تفسير سفر القضاة ٣ للقمص تادرس يعقوب

الباب الثاني

عصر القضاة
ص ٣-١٦

  1. عثنيئيل بن قناز                     [ص ٣].
  2. إهود بن جيرا                      [ص ٣].
  3. شمجر بن عناة                     [ص ٣].
  4. دبورة القاضية وباراق              [ص ٤ – ٥].
  5. جدعون (يربعل)                    [ص ٦ – ٨].
  6. رئاسة أبيمالك                      [ص ٩].
  7. تولع بن قواة                       [ص ١٠].
  8. يائير الجلعادي                      [ص ١٠].
  9. يفتاح الجلعادي                     [ص ١١ – ١٢].
  10. إبصان                            [ص ١٢].
  11. إيلون الزبلوني                    [ص ١٢].
  12. عبدون بن هليل                   [ص ١٢].
  13. شمشون بن منوح                        [ص ١٣-١٦].

الأصحاح الثالث

عثنيئيل بن قناز

بعد المقدمة السابقة (ص ١، ٢) بدأ بصُلب السفر يعلن انحراف الشعب المتكرر وسقوطهم تحت الضيق وإرسال الله قضاة لإنقاذهم:

١. إنحراف الشعب                    [١٧].

٢. استعبادهم لكوشان                [٨].

٣. إقامة عثنيئيل قاضيًا              [٩١١].

٤. إقامة إهود قاضيًا                 [١٢٣٠].

٥. إقامة شمجر قاضيًا               [٣١].

١. إنحراف الشعب:

“فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان، إنما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب” [١-٢]

يبدأ صُلب السفر بتقديم بيان عن الأمم الذين تركهم الرب لامتحان إسرائيل، حتى تتدرب الأجيال الجديدة كيف تحارب، وهنا نلاخظ أن الإسرائيليون قد تهاونوا في طرد الأمم، فسمح الله ببقائهم في وسطهم، ليكونوا أداة لتدريب الأجيال على الحرب، لا بالمفهوم العام للتدريب العسكري، إنما ليختبروا كيف يغلبون وينتصرون خلال الحياة التقوية والاتكال على الرب، فيرون أعماله معهم لنصرتهم، هكذا يخرج الله حتى من ضعفاتنا خيرًا!

يعلق الأب دانيال على هذه العبارة، قائلاً: [ترك الأمم لا لينزع سلام الشعب ولا ليصيبهم ضرر، إنما لعلمه أن في هذا خيرهم. فإذ يضايقهم الأمم بالهجوم يشعرون باحتياجهم إلى العناية الإلهية. لهذا يستمرون متطلعين إلى الله، طالبين معونته، ولا يتهاونون في كسل ولا يفقدون فضيلة الإحتمال والعمل، مجاهدين في الفضيلة[28]].

قدم بيانًا بأسماء هؤلاء الأمم:

أولاً: أقطاب (أمراء) الفلسطينيين الخمسة، وهم حكام المدن الفلسطينية الرئيسية الخمس: جت وأشدود وغزة وأشقلون وعقرون. كان الفلسطينيون في ذلك الحين شعبًا عظيمًا ذا بأس، ومدنهم حصينة، إحتكروا صناعة الآلات والأسلحة الحديدية (١ صم ١٣: ١٩–٢١). بعد موت يشوع أخذ يهوذا غزة وأشقلون وعقرون (١: ١٨)، وضرب شمجر ٦٠٠ رجلاً منهم بمنساس البقر (٣: ٣١)، إلاّ أن الفلسطينيين استردوا هذه البلاد وسقط العبرانيون في قبضتهم (١٠: ٦-٧)… وصارت هناك عداوة مستمرة بين بني إسرائيل والفلسطينيين.

ثانيًا: جمع الكنعانيين[29]، والصيدونيين، والحويين[30] سكان جبل لبنان والحيثيين[31]، والأموريين[32] والفرزيين[33] واليبوسيين[34] (سكان أورشليم أو يبوس).

