تفسير سفر إشعياء ٢٨ للقمص تادرس يعقوب

الأصحاح الثامن والعشرون

إنهيار السامرة وتمجيد ليهوذا

يبدأ النبي بمجموعة نبوية جديدة (ص 28-33) تكشف عن سوء الحالة الإجتماعية وأيضًا السياسية. لقد ضمت ستة ويلات لأناس أشرار في آفرايم ويهوذا والأمم المجاورة، إذ احتقروا الله وكلمته واتكلوا على ذراع بشري غريب ورجعوا إلى العرافين يستشيرونهم.

يكشف هذا القسم عن عدل الله فمع محبته لشعبه بل ولكل البشرية لكنه في غير محاباة لا يطيق الخطية ولا يقبل الرجاسات في حياة الإنسان. لهذا ينزل بالويلات على إسرائيل أو آفرايم لأنها انهارت روحيًا بينما يُمجد مملكة يهوذا التي بقيت مقدسة زمانًا حتى تشبهت فيما بعد بأختها إسرائيل وسقطت في رجاسات أبشع.

  1. ويل للسامرة                      [1-6].
  2. كشف وفضح للخطية             [7-15].
  3. الحاجة إلى المخلص              [16-22].
  4. معاملات الله مع شعبه            [23-29].
  5. ويل للسامرة:

ينزل الله بالويل على السامرة أو إفرايم، سامحًا لآشور سنة 722 ق.م. أن يسطو على البلاد ويخرب المدن ويحمل أعدادًا ضخمة إلى السبي. كان ذلك تأديبًا لإسرائيل ودرسًا عمليًا ليهوذا، فقد استطاع سكان أورشليم عاصمة يهوذا أن يصعدوا على الأسطح ليروا السماء وقد احمرت بغضب الله ضد إسرائيل، فقد ارتفعت ألسنة النيران في كثير من بيوت السامرة وما حولها. ومع هذا لم تتعظ مملكة يهوذا إذ سلكت فيما بعد في ذات خطايا السامرة بل وأكثر منها كما جاء في مثل أهولة وأهوليبة الوارد في حزقيال 33 يروي هذا الأمر في شيء من التفصيل.

الأعداد [1-6] تصّور سقوط السامرة هذه التي بُنيت على تل مرتفع وقد أحاطت بها الحدائق الشهية من كل الجوانب حتى حُسبت من أجمل وأحب مدن فلسطين[302]. الوادي تحتها يبلغ إلى ساحل يزرعيل غني بكرومه وحقوله المثمرة. لقد وهبهم الله فيض خيرات كثيرة وغنى لكنهم تركوا واهب العطايا وانحرفوا إلى الآلهة الوثنية التي تتعبد لها الأمم المحيطة؛ وارتبطت عبادتهم بالحياة المدللة المترفة مع رجاسات كثيرة لذلك أراد الله أن يؤدبهم. أثار قلب ملك آشور ليتطلع إلى السامرة الجميلة الغنية والمدن المحيطة بها فبعث جيشًا عظيمًا لأحتلالها. أما إسرائيل فاتكلت على ذراعها البشري ونسيت إلهها، وحسبت أنها قادرة على تحطيم العدو فتحطمت عاصمتها وكثير من مدنها وصارت مثلاً حيًا لكل من يتكل على الذراع البشري متجاهلاً عناية الله.

يقدم النبي صورة شعرية رائعة لهلاك السامرة ومجد البقية المخلصة:

أ. اعتاد أغنياء السامرة أن يقيموا ولائم دائمة يقدمون فيها الخمور والمسكر بلا حساب، فيسكرون ويلهون، وكانوا يضعون أكاليل زهور على رؤوسهم علامة المجد وللزينة.

يرى النبي مدينة السامرة كرأس مدن إسرائيل وقد احاطت بها الحدائق أشبه برأس أحد هؤلاء الأغنياء الذي يأكل ويشرب ويلهو ويسكر ويمارس الرجاسات وعلى رأسه إكليل زهور. ينزل الله بالويل على هذه الأكاليل فتصير للخزى والعار لا للمجد والبهاء؛ يذبل منظرها وتستحق أن تنحدر مع الرأس التي تحملها إلى التراب لتُلقى في المزبلة وتُداس بالأقدام [2-3].

