تفسير سفر إرميا ٤٠ للقمص تادرس يعقوب


 

الأصحاحات 40-45

خبرات إرميا ونبواته

بعد خراب أورشليم

تقدم لنا الأصحاحات 40-45 خبرات ونبوات إرميا النبي بعد خراب أورشليم، أو خبرات أيامه الأخيرة على الأرض.

أولاً: الأيام الأخيرة لإرميا في يهوذا

كما بدأ إرميا النبي حياته في يهوذا وسط إصلاحات الملك يوشيا التي لم تمس قلوب القيادات الدينية ولا الشعب، بل انشغلوا بالشكليات وحدها، هكذا تنتهي حياته في أرض الموعد في أيام جدليا الذي أقامه ملك بابل واليًا على يهوذا، وكان هناك بارقة أملٍ للإصلاح، غير أنه لم يستمر كثيرًا إذ قتله بنو جنسه.

ثانيًا: اقامة جدليا واليًا على يهوذا

“جدليا” اسم عبرى معناه “يهوه عظيم”. أقام نبوخذناصر جدليا بن أخيقام بن شافان حاكمًا على مدن يهوذا ووكيلاً عن ملك بابل، وكما نعلم أن أخيقام كان أحد الخمسة الذين أرسلهم الملك يوشيا إلى خلدة النبية ليسأل عن سفر الشريعة (2 مل 22: 12، 14)، وقد استخدم نفوذه لحماية إرميا (26: 24)؛ أقام في المصفاة.

ثالثًا: اغتيال جدليا

أفسد الحسد كل شيء، إذ قام شخص من الدم الملكي[608] يدعى إسماعيل بن نثنيا، – بلا شك كان يفكر في اعتلاء الحكم – وبتشجيع من بعليس ملك عمون، جاء مع عشرة من رجاله إلى جدليا في ضيافته وقتلوه وهو على المائدة يقدم لهم طعامًا بحبٍ. قتلوه هو وكل اليهود الذين معه والجنود الكلدانيين الذين تُركوا في الأرض بواسطة ملك بابل، كما قتلوا سبعين حاجًا يهوديًا كانوا مارين بالمصفاة في طريقهم إلى أورشليم لتقديم عطايا غير دموية للهيكل المتهدم، ربما بمناسبة عيدٍ ما. هؤلاء الذين كانوا في حزنٍ شديدٍ بسبب خراب الهيكل وتوقف الذبائح الدموية مع دمار المدينة وسبي الشعب. سبى إسماعيل ورجاله بنات الملك مع بعض اليهود، وانطلقوا بهم إلى بني عمون.

انطلق يوحانان والرؤساء الذين معه وراء إسماعيل حيث استطاعوا أن يطلقوا سراح المسبيين الذين كانوا مع اسماعيل وهرب إسماعيل وثمانية ممن معه إلى عمون (2 مل 25: 25؛ إر 40: 7؛ 41: 18).

لا جدال في أن يوحانان أحد رؤساء يهوذا كان رجلاً شجاعًا ووطنيًا ومخلصًا. في إخلاصه حذر جدليا من إسماعيل سرًا وفكَّر أن يقتله، لكن جدليا حسبه كاذبًا. إنما كانت تعوزه روح التقوى، وقد كان رجل أفعال، لكنه لم يكن رجلاً ينتظر الله ليرشده إلى الطريق الواجب سلوكه، فبدون تردد ولا سؤال من الرب قاد الموالين له والجماعة التي أنقذها من يد إسماعيل ورجاله إلى جيروت كمهام بالقرب من بيت لحم على الطريق إلى مصر. لقد صمم هو ومن معه أن يذهبوا إلى مصر خوفًا من وجه الكلدانيين، لأنهم كانوا خائفين بسبب ما فعله إسماعيل (42: 1، 43: 7).

