تفسير المزمور ٤٢ للقمص تادرس يعقوب

الباب الثاني

الكنيسة والخلاص

[مز 42 – مز 72]

الكنيسة والخلاص

[مز 42 – مز 72]

القسم الأول (مز 1 – مز 41) هو تجميع لمزامير تتحدث عن حالة الإنسان: حياته المطوّبة وسقوطه ثم تجديده بعمل الله مخلصه الذي يرد إليه الحياة الفردوسية المتهللة المفقودة. وهو في هذا يماثل سفر التكوين[795]. أما القسم الثاني (مز 42- مز 50) فيماثل سفر الخروج حيث ظهر شعب الله الذي يدخل في ميثاق معه خلال دم الحمل (خر 12)، لهذا جاءت مزامير هذا القسم تتحدث عن “الكنيسة والخلاص”.

في الأصحاح الأول من سفر الخروج نرى الشعب مُستعبدًا في أرض غريبة، بعيدًا عن أرض الموعد. كان شعبًا متألمًا، يئن وينوح كلما هوى عليه سوط مُسخِره ومضطهِده. وكانت الضيقة تتزايد مع الزمن وتقسوا جدًا، وصارت الأبواب كأنها قد أُغلقت تمامًا، ولا يوجد منفذ للخلاص. لكن في الوقت المناسب سمع الله أنينهم وصراخهم، وقام يدافع عنهم بيده القوية، مخلصًا إياهم من بيت العبودية، بينما هلك أعداؤهم في البحر الأحمر.

يبدأ هذا القسم بصرخة مُرّة تصدر عن أعماق الضغطة (مز 42 – 49)، لينتهي بإعلان مُلك الله على شعبه المتعبد له حيث يُقال: “ويسود من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي المسكونة… ويسجد له جميع ملوك الأرض، وكل الأمم تتعبد له” (مز 72). يملك ملك الملوك على شعبه الذين صاروا ملوك الأرض، أي أصحاب سلطان على أجسادهم التي تتقدس فتُحسب أرض الرب. أما طريق المجد الملوكي فهو التوبة، لهذا يُقدم لنا هذا القسم الكثير من المزامير التي تتحدث عن التوبة والاعتراف، أبرزها مزمور التوبة الأمثل 51 (50 LXX) الذي نترنم به في مقدمة كل صلاة او تسبحة من صلوات السواعي (الأجبية)؛ كما يصلي به الكاهن مع الشعب في أغلب الصلوات الليتورجية (الجماعية).

يكشف هذا القسم عن جمال الكنيسة المتمتعة بالخلاص كعروس مزينة لعريسها الأبرع جمالاً من بني البشر (مز 45 “44”).

وقد تجمعت مزامير هذا القسم من مصادر متنوعة:

  1. أبناء قورح (مز 42، 44-49)، وهم عائلة من حارسي الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين (1 أي 9: 17-19، 26: 19)، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته[796]. يرى البعض أن كلمة “قورح Core” ربما تعني “أقرع” أو “أصلع”[797]. ويرى القديسان أغسطينوس وجيروم إنها تعادل كلمة “Calvaria[798] أي “الجمجمة” أو الموضع الذي صُلب فيه السيد المسيح. فأبناء قورح هم أبناء العريس المصلوب، القادرون أن يسحقوا رأس الحية القديمة بالصليب. ويحطمون الموت، وينعموا ببهجة القيامة. بمعنى آخر المسيحيون كأبناء قورح الحقيقي يمارسون الحياة المُقامة التي لا تعرف إلا الشكر والتسبيح لله مخلصهم.
  2. آساف (مز 50) الذي أسس فرقة موسيقية أخرى للهيكل. ربما كان لقبًا لقادة الموسيقيين أو لمنظمي الخورس في أيام داود وسليمان (1 أي 16: 4، 5؛ 2 أي 5: 21)[799]. وكلمة “آساف” تعني “محصَّل” أو “يهوه يجمع”، ويرى القديس أغسطينوس أنها تعني “المجمع”. فإن كان المجمع اليهودي هو المسئول عن صلب السيد المسيح، لكنه حفظ لنا النبوات التي تشهد للسيد المسيح الذي هو تسبيحنا وفرحنا.
  3. داود النبي والملك (مز 51-65، 68-10)، رجل الصلاة والتسبيح؛ يمثل الكنيسة الملكة التي تجد كل لذتها في عريسها الملك، تلتصق به، وتسبحه بلا انقطاع.
  4. سليمان (مز 72) يشير إلى الكنيسة الحاملة سلام الله الفائق.
  5. توجد ثلاثة مزامير بدون أسماء (مز 66، 67، 71)، تمثل دعوة موجهة نحو كل نفس للتمتع بالعضوية الكنيسة المتهللة، حتى وإن لم يعرفها أحد من البشر بالاسم.