ب. إن السيد الرب يرسل جيش آشور كرجل واحد قدير (شديد) وقوي [2]… وكأن ما تم على أيدي جيش ملك آشور ليس مصادفة، ولا بتخطيط بشري أو امكانيات إنسانية، إنما بسماح إلهي يهبهم القدرة والقوة ويعطيهم الوحدة لتحقيق خطة إلهية هي تأديب السامرة!

ج. يُشبه جيش آشور الذي يُحاصر السامرة ويذلها كمن ينزل برأس رجل غني تحمل أكليل زهور إلى التراب، بعاصفة ثلجية وسيول مياه جارفة. فالورد لا يحتمل الثلج فيموت، ولا يحتمل سيول المياه فينجرف إلى الأرض بشدة دون استقرار حتى يصير جزءًا لا يتجزأ من المزبلة [2].

د. يُشبه السامرة بشجرة تين تحمل باكورة قليلة تُقتطف في لحظات ولا يبقى فيها ثمر [4].

هـ. إن كان الله يسمح بهذه المذلة نازعًا كل مجد وبهاء للتأديب، فأنه يتقدم بنفسه ليكون هو نفسه مجدًا وبهاءًا لمؤمنيه: “في ذلك اليوم يكون رب الجنود إكليل جمال وتاج بهاء لبقية شعبه، وروح القضاء للجالس للقضاء، وبأسًا للذين يردون الحرب إلى الباب” [5-6]. يصير الله هو جمالنا، وتاج بهائنا، وأيضًا عدالتنا المدافع عن المساكين والمظلومين، وقائد معركتنا يهبنا النصرة الروحية ضد قوات الظلمة.

مقابل الانهيار الذي حلّ بالسامرة التي تمثل جحود الإيمان يُقدم الله نفسه بهاء مجد وبرًا وعدالة ونصرة لبقية شعبه المخلصين إليه [5]؛ ويلاحظ هنا الآتي:

أولاً: يقول: “في ذلك اليوم” [5]؛ هو يوم الفداء أو الصلب الذي فيه حمل الرب عارنا على الصليب ليصير هو نفسه إكليلنا، قَبِل الموت عنا ليهبنا حياته وقيامته وبره، احتمل الضعف ليهبنا بضعفه قوة النصرة.

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الصليب كعلامة مجد وقوة… قائلاً:

[الصليب هو مجد. أنظر ماذا يقول الإنجيلي… “الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو 7: 39).

الصليب هو الذي أزال العداوة بين الله والناس مقدمًا المصالحة،

جاعلاً الأرض سماء،

جامعًا الملائكة مع البشر،

محطمًا قلعة الموت،

مضعفًا سطوة الشيطان،

مطفئًا سلطان الخطية،

منقذًا العالم من الخطأ ومسترجعًا الحق،

طاردًا الشياطين،

مهدمًا معابد الأوثان ومحولاً مذابحهم ومبطلاً ذبائحهم،

زارعًا الفضيلة ومؤسسًا الكنيسة!

الصليب هو ارادة الآب، مجد الابن، وفرح الروح القدس. إنه موضوع فخر بولس إذ يقول: “حاشا ليّ أن افتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح” (غلا 6: 14).

الصليب أكثر لمعانًا من الشمس، وأبهي ضياء من أشعِّتها، فعندما اظلمت الشمس أبرق الصليب. الشمس أظلمت لا لأنها انطفأت، بل لأن ضياء الصليب غلبها…

الصليب يكسر قيودنا، ويبطل سجن الموت.

إنه علامة حب الله (يو 3: 16)…

الصليب هو حصن حصين، وترس منيع، حامي للأغنياء، وينبوع للفقراء، مدافع عن الساقطين في الشباك، ودرع للذين هم في هجوم، ووسيلة لقهر الشهوات ونوال الفضائل، وآية عجيبة مدهشة![303]].