رابعًا: استشارة إرميا شكليًا

قبل أن يهربوا إلى مصر ذهب يوحنان والذين معه إلى إرميا النبي الذي أخذوه معهم من المصفاة حيث كان يعيش وسط الشعب يطلبون منه الإرشاد من الرب، الكبير والصغير طلبوا منه أن يصلي إلى الرب ويشفع فيهم ليريهم الطريق الذي يسيرون فيه وقد وعدوا بالطاعة الكاملة لإرادة الرب، مهما تكن الظروف. حسب الظاهر كان  حسنًا أن يتوجهوا إلى الرب في مثل هذه الظروف يلتمسون منه الإرشاد، فيقولون: “ليت تضرعنا يقع أمامك فتصلي لأجلنا إلى الرب إلهك لأجل هذه البقية، لأننا قد بقينا قليلين من كثيرين كما ترانا عيناك، فيخبرنا الرب إلهك عن الطريق الذي نسير فيه والأمر الذي نفعله” (42: 1-3). كانوا يطلبون مشورة الله وشفاعة إرميا النبي بينما كانت رغبتهم في الذهاب إلى مصر لها جذورها العميقة في عقولهم كما في قلوبهم. كل ما كانوا يشتاقون إليه هو أخذ أمر ظاهري للذهاب إلى مصر، تحت مظهر أنهم يتممون إرادة الله، بينما كانوا قد وضعوا في قلوبهم أن يتمموا مشيئتهم الذاتية.

قال لهم إرميا “قد سمعت. هأنذا أصلي إلى الرب إلهكم كقولكم ويكون أن كل الكلام الذي يجيبكم الرب أخبركم به، لا أمنع عنكم شيئًا” (42: 3). يقول إرميا  “الرب إلهكم… والكلام الذي يجيبكم الرب أخبركم به أي أنه سيكون وسيطًا لدى الله من قبلهم يتحدث باسمهم، فإن الله يريد أن ينتسب إليهم ويقدم لهم المشورة الصالحة.

يبدو حسب الظاهر أنهم يطيعون الرب طاعة كاملة (42: 5-6)، وقد سمح الرب بأن تمر عشرة أيام قبل أن يجيب على النبي.

خامسًا: رسالة إلهية مملؤة رجاءً وتحذيرًا

بعد عشرة أيام جاءت الإجابة من قبل الرب واضحة وصريحة، فأعلنها النبي علانية:

أ. جاءت الإجابة تحمل وعدًا إلهيًا يكشف عن شوق الله إلى بنائهم كبيت مقدس له، وغرسهم ككرمة من غرس يدىْ الله.

ب. مع الوعد والرجاء قدمت الإجابة الإلهية تحذيرًا من رفض الإرادة الإلهية من أجل تتميم الإرادة الذاتية.

أرادوا الهروب من أرض يهوذا خشية السيف والجوع، ليحتموا في مصر؛ فإذ بالسيف والجوع والوباء يلحق بهم هناك، بجانب سقوطهم تحت اللعنة والعار بسبب عصيانهم لله وانسكاب الغضب الإلهي عليهم. إذن سلامهم وحمايتهم ليست بالهروب إلى أرض معينة، بل بالتخلي عن الإرادة الذاتية والطاعة للإرادة الإلهية.

سادسًا: رفض المشورة الإلهية

رفضَ هؤلاء الذين تكلم إليهم إرميا بكلام الرب الواضح والصريح النصيحة والتوجيه، ولم يسمعوا لتحذيرات الرب، والسبب كما قال إرميا: “لأنكم قد خدعتم أنفسكم” (42: 20).

كانوا مصممين على تنفيذ إرادتهم الذاتية عندما طلبوا من إرميا أن يصلي إلى الرب طلبًا للإرشاد، وبهذا سقطوا في الكبرياء الذي يحرم من الاعتراف بالخطأ وتقديم التوبة (43: 1-3).

اتهموا إرميا أن نبوته كاذبة، لا ينطق بكلمة الرب بل يتكلم بالكذب. قالوا نحن سألناك أن تقول لنا كلمة الرب لكنك أخبرتنا بأقوال باروخ لكي يدفعنا في يد الكلدانيين فيقتلوننا ويقومون بسبينا.

سابعًا: ذهابهم إلى مصر

رفضوا صوت الرب على لسان إرميا قبل حدوث السبي ورفضوا كلامه أثناء السبي، وها هم يرفضونه بعد السبي ويذهبون إلى مصر ويأخذون معهم إرميا وباروخ بن نيريا بالقوة (43: 5-7).