<<

 


 

المزمور الثاني والأربعون

عطشي إلى المسيح

المزموران 42، 43:

يعتقد البعض أن المزمورين 42، 43 يمثلان وحدة واحدة. يقول Kidner[800]: [إنه وإن كان يمكن الترنم بكل مزمور منهما على حدة إلا إنهما في الواقع هما جزءان من قصيدة واحدة متماسكة، تعتبر من أروع القصائد الحزينة في سفر المزامير. وللمزمورين عنوان واحد يناسب كليهما؛ كما يضمان ذات المناجاة للنفس: “لماذا أقصيتني؟ ولماذا أسلك كئيبًا إذ يحزنني عدوي؟!” (مز 42: 9؛ مز 43: 2). هذا والقرار الذي يختم جزئيي المزمور (42: 5، 11) يتكرر مرة ثالثة في (مز 43: 5): “لماذا أنتِ حزينة يا نفسي؟ ولماذا تقلقيني؟” فيُعطي للمزمورين وحدة.

يمكننا القول بإن المزمورين هما مرثاة تكشف عن مرارة النفس بسبب الآلام الماضية والحاضرة والمستقبلة، لكنها تُبتلع بعذوبة الرجاء في الله والتمتع بحضرته وكأن الآلام لا تحكم نفسية المرتل بل بالأكثر تزيده شوقًا نحو الله مخلصه.

(42: 1-5) آلام في الماضي – في البرية – شوق نحو الله.

(42: 6-11) آلام في الحاضر – على الجبال – شعور بترك الله.

(43: 1-5) آلام في المستقبل – في هيكل قدسه – رجاء مفرح.

يوضح هذا المزمور أن الأتقياء في القديم كما في عصرنا الحاضر يعانون من الآم لا يُنطق بها.

ظروف المزمور:

  1. يرى البعض أن هذا المزمور هو مرثاة لأحد مرنمي الهيكل، نُفى في الشمال بالقرب من مصعد نهر الأردن، ويتوق إلى العودة إلى بيت الله للتمتع بالحضرة الإلهية خلال العبادة الجماعية المقدسة.
  2. يقول أنثيموس الأورشليمي: [إن داود النبي وضع هذا المزمور وسلّمه لأحد رؤساء المرتلين من بني قورح لكي يُسبح به بالآت العزف].
  3. وُضع كنبوة عن الذين يُسبون ويحرمون من التمتع بخدمة الهيكل وخبرة الحضرة الإلهية، معلنًا اشتياقهم نحو الرجوع إلى وطنهم بعبورهم جداول المياه (نهر الأردن). إنهم بهذا يمثلون البشرية التي سقطت تحت سبي الخطية، وسلمت نفسها للعبودية، فإنها لن تنعم بالحياة الجديدة في الرب ما لم تجتز مياه المعمودية، لتعبر إلى أورشليم العليا، الوطن السماوي.
  4. يرى بعض الآباء الأولين أن هذا المزمور هو صوت رجال العهد القديم، الذين كانوا في عطش شديد إلى التلاقي مع المخلص. وكانوا في جهادهم الروحي أشبه بالإيل، يجرون نحو جداول المياه أو نحو ينابيع النبوات، قائلين: “لماذا أنتِ حزينة يا نفسي؟ ترجيّ مجيء الرب، فهو قادم حتمًا، يُحقق لكِ خلاصك ويملأكِ فرحًا وسلامًا”.

v   جرت نفس الأنبياء في عطش إلى هذا الينبوع، وكما يقول داود: “عطشت نفسي إلى الله الحيّ” [2]؛ وبهذا يستطيع أن يروي ظمأه بغنى معرفة الله، ويمكنه أن يغسل من دماء الحماقة بريها بالجداول الروحية[801].

القديس أمبروسيوس

العنوان:

“لإمام المعنين، قصيدة Maschil لبني قورح”، وحسب الترجمة السبعينية: “إلى التمام (النهاية) فهمًا لبني قورح”.

  1. سبق لنا التعليق على كلمة Maschil في عنوان المزمور 32.
  2. يرى بعض الدارسين أن واضع السفر هو “داود”، ومما يؤكد هذا أن المزمور قد وُضع بصيغة المفرد: “نفسي”؛ فلو أن بني قورح هم واضعوه لقالوا: “نفوسنا”… داود النبي هو واضعه وهم لحَّنوه. هذا المزمور يناسب حالة داود في منفاه الطويل خارج أوشليم أيام شاول، خاصة وأن الموضع الذي اُستبعد فيه داود النبي يُطابق من الناحية الجغرافية ما ورد في الآية [6]، أي أرض الأردن وحرمون.

يرى البعض أن بعضًا من بني قورح قد نُفوا (عد 26: 11)، وأن جميعهم قد اُستبعدوا عن القيام بدور بارز في العبادة الجماعية الليتورجية في الهيكل. فالمزامير المنسوبة إليهم تعكس آلام حنينهم للوطن وشعورهم بالخسارة؛ وفي نفسالوقت يتألمون باسم

الشعب كله المأسور في بلد غريب.