أما علامة الإنحراف فهي: “اتخذوا بناتهم لأنفسهم نساءً وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم[٦]. هذه هي العلامة المزدوجة: الارتباط بغير المؤمنين خلال العلاقة الزوجية، وعبادة الآلهة الغريبة، والعجيب أنه يبدأ بذكر الزواج بغير المؤمنين قبل عبادة الآلهة الأخرى، لأن الأولى هي العلة والسبب والثانية هي ثمرة طبيعية للإنسان الشهواني الذي يقبل الزواج خارج دائرة الإيمان، لهذا يحذرنا الرسول، قائلاً: “لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي إتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!” (٢ كو ١٤-١٥).

٢. استعبادهم لكوشان:

إذ ارتبطوا مع الأمم خلال علاقات زوجية سقطوا معهم في عبادتهم للبعليم والسواري (أعمدة تقام كتماثيل للآلهة)، ولهذا باعهم الرب لكوشان رشعتايم ملك آرام النهرين، لمدة ثمان سنوات [٨].

“كوشان” إسم سامي يعني “يختص بكوش”، و “رشعتايم” تعني “ذي الشرين”، فإن كان الشعب قد إرتكب شرًا مزدوجًا: الزواج بأُمميات، وعبادة الأوثان؛ لهذا أسلمهم للملك (ذي الشرين) ليكون علة تأديبهم لمدة ثمان سنوات بالكيل الذي به يكيلون يُكال لهم!

٣. إقامة عثنيئيل قاضيًا:

“وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام الرب مخلصًا لبني إسرائيل فخلصهم: عثنيئيل بن قناز أخو كالب الأصغر. فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل، وخرج للحرب فدفع الرب ليده كوشان رشعتايم ملك آرام واعتزت يده على كوشان رشعتايم، واستراحت الأرض أربعين سنة” [٩–١١].

اختيار عثنيئيل قاضيًا لم يأتِ جُزافًا، فقد أراد الله أن يكون أول القضاة ليعلن أن سرّ الغلبة والخلاص يكمن في الله نفسه، إذ كلمة عثنيئيل تعني “استجابة الله”[35] أو “قوة الله”[36]. فما يتحقق من خلاص لا يتم بقوة بشرية إنما هو إستجابة الرب الذي يسمع صرخات أولاده ويعمل فيهم بقوته الإلهية.

عثنيئيل هذا إستولى على قرية سفر (كتاب) وتزوج بعكسة أبنة كالب أخيه (يش ١٥: ١٥–١٩؛ قض ١: ١٣–١٥). فهو يمثل الإنسان الروحي الذي ملك قرية الكتاب أي تعرّف على إسرار كلمة الله بطريقة روحية في حياة تقوية[37]، فتأهل لخدمة الرب، وأمكنه أن يغلب كوشان رشعتايم أي يغلب الشر المزدوج الذي استعبد البشرية، وبه تستريح الأرض أربعين سنة. بمعنى آخر التمتع بكلمة الله هو طريق الغلبة على الشر وتحطيم سلطانه واستعباده كما هو طريق الراحة الحقة بنزع العار والذل. في هذا يقول المرتل: “دحرج عني العار والإهانة لأني حفظت شهاداتك” (مز ١١٩: ٢٢).

ويؤكد الكتاب المقدس أن سرّ القوة في عثنيئيل: “كان عليه روح الرب” [١٠]، معلنًا أن فضل القوة لروح الرب الحالّ عليه وليس في ذاته.

إذن في أول القضاة أعلن الله قوته واستجابته لصلوات شعبه خلال إسمه “عثنيئيل” وأظهر أنه رجل الكتاب خلال تصرفاته “إستولى على قرية سفر” وأكد أن روح الرب حالّ عليه ويقوده ويرشده. ما أحوج الكنيسة في كل عصر إلى مثل عثنيئيل الذي يأتي مدعوًا من الله، يحمل قوته وروحه، مفصلاً كلمة الحق باستقامة!