ثامنًا: إرميا في مصر

ختم إرميا حياته لا في أرض الموعد، بل محمولاً من شعبه إلى مصر، حيث الآلهة الوثنية والوصية المكسورة!

أراد الرب أن يُعلِّم الشعب درسًا بطريقة رمزية فأمر إرميا أن يأخذ بيده حجارة كبيرة ويطمرها في الملاط (الطين) في الملبن (مكان صنع اللبن، أي قوالب الطوب الني) الذي عند باب بيت فرعون أمام قصره أو خلفه في تحفنحيس أمام رجال يهوذا. وقد جذب إرميا انتباه الشعب بهذه الوسيلة لكي يعلن لهم القضاء باسم رب الجنود إله إسرائيل فقيل: “هأنذا أرسل وآخذ نبوخذناصر ملك بابل عبدي وأضع كرسيه فوق هذه الحجارة التي طمرتها…” (43: 8-13).

إن كانوا قد هربوا من يهوذا إلى مصر من وجه ملك بابل، كي لا ينتقم منهم، غير واثقين في مواعيد الله، فإن ملك بابل يلحق بهم وبفرعون الذي احتموا فيه، يضع كرسيه على الحجارة الكبيرة التي منها يقيم فرعون قصره، حتى وإن اختفت هذه الحجارة وسط الملاط.

أنذر إرميا النبي اليهود في مصر بسبب حياتهم الفاسدة (44: 1-14). فإن هذه البقية التي نزلت إلى مصر مارست العبادة الوثنية في مصر، لهذا يذكِّرهم الرب بما حدث لهم وهم في مملكة يهوذا.

لم يجد هذا التحذير الخطير أذنًا صاغية، فقد جاء الرد من الرجال بكل عنفٍ: “إننا لا نسمع لك الكلمة التي كلمتنا بها باسم الرب” (44: 16). وأكثر من ذلك نسبوا الخير والشبع عندما كانوا في أرض يهوذا إلى تبخيرهم لملكة السموات، وحين كفوا عن التبخير لملكة السموات حلّ عليهم الفناء والجوع انظر (44: 17-19). جاء جواب الرب لهم قاطعًا ليعلن أن ممارساتهم الوثنية هي التي استنزلت عليهم غضب الله (44: 20-23).

أما النساء فكان لهن من الرب كلمة خاصة، لأنهن كن يتزعمن تلك الممارسات الوثنية المهينة لاسم الرب (44: 27-28).

أعطاهم الرب علامة عن الهلاك القادم حتى إذا حدث يعرفون أن ساعة دينونتهم لن تتوانى بعد. العلامة هي أن فرعون حفرع ملك مصر سيُدفع إلى يد أعدائه وإلى يد طالبي نفسه كما دُفع صدقيا ملك يهوذا إلى يد نبوخذنصر ملك بابل عدوه وطالب نفسه [29-30]، بذلك تنكسر القصبة المرضوضة التي اتكأوا عليها.

تاسعًا: اهتمام شخصي بباروخ

وسط هذه الأحداث الخطيرة أساء الشعب إلى باروخ، متهمًا إياه أنه مثير لإرميا كي يدفع بالشعب إلى البقاء في يهوذا فيهلكهم ملك بابل. لا نعرف ماذا كان رد فعل باروخ الذي حُمل مع إرميا إلى مصر، إنما يبدو أنه مرْ بمرحلة قاسية خلال الضعف البشري، فدخل في حالة إحباطٍ شديدة. ربما بدأ يفكر في نفسه كيف صار موضع اتهام كخائنٍ وطني. على أي الأحوال، الله لم ينساه وسط هذه الأحداث، فجاء الأصحاح 45 حديثًا موجهًا إليه. الله لا ينسى أحدًا من خائفيه أينما وجد ومهما كانت الظروف!

 

الأصحاح الأربعون

إرميا مع جدليا في أورشليم

يوضح هذا الأصحاح ثلاثة أمورٍ:

أولاً: كانت معاملة العدو لإرميا رقيقة، تناقض تمامًا ما لاقاه من بني جنسه.

ثانيًا: غاية إقامة جدليا حاكمًا:

أ. يمتص طاقة النشاط الفدائي المعادي لبابل ويكسب ودهم، كما يعطيهم الطمأنينة.

