تفسير سفر التكوين أصحاح 16 لمار أفرام السرياني

[1] بعد ان وعد [الرجال] سارة بثمرة، قاموا وتوجهوا نحو سدوم  ورغم ان ذهابهم الى سدوم لم يُكشف لسارة لئلا تحزن لأجل اخيها اثناء حكم الغضب الذي صدر بحق سدوم والمدن الأخرى في اليوم الذي فرحوها بالوعد بانها ستلد ابنا. لقد كتموا هذا عن سارة كي لا تبكي باستمرار، لكنهم كشفوا الموضوع لابراهام لئلا يتوقف عن التضرع، ولكي يُذاع في العالم بانه لم يكن يوجد في سدوم صالح واحد عساها تنجو لاجله. 

لقد علا الصراخ ضد سدوم وعمورة، وعظمت خطاياهم جدا، ان الصراخ الذي ذكر اعلاه شرح بالخطايا التي تحدث عنها ادناه وقوله: نزلتُ لأرى هل فعلوا ما يستجوب الشكوى التي بلغت الي اريد ان اعلم. ليس انه لم يكن يعلم بانهم أخطأوا، لأنه قال سابقا بان خطاياهم عظمت جدا. فهذه اصبحت سابقة للقضاة لئلا يدينوا مسبقا حتى بالاعتماد على السمع الموثوق. اذا كان عارف الكل قد تغرب عن معرفته لئلا ينتقم امام المحكمة دون معرفة كاملة، فكم بالحري ينبغي ان يتغربوا عن عدم معرفتهم لئلا يطلقوا الحكم قبل سماع القضية. وفرز ملاكان لسدوم وتوجها نحو الباب حيث كان لوط جالساً لاستقبال الغرباء الداخلين من هناك. ونهض لوط لاستقبالهما كما لاستقبال الغرباء، ولما لحق بهما ظهر له في الملاك الثاني الرؤية التي رآها ابراهام في الملاك الثالث فخر لوط ساجداً على الأرض. وظهرا حتى للسدوميين برؤية جميلة لانه قال: نزلتُ لأرى. ان عبارة نزلت لأرى تعني، نزلت لاتفحصهم. 

لو انهم لم يتحمسوا باثر الرؤية التي شاهدوها وان لم يحصل غفران لخطاياهم الأولى، فلن ينالوا ذلك القصاص الذي نالوه. 

[3] وسارع لوط لادخال الملائكة قبل ان يلتئم السدوميون ليشوا بهم. لكن الملائكة تأخروا بذرائع شتى لكي يأتي السدوميون ويجربوا منهم. اما في حالة ابراهام فلم يتأخر الملائكة لأنهم لم يجربوه، بل جاؤا ليقدموا له مكافأة لتجربته. وقال الملائكة للوط الذي كان يحثهم للدخول: لا، اننا سنبيت هنا في الشارع.

[4] وبالحاحه الشديد دخلوا واكلوا، وقبل ان يناموا احاط السدوميون بالبيت وهم يقولون للوط: اخرج الرجال الذين دخلوا لعندك ليلا لنتعرف عليهم. لاحظ ان الملائكة دخلوا مستترين بالليل الذي يحجب رؤيتهم وليس اثناء النور الذي يكشف جمالهم ونشروا منديلا على بصر السدوميين بالظلام الذي خيم على مظهرهم. وبالرغم من انهم دخلوا ليلا لعدم كشفهم ليسهلوا تجربة المجرب، لكن السدوميين لم يستفيدوا حتى من هذه لأنهم كانوا يتهيأون لإذائهم ليلا كان ام نهاراً. 

[5] ولما ترجى لوط السدوميين الذين لم يرضخوا، وعدهم بابنتيه ولم يقبلوا، فهددوا بأن يأذوه اكثر من الملائكة، واقتربوا لتحطيم الباب ايضا. حينئذ ادخل الرجال لوطاً اليهم واصيب السدوميون الذين في الخارج بغشاوة البصر. لكنهم لم يرتدعوا حتى من هذه، لانهم بعدئذ اجهدوا انفسهم ملتمسين الباب. وقال الرجال للوط: أخرج صهورك وبنيك وبناتك وكل ما لك من هذا المكان لأننا سندمره. ان [الكتاب المقدس] يسمي اصهرة لوط ابناءه، لأنهم كان سيدخلهم على بناته. 

[6] خرج لوط وتكلم مع أصهاره؛ ورغم ان السدوميين كانوا مجتمعين هناك الا انهم لم يروه اثناء خروجه ولا اثناء عودته للدخول. لكن لما أستهزأ به اصهاره وعاد ، أخذ الرجال بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه وأخرجوهم. ولم يراهم السدوميون حتى عندما كانوا يخرجون بينهم جماعات. 

ان نساء بيت لوط لم يُجربن لكنهن جُربن بواسطة الناموس الذي وضع لهن عندما خرجن من سدوم وصلى لوط لأجل [مدينة] صوعر لتنجو ليدخل الى هناك لأنها كانت قريبة. وقال له أحد الملائكة ها اني اراعيك بهذه الجملة ايضا ولن أدمر قرية صوعر ، انها ستعطى لك بدلا من الاهانة التي لحقت بابنتيك. 

[7] في دخول لوط الى صوعر أنزل الرب كبريتاً وناراً على سدوم من امام الرب من السماء، اي ان الملاك الذي ظهر فيه الرب أنزل من أمام الرب الذي في السماء كبريتاً ونارا على سدوم. 

