181].

القدِّيس كيرلس الأورشليمي

والعجيب إذ يقدم لنا السيِّد المسيح جسده ودمه المبذولين طعامًا مفرحًا يهيئنا للعرس الأبدي باتحادنا معه يدعوهما “خبزك” و “خمرك”. لقد صار في ملكيتنا، فيُحسـبان

خبزنا وخمرنا، بل وفي علاقة شخصية حميمة بكونه خبزي وخمري أنا!

كلما تمتعنا بخدمة الأفخارستيا (القداس الالهي) ندرك أننا إنما ننال عربون العرس الأبدي والوليمة السماوية، نشعر بتهليل قلبي داخلي وشوق الله ورضاه عنا في المسيح يسوع عريس نفوسنا. نلبس مسيحنا كثوب برّ ينزع عُرينا ويزيل تقصيرنا، وننعم ببهائه علينا.

لنهتم أن نرتدي ثوب العرس هنا فلا نُحرم من وليمة العرس والاتحاد مع عريسنا.

v     كثيرًا ما امتدحت العذارى والأرامل والمتزوجات اللواتي حفظن ثيابهن دائمًا بيضاء، اللواتي يتبعن الحمل أينما ذهب[182].

v     أُخبرنا أن العريس يأكل وسط السوسن، أي بين الذين لم يلطخوا ثيابهم، لأنهم بقوا عذارى (روحيًا)، واصغوا إلى قول الجامعة: “لتكن ثيابك في كل حين بيضاء”[183].

v     الذي ليس عليه ثوب العُرس ولم يحفظ تلك الوصية: “لتكن ثيابك في كل حين بيضاء” هو مغلول اليدين والقدمين، فلا يعرف كيف يتكئ عند المائدة أو يجلس على عرشٍ أو يقف على يمين الله، بل يُطرح في جهنم حيث العويل وصرير الأسنان[184].

القدِّيس جيروم

ج. الدفء العائلي عربون الحب السماوي:

الإنسان الروحي يرى في حياته العائلية المقدسة صورة حيَّة للعائلة السماوية، ما يمارسه من حب عائلي يمتد في السماء كحب أبدي…

اِلتَذّ عيشًا مع المرأة التي أحببتها كل أيام حياة باطلك التي أعطاك إيَّاها تحت الشمس كل أيام باطلك،

لأن ذلك نصيبك في الحياة وفي تعبك الذي تتعبه تحت الشمس” [9].

يليق بالمؤمن المتزوج أن يمارس حياته الزوجية بحب مخلص، حاسبًا زواجه عطية إلهية… حقًا إن الحياة التي يعيشها قليلة وزائلة حتى أن الذين يتزوجون كأنهم لا يتزوجون، لكنها عطية الله يعيشها الإنسان ليسمع الصوت القائل: “كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير” (مت 25: 21، 23؛ لو 19: 17)… حياته القصيرة هي نصيبه من عند الرب، تحمل متاعب كثيرة لأنها حياة “تحت الشمس”، لكن أمانته فيها ترفعه إلى حياة عُرس دائم فوق الشمس، لا يجد فيها تعبًا.

د. العمل بجدية في غير رخاوة:

كلّ ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك، لأنه ليس من عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها” [10].

مادمنا لم نرحل بعد إلى القبر (ربما قصد بالهاوية القبر) يليق بنا أن نجاهد بجدية بكل قوتنا لكي ننعم بالمعرفة الروحية والحكمة السماوية، ونتأهل للعرس السماوي. لنحمل الصليب هنا فننعم بوليمة القيامة الدائمة.

v     طريق الرب صليب يومي، ما من أحد يصعد إلى السماء في يُسرٍ (راحة)، لأننا  نعلم إلى أين يقود طريق الراحة وإلى أين ينتهي[185].