ب. تقديم المساعدة للفلاحين حتى لا يثوروا على بابل، بل يقدموا جزية من المحاصيل.

ثالثًا: تدبير إسماعيل بن نثنيا من السلالة الملوكية مؤامرة لقتل جدليا.

  1. قرار إرميا [1-6].
  2. جدليا الحاكم [7-12].
  3. الكشف عن مؤامرة ملك بني عمون [13-16].
  4. قرار إرميا:

“الكلمة التي صارت إلى إرميا من قبل الرب بعدما أرسله نبوزرادان رئيس الشرط من الرامة،

إذ أخذه وهو مقيد بالسلاسل في وسط كل سبي أورشليم ويهوذا الذين سبوا إلى بابل.

فأخذ رئيس الشرط إرميا وقال له:

إن الرب إلهك قد تكلم بهذا الشر على هذا الموضع.

فجلب الرب وفعل كما تكلم لأنكم قد أخطأتم إلى الرب ولم تسمعوا لصوته فحدث لكم هذا الأمر” [1-3].

يلاحظ أن الأصحاح اُفتتح بالعبارة: “الكلمة التي صارت إلى إرميا من قبل الرب“… مع ذلك لا نجد رسالة معينة يقدمها الرب. لعل إرميا حسب أن كلمات رئيس الشرط له ليست من عنده بل هي كلمة الرب التي يوجهها الله لشعبه، فإن ما نطق به هذا القائد الكلداني الغريب الجنس لم يكن إلا ملخصًا لما نادى به الأنبياء للشعب ولم يسمعوا لهم. لقد قدم الرجل الوثني تفسيرًا لاهوتيًا وروحيًا لهزيمتهم، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للشعب اليهودي أن يفهمه أو يتقبله.

إذ قال رئيس الشرط الوثني لإرميا أن ما حلّ بالشعب هو ثمر خطاياهم وعدم سماعهم للصوت الإلهي. هذه الشهادة لا يمكن أن تكون قد حدثت عن فراغ، بل لابد وأن البابليين أدركوا أن نصرتهم على يهوذا واستيلائهم على العاصمة لم يتحقق بطريقة طبيعية، إنما خلال تدخلٍ إلهيٍ، ليس من جانب آلهتهم الوثنية بل من جانب الله الحيّ.

بلا شك أدهشت كلمات رئيس الشرط إرميا النبي وثبّتت بالأكثر إيمانه، كما انتشرت بين اليهود فصارت لتوبيخهم؛ كأنها رسالة إلهية موجهة إلى المسبيين ينطق بها رجل وثني عدو.

يظهر الله كيف أنه يكافئ متقيه السامعين لكلمته الشاهدين له بالحق في حياتهم، إذ يجعل حتى الأعداء يسالمونهم.

بالرغم من اتفاق رئيس الشرط في الفكر اللاهوتي مع إرميا إلا أن إرميا لم يجبه بكلمة، ولم يعلق على كلماته، حتى لا يتهمه الحاضرون أنه عميل بابلي.

أُقتيد إرميا مع المسبيين مقيدًا بالسلاسل حتى وقف أمام رئيس الشرط، وهناك عُزل عن المسبيين لكي تُعطى له كرامة وهدايا مع حرية الحركة، بينما صار الآخرون في مذلة وحرمان. كان من الصعب عزل إرميا من بين صفوف المسبيين، لكن حان الوقت للكشف عن كرامته ومجده. هكذا يصعب في العالم أن نميز بين المؤمنين العاملين الحقيقيين وغيرهم، لكن اليوم سيظهر مجد كل أحدٍ أو عاره!

“الرامة” [1] معناها “المرتفع”، أُطلق هذا الاسم على مواضع كثيرة، لكن هنا غالبًا ما يُقصد بها قرية تبعد حوالي 6 أميال شمال أورشليم، وتبعد حوالى ميلين أو ثلاثة من المصفاة. بناها بعشا ملك إسرائيل وحصنها لكي لا يدع أحدًا من شعبه يخرج أو يدخل، غير أن ملك يهوذا دبّر له مكيدة وانتزعها منه (1 مل 15: 17-22).