ثانيًا: ما هي بقية شعبه المختارة التي تتزين برب الجنود وتتبرر به وتغلب؟ يرى البعض أن الحديث هنا عن مملكة يهوذا التي بقيت زمانًا في حالٍ أقضل من آفرايم، ويرى آخرون أن هذه البقية هم الذين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح المصلوب مثل الرسل والتلاميذ والمريمات ويوسف الرامي ونيقوديموس الخ… وآخرون يرون أنها البقية التي تخلص في أيام الدجال حيث يسود العالم روح الارتداد و لكن من أجل المختارين يقصر الله الأيام (مت 24: 22)…

على أي الأحوال، هذه البقية تضم كل نفس تجري إلى المخلص رب الجنود لتختفي فيه وتستريح عند قدميه وتستظل بصليبه، أيا كان الوقت!

  1. كشف وفضح للخطية:

بعدما تحدث عن تأديب آفرايم يبدو أنه عاد ليتحدث عن خطايا يهوذا، إذ يقول: “ولكن هؤلاء أيضًا[7]؛ كشفها وفضحها، مصورًا مدى انحلال يهوذا الأخلاقي:

أ. السُكر: “ضلوا بالخمر وتاهو بالسُكر؛ الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر، ابتلعتهما الخمر، تاها من المسكر[7]. إن كانت القيادات في السامرة عاصمة إسرائيل قد فسدت بالمسكر فإن القيادات الدينية في أورشليم قد استسلمت لذات الخطأ.

يقصد بالنبي هنا “الأنبياء الكذبة” الذين تنبأوا من عندياتهم ليداهنوا الكهنة المنحلين والقيادات المدنية. هؤلاء – كما جاء في سفر إرميا- كانوا يتحدثون بالناعمات أي بالكلمات الرقيقة المخادعة قائلين بأن الشعب في خير وسلام وأنه لن تَحِلّ بأورشليم أو بالهيكل تأديبات… وهذا ثمر طبيعي لترك كلمة الله والارتباك بالنفع المادي والأدبي.

إن كان هذا هو حال الكاهن والنبي فماذا يكون حال الشعب؟!

ب. الضلال والظلم: “ضلاّ في الرؤيا، قلقا في القضاء[7]. إذ ترنح الكاهن والنبي الكذاب بالمسكر فقدا وعيهما الروحي فقدما رؤى مضللة، لأن بصيرتهما الداخلية قد اظلمتا. ولذات السبب فقدا قدرتهما على القضاء العادل، فسببنا قلقًا وارتباكًا وسط الشعب.

بمعنى آخر كل خطية تسلم الإنسان إلى خطية أخرى؛ فانشغال الكاهن والنبي بالموائد وحياة الترف سحبهما إلى الانهماك في شرب الخمر ليسقطا في السُكر، وهذا يفسد بصيرتهما الداخلية فيُقدما رؤى مضللة، وبالتالي يفقدا قدرتهما على العدالة ليقضيا بالظلم…

ج. نبوات كاذبة: “فإن جميع الموائد امتلأت قيئًا قذرًا، ليس مكان[8].

يرى النبي الموائد قد ملأت المدينة وانهمك الكل في الأكل والشرب بشراهة بلا حدود حتى صاروا يتقيأون ليعودوا فيأكلون، وكانت هذه عادة الرومان. صار الموضع كله بل المدينة كلها مملوءة قيئًا وقذارة حتى لم يوجد مكان يمكن للإنسان أن يستريح فيه.

هذه الصورة الخارجية تكشف عن الحالة الروحية ليهوذا فقد تقيأ الأنبياء الكذبة نبوات هي من عندياتهم وملأوا الموضع بما هو غير طاهر ولا مقدس.

هذه صورة الإنسان المستهتر الذي تُفسد الشهوات كل كيانه فتمتلىء نفسه كذلك قلبه وفكره واحاسيسه وكل طاقاته ومواهبه بالرجاسات، ليصير أشبه بمدينة مملوءة فسادًا، فيقول المخلص القدوس: “وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت 8: 20).