مار إسحق السرياني

v     النعمة دائمًا مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيِّدنا نفسًا ساهرة وملتهبة حبًا، يسكب عليها غناه بفيض وغزارة فوق كل طلبته[186].

v     تأكد أنه يستحيل أن يبذل إنسان كل جهده ليخلص، ويفعل كل ما في قدرته، ويتركه الله[187].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

v     إن كنت تحزن (مجاهدًا) في طلبه فإنك ستبتهج بوجوده[188]!

v     من ينشط ويطلب يجد، ومن يكسل يثبت في العمى، في الظلمة الخارجية مع أهل الشمال أمثاله[189].

v     اعمل باجتهاد وأنت ترى شجرة الحياة قد أينعت في وسط فردوسك[190].

القدِّيس يوحنا سابا

  1. لا نفع للعمل بدون النعمة:

إذ يدعونا الجامعة للجهاد اليومي للتهيئة للعرس الأبدي يؤكد أنه لا نفع لجهادنا ما لم يعمل الله فينا.

فعدت ورأيت تحت الشمس أن السعي ليس للخفيف، ولا الحرب للأقوياء، ولا الخبز للحكماء، ولا الغنى للفهماء، ولا النعمة لذوي المعرفة، لأنه الوقت والعرَض يلقيانهم كافة” [11].

هكذا إن نال إنسان نجاحًا في ركوضه يتكل على الله لا على خفة جسده، وفي صراعه ضد الخطية يعتمد على نعمة الله لا على قوته وبره، وفي نجاحه في حياته العملية لا ينال خبزه بحكمته البشرية بل بعناية الله به، وما يتمتع به من غنى لا يستند على فهمه الخاص بل على بركة الرب، وما لديه من نعمة في أعين الناس لا يرجع إلى معرفته وعلمه… فقد هرب جيش بأكمله أمام يوناثان وغلامه (1 صم 14: 12-15). كما قيل: “رجل واحد منكم يطرد ألفًا لأن الرب إلهكم هو المحارب عنكم” (يش 23: 10). الله هو سرّ نجاحنا وغلبتنا وشبعنا وغنانا وحكمتنا.

v     مهما سارعتم في الركض، ومهما أكثرتم من الصراع، فإنكم تحتاجون إلى من يهبكم الإكليل. وإن لم يبنِ الرب البيت فباطلاً يتعب البناؤون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر حراسها. وهو يقول إنني أعلم أن السباق ليس لرشيق الحركة، ولا المعركة للقوي، ولا النصرة للمقاتلين، ولا مواني الأمان للجنود الباسلين، بل لله النصرة، وله بلوغ بر الأمان[191].

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

v     الإنسان الذي يرتاب أن الله معينة في العمل الصالح يكون كمن يهرب من ظله، وهو يُكابد في زمن الرفاهية والغنى ويُجرب في وقت الراحة، ويحل به الضيق! أما من يضع ثقته في الله فهو ثابت القلب، ويُعلن استحقاقه لكل البشر، ويصير مدحه أمام وجه أعدائه[192].

v     لا يستطيع إنسان أن ينال معرفة روحية ما لم يتغير ويصير كطفل صغير[193].

مار إسحق السرياني

v     لا نقدر أن نجري في طريق الله ما لم نُحمل على أجنحة الروح[194].

v     ليس أقوى من الذي يتمتع بالعون السماوي، كما أنه ليس أضعف من الذي يُحرم منه[195].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

إذ يدعونا الجامعة إلى الجهاد المتكئ على نعمة الله المجانية، يؤكد لنا ضرورة استعدادنا في أية لحظة، لأننا لا نعرف الأوقات والأزمنة، إذ يقول: “الوقت والعرَض يلقيانهم كافة” أو “الآونة والأحداث تفاجئهم بغتة” [11].

  1. كن مستعدًا بالحكمة:

لا يعرف الإنسان ما قد يفاجئه به الزمن، فإنه كالسمكة التي قد تفرح بطعام يُقدم لها فتجد نفسها في شبكة، وكالعصفور الذي يجد نفسه مُقتنصًا في فخ [12]. إننا لا نعرف ما ينتظرنا من متاعب وما يقدمه لنا اليوم… قد تُطلب نفوسنا، وقد تحمل تجربة ما، وقد ننعم بالفرج!