إليها جُمع اليهود حيث رُحِّلوا إلى السبي البابلي، وإليها عادوا بعد رجوعهم من السبي (عز 2: 26؛ نح 11: 23). مكانها اليوم “الحرم”.

شهدت هذه القرية أحداثًا تاريخية هامة منها أن كلاَّ من  سنحاريب ملك أشور، ونبوخذنصر ملك بابل وتيطس الروماني ألقى منها أول نظرة على أورشليم!

“فالآن هأنذا أحلّك اليوم من القيود التي على يدك.

فإن حسن في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فتعال،

فأجعل عيني عليك.

وإن قبح في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فامتنع.

انظر. كل الأرض هي أمامك، فحيثما حسن وكان مستقيمًا في عينيك أن تنطلق فانطلق إلى هناك.

وإذ كان لم يرجع بعد قال:

ارجع إلى جدليا بن أخيقام بن شافان الذي أقامه ملك بابل على مدن يهوذا،

وأقم عنده في وسط الشعب،

وانطلق إلى حيث كان مستقيمًا في عينيك أن تنطلق.

وأعطاه رئيس الشرط زادًا وهدية وأطلقه.

فجاء إرميا إلى جدليا بن أخيقام إلى المصفاة،

وأقام عنده في وسط الشعب الباقين في الأرض” [4-6].

كان هناك أمر من الملك إلى رئيس الشرط أن يكرم إرميا النبي، لكن الجند المسئولين عن القاء القبض على اليهود وترحيلهم إلى الرامة تحت كثرة الأعباء اتوا بإرميا وسط الأسرى، مقيدًا بالسلاسل خطأ. وإذ تعرف عليه نبوزاردان رئيس الشرط اطلقه في الحال وأعطاه حرية الحركة.

يرى البعض أن رئيس الشرط جاء بعد شهر من احتلال أورشليم ليكمل تدميرها، في ذلك الوقت اطلق إرميا حرًا.

سمع نبوزردان رئيس الشرط عن إرميا وكيف كان يشير على الملك صدقيا أن يخضع لبابل فظنه من رجاله. بعد أن حلّه من القيود أعطاه حق الخيار أن يذهب إلى بابل أو يبقى في يهوذا، فاختار أن يرجع إلى جدليا الذي ينتمى إلى عائلة شافان المتعاطفة مع النبي، ويقيم عنده وسط الشعب. رفض أن يُكرم في بابل ليعيش مع الشعب المسكين في يهوذا يشاركهم أتعابهم وآلامهم، يسكن مع أولئك الذين حسبهم البابليون ليسوا أهلاً لنقلهم حتى كأسرى إلى بابل. هكذا تشبّه بموسى النبي الذي قيل عنه: “بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله عن أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، حاسبًا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة” (عب 11: 24-25). هكذا اشترك أنبياء العهد القديم في عار المسيح الباذل حياته بفرح عن شعبه.

 كان من الحكمة ألا يذهب إرميا مع المسبيين في بابل، لأنه كان بلاشك سيلقي كرامة من الملك، فيثبت في ذهن اليهود أنه عميل بابلي وخائن لوطنه.

لم يكن ممكنًا لجدليا أن يقيم في أورشليم حيث كانت قد خربت تمامًا لا تصلح للسكن (مرا 2: 13؛ 4: 1)، لذا اختار المصفاة التي يحتمل أن يكون في موقعها الآن تل النصبة، تبعد حوالى 8 أميال شمال غرب أورشليم وقريب جدًا من الرامة وتقع في جنوبها الغربي؛ كانت مركزًا هامًا من الجانب السياسي والديني عبر القرون. وهي تتبع سبط بنيامين، فيها كان صموئيل يقضي بين الشعب، وأُختير شاول ملكًا (1 صم 7: 15 الخ؛ 10: 17). لا توجد أية علامات أن المصفاة قد مرت في هذه الفترة بمرحلة تدمير[609] بذات القوة التي حدثت مع أورشليم ومدن يهوذا[610].