به استراحت الأرض أربعين سنة [١١]؛ فإن كانت الأرض تُشير إلى الجسد ورقم ٤٠ يُشير إلى الحياة الزمنية المطوّبة[38]، فانه إذ حملنا في داخلنا نفسًا تسلك كهذا القاضي بروح الرب وتنعم بكلمة الله يستريح جسدنا في الرب ويكون مقدسًا في عينيه كل أيام زماننا. ليكن عثنيئيل قائدًا في داخلنا فنستريح ونمتلئ سلامًا فائقًا!

٤. إقامة إهود قاضيًا:

في المرة الأولى باعهم الرب لكوشان رشعتايم ملك أرام لمدة ثمان سنوات، أما الآن إذ رجعوا إلى الشر فسلمهم لعجلون ملك موآب لمدة ثماني عشر سنة حتى يتأدبوا بالأكثر… إننا إذ نكرر السقوط لا يقسو الرب علينا وإنما كطبيب يقدم دواءً أكثر فاعلية حتى وإن بدا أكثر مرارة لشفائنا.

“عجلون” تعني (عجل سمين) أو (مثل العجل)، كناية عن قوته وغضبه الوحشي، هذا بجانب أنه كان رجلاً سمينا جدًا [١٧]. “شدد الرب عجلون” [١٢]، لا بمعنى أنه ألقى القسوة في قلبه، إنما رفع يده الإلهية التي كانت تعوقه عن طبيعته الوحشية نحو اليهود، فتشدد للحرب مستعينًا ببني عمون، إذ كان بنو موآب وبنو عمون متجاورين، أرض موآب شرقي القسم الجنوبي من بحر لوط وبنو عمون إلى جهة الشرق منهم؛ كما تحالف أيضًا مع عماليق وهم قبائل بدوية متوحشة حملوا عداوة لإسرائيل ظهرت أثناء عبور الأخير في البرية (خر ١٧: ٨؛ عد ١٣: ٢٩؛ ١٤: ٢٥). تحالف الثلاثة معًا وضربوا إسرائيل بالسيف وامتلكوا أريحا “مدينة النخل” [٣].

إن كان “الصديق كالنخلة يزهو” (مز ٩٢: ١٢)، فالكنيسة هي مدينة النخل، إن تركت إلهها وانحرفت إلى العالم تسايره في حياته وأفكاره يسمح الله بتأديبها بموآب وعمون والعمالقة ولكن إلى حين حتى تتأدب وترجع إليه. وما أقوله عن الكنيسة هنا أقصد الكنيسة على مستوي القلب (المؤمن) أو على مستوى كنيسة البيت أو العائلة أو جماعة المؤمنين في بلد أو آخر الخ… إن العدو لا يقدر أن يقترب إلى مدينة النخيل مادام ليس له موضع فيها، لكن إن حملت مدينة النخيل سمات الأمم الوثنية تنحني بالعبودية لهم وتنكسر أمامهم، ويسلمها الرب لهم حتى تصرخ لتتقدس به وتنزع الآلهة الغريبة عنها، بمعنى آخر لا يستطيع عجلون وحلفاؤه أن يدخلوا إلى حياتك ويسيطروا على قلبك وفكرك مادام ليس لهم موضع فيك، لكن إن قبلت أفكارهم أو مارست عباداتهم أو سلكت حسب هواهم تتفتح أبواب قلبك أمامهم ليدخلوا ويملكوا عوض الرب!