يقدم لنا القديسان أغسطينوس وجيروم تفسيرًا رمزيًا لكلمة “قورح”:

v   إذ تعادل كلمة “قورح Karah” “جلجثة Calvaria“، لذا فإن أبناء العريس، أبناء آلامه، الأبناء المفديين بدمه، أبناء صليبه، الذين يحملون على جباههم ما قد رفعه أعداؤه على الجلجثة، يُدعون “أبنا قورح”.

القديس أغسطينوس

الإطار العام:

  1. صرخة واشتياق إلى الله           [1-5].
  2. ضيقة وحيرة                      [6-11].
  3. صرخة واشتياق إلى الله:

تصدر عن المرتل صرخة صادقة وعميقة خلال شعوره بالحرمان من أورشليم العليا وهيكل قدسه السماوي، حاسبًا نفسه محرومًا من الله القادر وحده أن يروي نفسه، إذ يقول:

“كما يشتاق الإيل إلى ينابيع المياه،

كذلك تاقت نفسي أن تأتي إليك يا الله.

عطشت نفسي إلى الله الحيّ،

متى أجيء وأظهر أمام وجه الله؟!” [1-2].

في فلسطين حيث توقف المطر قرابة تسعة أشهر في السنة تُغطي الينابيع والآبار والقنوات المائية كي لا تجف من شدة الحرارة، وإذ تشعر الإيل بالظمأ القاتل تجري نحو ينابيع المياه وتقف أمامها صارخة، وقد خارت قواها من أجل تمتعها بالكنز المخفي، المياه واهبة الحياة. هكذا يجري المؤمن في برية هذا العالم الجافة يبحث عن ينابيع مياه الحياة، أي عن الحياة الكنيسة الإنجيلية، يأتي إلى كلمة الله أو الكتاب المقدس المختوم لكي يكشف له الروح أسراره، وإلى عطايا الروح القدس في العبادة الكنسية كالأسرار المقدسة، وهو في هذا يعلن عن حنينه الشديد نحو الله الصادر عن أعماق قلبه.

المؤمن كالأيل التي لا تتوقف عن الجري السريع لعلها تجد ينبوع المياه، وليس كالجمل الذي يحمل اكتفاءً ذاتيًا فيه أثناء سيره البطيء في الصحراء.

يعبر المرتل عن شوقه نحو الله بالعطش، لأن آلامه أكثر مرارة من آلام الجوع.

قال السيد المسيح كممثل لنا “أنا عطشان” (يو 19: 28) ليعبر عن عطش المؤمنين إلى الله!

ويقدم لنا الآباء تفاسير مختلفة للإيل الظمآن إلى مجاري المياه، نقتبس الآتي:

v   لقد تصفحت سفر المزامير بأكمله بدقة شديدة فلم أجد بني قورح قد تغنوا بأي شيء في أي موضع، إنما تجد دائمًا نغمة الفرح والسعادة في أغانيهم، تجد ازدراءً بالعالميات والزائلات، وشوقًا حارًا إلى السمويات والأبديات، لأن ربنا قد صُلب ودُفن في موضع يُقال له “الجمجمة”. إذن الذين يؤمنون بصليبه وقيامته هم بنو قورح، أبناء الجمجمة. إنها طبيعة الإيل ألا ترهب الحيَّات… إنها تجتذب الحيَّات للخروج من جحرها عن طريق أنفاسها الخارجة من منخارها، وذلك كي تقتلها وتمزقها إربًا. ومع ذلك فإذا ما سرى السم الخارج من الحيَّات وألهب جوفها، فإنه وإن لم يقتلها لكنه يجعلها في حالة ظمأ مُحرِّق، فتشتاق إلى جداول مياه صافية رطبة تطفئ نيران السم الذي سبب لها عطشًا هكذا.

الآن نحن أيضًا مثا الإيل نشتاق إلى المياه الجارية. لقد انسحب إيلنا الصغير من مصر ومن العالم، وأهلك فرعون في المياه، وسحق جيشه كله في المعمودية. إذ يُقتل الشيطان (بالصليب في مياه المعمودية) تلتهب قلوبهم المملؤة غيرة نحو مياه الكنيسة الجارية، ويشتاقون إلى الآب والابن والروح القدس.

جاء في سفر إرميا شهادة للآب كينبوع: “تركوني انا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آبارًا، آبارًا مشققة لا تضبط ماء” (إر 2: 13). وفي موضع آخر نقرأ عن الابن أنهم قد تركوا ينبوع الحكمة، وأيضًا عن الروح القدس: “من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا… يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو 4: 14)[802].

القديس جيروم

v   اركضوا إلى الجداول، توقوا إلى جداول المياه، إلى الله ينبوع الحياة، الينبوع الذي لا يجف أبدًا، الينبوع الذي من يشرب منه يروى الظمأ الداخلي.