واضح من [4] أن إرميا لم يكن متوقعًا ما قيل له، أي أن تُعطى له الحرية في اختيار موضع الإقامة، لهذا إذ سمع كلمات رئيس الشرط صمت قليلاً، لعله كان يفكر ليأخذ قراره، أو يرفع قلبه لله يطلب المشورة، أو لعله كان يطلب مهلة لأخذ قرارٍ خطيرٍ في حياته كهذا. لهذا قال له رئيس الشرط: “ارجع إلى جدليا” [4]؛ هناك يأخذ قراره كما يشاء!

مهما كانت الأمور واضحة ليتنا لا نتسرع في أخذ قراراتنا خاصة المصيرية أو التي تمس حياة إخوتنا، بل نتمهل ونطلب مشورة الله.

  1. جدليا الحاكم:

“فلما سمع كل رؤساء الجيوش الذين في الحقل هم ورجالهم أن ملك بابل قد أقام جدليا بن أخيقام على الأرض،

وأنه وكّله على الرجال والنساء والأطفال وعلى فقراء الأرض الذين لم يسبوا إلى بابل،

أتى إلى جدليا إلى المصفاة إسمعيل بن نثنيا ويوحانان ويوناثان ابنا قاريح وسرايا بن تنحومث وبنو عيفاي النطوفاتي ويزنيا ابن المعكى هم ورجالهم.

فحلف لهم جدليا بن أخيقام بن شافان ولرجالهم قائلاً:

لا تخافوا من أن تخدموا الكلدانيين.

اسكنوا في الأرض واخدموا ملك بابل فيُحسن إليكم.

أما أنا فهأنذا ساكن في المصفاة لأقف أمام الكلدانيين الذين يأتون إلينا” [7].

إن كانت يهوذا قد صارت مستعمرة بابلية، لكن كان لها الحق أن تحتفظ بسماتها الخاصة تحت قيادة والٍ من شعبها يخضع سياسيًا لملك بابل ويدفع له الجزية.

المدن التي أشير إليها في [10] هي تلك التي خربت بواسطة الكلدانيين، لكن مع بدء ولاية جدليا عادت إليها الحياة، خاصة بعودة الهاربين من وجه بابل. كان هناك بارقة أمل لانتعاش يهوذا لو بقى جدليا في الحكم. فقد عاد الذين التجاؤا إلى دول أخرى مثل موآب وعمون وآدوم ليمارسوا حياتهم في ظل الاستعمار البابلي.

إذ جمع الراجعون خمرًا وتينًا كثيرًا شعر البعض أن ذلك علامة بركة الرب، إذ لازال ينتظر أن يعمل لإصلاح شعبه. هؤلاء الذين شبههم إرميا النبي بالتين الجيد جدًا [24].

 “أما أنتم فاجمعوا خمرًا وتينًا وزيتًا وضعوا في أوعيتكم واسكنوا في مدنكم التي أخذتموها،

وكذلك كل اليهود الذين في موآب وبين بني عمون وفي أدوم والذين في كل الأراضى سمعوا أن ملك بابل قد جعل بقية ليهوذا وقد أقام عليهم جدليا بن أخيقام بن شافان.

فرجع كل اليهود من كل المواضع التي طُوحوا إليها وأتوا إلى أرض يهوذا إلى جدليا إلى المصفاة وجمعوا خمرًا وتينًا كثيرًا جدًا[7-12].

إذ عُرف جدليا كرجل سلامٍ، كانت رسالته أن يعيد إلى يهوذا حياتهم العادية، وأن يخضعوا للكلدانيين بغير تخوفٍ منهم، وأن يستقبل اليهود العائدين من موآب وبني عمون وآدوم، وكانوا غالبًا من الجنود.

كان جدليا يرفض الثورة ضد بابل، متأثرًا بإرميا وغيره من الأنبياء، لذلك عينه ملك بابل وكيلاً له، وواليًا على يهوذا.

  1. الكشف عن مؤامرة ملك بني عمون:

“ثم إن يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين في الحقل أتوا إلى جدليا إلى المصفاة.

وقالوا له:

أتعلم علمًا أن بعليس ملك بني عمون قد أرسل إسمعيل بن نثنيا ليقتلك؟!

فلم يصدقهم جدليا بن أخيقام.

فكلم يوحانان بن قاريح جدليا سرًا في المصفاة قائلاً:

دعني أنطلق وأضرب إسمعيل بن نثنيا ولا يعلم إنسان.