سلاحنا أمام الزمن بكل ما يحمله من مسرات ومتاعب هو الحكمة الحقيقية: “هذه الحكمة رأيتها أيضًا تحت الشمس وهي عظيمة عندي[13]. يقصد هنا الحكمة التي تُمكّن إنسانًا محبًا لوطنه وللبشرية – على حساب راحته الشخصية – فيُنجي مدينته من خطر داهم، من جيش يُحاصرها… وفي هذا لا يطلب كلمة مديح!

مدينة صغيرة فيها الناس قليلون، فجاء عليها ملك عظيم وحاصرها وبنى عليها أبراجًا عظيمة.

ووُجد فيها رجل مسكين حكيم، فنجى هو المدينة بحكمته.

وما أحد ذكر ذلك الرجل المسكين” [14-15].

ما هذه المدينة إلاَّ الإنسان الذي يحمل طاقات وإمكانيات للنفس والجسد، من عواطف وأحاسيس وعقل ومواهب الخ… أنه أشبه بمدينة صغيرة فيها الناس قليلون، وإبليس هو أشبه بملك عظيم يُحاصرها، فمع ما لإبليس من إمكانيات جبَّارة لكنه يطمع في الإنسان، يريد أن يغتصبه من يدّ الله ليضمه إلى مملكته، ويُسخّره لحسابه، يهينه ويعذبه كمن ينتقم منه. يبني عليه أبراجًا لتخريبه، إذ يود أن يؤسس مملكته فيه، ويجعل منه أرض معركة ضد الخير أمام هذا الجبروت يخاف الإنسان ويرتجف، تارة من أجل مكسب مادي، وأخرى لأجل الكبرياء، وثالثة كنوع من الاستسلام الخ… أما الرجل المسكين الحكيم الذي يُنجي المدينة بحكمته فهو السيِّد المسيح الذي أخلى ذاته وحمل طبيعتنا، وقدَّم لنا صليبه حتى يُعلن أن ضعفه أقوى من القوة، وفقره أغنى من كل غنى‍! ومع هذا ليس من يذكي هذا الرجل، إذ تخلى الكل عنه عند الصليب… صار في عار الصليب خارج المحلة! جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله.

إذن لنقتن مسيحنا “الحكمة” الحقيقية، إذ قيل: “فقلت الحكمة خير من القوة“. إبليس قوي، والخطية خاطئة جدًا، لكن حكمة المسيح تغلبهما. غير أنه يجب أن نميز بين الحكمة السماوية البنّاءة وبين الارتباك بفلسفات العالم إن تعارضت مع الحياة الإيمانية، يقول القدِّيس باسيليوس الكبير:

[لقد أضعت وقتًا وافرًا في الباطل، وقضيت معظم صباي في العمل الفارغ الذي عكفت عليه أتلقّن تعليم حكمة حمَّقها الله (1 كو 1: 20) إلى أن آتي يوم، وكأنيّ أفقت فيه من سبات عميق، فنظرت إلى نور الحقيقة الساطع في الإنجيل ورأيت بطلان حكمة عظماء هذا الدهر، الآيلين إلى الزوال (1 كو 2: 6). ومن ثم بكيتُ حياتي التعسة[196]].

إن كان إبليس بأعمال شره وبالموت هو أشبه بصرخات شخص قوي متسلط بين الجهال لكن هدوء المسيح الحكيم أعظم… جاء لا يصيح ولا يسمع أحد صوته، فإذا به يُحطم صرخات العدو العنيفة، واهبًا إيَّانا ذات روحه لكي نغلب بالحكمة الهادئة.

كلمات الحكماء تُسمع في الهدوء أكثر من صراخ المتسلط بين الجهال، الحكمة خير من أدوات الحرب” [17-18].

لنتحد بالسيِّد المسيح واهب النصرة ضد إبليس المتسلط، ولنخفف أيضًا من صداقة الأشرار لئلاَّ يُفسدوا شركتنا مع السيِّد المسيح.أمَّا خاطئ واحد فيُفسد خيرًا جزيلاً” [18].

فاصل

سفر الجامعة: 123456789101112

تفسير سفر الجامعة: مقدمة123456789101112

زر الذهاب إلى الأعلى