إذ صرخ إسرائيل بعد ثمان عشرة سنة: “أقام لهم الرب مخلصًا أهود بن جيرا البنياميني رجلاً أعسر[١٥]. يرى البعض أن كلمة أهود إختصار لكلمة “أبيهود” التي تعني (أبي مجد أو جلال)[39] بينما يرى آخرون أن أهود تعني (متحد)[40]. فإن كان القاضي الأول يُدعى “إستجابة الله أو قوته”، بكونه ثمرة الصراخ والطلبة لله القدير، فإننا هنا نجد القاضي يعني (أبي المجد أو جلال)، وكأنه ثمرة أبينا السماوي الذي يغير على مجده وجلاله فينا فيرسل لنا خلاصًا من عندياته؛ أو يعني (متحد) إذ ننعم بالخلاص خلال إتحادنا مع الله في إبنه يسوع المخلص الحقيقي.

كان أهود رجلاً أعسرًا أي يعمل بيده اليسرى، وقد جاء الأصل العبري بمعنى أنه (رجل مغلق اليد اليمنى) أما الترجمات الأخرى فتعني أنه يعمل بيده اليسرى بمنزلة اليمنى. يقول المؤرخ يوسيفوس أن أهود كان ماهرًا في إستعمال يده اليسرى تكمن فيها كل قوته. وفي مناظرات القديس يوحنا كاسيانقدم لنا الأب تادرس مفهوما روحيًا لاستخدام اليد اليسرى، إذ يقول: [(الرجل الكامل) يشبه في الكتاب المقدس بالأشول… يستخدم يده اليسرى كما لو كانت اليمنى. ويمكننا أن ننال هذه القوة باستخدامنا الأشياء السارة إستخدامًا سليمًا ومفيدًا، هذه التي هي لليمين، واستخدامنا الأشياء المؤلمة التي هي لليسار استخدامًا حسنًا “سلاحًا للبر” كقول الرسول: الإنسان الداخلي له جانبان، أو بمعنى آخر “يدان”، فلا يستطيع أي قديس أن يعمل من غير أن يستعمل يده اليسرى و بهذا يظهر كمال الفضيلة. فالإنسان الماهر يقدر أن يحوّل كل يد له إلى “يد يمينية”… أستطيع أيضًا أن أقول بأن يوسف كان رجلاً أشولاً، ففي أفراحه كان عزيزًا جدًا عند والديه، محبًا لإخوته، مقبولاً لدى الله؛ وفي ضيقاته كان عفيفًا، مؤمنا بالله، وفي سجنه كان أكثر شفقة على المسجونين، متسامحًا مع المخطئين، صافحًا عن أعدائه… إن هؤلاء الرجال (أيوب ويوسف وغيرهما) وأمثالهم بحق يُدعى كل منهم رجلاً أشول، إذ يقدرون أن يستخدموا كل يد لهم كأيدٍ يمينية، قائلين بحق: “بسلاح البر لليمين واليسار، بمجد وهوان، بصيت ردئ وصيت حسن…” (٢ كو ٦: ٧-٨). ويتحدث سليمان في سفر نشيد الأنشاد عن اليد اليمنى واليد اليسرى في شخص العروس، قائلاً: “شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني” (نش ٢: ٦). وبينما يظهر أن كليهما مفيد إلاَّ أنها تضع إحداهما تحت الرأس لأنه ينبغي أن تخضع الضيقات لمراقبة القلب فتصير نافعة لأنها تهذبنا إلى حين، وتؤدبنا لأجل خلاصنا، وتهبنا الكمال في الصبر. أما اليمينية فتأمل أن تلتصق بها لكي ما تلاطفها فتنال المعانقة المباركة التي للعريس، وفي النهاية تضمها إليه. وهكذا يُحسب كل منا “أشول” عندما لا يؤثر فينا الرجاء ولا العوز. فلا يغوينا الرخاء ولا يدفع بنا نحو الإهمال الخطير، كذلك لا يجذبنا العوز إلى اليأس والشكوى (التذمر) بل نقدم الشكر الله في كل شيء[41]]