لقد افسد الإنسان الحياة فلم يجد القدوس له موضعًا أو مكانًا يستريح بيننا، ومع هذا جاء ليسند رأسه على الصليب فنجد نحن لنا مكانًا في حضن الآب.

حين تمتلىء موائدنا الداخلية قذارة يُقال للرب “ليس مكان[8]، عوض القول: “ليأتِ حبيبي إلى جنته ويأكل ثمرة النفيس” (نش 4: 16).

ومع هذا فان المخلص مشتاق أن يُهيىء لنا مكانًا فيه، قائلاً لنا: “هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة واسترك بيدي حتى اجتاز” (خر 33: 21-22).

د. الاستهزاء بالنبي: صار الكهنة والأنبياء الكذبة في سكرهم يستهزئون بإشعياء النبي قائلين: “لمن يُعلِّم معرفة!؟ ولمن يُفهِم تعليمًا؟! أللمفطومين عن اللبن؟! للمفصولين عن الثدي[9]. كأنه يقولون إنهم أصحاب معرفة وعلم فلماذا يُريد أن يعلمهم شيئًا؟! ليذهب إلى المفطومين من اللبن ويقدم لهم نبواته ووصاياه التي لا تليق إلاَّ بسذج الذين لا تفكير لهم والرضع غير الناضجين.

إنه أمر على أمر، أمر على أمر، فرض على فرض، فرض على فرض؛ هنا قليل هناك قليل[10]. كأن النبي يُحدث أطفالاً صغارًا، يكرر لهم الأوامر والفرائض ويُقدم لهم الصغائر… إنه أشبه بمن يمسك طفلاً يعلمه المشي يسحبه تارة يمينًا وأخرى يسارًا… صورة لإستهتار الكهنة والأنبياء السكرى بإشعياء النبي وتعاليمه!     

ما هي عقوبة الساخرين به وبتعاليمه ونبواته؟ يقول النبي: “إنه بشفة لكناء وبلسان آخر يُكلم هذا الشعب[11]. هم سخروا بلغة النبي أو نبواته فحسبوه كمن يعلم أطفالاً حديثي الفطامة، لذلك يرسل لهم الله عدوًا غريب اللسان يصرخ في وجههم ولا يفهمون كلماته فيصيرون كأطفال بلا معرفة. رفضوا التعلم من إشعياء وسخروا به فأرسل لهم الرب سادة آشوريين يعلمونهم خلال لغة العنف والاستعباد مع المذلة.

الذين قال لهم: هذه هي الراحة (راحتي) اريحوا الرازح، وهذا هو السكون؛ ولكن لم يشاؤا أن يسمعوا[12]. لم يشاؤا الاستماع لصوت الله القائل بأن راحته هي في إراحتنا للرازحين المثقلين بالأتعاب. لقد اهتم الكهنة والأنبياء الكذبة بالشكليات الخارجية لا بإراحة الله نفسه الذي يستريح في شعبه.

v   قيل بالنبي: “هذه هي راحتي: اريحوا الرازح” [12]. حقق هذه الراحة للرب أيها الإنسان عندئذ لا تحتاج إلى القول: “إغفر ليّ”. أرح المتعبين، افتقد المرضى، إعطِ قوتًا للفقراء، فإن هذه بالحقيقة هي صلاة… كل الوقت الذي فيه تتممون راحة الرب إنما هو وقت صلاة…

إحذر أيها الحبيب لئلا تأتيك فرصة لتقدم راحة لإرادة الله فتقول: الآن وقت للصلاة، سأصلي وبعد ذلك أعمل!     

الأب أفراهات[304]

ليسمعوا لصوت الرب ويتحدثوا معه لا بلغة الشكليات بل بلغة الطاعة العملية المريحة لله في أولاده. ليتعلموا ذلك كأطفال، وليتدربوا عليه متجاهلين أنهم كهنة وأنبياء أصحاب معرفة وعلم حتى لا يسقطوا إلى الوراء وينحدروا في فخاخ العدو كصيد أو فريسة [13] مصيرها الموت المحقق.