اركضوا إلى الينبوع، اشتاقوا إليه، لكن لا تفعلوا هذا كيفما اتفق، لا تكتفوا بالجري كأي حيوان عادي، بل اركضوا كالإيل… ماذا يعني “كالإيل”؟ أي لا تتكاسلوا في رُكوضكم. اركضوا بكل قواكم؛ اشتاقوا إلى الينبوع بكل قدرتكم، فإننا نجد في الإيل رمزًا للسرعة…

اسمعوا أيضًا ما تتميز به الإيل، إنها تقتل الحيَّات، وبعد قتلها تتقد عطشًا بصورة أشد. وإذ تنتهي من قتل الحيَّات تركض إلى جداول المياه حيث تشتد وطأة عطشها أكثر من ذي قبل والحيات هي رذائلكم؛ دمروا حيَّات الشر فتشتاقون بالأكثر إلى ينبوع الحق…

ومن ثم أمر آخر جدير بالملاحظة بالنسبة للإيل… فإنها إذ تجول كقطيع أو تسبح (في الماء) لكي تبلغ منطقة أخرى من الأرض، تسند ثقل رؤوسها على بعضها البعض بحيث يقودها واحد ويتبعه الآخر، وقد ألقى الكل رؤوسهم عليه بالتتابع حتى آخر القطيع. لكن إذا ما تعب القائد الذي يحمل أثقال الرؤوس يعود إلى المؤخرة ويستريح من تعبه إذ يسند رأسه على الآخير… أليست الإيل بهذا تشبه أولئك الذين قال عنهم الرسول: “احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمموا ناموس المسيح” (غلا 6: 2)؟!

القديس أغسطينوس

v   الله بالحق هو الينبوع؛ ليت ذاك الذي يتوق إلى هذا الينبوع يسكب نفسه عليه، فلا يترك شيئًا فيه لملكية الجسد، بل تفيض نفسه (بالحب) في كل موضع[803].

القديس أمبروسيوس

v   لتعطش نفوسنا إليه، قائلة: “متى يجيئ؟!”… إنك تشتاق إلى قدومه، ألعله يجدك مستعدًا[804]؟!

القديس أغسطينوس

v   كثيرون من الناس عطشى: الأبرار والخطاة أيضًا. الأولون عطشى إلى الحق، والآخرون إلى الملذات. يعطش الأبرار إلى الله، والخطاة إلى الذهب[805].

قيصريوس أسقف آرل

v   الإنسان الذي يشرب بعمقه من هذا الخمر ويُحرم منه بعد ذلك، هو وحده يُدرك قيمة ما حُرم منه بسبب تراخيه[806].

مار اسحق السرياني

إن كنا نُعاني من الحيَّات الداخلية ليتنا لا نستسلم لسمومها، بل بالأكثر نُجاهد ضدها بروح الله الساكن فينا، فيلتهب قلبنا حبًا نحو مخلصنا، مشتاقين أن نتراءى أمامه. عمل الخطية هو عزلنا عن الالتقاء بالله الحيّ والتمتع بوجهه لنشبع بحبه، لذا نقول:

“عطشت نفسي إلى الله الحيّ،

متى أجيء وأظهر أمام وجه الله؟!” [2].

مادام المرتل يتحدث عن اشتياقات وحب بين الله والإنسان، يدعو الله بالحيّ، فإننا لسنا نتعبد له كما لقوم عادة أو خشية غضبه، وإنما تجاوبًا معه بكونه الحيّ، الذي يدخل معنا في علاقات حب وعهود، يُريد أن يتراءى في داخلنا، ويعلن ملكوته فينا، ونظهر نحن أمام وجهه ننعم ببهاء مجده وجمال هيكل قدسه السماوي.

إن كان المزمور قد كُتب عن المسبيين المحرومين من هيكل الرب، هؤلاء الذين كان البابليون يُعيرونهم، قائلين لكل واحد منهم: “أين هو إلهك؟!” يُجيبهم المؤمن: إنني لا انشغل بتعييراتكم، إنما يلتهب قلبي بإلهي الحيّ القادر وحده أن يروي ظمأ نفسي الداخلي… إني مشتاق أن ألتقي به وجهًا لوجه.

ربما يقصد بقوله: “متى أجيء وأتراءى قدام الله؟!” أنه ليس من ظروف تحرمني من التقائي به أو سكناه في داخلي… لكن حنيني الداخلي ينصبُّ على اللقاء معه وجهًا لوجه!

هذه هي صرخات الشعب المسْبى المشتاق إلى مدينة الله أورشليم وهيكله المقدس، حيث يلتقي بالله في بيته وهيكله!

ربما هي صرخات داود النبي أو أحد المرتلين المحرومين من الهيكل!

وهي بالأكثر صرخات رجال العهد القديم الذين عطشت نفوسهم إلى مجيء المخلص… ليأت إليهم أو يذهبون إليه!