نعود إلى هذا القاضي لنجده يحمل سيفًا ذا حدين تقلده تحت ثيابه على فخذه اليمنى ليقتل به عجلون ملك موآب بعد أن يقدم له هدية يحملها كثير من الرجال؛ يقتله بعد أن يصرف الرجال حاملي الهدية ويتصرف معهم، ليعود ويلتقي مع الملك على إنفراد في علية برود، وهي علية خاصة بعجلون في أعلى القصر يجلس فيها كمظلة صيفية ليتبرد من الحرّ. قتله أهود بالسيف في عقر داره ومكان أمانه بعد أن قام عجلون عن كرسيه ليعود فيسقط على الأرض في دمائه ولا يجلس على كرسيه بعد. ترك أهود السيف في بطن عجلون ولم يسحبه وانطلق من الرواق وأغلق أبواب العلية على القتيل. وإذ خرج العبيد ورأوا الأبواب مغلقة قالوا: إنه مغطٍ رجليه في مخدع البرود، وهو تعبير متأدب عن دخوله إلى المرحاض… وإذ طال إنتظارهم خجلوا، فأخذوا المفتاح وفتحوا ليجدوه قتيلاً على الأرض. وإذ هرب أهود جمع بني إسرائيل في جبل أفرايم وأعلن أن الرب دفع إليهم أعداءهم، فنزلوا وراءه وأخذوا مخاوض الأردن إلى موآب وتمكنوا من قتل نحو عشرة آلاف رجل كل نشيط وكل ذي بأس ولم ينج أحد.

هذه القصة كما عرضتها في إختصار شديد تحمل صورة رمزية رائعة لعمل المخلص الحقيقي يسوع المسيح خلال الصليب، إذ نرى فيها الآتي:

أولاً: إسم المخلص أو القاضي “أهود” وقلنا أنه يعني (أبي مجد أو جلال)، كما تعني (متحد)، ففي المسيح يسوع المخلص الحقيقي تمجد الآب كقول السيد في ليلة آلامه: “مجّد إبنك ليمجدك إبنك أيضًا… أنا مجدتك على الأرض” (يو١٧: ١، ٤). كيف مجّد الإبن الآب؟ يقول القديس أغسطينوس: [إذ تمجد الإبن خلال قيامته بواسطة الآب، مجّد هو الآب بالكرازة بقيامته[42]]، وكما يقول: [تحقق هذا بإنجيل المسيح بمعنى أن الآب صار معروفًا للأمم خلال الإبن وبهذا مجّد الإبن الآب[43]]، [يمجدك الإبن، بمعنى إنك تصير معروفًا لكل جسد أنت أعطيته إياه[44]].

هكذا خلال الصليب مات الإبن بالجسد فمجده الآب بقيامته، ومجّد الإبن الآب خلال الكرازة بالقيامة وسحب قلب الأمم إلى خبرة معرفة الآب.

إما المعنى الثاني لكلمة أهود أي (المتحد)، فإن هذا الإسم ينطبق على السيد المسيح بطريقة فريدة إذ هو واحد مع أبيه. وقد جاء إلى الصليب لكي يجعلنا نحن أيضًا متحدين معًا فيه، ففي صلاته الوداعية يقول: “أيها الآب القدوس إحفطهم في إسمك، الذين أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن… ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا” (يو ١٧: ١١، ١٢).

ثانيًا: يظهر أهود حاملاً سيفًا ذا حدين تقلده على فخذه اليمنى ليقتل به عجلون، وكأنه بالسيد المسيح الذي قيل عنه: “تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك” (مز ٤٥: ٣). وكما يقولالقديس أغسطينوس: [ماذا يعني بقوله “سيفك” إلاَّ “كلمتك”؟! فهذا السيف بدد أعداءه، وبهذا السيف إنقسم الإبن ضد أبيه والإبنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها. نسمع في الإنجيل: “ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا” (مت ١٠: ٣٤)… إن أراد أحد الشبان أن يكرس حياته لخدمة الله فيقاومه أبوه يصيران منقسمين ضد بعضهما البعض. فالواحد يعد بالميراث الأرضي والآخر يحب السماوي؛ واحد يعد بشيء والآخر يطلب شيئا آخر. لا يظن الأب أنه مخطئ مع أنه يجب أن يُفضَل الله عنه[45]]. هكذا تقدم السيد المسيح بسيفه أي وصيته على فخذه أي على جسده، إذ جاءنا متجسدًا يتحدث معنا وجهًا لوجه.