يجيب هؤلاء المستهزئين قائلين: “قد عقدنا عهدًا مع الموت، وصنعنا ميثاقًا مع الهاوية، السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا لأننا جعلنا الكذب ملجأنا وبالغش أستترنا[15]. يعلنون أنهم لا يخافون الموت ولا يرهبون الهاوية فقد دخلوا معهما في عهد، يعرفون كيف يلجأون إلى الكذب فلا يسقطون تحت تأديبات أو ضيقات لأن دستورهم هو الغش.

إنهم رمز لضد المسيح وأتباعه بكونه الطاغية الذي يُقيم عهدًا مع الشكليين في العبادة (دا 9: 27) ليعملوا بلا خوف من موت أو هاوية، أما عمل السيد المسيح فهو تحطيم هذا العهد لإقامة عهد مع الآب ومصالحة أبدية مع مؤمنيه.

  1. الحاجة إلى المخلص:

إن كان عدو الخير يعمل بكل طاقاته لرد المؤمنين عن الحق، يعمل بصور مختلفة في كل العصور خاصة في أيام الارتداد (ضد المسيح)، فإن الرب يتقدم بنفسه لمساندة أولاده ومؤمنيه ضد هذا العمل الشيطاني.

لذلك هكذا يقول السيد الرب: هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا أساسًا مؤسسًا، من آمن لا يهرب[16].

هكذا في وسط الصورة القاتمة يتنبأ إشعياء النبي عن المسيا بكونه حجر الزاوية وحجر الأساس الذي تقوم عليه الكنيسة:

أ. حجر الأساس في صهيون: يقول المرتل: “الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا” (مز 118: 22-23) (راجع مت 21: 42؛ أع 4: 11؛ رو 9: 33؛ أف 2: 20؛ 1 بط 2: 6، 8)، هو حجر أساس تقوم عليه الكنيسة، حجر امتحان جُرب من الشيطان لكي بنصرته يهبنا النصرة؛ حجرًا كريمًا لا يقدر بثمن. هو حجر الزاوية الذي ربط اليهود مع الأمم كحائطين تلاحما معًا في الإيمان به[305]. من آمن به لا يهرب (يخزى)… هكذا يقدم لنا إشعياء نبوة مسيانية تكشف عن شخص السيد المسيح ومركزة بالنسبة للكنيسة وغناه ومجده والثقة فيه وعدم تغيره ورفضه.

v   المخلص هو الحجر المختار، رذله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يُشبهه الكتاب المقدس بحجر زاوية لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف 2: 15).

القديس كيرلس الكبير[306] 

v   من هو هذا الذي نتحدث عنه؟

“الحجر الذي رذله البناؤون قد صار رأس الزاوية” (مز 118: 23)؛ “لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله” (أف2: 15-16)؛ أي الختان والغرلة.

القديس أغسطينوس[307]

ب. يُقام عليه مبنى روحي [17]، خيط قياسه هو الحق ومطماره العدل. لذا يُقام المبنى مستقيمًا ليس فيه اعوجاج، يسكنه الحق والعدل، اذ يسكنه الله نفسه مع مؤمنيه.

إن كانت الكنيسة هي المبنى الحيّ المقام على شخص السيد المسيح كأساس لها، فإن إنجيله هو الحق وصليبه هو العدل الملتحق بالرحمة. بالإنجيل والصليب تُبنى كنيسة المسيح في استقامة كموضع أمان. أما من يلجأ إلى الكذب كالأنبياء الكذبة فيصير لهم البرد ملجأ لهم وتجرف السيول أعماقهم المستترة، فيذهب كل رجائهم باطلاً، ويفقدون الأمان. يزول عهدهم مع الموت والهاوية، ويجرفهم السوط كسيل ينزل بهم حتى الأرض فيصيرون للدوس [18]. مع كل صباح ومع كل مساء تبلغهم أخبارًا جديدة مزعجة بسبب هجوم الأعداء المستمر. إنهم لا يجدون موضعًا يكفيهم للتمدد أثناء النوم ولا غطاء يلتحفون به من البرد.