إنها صرخات الكنيسة التي تعبَّر عن حنينها إلى مجيئه الأخير، إذ تقول “آمين تعال أيها الرب يسوع!” (رؤ 22: 21).

v    “متى أجيء وأتراءى قدام الله” أنظروا، فقد اُستجيبت تضرعاتهم، لقد جاءوا ووقفوا في حضرة الله. قد مثلوا أمام المذبح، وشاهدوا سِرّ المخلص. ما من أحد يتأهل للتطلع إلى هذا المنظر إلا الذي من عمق قلبه وضميره يصرخ نائحًا في ندم: “دموعي صارت لي خبزًا النهار والليل” [3][807].

القديس جيروم

v   هذا الجمال (الإلهي) مُخفى عن العيون الجسديةَ، مُدرك بالعقل والنفس فقط. عندما يُلقى بضوئه على أحد القديسين يتركه ملتهبًا بشعور لا يحتمل بألم الاشتياق، وإذ يدرك ماهية الحياة الدنيا يقول: “ويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ” (مز 120: 5)؛ “متى أجيء وأتراءى قدام الله؟!” [2]؛ وأيضًا: “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا” (في 1: 23)؛ “عطشت نفسي إلى الله الحيّ”… حقًا إنه بسبب لهفتهم التي لا تشبع للتمتع برؤية الجمال الإلهي، يُصلّون كي يستمر تأملهم في التمتع بالرب مدى الحياة الأبدية[808].

القديس باسيليوس الكبير

v   “عطشت نفسي إلى الله الحيّ”…

إني عطشان في غربتي، في ركوضي، وسأرتوي عند وصولي.

القديس أغسطينوس

v   “متى أجيء وأظهر أمام وجه الله؟!”

في هذا المزمور يرسم (المرتل) بوضوح المتاعب التي تظهر بسبب الضعف البشري، والتعزيات التي تصدر عن الله[809].

القديس أمبروسيوس

“لأن دموعي صارت لي خبزًا النهار والليل،

إذ قيل لي كل يوم:

أين هو إلهك؟” [3].

يرى القديس أغسطينوس أن المرتل لم يقل: “لأن دموعي صارت لي شرابًا” بل “خبزًا“، لأن الظمآن إن أكل حبزًا يزداد ظمأ… فدموع الاشتياق نحو اللقاء مع الله لا تروينا بل تلهب بالأكثر عطشنا إليه.كما يقول: [لم تكن دموعي مرارة لي بل “خبزي”. هذه الدموع عينها كانت حلوة بالنسبة لي، وذلك لعطشي إلى الينبوع. وبقدر عجزي عن الشرب منه، في لهفة جعلت دموعي طعامًا].

دموعه لم تجف نهارًا ولا ليلاً، إذ لا تستطيع الانشغالات اليومية مهما كانت أهميتها أن تشغله عن طلب إلهه بدموعه، ولا راحة الليل تهدئ من هذا الحنين.

إنه لا يخجل من أن يبكي بدموع في النهار علانيةً، معلنًا ارتباطه بإلهه كما يرتبط الرضيع بأمه، ولا يقدر على الاستغناء عنها، كما يلذ له أن يبكي في الليل خفيةً ليعلن أعماق محبته لله.

يشير النهار أيضًا لحالة الفرج أو الفرح، والليل إلى حالة الضيق والألم؛ وكأن المرتل يعلن أن دموعه لا تجف وسط أفراحه أو أحزانه، إذ تحت كل الظروف ليس ما يشغله إلا حنينه نحو الله!

في كبرياء وتشامخ وبسخرية يقول لي الأعداء: أين هو إلهك؟ حسبوا طول أناة الله ضعفًا! أرادوا أن يحطِّموا رجائي في الله، كأنه قد تركني، ولم يدركوا إنه سيد التاريخ وضابطه، إنه يتمهل ويطيل الأناة منتظرًا توبتهم ورجوعهم، أو ينتظر حتى يمتلئ كأس شرهم.

“هذه تذكرتها فأفضت نفسي عليّ” [4].

يتذكر المرتل تعييرات العدو له، وعوض الانشغال بها أو بالرّد عليها تنسكب نفسه فيه أو عليه عوض انسكابها على الغير، فهي لا ترتمي على ذراع بشر، وإنما تدخل إلى أعماقها، تنتظر تجلي السيد المسيح فيها وتترقب تعزياته الخفية.

ولئلا يفهم أحد أن انسكابه على نفسه هو نوع من اليأس أو تحطيم نفسيته أو تقوقعه حول نفسه، يكمل الحديث معلنًا ملء شركته مع اخوته في الحياة التعبدية وفرح قلبه، إذ يقول:

“لأني أجوز في مكان مظلة معجبة إلى بيت الله،

بصوت تهليل واعتراف بصوت المُعَّيد” [4].

دموعه الغزيرة تسكبه على نفسه في مخدعه، وتبعث فيه حنينًا أن ينطلق مع الشعب إلى بيت الله كمن هو “مُعيّد”، أي في حالة عيد مفرح لا ينقطع.

