سلطنة محمود بن مصطفى في سنة ١٧٣٤م
وفي أيامه كان الانكشارية الأتراك يحصلون من الأقباط ضريبة عن الانفس واشتدت ضيقهم بواسطة تركي من الاستانة رشي السلطان حتى أشترى أمتياز هذه الضريبة وجاء الى مصر وصار يحصل من هؤلاء الأقباط البؤساء اضعاف ما كان يحصل منهم الانكشارية.
وفي اثناء النصف الأول من القرن الثامن عشر عاش الاقباط بسلام لان المسلمين كانوا مشغولين بمقاتلة بعضهم الا أن قدرتهم الصناعية انحطت بسبب توالی نزول المصائب عليهم فلم تكن لهم قابلية تامة للتفنن في أتقان صناعتهم لا سيما ولم يكن في امكان القبطى أن يبقى في بيته شيئا يستحق السرقة و يستمر عنده يوما واحدًا.
وفي سنة ۱۷۳۳ م أمر حاكم كل قسم بان يفرض ضريبة على الأقباط الساكنين في دائرته وكانت تحصل منهم على ثلاث درجات الدرجة الاولى تدفع ٤٢٠ بارة عن كل نفس والثانية ۲۷۰ والثالثة ١٠٠. والزم البطريرك بدفع الضريبة عن القسوس والخدام ومع كل ذلك لم يصدر امر كان العرب يهجمون رسمی باضطادهم غير انه في الوقت الذي كان فيه المماليك يقاتلون بعضهم على البلاد و ينهبون البيوت و يقتلون الرجال و يسبون النساء . وانتهزوا هذه الفرصة مرة فهجموا على مدينة أخميم في الوجه القبلى وكان معظم سكانها من المسيحيين أهل الكد والعمل فنهبوها وخربوها وقتلوا كثيرا من أهلها.
وهكذا كان بين آن وآخر يحدث استبداد وضيق على الاقباط المسيحيين وعلى الذين أسلموا أيضًا بسبب اختلال النظام وفساد الأحوال.
ولما استولى العرب الهوارة على معظم بلاد الوجه القبلى انتمى القبط اليهم فادخلوهم في ذمتهم وحماهم فصار القبطى يخاطب العربي المنتمي اليه « بیدویی » والعربي يسمى القبطى الذى تحت حمايته « نصرانیی » وهكذا كانت عيشتهم في هذه المدة راضية نوعا بل ان الحكومة اضطرت لاحتياجها الى أناس ذوى فطنة أن تستخدم الكثيرين من الأقباط في أعمالها فقاموا بتنظيمها أحسن قيام فوضعهم كبار المسلمين وعظماؤهم والولاة والحكام موضع ثقتهم وسلموا اليهم ادارة المصالح والأشغال والحسابات وكثيرا ما كانوا يكنون باسمائهم فيقال مثلا المعلم غبريال السادات والمعلم يوسف الألفي والمعلم منقريوس المورلی وغير ذلك نسبة امخدوميهم الذين أعتقدوا فيهم الأمانة والاخلاص فعهدوا اليهم بمسائلهم الشخصية فكانوا يدبرونه أحسن تدبير وأدى ذلك إلى الاعتقاد بأن الأقباط على بينة تامة بالسحر والتنجيم والعرافة.
ومن ذلك قيل أنه في شهر يونيه سنة ١٧٣٤ م ادعي رجل قبطي من أهل التخيلات الفاسدة أن العالم سيقضي يوم الجمعة المقبل فذاع الخبر في كل مكان وحل الهلع في القلوب ولما سئل عن حقيقة الخبر قال مؤكدا احبسونی في أي مكان شئتم واذا لم يتم قولی اذبحونی” فزاد خوف الناس . ولما جاء الميعاد ولم يحصل شيء لم يكذبه الناس بل قالوا أن الأولياء التمسوا من الله أن يعفی عن العالم فعفى عنه.
وكان محظورا على الأقباط ومحرما عليهم زيارة القدس ففي سنة ١٧٥٣ م سعوا لينالوا تصريحا بزيارته ولو كلفهم ذلك المبالغ الطائلة ليرشوا بها الحكام . وكان لأحد كبار المماليك سكرتيرا قبطيا له نفوذ كبير عنده فتمكن بواسطته من مخابرة شیخ الجامع الأزهر فقبل أن ينظر في الأمر على شرط أن يدفع له مبلغ الف دينار لكي يصدر فتوى تبيح للاقباط الذهاب الى والعودة منه بسلام دون أن مكروه فدفع الاقباط هذا المبلغ وأصدر لهم الفتوى فكان سرورهم عظيمًا وتأهبوا للذهاب الى القدس وعينوا مكانا في الصحراء الشرقية الملاصقة للقاهرة ليجتمع فيه المسافرون ومنه يسيرون بطريق البر فكان يفد الى ذلك المكان كل يوم مئات من الأقباط رجالا ونساء وجهزوا الجمال اللازمة لحملهم وحضر لوداعهم كثيرون من أقاربهم ومعهم كثير من الهدايا الثمينة للقبر المقدس واستأجروا بعض العربان لحراستهم في الطريق فوصل الخبر الى مسامع المسلمين فتذمروا على عبد الله شیخ الجامع الأزهر الذي أصدر تلك الفتوى خصوصا لما علموا أنه أخذ رشوة قبل الافتاء و بقشيشا بعده فسخطوا عليه كثيرا . ولما رأي آن الانكار لا يجديه نفعا دعا جميع طلبة الازهر وكثيرين من الرعاع والاوباش وحثهم على اقتفاء اثر الأقباط وارجاعهم بالقوة قبل سفرهم فأسرعوا الى المكان الذي كان الاقباط يجهزون فيه أمتعتهم وانقضوا عليهم أنقضاض الصواعق والسيوف تلمع بایدیهم و بدأوا يفتكون بكل من يتمكنون من القبض عليه فترك الكل جميع أمتعتهم وفازوا من الغنيمة بالاياب فأخذ الثائرون الامتعة وعادوا بها فرحين مغتبطين وقد بذل أغنياء الأقباط مجهودا عظيمًا لارجاع ما فقد منهم من الأمتعة فضاعت مجهوداتهم عبثا.