عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة الرابعة
في أن الخطية قد أدخلت ثلاث أنواع من العبودية، وعن أولئك الذين يسمعون بلا مبالاة، والذين لا يكرمون والديهم.
الله يجزل بكرمه على الإنسان حتى قبل خلقه !
قد استمعتم البارحة، كيف أن الله خلق الانسان ملكًا ورئيسًا ومسيطرًا على الوحوش وكيف قد أُبعد مباشرةً عن تلك المملكة، فالإنسان بالأحرى وليس الله هو الذي حرم ذاته من الكرامة بعصيانه، لأن نوال ملكوت الله يرجع بالأساس إلى محبة الله للبشر، إذ أن الله لم يهبه هذه المحبة كمكافأة عن إنجازاته، بل إنه قبل أن يخلقه قد زينه بهذه الكرامة، كي لا تقول بأنه بعد صيرورة الإنسان قد منحه هبات كثيرة، وهكذا بتلك الهبات نال من الله القدرة على السيطرة على الوحوش، ففي اللحظة التي عزم الله فيها على خلقه سلطانه قائلاً “لنخلق الإنسان على صورتنا وكشبهنا، وأن يتسلط على وحوش الأرض”. فقبل أن يهبه الحياة منحه السلطة، قبل الخلق كان الإكليل، قبل الصيرورة أقتيد إلى العرش الملوكي.
فعادة يُكرم البشر اخواتهم في الإنسانية بعد أن يصلوا لدرجة من الكهولة، بعد أن يكابدوا العناء الشديد والأخطار التي لا حصر لها، سواء في فترة السلم أو الحرب، ولكن الله لا يعاملنا هكذا، بل حالاً بمجرد أن خُلِق الإنسان قاده إلى تلك الكرامة، حتى يظهر أن ما حدث ليس مكافأة لإنجازات قام بها الإنسان ولكن بسبب النعمة الإلهية وليس إلزاماً، فما حدث من نواله للسلطة هو نتيجة محبة الله للبشر إذ أن سقوطه من السلطة لم يأت من عدم اعتناء الله، لأنه كما أن الملوك يستبعدون من السلطة أولئك الذين لا ينصعون لأوامرهم، هكذا فعل الله مع الإنسان، إذ أعفاه من السلطة.
الخطية تحرم الإنسان من النعم الإلهية وتجعله عبدا لا سيدًا.
غير أنه من الضروري أن نتحدث اليوم عن كم من كرامة أخرى قد حرم منها الإنسان بسبب الخطية، وكم نوع من العبودية قد أدخلتها الخطية وكبلت طبيعتنا ، كمثل طاغية قد كبلتنا بكل أنواع القيود، وبكل أنواع السيطرة.
النوع الأول من العبودية سيادة الرجل على المرأة.
فيوجد إذن سلطة وعبودية أولى[1] التي فيها يتسلط الرجال على النساء، وذلك لأن هذه السيادة صارت حتمية بعد الخطية[2].
الوضع الطبيعي للمرأة قبل الخطية: أنها مساوية للرجل
فقبل الخطية كانت المرأة مساوية للرجل، لأنه عندما خلقها الله، فإن ذات الكلمات التي قد نطق بها الله عند خلقة الإنسان هي عينها التي استخدمها عند خلقة المرأة، إذ قال عند خلقته “لنعمل الإنسان على صورتنا وكشبهنا ” ولم يقل “ليكن الإنسان” وكذلك فلم يقل “لتكن المرأة” بل قال “لنعمل المرأة معينا له”. وليس فقط معينًا بل قال ونظيرًا له حتى يظهر مجددًا المساواة، لأنه حين جعل كثير من مشاركة الحيوانات غير العاقلة فى خدمة احتياجات حياتنا، وحتى لا تظن أن المرأة تنتمي للعبيد، فأنتبه كيف ميز تمييزاً واضحًا عندما قال: قاد الحيوانات أمام آدم ولم يجد معينًا له يكون نظير له فماذا إذن؟ هل الخيل ليست معينا لآدم ألا تصطف للدفاع معه في الحروب، والثيران ألا تقدم لنا العون في جر المحراث وتشاركنا المعاناة في بذر البذور ؟ والحمير والبغال أيضا أليست معينا لنا يساعدنا في نقل الأحمال؟ لذلك حتى لا تدعي ذلك (أنه لم يميز بين معونة المرأة للرجل ومعونة الحيوانات له) بل قد ميز بكل دقة، لأنه لم يقل فقط “لم يجد معينًا له” بل “لم يجد معينًا نظيراً له” وهكذا فإنه هنا لم يقل فقط “فلنعمل معينًا له بل قال “فلنعمل معيناً نظيراً له”