يرى المرتل نفسه في بيت الرب كما في مظلة عجيبة، تحت ظل جناحي الله، وفي حمايته إلهية.

ويرى البعض أن قوله: “هذه تذكرتها” تعني تذكار الأيام المفرحة التي عبرت، فتئن بالأكثر نفوسنا في داخلنا، مشتاقين أن نبقى في حالة فرح دائم وتسبيح غير منقطع. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن تذكار معاملات الله معنا هم سند لنا في الحاضر، إذ يقول: [تظهر كل الأمور صعبة بالنسبة لنا لأننا لا نتذكر الله كما ينبغي، ولا نحمله في أفكارنا دائمًا… لأنه يقينًا سيقول لنا بحق: “أنتم نسيتموني فسأنساكم”، إذ عظيم هو تذكر الله لنا، وأيضًا تذكرنا نحن له[810]].

يرى البعض أن المرتل يذكر الأيام الأولى حين كان يجتمع مع الشعب في مواكب العبادة المفرحة والتهليل التي كانت بالنسبة له أشبه بمظلة إلهية يحتمي فيها… خلال هذا التذكر يسكب نفسه في داخله.

على أي الأحوال لتنسكب نفوسنا في داخلنا على ذواتنا، لا لننشغل بالأنا فتنحجب عنا رؤية الله، وإنما لننطلق إلى ما وراء الأنا، فنرى الله المعتني بنا، وبهذا ندخل إلى خيمته العجيبة ويكون لنا موضع في بيته المقدس. بمعنى آخر إن ما يحجبنا عن رؤية الله ليس الأعداء الذي يُعيّروننا: “أين هو إلهك؟”، وإنما عدم التقائنا مع نفوسنا واجتيازنا للأنا المفسدة لرؤيتنا لله وشركتنا مع شعبه بروح العبادة المفرحة ودخولنا الخيمة الإلهية.

يُعلّق القديس أغسطينوس على هذه العبارة قائلاً:

[إذ استراحت (استكانت) النفس في ذاتها لن ترى شيئًا آخر سوى ذاتها، وهي بهذا لن ترى الله

إن سكناه هو فوق نفسي، فمن هناك يراني… ويرشدني ويعتني بي، ومن هناك يُصغي إليّ ويدعوني ويوجّهني ويقودني في الطريق إلى نهاية سبلي…

يقول إنني سأذهب إلى موضع الخيمة العجيبة، إلى بيت الله! هناك أجد أمورًا عجيبة تحوز إعجابي داخل الخيمة!…

خيمة الله على الأرض هم المؤمنون، يعجبني فيهم ضبطهم لأعضائهم الجسدية، وفيهم يُقال: “لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواتها، ولا تقدوا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا… أعضاءكم آلات بِرّ لله” (رو 6: 12، 13)…

هناك في مقدس الله، في بيت الله نجد نبع الفهم…

في بيت الله عيدٌ لا ينتهي، لأنه هناك نجد مناسبة لا يُحتفل بها مرة واحدة ثم تمضي. هناك الخورس الملائكي يصنع عيدًا مقدسًا في حضرة وجه الله، هناك الفرح الذي لن يسقط!]

يرى العلامة أوريجانوس أن نفس المرتل هنا هي العروس التي تَّسبح مزامير المصاعد (مز 120-134) وتتغنى بنشيد الأناشيد، عندما تدخل بيت الله، حجال العريس، إذ يقول: [إنها تأتي كما قلنا إلى حجال العريس لكي تسمع وتتحدث بكل الأمور التي يحويها نشيد الأناشيد[811].]

يختم المرتل هذا الاستيخون بقوله:

“لماذا أنتِ حزينة يا نفسي؟

ولماذا تقلقيني؟

توكلي على الله، فإني أعترف له.

خلاص وجهي هو إلهي” [5].

يدرك المرتل أن سرّ مرارة نفسه وانحنائها ليست تعييرات الأعداء ولا مقاومتهم وإنما ضعفه الداخلي، لهذا فإن فرحها هو في الله مخلصها الذي يقيم وجهها الساقط كما في التراب، يرفعه عن عبودية الزمنيات والارتباك بالأرضيات ليستنير بروح الله القدوس وينعم بالشركة مع السمائيين، أن كانت هي التي تحطم النفس، فالله المخلص وحده هو القادر أن يرد لها بهاءها وخلاصها.

v   هوذا نحن ننعم الأن بمباهج داخلية معينة، ننعم بعين العقل القادرة ان تنظر ولو في لمحة عابرة أمرًا لا يقبل التغيير…

“لماذا تئنين فيّ؟ ولماذا أنتِ منحنية؟ إنكِ تشكّين في إلهكِ… “ترجيّ الله”! وكأن نفسه تجيبه سرًا: لماذا أئن فيك، إلا لأنني لم أركض بعد إلى حيث هذا الفرح الذي أُستغرقت

فيه كما إلى لحظة؟!