يصف سفر القضاة سيف أهود بأنه ذو حدين، وكما يحدثنا الرسول بولس عن كلمة الله أنها كسيف ذي حدين (عب ٤: ١٢)، بالحد الأول يعمل في قلب الكارز وبالثاني في قلوب المستمعين، إذ كلمة الله تعمل في الرعاة والرعية كسيف يبتر الشر ويعزله حتى يُقدَم القلب نقيًا للرب.

ثالثًا: أخذ أهود لعجلون هدية يحملها قوم من عنده، وكأنه السيد المسيح الذي قبل الصليب فرأى الشيطان في ذلك العمل هدية له، عملاً مفرحًا به يتخلص من السيد. وقد حمل سمعان القيرواني مع السيد صليبه، وكأنه كان حاملاً معه للهدية. عند قتل عجلون كان أهود وحده، إذ إجتاز السيد المسيح المعصرة وحده ولم يكن معه أحد من الشعوب كما قيل بإشعياء النبي (٦٣: ٣).

رابعًا: كان عجلون في علية برود كمن يستجم من الحرّ، وهكذا التقى السيد المسيح مع عدو الخير خلال الصليب حين ظن العدو أنه كمن يستجم من نيران كرازة المسيح وحرارة أعماله الفائقة، فبينما كان يظن في نفسه أن يستريح إذا به يُقتل.

خامسًا: قتل أهود عجلون بعد أن قام من كرسيه الملكي، فسقط على الأرض قتيلاً، وكأنه إبليس الذي فقد سلطانه (كو ٢: ١٥) وسقط من السماء كالبرق (لو ١٠: ١٨).

سادسًا: أغلق أهود على عجلون القتيل الباب حتى لا يفتحه إلاَّ خدامه أو عبيده، وهكذا إذ نزع الرب عن إبليس بالصليب سلطانه جعله كقتيل ليس من يلتقي به إلاّ من أراد أن يكون له خادمًا وعبدًا. رجوع الإنسان إلى مملكة إبليس إنما يتحقق بمحض إرادة الإنسان، إذ لا يحمل إبليس سلطانًا عليه يلزمه بالخضوع له. هذا ما أكده القديس يوحنا الذهبي الفم في كثير من مقالاته[46].

سابعًا: بعد قتل عجلون على يدّي أهود، قتل الشعب عشرة آلاف جبار بأس من الموآبيين، فإن كان إبليس قد تحطم تمامًا على يدي السيد المسيح على الصليب، فإن عمل الكنيسة، شعب المسيح، ألاَّ تبقي شيئًا من أعمال إبليس داخل قلبنا. السيد المسيح غلب لحسابنا وخلص البشرية، لكي لا يتوقف المؤمنون به عن الجهاد الروحي ضد الخطية    – أعمال إبليس وجنوده – حتى النهاية.

٥. إقامة شمجر قاضيًا:

قام شمجر بعد أهود، ولا يعني هذا أن أهود قد مات، إذ يرى البعض أن شمجر حارب في أيام أهود وكان عمله محليًا.

ربما لم يجد شمجر آله للحرب فاستخدم منساس بقر، وهي أشبه بعصا في طرفها حديدة حادة تستخدم في رعاية البقر. على أي الأحوال الله يعمل بالقليل كما بالكثير. إنه يستخدمنا للعمل الروحي حتى وإن كنا لا نملك من المواهب والطاقات إلاّ منساس بقر.

فاصل

سفر القضاة : 123456789101112131415161718192021

تفسير سفر القضاة: مقدمة123456789101112131415161718192021

زر الذهاب إلى الأعلى