لماذا يقتلك فيتبدد كل يهوذا المجتمع إليك وتهلك بقية يهوذا؟!

فقال جدليا بن أخيقام ليوحانان بن قاريح لا تفعل هذا الأمر،

لأنك إنما تتكلم بالكذب عن إسمعيل[13-16].

يقصد بـ “رؤساء الجيوش في الحقول[13] ضباط الجنود المسرحين (2 مل 25: 5) الذين خافوا أولاً من معاملة بابل لهم، ولكنهم تأكدوا فيما بعد (في أية 9 حلف لهم جدليا قائلاً “لا تخافوا“) أنهم سينالون العفو إذا خضعوا واستسلموا وعادوا يستغلون الأرض ويخضعون لجدليا وحكومته في المصفاة. ورجع أيضًا اليهود الذين غادروا البلاد قبل هجوم بابل وكانوا قد التجأوا إلى شرق الأردن.

إذ بدأ السلام يدب في يهوذا، وتجمعت طاقات ممتازة حول جدليا، وبدأت الحقول تأتي بثمار… بعث بعليس ملك بني عمون إسماعيل بن نثنيا ليقتل جدليا وقد حذر رؤساء الجيوش جدليا منه مؤكدين له وجود مؤامرة مدبرة لقتله لتحطيم بقية يهوذا، أما هو فلم يصدق.

ما كان يشغل قلب يوحنان ليس الخوف على قتل جدليا، وإنما انهيار النبتة الجديدة لإقامة دولة يهوذا التي خربت تمامًا بواسطة البابليين، وقد صار هناك بارقة أمل لتجميع الجهود ولو تحت الاستعمار البابلي. فكان في رأيه أن قتل إسماعيل أفضل من ضياع الأمة كلها.

لقد أخطأ جدليا إذ لم يسمع لهم، وكان يليق به أن يرفع قلبه بالصلاة يطلب مشورة الله، وأن يلجأ إلى إرميا النبي الذي كان ملاصقًا له. هنا تظهر خطورة اتكال الإنسان على أفكاره وحده.

كان بعليس ملك عمون في شرق الأردن ينتظر اغتنام فرصة رجوع جيوش بابل إلى وطنهم ليملك على ما بقي من البلاد في غرب الأردن، ويقتل جدليا وكيل ملك بابل.

ما هي دوافع بعليس ملك عمون في اغتيال جدليا؟

دوافعه غير واضحة:

أ. واضح أنه يريد أن يسبب قلاقل للبابليين كما يظهر من (حز 21: 18-32). حيث خطط نبوخذنصر للغزو في الغرب في سنة 587 ق.م.، مهاجمًا بني عمون ويهوذا كمقاومين له.

ب. يحتمل أن صدقيا كان يحاول الهروب إلى بني عمون ناظرًا إلى ملكها كحليفٍ له. لذلك تطلع بعليس إلى جدليا كخائنٍ وعميلٍ بابلي، وأن إسماعيل الذي من نسل ملوكي أولى بالحكم لأنه في نظره مخلص ليهوذا.

ج. يحتمل أن يكون هناك عداوة شخصية بين بعليس وجدليا.

د. لعل بعليس أراد أن يحطم البقية من يهوذا التي بها بارقة أمل لقيام دولة لليهود مرة أخرى[611].

حذر يوحنان جدليا وأخبره عن المؤامرة، لكن جدليا لم يصدق الذين أنذروه ولم يسمح بقتل المشتبه فيه، مبعوث ملك عمون. لم يصدق جدليا ما قيل له من يوحنان وزملائه، لأنه كان يعرف إسماعيل شخصيًا حينما كان يعمل في القصر وكان إسماعيل أميرًا ملوكيًا. أو ربما لم يكن ممكنًا لجدليا أن يعتقد بأن أحدًا، خاصة من النسل الملوكي، ألا يكون مخلصًا في إعادة قيام يهوذا ولو في ظل الاستعمار البابلي.