لأنه كما في جبل فراصيم يقوم الرب، وكما في الوطاء عند جعبون يسخط ليفعل فعله فعله غريب، وليعمل عمله عمله الغريب[21].

“فراصيم” إسم كنعاني معناه “الانفجارات” مكان في وادي الرفائيين (2 صم 5: 20؛ 1 أى 14: 11)، وهو جبل فراصيم قرب وادي جبعون وربما كان موضعه اليوم “رأس السنادر”. قول إشعياء هنا: “لأنه كما في جبل فراصيم يقوم الرب” يعني أن الله يقتحم أعداءه فجأة ويُحطمهم تمامًا[308] كما فعل مع داود النبي عند جبل فراصيم عندما قال: “اقتحم الرب أعدائي أمامي كاقتحام المياه” (2 صم 5: 20)؛ وأيضًا قوله: “وكما في الوطاء عند جبعون” يعني أنه يعمل كما في أيام يشوع ضد الكنعانيين في وادي جبعون (يش 10: 10).

ما هو الفعل الغريب الذي يعمله الله إلاَّ معاقبة الخطأ، فإن الله لا يُسر بالمعاقبة إنما يصنع ذلك عن ضرورة كأمر غريب عنه، إذ يقول إرميا: “فإنه ولو أحزن يُرحم حسب كثرة مراحمه، لأنه لا يُذِل من قلبه ولا يحزن بني الإنسان” (مرا 3: 32-33)، كما قيل: “لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه ليُعاقب إثم سكان الأرض” (إش 26: 24).

هكذا لا يجد الأشرار خاصة الذين يسخرون بكلمة الرب والنبوات والذين يرفضون الإيمان بالمسيا موضوع النبوات ومركز الكتاب كله رحمة أو ملجأ بالرغم من عدم رغبة الله في المعاقبة. يقول: “فالآن لا تكونوا متهكمين لئلا تتشدد ربطكم[22] قاصدًا لا الربط التي يُقيد بها الشعب عند سبيه إلى آشور أو بابل وإنما قيود الظلمة الأبدية التي تربط جاحدي الإيمان ورافضي النبوات، عندما تُدان الأرض كلها [22].

  1. معاملات الله مع شعبه:

يشبه الله بزارع لا يقف عند الحرث وتشقيق الأرض وتمهيدها للزراعة إنما يبذر البذار أيضًا. فإن كان الله يسمح بالتأديب إنما يكون كالزارع الذي يحرث الأرض ويُشققها ويُنقيها من الحجارة ويمهدها وهذا هو العمل السلبي، لكنه لا يقف عند ذلك بل يُقدم عملاً إيجابيًا إذ يلقي ببذار كلمته في حقل هذا العالم. يُتقدم الرب نفسه كبذرة يلقيها بنفسه في قلوبنا كي يُقيم جنته فينا. يعرف أن يبذر الشونيز Nigella Sativa [نبات من الفصيلة الشقيقية، ذو ازهار خيمية شبيهة بنبات اليانسون، بذره يسمى حبة البركة، وهو لا يدرس بل يُخبط بالعصا[309]]، والكمون والحنطة والشعير والقطاني كل في مكانه وبالطريقة التي تناسبه.

أننا فلاحة الله وحقله وكرمه، يهتم بنا بكونه إلهنا الخاص بنا والمنتسب إلينا ونحن إليه، “فيرشده بالحق يعلمه إلهه” [26]

كزارع يعرف كيف يتصرف بكل محصول؛ بعضها يحتاج إلى دراسة بالنورج  وبعضها تحتاج إلى الضرب العصا لاستخراج البذار من القش، وبعضها لا يحتاج إلى دراسة ولا إلى ضرب [27]، وفي هذا كله لا يطلب إبادة محاصيله وسحقها إنما جمعها [28]… أنه الله الرحوم حتى في تأديباته، يطلب ما هو لخلاص أولاده وبنيانهم، يعمل بحكمة عجيبة وعظم فهم [29].  

 

زر الذهاب إلى الأعلى