وضع المرأة بعد الخطية : سيادة الرجل عليها
فهذا ما قاله قبل الخطية، أما بعد الخطية فقال: “وعلى رَجُلِك يَكُونُ اعتمادك وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ” وكأنه يقول لها: “خلقتك مساوية له، ولكنك لم تحسني صنيعا بالرئاسة ، فلتذهبي إذن للخضوع، لم تبالي بالحرية فحكم عليكِ بالعبودية، لقد أخفقت في (ممارسة) السيادة، وقد أظهرت الأحداث ذاتها هذا الأمر، فلتصيري واحدة من المتسلط عليها وليكن رَجُلك سيداً عليكِ”. “فلتعتمدي على رَجُلك وهو يكون سيداً عليكِ” ففي البداية ذكر تعبير يعني الوصاية قائلاً: “وعلى رَجُلِكِ يَكُونُ اعتمادك ” أي أن ذاك الرجل سوف يكون ملجئكِ ومينائك وفي المصائب التي تلحق بكِ سوف أجعلكِ تلجئين إليه وتحتمين به، وليس بهذه الطريقة فقط بل أيضا فى الاحتياجات الطبيعية تقيدت بالرجال كمثل قيد غير قابل للكسر محاطة بهم بسلسلة من الشهوة أرأيت إذن كيف جلبت الخطية عليكِ من خضوع؟ وكيف أن الله الرحوم والحكيم قد حولها إلى فائدتنا ؟
أنصت لبولس كيف يتحدث عن هذا الخضوع حتى تتعلم مجددًا التوافق بين العهد القديم والعهد الجديد، إذ يقول الرسول أما عن المرأة فلتتعلم في هدوء بكل خضوع أرأيت خضوع المرأة للرجل ولكن أنتظر ! وسوف تسمع السبب! لماذا قال بكل خضوع”؟ لأنه يقول “لا يسمح للمرأة أن تُعلم”. ولكن لماذا ؟ لأنها قد علمت آدم مرة بشكل سيئ، ولماذا يقول أيضا ” ولا أن تتسلط على الرجل” لأنها قد مارست السلطة عليه مرة واحدة وبشكل سيئ، ويقول أيضا “ولكن لتصمت” ويذكر السبب لأن “آدم” لم يُغوى بل المرأة هي التي غويت وخالفت الوصية” لذلك انزلها عن كرسي التعليم لأنه يقول “مَنْ لا يعرف أن يُعلم فليتعلم” ولكن إن أتى ذاك لا ليتعلم بل ليُعلم فسوف يُضل نفسه ومن يتعلم على يده أيضًا، الأمر الذي قد حدث في حالة المرأة، إذ أنها قد خضعت إلى رجلها وقد خضعت بسبب الخطية، فأريد أيضا أن تسمعوا قول الكتاب) : وعلى رَجُلِكِ يَكُونُ اعتمادك وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ”. أريد أن أخبركم عما قاله بولس وعن تلك الوصية إذ خلط السلطة بالمحبة، فأين يا تُرى فعل ذلك؟ حين يكتب إلى أهل كورنثوس “أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ ” وأن يكون “الرجال ملجئهن”، ” وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا”. و “أنه سوف يكون سيدك” أرأيت كيف أن هذه السيادة رقيقة طالما يعشق السيد بهوس أَمَتِهِ أَمَته؟، عندما يرافق المخافة بالحب؟ لأنه هكذا اختفى ثقل العبودية. فقد تسبب العصيان في دخول التسلط والسيادة، ولعلك تلاحظ أن الله قد نظم كل شيء بهذه الطريقة باستقامة، غير أن الخطية قد تسببت في ظهور العبودية ذاتها.
النوع الثاني من العبودية: نظام العبيد بين الناس كمثال حام.
ويوجد نوع ثان من العبودية، أكثر ثقلاً من سابقه، وهذا له أصل من الخطية، فبعد الطوفان في عهد نوح ودمار كل المسكونة، وكمال ذاك الطوفان، أخطأ حام إلى أبيه إذ نظر إليه وهو عاريًا، وبالأكثر فقد عراه عندما أدانه أمام أخوته، وبسبب ذلك صار عبدًا لأخواته، لأن سوء التصرف قد دمر حياء الطبيعة، وعلى وجه الصحة فإن الكتاب المقدس قد برر كثيرا هذا البار (نوح)، وبالحري بكلمة تبرره وتعطيه غفران، إذ يقول الكتاب ” وَابْتَدَاً نُوحٌ يَكُونُ فَلاحًا”، والقول “ابتدأ” هذا يمثل تبرير كبير لسكره، لأنه لم يكون يعرف كمية الخمر التي يجب أن يشرب، ولا كيف يجب أن يشرب، سواء نقية أو ممزوجة بالماء، ولا متي يشرب، فلتو قد عرف الخمر من عصير العنب وبعد وقت قصير من زمانه. فالكتاب المقدس يبرر بذلك نوح أما ذاك الذي ولد منه (أي حام) ، وقد نجا بسببه، لأنه بسبب كرامة والده لم يهلك مع بقية البشر في الطوفان – فلم ينظر لما حدث للطبيعة ذاتها وقتذاك، ولم يستدعي إلى ذاكرته نجاته (في الفلك)، وبدون أن يتعقل من الخوف (بسبب هول الطوفان)، ناظرًا إلى بقايا آثار غضب الله التي لم تزل موجودة، وآثار المصائب ظاهرة، أو الخوف مما قد حدث أن يعود للظهور في أعتى صوره ، وهكذا تصرف بشكل مهين تجاه والده، ولذا فإن أحد الحكماء يقول عن هذا الأمر قائلاً: “لا تحاول أن تقتني جالباً العار على أبيك، لأن ما يجلب العار على أبيك ليس مجداً لك” ولكن ولا حتى هذه الحكمة قد عرفها ذاك، ولكنه ارتكب خطية أكبر من أي تبرير أو اعتذار، لذلك عوقب بالعبودية بسبب خطيته هذه، وصار عبداً لإخوانه والسيادة التى كانت له بالطبيعة، قد فقدها بسوء نيته، وهذا هو النوع الثاني من العبودية.
النوع الثالث من العبودية : العبودية للرؤساء والسلاطين وهي الأسواء على الإطلاق !
هل تريد أن تعرف النوع الثالث من العبودية؟ فهي الأثقل من النوعين السابقين ومخيفة جداً، لأنه بسبب ذاك الذي لم يتعقل قد أمد الله ربط العبودية إلينا، فأي نوع من العبودية هذه يا تُرى؟ هي العبودية للرؤساء والسلاطين، وهي ليست مثل تلك التي للمرأة أو تلك التي للعبيد، بل مخيفة أكثر، لأنه من الممكن أن يرى المرء السيف الحاد في كل مكان، والجلادين والجحيم والتعذيب والعقوبات، والتسلط حتى الموت أو الحياة، وهذا النوع من العبودية قد حتم ظهوره الخطية، فاسمع أيضا بولس يتكلم بحكمة عن هذا النوع من العبودية قائلاً “أَفَتُرِيدُ أَنْ لا تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاحَ” وقال أيضاً “ولكِن إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا”
ضرورة وجود حكام.
ترى إذن أنه يوجد رؤساء وسيوف لأولئك الذين يرتكبون الشر، فاسمع إذن هذا القول الواضح: “مُنْتَقِمُ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ”. ولم يقل : “أنه ليس عبثًا رئيسًا” بل يقول، ” لأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثاً”. إذ أقام لك قاض معززا بقوة السيف، لأنه مثل أب حنون له أبناء شتى، لا يكترثون به، فإنه بسبب حنوه، ولأجل صالحه يسلمهم لمعلمين صارمين هكذا الله أيضا فطبيعتنا التي لم تكترث به قد أسلمها بسبب صلاحه – إلى الرؤساء (لتأديبنا) كمثل معلمين ومربيين، حتى يردوا الناس مرة أخرى عن إهمالهم. ولكن إن أردت فلنوضح ذلك من العهد القديم أيضًا، لأنه بسبب شرورنا فقد استخدم الله هذا السلطان فأحد الأنبياء الغاضبين من الأشرار يقول الآتي: “سوف تتغاض عن الشرير الذي يبلع البار وسوف تجعل الناس مثل سمك البحر ومثل الزواحف لا رئيس لها”. ولهذا السبب فيوجد رئيس حتى لا نكون مثل الزواحف، ولذلك يوجد رئيس حتى لا نأكل بعضنا البعض مثل السمك، لأنه كما أن الأدوية قد وُجدت لأجل كل داء هكذا العقوبات وُجدت بسبب الخطايا، لأنه بكل تأكيد ذاك الذي يعيش حياة الفضيلة ليس بحاجة إلى تقويم، فاسمع ما يقوله بولس “أَفَتُرِيدُ أَنْ لَا تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاح”، فيقول “أن من يشاهد كي يرى أفعالك هو القاضي، فإن كنت تحيا باستقامة فلن يراك القاضي فحسب بل سوف يمدحك أيضا”، فلماذا أذكر ضرورة وجود الحكام؟ فهل أولئك الذين يسعون للعيش بالتقوى هل هم أفضل حالاً من الأخرين الأعظم منهم؟! لأن رؤساء الرؤساء هم الشرائع، ولا حتى ذلك الذي يحيا بالوداعة يحتاج النواميس، وهذا فلتسمعه من بولس إذ يقول : “أَنَّ النَّامُوسَ لَمْ يُوضَعْ لِلْبَارٌ” فإن كان الناموس لم يوضع لأجل الصديق، فكم بأولى ألا يكون هناك احتياج للرؤساء (لأجل البشر العاديين).
وهذا هو ثالث نوع من التسلط الذي قد ظهر للوجود بسبب الخطية والشر.
3- فكيف إذن يقول بولس “لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ ؟”، لأن الله هو الذي أنشاء ذلك السلطان لأجل فائدتنا. لأن الخطية هي التي أدخلت إلى العالم الحاجة إليه، ولكن الله قد جعله لأجل فائدتنا، فكم أن الحاجة للدواء قد أوجدتها الجراحات، غير أن جُرعة الدواء تعتمد على حكمة الأطباء، كذلك فإن الحاجة للعبودية قد سببته الخطية، غير أن تنظيمها على النحو الواجب يعتمد على حكمة الله.
تشتت المستمعين لمتابعتهم عامل يشعل مصابيح الكنيسة!
ولكن فلتنتبهوا ، وتطرحوا جانبا اللامبالاة، ولماذا أقول ذلك؟ أحدثكم عن الكتاب المقدس، أما أنتم فتتشتت عيونكم عني إلى المصابيح لتتابعوا مَنْ يشعل نور المصابيح، فيالها من لا مبالاة هذه أن تتركوني وتراقبوه، فأنا أيضا أشعل النار من الكتب المقدسة، ومن لساني يشتعل مصباح التعاليم ، وهذا النور أعظم وأفضل من ذاك النور، لأننا لا نشعل فتيلة مبللة بزيت مثل ذاك الرجل، بل أننا ننير نفوسا مرويةً بالتقوى، وبالرغبة في الاستماع . فذات مرة كان بولس يتحدث في عُلية ما، ولا يظن أحد أني أقارن نفسي ببولس لأني لم أجن إلى هذا الحد، ولكن لتعرفوا كم الاستعداد الذي يجب أن تظهروه لأجل الاستماع للتعاليم. فقد كان بولس يتكلم في عُلية ما وكان قد أمسى النهار مثل الآن تماماً، وكانت هناك مصابيح في العُلية، ثم سقط إفتيخوس من الشباك. ومع ذلك لم يفض سقوطه اجتماعهم، ولا حتى موته جعل المستمعون يقفون فقد كان كل اهتمامهم مُنصب إلى سماع التعاليم الإلهية، لدرجة أنهم لم يدروا حتى بسقوطه، أما أنتم لم تروا شيئًا عجبًا ولا أمراً غير عادياً بل شخصا يتمم عملاً اعتياديًا، فحولتم نظركم تجاهه، فأي مبرر عن هذا الموقف يمكن أن يستحق؟ فلا يظن أحد أن هذا اللوم لا يحتمل، لأنني لا ألومكم بدافع الكراهية بل لأنني أهتم بكم. لأنها “أُمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ، وَغَاشَةٌ هِيَ قُبْلاَتُ الْعَدُوّ.”
فمن فضلكم تيقظوا واتركوا هذه الأنوار وركزوا في نور الكتب الإلهية.
خاتمة عن اكرام الوالدين
لأني أريد أن أحدثكم عن شكل آخر من أشكال السلطة، والتي أصلها ليس من الخطية بل من طبيعتنا ذاتها. ما هي هذه السلطة؟ أنها سلطة الوالدين على أبنائهم، لأن هذا النوع من الكرامة يمثل مكافأة لهم لأجل تعبهم، لذلك يقول أحد الحكماء أخدم أولئك الذين أنجبوك كما لو كانوا سادتك ثم يعلل ذلك قائلاً ” لأنه ماذا يمكنك أن تقدم لهم عوضاً عما فعلوه لأجلك. فأي شيء يمكن للابن أن يقدمه من تعويض لوالديه؟ لا شيء آخر يعنيه سوى أن الوالدين هما الذين أنجبوكم أما أنت فلا تستطيع أن تولدهم. لذلك فإننا نشعر تجاههم بالصغر ومن جهة أخرى نزداد فخرا بهم وهذا يشرفنا، ليس فقط بسبب ناموس الطبيعة، لأنه قبل الطبيعة خوفنا هو من الله، كما أن الله يريد أن يكرم الوالدين بواسطة أبنائهم، وأولئك الذين يفعلون ذلك يكافئهم الله بوافر الخيرات والعطايا، بينما أولئك الذين ينتهكون ناموسه ينزل عليهم شديد عقابه من المصائب والشرور ، إذ يقول ” وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً”. أما عن أولئك الذين يكرمون أباهم وأمهم فيقول “أُكْرِم أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ”. فالشيخوخة الصالحة وطول العمر كخير عظيم يعتبرا مكافأة لأولئك الذين يكرمون والديهم، بينما أسوء شر ألا وهو الموت المبكر، فهذا يعتبر جزاءً لأولئك الذين يزدرون بوالديهم.
فهؤلاء في محبة ينجذبون نحو والديهم ( بدافع) وعد الكرامة، أما أولئك فبدون إرادتهم يبتعدون عن ازدراء والديهم خوفًا من العقوبة، لأنه لم يطلب فقط بأن يعاقب بالموت من يعتدي على أبيه ولا هذا العقاب نتيجة قرار من المحكمة بعد أن يسوقه إلى الساحة خارج المدينة، ولا أن تُقطع رأسه خارج المدينة، بل يسوقه والده بنفسه في وسط المدينة وبدون أي أدلة يكون قول أبيه مصدقا وحقا. لأن ذاك الأب الذي بذل ماله وقوته الجسدية وكل ما بوسعه لأجل ابنه، فإنه لا يتهمه أبدًا إلا إذا كان هذا الابن عاقا بدرجة لا تحتمل. فإنه يقوده إلى وسط المدينة ثم يدعوا كل الشعب ويتلوا التهمة، وكل مَنْ يسمع يأخذ كل منهم حجر ويرجمون ذاك الذي أعتدى على أبيه، والمشرع لا يريد أن يكونوا مشاهدين لعقوبة الرجم بل أن يكونوا مشاركين فى هذا العمل حيث يرى كل واحد في يمينه الحجر وهو يلقيها على رأس ذاك الذي اعتدى على أبيه، فيكون تذكير هام (عِبرة) لتقويمه، ليس هذا فقط بل أن المشرع يلمح لنا أن الذي يهين والديه لا يظلمهما فقط بل أنه يظلم كل البشر، لذلك فهو يدعو كل الناس حتى تشارك في عقابه كمن تعرضوا للإهانة ذاتها كلهم، ويجتمع كل الشعب في ذات المكان في المدينة، حتى يُعَلِم (يتعظ) الذين لا علاقة لهم بأولئك الذين يسيئون لوالديهم ولكي يسخطون من الإساءة للوالدين، حتى يدركوا أن الإهانة موجهة للطبيعة البشرية ذاتها، وأن ينبذوا مثل هذا الإنسان كمثل المرض المعدي أو الداء المنتشر ويطرده ليس فقط من المدينة بل من نور الحياة. لأن ذاك الإنسان مثل خصم وعدو مشترك لكل البشرية والله وللطبيعة وللشرائع ولحياتنا أجمعين، لذلك فهو يأمر كل فرد أن يشارك في المذبحة ( عملية (الرجم) كمن يقوم بتطهير المدينة.
أتمنى أن تكون الفوائد التي حصلتم عليها كثيرة، لأنكم قبلتم بكل سرور حديثي عن أولئك الذين يسيئون إلى والديهم، فأطردوهم ليس بالحجارة بل بأصواتكم، لأنه من الواضح أن كل واحد منكم قد أظهر لأبيه مقدارًا وافرًا من المودة، وهكذا عادة نندهش من الشرائع التي تعاقب الخطاة عندما لا نشارك نحن في فعل الخطايا، لكل هذا فلنسر من محبة الله للبشر الذي يعتنى بحياتنا، مظهراً عنايته بالوالدين وأيضا يعتني بالأولاد وكل شيء يرتبه لأجل خلاصنا الذي يليق به المجد والكرامة والسجود مع الأب غير المبتدئ والروح القدس والآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
- أي عبودية من الدرجة الأولى، حيث يري القديس يوحنا أن خضوع المرأة للرجل نتج من السقوط ويُعد بمثابة نوع من العبودية وإن كانت أخف أنواع العبودية.
- نستنتج هنا أن الخطية هي التي أوجدت هذا التمييز الحادث بين الرجل والمرأة، بينما قبل السقوط كانت المساواة بينهما هي السائدة.