القديس أغسطينوس

  1. ضيقة وحيرة:

“في ذاتي قلقت نفسي،

لذلك أذكرك يارب في أرض الأردن وحرمون من الجبل الصغيرة” [6].

يرى القديس جيروم[812] أن المرتل يذكر الله وهو في الأرض المنخفضة في أرض الأردن أو من الجبل الصغير في حرمون (تعني مُحرّقة)… فإن أي قديس مهما بلغت قداسته يرى نفسه في مذلة كما في أرض الأردن المنخفضة، إذ هو مشتاق أن يرتفع ليبلغ قمم الجبال الشاهقة، بل يبلغ الحياة السماوية.

إن كانت هموم العالم التي تتسلل إلى القلب تحدره إلى أرض الأردن فإننا هناك أيضًا نترجى مراحم الله حيث نلتقي بالسيد المسيح الذي أخلى ذاته ونزل إلى مياه الأردن ليهبنا السماء المفتوحة، ويُسمعنا صوت الآب المفرح، ويهبنا عطية روحه القدوس. هذه هي بركات المعمودية، حيث نذكر الله، أو بمعنى آخر نذكر نعمة الثالوث القدوس فينا.

v   من أين أذكرك؟ من الجبل الصغير ومن أرض الأردن. ربما من المعمودية حيث تُوهب مغفرة الخطايا؛ لأنه لا يركض أحد إلى غفران الخطايا إلا الذي يستاء من نفسه (يشعر بعدم ارتواء)، ولا ينال غفران الخطايا إلا الذي يعترف أنه خاطي، ولا يعترف أحد أنه خاطي مالم يتضع أمام الله. لهذا من أرض الأردن ومن الجبل الصغير تذكرتك. لاحظوا أنه ليس من الجبل العظيم بل الصغير…

وإن سألتم عن معاني الكلمات، فإن لفظة “أردن” تعني “نزولهم”. انزلوا فترتفعوا، ولا تتشامخوا لئلا تُطردوا… و”حرمون” معناها “محَّرم”، احرموا أنفسكم باستيائكم منها، لأنكم إن كنتم راضين عنها يستاء الله منكم…

القديس أغسطينوس

يليق بنا أن نذكر الله من أرض الأردن، أي بروح الاتضاع، وخلال بركات المعمودية؛ وأيضًا من الجبل الصغير بحرمون حيث نشعر أن حياتنا كلها بكل إمكانياتها مقدسة لحساب الرب، وفي ملكيته، ليس للعالم ان يجد له موضعًا فيها. أنا صغير ولكنني مقدَّس بالرب وفيه، وذلك بعمل روحه فيّ!

ربما يقصد بأرض الأردن وحرمون الراجعين من السبي حيث يبلغون إلى مشارف أرضهم، هناك يقفون يتأملون عمل الله معهم، بعد سبعين عامًا حيث انقطع كل رجاء في العودة وها هو يردهم لبناء الهيكل! إنها صورة كل مؤمن راجع إلى الله بعد سقوطه، يشعر كمن قد تحرر من عبودية السبي وانطلق إلى أرض موطنه السماوي، يقف على المشارف بفرح، ذاكرًا معاملات الله معه، هذا الذي لم يترك نفسه تنحني تحت نير العبودية، بل يهبها حرية مجد أولاد الله  عند نهر الأردن!

يذكر الإنسان كم من المتاعب قد عانى، ولكن كم من خبرات مراحم الله قد ذاق، لذا يقول مع المرتل:

“العمق نادى العمق بصوت ميازيبك،

كل تيارتك وأمواجك أتت عليّ.

بالنهار يأمر الرب برحمته،

وبالليل يظهرها” [7-8].

هذه هي حال الشعب القديم عندما سلط عليهم الآشوريين ثم الكلدانيين لتأديبهم، وهذا هو حال يونان النبي الهارب من وجه الله، إذ صلى وهو في جوف الحوت، قائلاً: “لأنك طرحتني في العمق في قلب البحار، فأحاط بي نهر؛ جازت فوقي جميع تيارتك ولججك” (يون 2: 3). إنه يسَّبح الله الذي سمح له بضيق وراء ضيق، ليدخل به كما إلى أعماق البحر، لكن الله حوّل له البحر المالح إلى نهر عذب يحيط به، محوّلاً بريته القاحلة إلى جنة مثمرة. هكذا حلت عليه تيارات تأديب الله التي هي في الحقيقة تظهر أبوة الله ورحمته.

يرى القديس أغسطينوس أن الأعماق التي تُنادي أعماقًا إنما هي “الحكمة” أو “الفهم”، فكلما حلت ضيقة بالمؤمن دخل في علاقته مع الله إلى خبرة جديدة، وتمتع بفهمٍ لأسرار الله في معاملاته مع محبوبه.

يقول الأب أنثيموس أسقف أورشليم: [إن العمق الذي يُنادي عمقًا إنما يشير إلى الكتاب المقدس بعهديه، فمن ينعم بأسرار العهد القديم ويتمتع بأعماقها إنما ينسحب قلبه إلى العهد الجديد ويتعرف على أسراره]. وكما يقول القديس كيرلس: [إن نبوات العهد القديم تُنادي ما يقابلها من تحقيق في العهد الجديد].

يرى القديس كيرلس نقلاً عن أنثموس أسقف أورشليم أن ما ورد في العبارة [8] يشير إلى ما حدث في أيام حزقيال عندما حاصره الآشوريون، فبالنهار أمر الرب بالرحمة، وبالليل أرسل ملاكه وقتل 185.000 من رجالهم (2 مل 19: 32-35).

ويُعلّق العلامة أوريجانوس على القول: “بالنهار يأمر الرب برحمته، وبالليل تسبحته“، أن النهار يُشير إلى الحياة الأبدية التي بلا ليل حيث ندرك مراحم الله في أعماقها العجيبة، أما حياتنا الزمنية هنا فهي كليل لكنه مفرح، فيه نسبح الله ونظهر مجده لأنه وعدنا بمراحم أبدية أكيدة.

على أي الأحوال فإن مراحم الله غير منقطعة، يأمر بها في النهار ويكشف عنها في الليل حيث الضيق والألم والتجارب. نمجده في النهار حيث نسمع وعده، ونسبحه في الليل حيث يتجلى وسط المتاعب.

تأتي تسبحتنا وسط الآلام هكذا:

أقول لله: إنك أنت هو ناصري.

لماذا تركتني عنك؟!

ثم لماذا نسيتني؟

ولماذ أجوز كئيبًا إذ يحزنني عدوي عن ترضيض عظامي؟!” [9-10].

عندما يدخل الإنسان تحت التأديب يظن كأن الله قد نسيه أو تخلى عنه مع أنه سند أولاده وناصرهم حتى وسط التأديب.

يرى القديس أغسطينوس إن هذه الكلمات هي صرخات السيد المسيح على الصليب، القائل: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”… [هكذا صرخ رأسنا كمن يتكلم باسمنا (مت 27: 46؛ مز 22: 1].

يختم المرتل المزمور معلنًا إنه وإن كانت عظامه قد ترضضت أو انسحقت بسبب فرط ضيقة وشدة مرارته، ونفسه قد انحنت في أنين، لكنه بفرح يترجىّ الله مخلصه.


 

دموعي صارت لي خبزًا!

v   إليك تشتاق نفسي أيها الينبوع الحيّ،

فإني كالإيل التي تسرع نحو جداول المياه،

وفي طريقها تُصارع مع الحيَّات فيزداد عطشهاّ

هب لي هذا الشوق الحقيقي فأجري إليك،

في غربتي، أحطم بصليبك الحية القديمة،

وآتي وأتراءى قدامك، واستريح في أحضانك!

v   حنيني يزداد لهيبًا… من يقدر أن يطفئه؟!

دموعي صارت لي خبزًا، فأزداد عطشًا إليك!

دموعي لن تجف نهارًا، ولا تتوقف ليلاً!

أسكبها وسط أفراحي، كما في ضيقاتي،

لا أخجل منها وسط كل المحيطين بي،

ولا أُحرم منها في خلوتي الخفية معك!

إنني أهوى هذه الدموع العذبة!

v   بسيل دموعي غير المنقطع أعلن ذكراك الدائم في داخلي،

أذكرك فتذكرني يا من نقشت اسمي على كفك!

هب لي ألا أنساك قط حتى لا أسمع:

لماذا تنساني، وإن نسيتني أنا لا أنساك!

v   إني أذكرك، وأذكر أعمالك معي،

فأنعم برؤياك وأشترك مع شعبك في حياة التسبيح!

أذكرك في داخلي،

فأراك ساكنًا فوق نفسي كما على مركبتك النارية،

أنعم بك، تتطلع إليّ وتقودني وتحملني إليك!

أدخل إلى خيمتك المقدسة، إلى بيتك،

إذ تقيم نفسي خيمة ومقدسًا لك!

هناك أفرح، ولن يقدر أحد أن ينزع فرحك مني!

v   دموعي لن تجف من أجل غنى كلمتك التي تهبني إياها؛

إذ أشاهد أعماقًا تُناي أعماقًا،

أرى نبوات العهد القديم وقد اكتشفت أسرارها،

تتحقق في العهد الجديد!

v   مع كل صباح أنصت إلى وعودك،

وإذ يحل المساء أدخل في ضيق فأكتشف مراحمك.

تبقى أنت ناصري ومخلصي،

تشدد عظامي التي رضضها العدو،

وترفع نفسي التي انحنت في أنين مُرّ.

v   لك المجد يا مخلصي،

فأنت وحدك تقدر أن تمسح دموع نفسي الخفيّة!

 

زر الذهاب إلى الأعلى