اما زوجة لوط فانها ازدرت بالامر الذي وضع لتوه لأجل تجربتها، واصبحت عمود ملح. وبتأخرها ضاعفت تجربة لوط وابنتيه. وحتى بهذا لم يُغلبوا للابتعاد عن وصية الملاك. 

[8] ولأن الصبيتين خافتا لتسكنا في قرية خربة في الجبل، ولأنهن اعتقدتا انه بطوفان النار ابيدت الدنيا كلها كما ابيد جيل آدم بطوفان المياه قالت الاخت الكبرى للصغرى: لقد شاخ ابونا وما في الارض رجل يدخل علينا، هلم نسقي ابينا خمراً لنحيي منه نسلاً و يتواصل حتى مننا عالم ثالث كالعالم الثاني من نوح والأول من آدم وحواء. 

رغم توفر الخمر لديهن، لأن كل شيء في صوعر ثرك لمنفعتهمن، لم يكن في صوعر رجل واحد، لانه في نفس الوقت الذي قال له الملاك اني اراعيك ولن ادمر القرية ابتلعت صور سكانها. وتركت صور ممتلكاتها، وبورثتها الذين ضربتهم أراحت العادل الذي عانى من افعالهم، وبواسطة الممتلكات التي تركت هناك ستعزي لوط البار الذي كان قد فقد كل ما عنده في سدوم. 

[9] اما الصبيتان فقد تعللتا بحجج [عديدة]: اننا نخاف ان ننام بسبب الرؤى ان أمنا تأتي وتقف امامنا كعمود ،ملح ونرى السدوميين يحترقون، ونسمع صوت النساء اللواتي يصرخن وسط النار، ويترأى لنا أطفال يتلوون داخل الحريق. لا تنم اذا [ايها الرجل] لأجل راحة بناتك، بل تسل بالخمر كي تحيي الليل بسهر بعيد من الخوف. 

وبعد ان وجدن بان الخمر سلب عقله، وخيم النوم العميق على اعضائه، دخلت الكبرى وسرقت زرعاً من الزارع النائم دون أن يشعر بذلك. ان ابنته الكبرى التي أوجدت هذه [الحيلة] التي حدثت البارحة، أغرت اختها لتكون هي ايضا عروس الساعة لتبقى من ثم ارملة للابد 

[10] واقتنعت الصغرى ودخلت هي ايضاً [ وسرقت منه زرعاً] وثم خرجت ولم يشعر بها. وبعد أن ظهر حبل الصبيتين اخذت الصغرى تلوم الكبرى قائلة: 

كان العقم افضل لنا من موت العار، ولو بقينا مع ابينا بدون بنين لكان افضل من أن يبقى ابونا لوحده دون .بنات. وكيف سنعلل هذا [الفعل] لابينا عندما يحكمنا؟ واي جواب نقدمه له في الوقت الذي سيقتلنا. [وأردفت قائلة]: ان الصبيتين اللتين قلتُ لكَ عنهما في سدوم بانهن لا يعرفهن ،رجل، من هو هذا الذي عرفهن في هذا الجبل؟ وان قلنا له باننا حاملات من الريح فماذا سنفعل لما تدنو ساعة ولادتنا؟ 

[11] وبينما هن محتارات بهذا الأمر ناداهما والدهما قائلا: منذ ايام وانا انظر الى بطونكن سراً، وانتن تثبتن شكوكي عليكن بالزنا يوما بعد يوم قولا لي من اين هو حبلكما؟ ومتى وكيف؟ مِن مَن أخذتما؟! 

اجابت الكبرى وقالت لابيها ان خطابنا اجبروا أمنا ان تسرقنا منك وترينا لهم. بالرغم من ان الطبيعة جعلتنا خطيبات لهم، الا ان حرمانك من الابناء جعلنا اخواتهم. ولما دخل هؤلاء [الخطاب] لعندنا بمظهر الاخوة، واضطرت أمنا للخروج لسبب ما ، قاموا علينا واغتصبوننا كالطغاة، ولما عادت أمنا وشاهدت [هذا الموقف] أخرجت هؤلاء الداعرين من بيتها بعار يستوجبونه، وعزتنا [بقولها]:

انهم خطابكم وليسوا زناة، لقد استقبلتما زرع فلاحيكما رغم انكما بالحقيقة قد اغتصبتما. 

[12] وقبل والدهما عذرهما لأن ما روته الآن عن السدوميين كانت اشياء صغيرة؛ أن هؤلاء الذين هاجموا بعضهم البعض وهجموا على ملائكة العلى، لم يكن امراً كبيراً لهم ان يغتصبوا ويهينوا قبل الزواج أوائك اللواتي كن مخطوبات لهم. 

[13] وولدت الكبرى [ابنا] وسمته موآب، واصبح أمة لانه كان ابن لوط وولدت الصغرى [ابنا] وسمته بن عمي، اي انه عشيرة ابي لأنه من ابي. ولأن الابنتين انقادتا لعارين اصبح ابناؤهما أمتين، ولأن الابنتين قدمتا ضحية بدلا من ملاكين غفرت لهما خطاياهن الاثنتين ولم تكن الصبيتان [في علاقة جنسية] مع لوط بعد لانه والدهما، ولم تصبحا الرجال] آخرين لان بعل صباهما [والدهما] لا زال على قيد الحياة وحكمت الابنتان وحرمت نفسيهما من مما كان ينبغي ان يأخذا ولانهما فعلتا بسرعة ما لا ينبغي فعله، الا انه بعفافهما الأخير غفر لهما تهورهما الأول.

زر الذهاب إلى الأعلى