واضح أن إسماعيل سقط في خطية الحسد التي تدفع الإنسان إلى سلسلة لا تنقطع من الخطايا، إذ تحول حياته إلى جحيم كراهية بلا سبب وبلا هدف. هنا يرتكب اسماعيل الخطايا التالية:

أ. اغتيال جدليا دون مراعاة لواجب الضيافة، إذ قدم له جدليا مائدة وأكلا معًا؛ عوض الشكر قدم الغدر والخيانة، ولم يراعِ حتى ظروف البلده.

ب. سحبته الخطية إلى خطية أخرى وهي قتل كل اليهود الذين كانوا مع جدليا.

ج. قتل رجال الحرب الذين لم يتوقعوا هذه الخيانة ولم يكونوا مستعدين لمقاومته هكذا بدد كل الطاقات التي كان يمكن ان تكون لبنيان بلده.

د. قتل سبعين رجلاً من الثمانين القادمين ببكاء ومرارة من شكيم وشيلو والسامرة للذهاب إلى أورشليم وتقديم بعض العطايا… قتلهم بلا ذنب! جاء هؤلاء الرجال من شكيم وشيلو والسامرة لزيارة بيت الرب عابرين بالمصفاة. يبدو أن بعض أنواع العبادات لم تنقطع عن هذا المعبد العظيم الذي كان يفتخر به اليهود بين الأمم عبر الأجيال. جاءوا في حزنٍ شديدٍ على الهيكل وما حلّ به.

هـ. سبى بقية الشعب الذين في المصفاة وبنات الملك ليعبر بهم إلى بعليس ملك بني عمون الوثني. ماذا كان هدفه من هذا كله؟!

و. بسبب تصرفاته الحمقاء اضطر يوحنان بن قاريح وكل رؤساء الشعب أن يقتفوا أثره للدخول معه في معركة، واضطروا إلى الهروب إلى مصر خوفًا من ملك بابل.

هكذا حطم هذا الحاسد نفسه والرجال الذين معه وأيضًا بلده!


 

من وحي إرميا 40

بحبك حررتني من قيودي!

وبحبك أشتهي أن أُقيد مع إخوتي!

v     انطلق إرميا مقيدًا بالسلاسل مع المسبيين،

لكن رئيس الشرط حلَّه من القيود،

كرّمه أمام الجميع وقدم له هدايا.

أعطاه كامل الحرية ليقطن أينما شاء!

v     تحرر إرميا من السلاسل الحديدية،

لكنه اشتهي قيود الحب،

ورفض أن يذهب إلى بابل ليُكرم من ملكها!

v     بحبك حررتني من قيودي،

وأنا بحبي أشتهي أن أقيد مع المقيدين!

قيود الخطية تملأني عارًا ومذلة!

أما قيود الحب فتهبني شركة معك أيها المصلوب!

لأتحرر بك يا واهب الحرية،

لأُقيد بقيود الحب أيها الحب الحقيقي!

v     هب لي مع إرميا إن يفك نبوزرادان قيودي،

ومع صليبك أشتهي أن أحمل القيود بارادتي،

نعم ما أعذب قيود الحب!

 

 


 

أطلب مشورتك فلا ينطفئ نوري!

v     انطلق إرميا إلى المصفاة يسند جدليا الوالي.

ورجع كل الهاربين إلى الدول المحيطة،

واطمأنوا واستراحوا لكي يعملوا مع جدليا وإرميا.

بنات الملك استراحت نفوسهن!

الفقراء حصدوا ثمارًا كثيرة!

بركات الرب حلت على الكل!

v     لم يطق بعليس ملك عمون الخير لغيره،

فأثار الأمير إسماعيل ليجعل منه مجرمًا غادرًا.

أرسل الله يوحنان يحذر جدليا،

بغير حكمة لم يستشر جدليا الله،

ولا طلب صلوات النبي عنه.

بهذا أنطفأ نوره وحرم الكثيرين من النصرة!

v     بغدرٍ قتل جدليا والمحيطين به،

فأطفأ شعلة النور في بدء انطلاقها.

وسبى بنات الملك ليذهب بهن إلي عمون!

قتل ونهب وانطلق ليعيش وسط الأوثان!

هكذا لم يطق الظلام النور!

v     هب لي يارب ألا اتكل على ذاتي،

بل أطلب دومًا مشورتك،

ولا أحتقر مشورة إخوتي.

بهذا لا ينطفئ نورك في داخلي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى