رو5: 8 ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا

 

وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.“(رو5: 8)

+++

تفسير القديس يوحنا ذهبي الفم

“لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيرا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب، لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه. فبالأولى كثيرا ونحن مصالحون نخلص بحياته” (رو5: 8-10).

 قد يبدو هذا الكلام وكأنه نفس الكلام السابق، إلا أنه يبدو مختلف بالنسبة للشخص المدقق الذي يفحص المعنى بعناية. انتبه، فهو أولاً يريد أن يؤكد لهم على الخيرات التي تنتظرهم في الدهر الآتي. ويوضح كيف كان إبراهيم البار ينظر إلى إمكانية حصوله على تلك الخيرات، قائلا إنه “تيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضا” ، وهذه الخيرات قد تحققت بعد ذلك من خلال النعمة التي أعطيت لنا، ثم من خلال الضيقات، لأنها تقودنا إلى الرجاء، وأيضا من خلال عمل الروح القدس الذي أخذناه. لكنه برهن فيما بعد على هذا الأمر، من خلال الحديث عن الموت الذي ملك علينا وخطايانا السالفة. الواضح ـ وهو الأمر الذي أشرت إليه سابقا ـ أن الكلام يحمل بعدا واحدا ، لكنه في الحقيقة يحمل أبعاد ثانية وثالثة وأكثر من ذلك.
أولا : أنه مات. 
ثانيا : أنه مات لأجل الخطاة.
ثالثا : أنه صالحنا وخلصنا وبررنا وجعلنا أبناء وورثة.
الواضح أيضا أننا لن نكون أقوياء فقط في مواجهة الموت، بل نحن أقوياء بواسطة هذا الذي أعطي لنا بالموت . وإن كان من المؤكد أننا ونحن بعد خطاة قد مات المسيح لأجلنا، فهذا في حد ذاته يعد دليلاً على محبة الله التي لا توصف، أما من حيث أنه مات ونحن بعد خطاة وأعطى عطايا لا يعبر عنها، فإن هذه العطايا تفوق كل امتياز وتقود إلى الإيمان، حتى بالنسبة لمن فقد الحس تماما. لأن الذي خلصنا، ليس سوى ذاك الذي أحبنا بشكل فائق، على الرغم من أننا كنا خطاة، حتى أنه قدم نفسه للموت لأجلنا. أرأيت كم يساهم هذا الكلام المشار إليه في التطلع نحو خيرات الدهر الآتي؟ لأنه قبل أن يتحقق هذا ، كان هناك أمران يتسمان بالصعوبة يعوقان نوالنا الخلاص، لقد كنا خطاة، وكان ينبغي أن يموت الرب عنا لكي نخلص، وهذا يعني أن الخلاص كان يستحيل إتمامه بالفعل قبل (موت الرب)، وأن الخلاص كان تاج لمحبة غامرة، فإن كان كل هذا قد تحقق فما تبقى هو أمر سهل التحقيق، فلن يسود علينا الموت فيما بعد، لأننا صرنا محبوبين جدا.

إذن فذاك الذي قهر الأعداء وأذلهم، ألا يقدم لنا العون؟ الآن وقد صرنا محبوبين وحيث لا توجد حاجة بعد لأن يسلم ابنه للموت ثانية، فنحن نرى أن المرء لا يقدم على إنقاذ الآخر، لاعتبارات كثيرة، إما لأنه لا يريد ، أو لأنه لا يستطيع حتى ولو أراد، وهي أمور لا نستطيع بالطبع أن ننسبها لله، لأنه قد سلم ابنه (للموت). فمن حيث إنه يستطيع، فهذا ما أظهره لأنه قد بررنا ونحن بعد خطاة . إذا هل هناك عائق يمكن أن يمنعنا بعد ذلك أن نتمتع بخيرات الدهر الآتي؟ لا يوجد.

ثم بعد ذلك أيضا، ولكي لا تشعر بالخجل في المستقبل، إذ أنك قد سمعت كلمات مثل خطاة، وأعداء، وضعفاء، وجاحدين، فاسمع ما يقول:

” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة ” (رو5: 11).

فاصل

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

لأن المسيح إذ كنّا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفُجّار.

فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار،

ربّما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت،

فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب.

لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه،

فبالأولي كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته.

وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح

الذي نلنا به المصالحة [6-11].

هذا هو ما يعلنه الروح القدس فينا: محبّة الله الفائقة لمصالحتنا خلال الصليب؛ ويلاحظ في هذا الإعلان الآتي:

أ. يسمى الرسول هذا الإعلان “سكب محبّة الله في قلوبنا”. يوجد فارق بين المعرفة الفكرية للصليب التي يمكن أن نتمتّع بها خلال دراسة الكتاب المقدس، خاصة خلال شهادة الناموس والنبوّات التي مهدت أفكارنا لإدراك سرّ الفداء، أو سرّ محبّة الله بالصليب، وبين معرفة الخبرة التي يهبها الروح لأعماقنا في الداخل، حيث ينطلق بالنفس إلى الصليب لتلتقي بعريسها المصلوب، وتدرك حُبّه لها شخصيًا، فتلتهب بنيران المحبّة الحقيقية، وتشتهي أن ترد الحب بالحب.

ب. هذه المحبّة التي يسكبها الروح فينا ليست بجديدة بالنسبة لله، فهي في تدبيره الأزلي، لكنه حقّقها في الوقت المناسب لخلاصنا، أو “في الوقت المعيّن“، أو في “ملء الزمان”،إذ قيل:ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي (غل 4: 4-5).

ج. قدّم الله هذا الحب من أجلنا، وقد دعانا “ضعفاء”، “الفُجّار”، فمن جهة كنّا ضعفاء مغلوبين بالخطيّة ساقطين تحت سلطان عبوديّتها. وفي نفس الوقت دعانا “فُجّارا” إذ لم نستسلم لها عن ضعف فحسب وإنما التهبت فينا، فصرنا نمارسها بعنف بكمال حريتنا، عن معرفة أيضًا وفي تهوّر.

كخطاة نشعر أننا ضعفاء في حاجة إلى طبيب يعالج ضعفنا، واهبًا إيّانا القوّة عِوض الضعف؛ وفُجّار نحتاج إلى القدوس يهبنا الاتحاد معه لينزع فسادنا وتجبُّرنا ممارسين قداسته فينا.

د. أراد إظهار عظمة محبّة الله لنا، إذ قدّم السيد المسيح حياته لنا ونحن ضعفاء وفُجّار، فبحسب المنطق البشري بالجهد أو بالكاد يمكن لأحد أن يموت عن بار، وربما يجسر أحد ويخاطر بحياته من أجل صالح، أما أن يموت أحد عن فاجرٍ شريرٍ، فهذا يبدو مستحيلاً!

ما الفارق بين البارّ والصالح؟ جاء في كتب ربانيي اليهود أن البارّ هو من يقول لجاره كل ما هو لي فهو لي وكل ما هو لك فهو لك، وأن الصالح يقول لجاره كل ما هو لك فهو لك وكل ما هو لي فهو لك. بمعنى آخر البارّ يسلك بالعدل، فيعطي كل إنسان حقّه، متمسكًا بحقّه هو أيضًا، أمّا الصالح فيسلك بالحب يودّ أن يعطي ماله للآخرين. أمّا في مفهومنا المسيحي فالبار هو من يحمل برّ المسيح فيه، والصالح هو من يحمل صلاح المسيح فيه؛ وكأن البرّ والصلاح في حياتنا هما تجلّي سمتا المسيح في حياتنا.

لم يمت السيد المسيح من أجل صالحين وأبرار، وإنما من أجل الخطاة المقاومين له، الذي حملوا له العداوة.

v إن كان من أجل إنسانٍ فاضلٍ لا يسرع أحد بالموت عنه، فتأمل محبّة سيّدك إذ صُلب لا من أجل أناس فضلاء، بل من أجل خطاة وأعداء.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v أحبّنا ونحن نمارس العداوة ضده، ونرتكب الإثم، ومع ذلك فبحق كامل قيل: يا رب أبغضت جميع فاعلي الإثم (مز 5: 5). بهذا فإنه لأمر عجيب وإلهي أنه حتى حيث يبغضنا يحبنا، إذ هو يبغض فينا ما لم يخلقنا عليه… يبغض ما لم يصنعه فينا، ويحب ما خلقه فينا (يبغض الشرّ ويحب النفس مشتاقًا إلى خلاصها).

القدّيس أغسطينوس

ه. إذ يحدثنا الرسول عن ” برّ المسيح ” الذي تُعلن مكافأته بكمالها في الحياة العتيدة الأبدية، يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أراد في هذا الأصحاح تأكيد التمتع بالوعود الإلهية الخاصة بالمجد الأبدي، وذلك بالبراهين التالية:

* الإيمان بالله الذي وعد، أنه قادر أن يحقق وعده [1].

* النعمة التي وهبت لنا ونحن مقيمون فيها فعلاً [2].

* الضيقات التي تقدم لنا رجاء [3- 4].

* عطية الروح القدس الذي نلناه، يسكب حبًا في قلوبنا [5].

* أخيرًا موت المسيح بطريقة مملوءة حُبا، فقد مات، ومات من أجل الخطاة لا الأبرار، مات ليصالحنا ويخلصنا ويبررنا فيجعلنا خالدين وأبناء وورثة، دون حاجة إلي أن يموت مرة أخري.

هكذا ينتقل بنا الرسول من برهان إلي آخر، تارة خلال إيماننا بالله الذي وهبنا سلامًا معه فصرنا قريبين إليه، وأخري خلال نعمته العملية التي نقيم فيها فتفتح بصيرتنا للرجاء في السماويات، وثالثة خلال عمله معنا وسط الضيق، فيحوله إلي مجد نتذوق عربونه، ورابعًا خلال روحه القدوس الساكن فينا يعلن حب الله بلا حدود، وأخيرًا خلال التأمل في جراحات الرب وصلبه! هذه البراهين كلها تدفعنا نحو الثقة الكاملة في مواعيده الإلهية للتمتع بشركة أمجاده.

و. لا يقف الأمر عند اليقين بنوال الأمجاد الأبدية، إنما يقول الرسول: وليس ذلك فقط بل نفتخر (نفرح) أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة” [11]،ماذا يعنى هذا؟

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أننا ليس فقط ننعم ببركات الخلاص هنا ونترجى الأمجاد الأبدية إنما يصير الله نفسه مجدنا وفخرنا وفرحنا. تعامل معنا كصديق مع أصدقائه، وحبيب مع محبوبيه، فنفرح به أكثر من الملكوت (لو أن الملكوت أمر غير الله)، نريد شخص الله ذاته. بمعنى آخر نلنا المصالحة لا لننعم بشيء إنما ما هو أعظم أننا صرنا أحباء الله، ليس فقط نقف بجوار مجده كالقوات السمائية المُحبة له، إنما نحمله ساكنًا فينا جالسًا علي العرش!

ز. إذ يتأمل القديس كبريانوس في محبة الله هذه كما وردت في هذه العبارات الرسولية، يقول: [إذ نتأمل محبته ورحمته يليق بنا ألا نكون قساة ولا عنيفين ولا صارمين في تبكيت الأخوة بل نحزن مع الحزانى، ونبكي مع الباكين، ونرفعهم قدر ما نستطيع خلال عون وتعزية حبنا لهم، فلا نكون قساة جدًا ومتشبسين معهم نصدهم في توبتهم كما لا نكون متراخين جدًا ومتساهلين بتهور في قبول الشركة.]

 

فاصل

تفسير القمص أنطونيوس فكري

آية (8): “ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا.”

هل هناك حب أعظم من هذا أن يموت المسيح لإسترضاء الآب نحو هذا العالم والإنسان الخاطئ (1يو10:4).

زر الذهاب إلى الأعلى