الأنبا ابرآم أسقف الفيوم
واحد من أولئك الأشخاص النادرين الذين يرسلهم الله الى هذا العالم من حين إلى حين ليملأوه بالنور ، وليدرك الناس بالتأمل في حياتهم إلى أي قمة يستطيع الانسان الممتلىء من روح الله أن يسمو اليها . هو الأنبا ابرآم أسقف الفيوم الذي كانت حياته منارة ساطعة والذي انبعثت منه رائحة السيد المسيح الزكية في مصر ومنها إلى العالم الخارجي.
بدأ هذا الأسقف العجيب حياته الرهبانية في الدير المحرق باسم بولس الدلجاوی حیث عاش بضع سنوات اختير بعدها رئيساً للدير ومن الغريب أن بعض الرهبان تذمّروا عليه لسخائه المتناهی زاعمين أنه بذلك يبدد أموال الدير! ولكونه رجل روحاني يتبع خطوات ملك السلام فقد رأى حسماً للنزاع – أن يغادر دیره ويذهب ليعيش في دير البرموس . وهكذا شاءت العناية الإلهية أن يزامل يوحنا الناسخ الذي أرتبط به بمحبة أخوية فلما نال الناسخ البرموسي الكرامة الباباوية، ثم وجد بعد ذلك أن أهل الفيوم في حاجة إلى راع يعرف معنى السهر أختار لهم بولس الدلجاوي ورسمه أسقفا لهم باسم ابرآم .
ولقد تميز هذا الأسقف بمواهب روحية عظمی : فقلبه قد فاض بالمحبة المغامرة التي جعلته پستشعر أحاسيس الجميع داخل ایبارشيته وخارجها ؛ وكان يختلج بخلجاتهم ويتجاوب مع انفعالاتهم . كذلك منحته النعمة الالهية موهبة الشفاء.
وكان قلبه ينبض حنانا على الناس فكان يكتفي بالقوت الضروري فقط وبثوبه الرهباني البسيط ليوزع كل شيء على المعوزين . ومن القصص الوفيرة التي يرونها من عرفوه القصة التالية : جاءه فقير ذات يوم ليشتكي من شدة البرد ، فأمر الانبا ابرام تلميذه بأن يعطى لحافه الخاص لهذا الفقير. فأعترض التلميذ بأنه اللحاف الوحيد الباقي لديهم فبماذا سيتغطى الأسقف نفسه؟ أجابه : أعطه له وسيرسل لنا الله الغطاء اللازم لنا ولكن التلميذ لم يقتنع وحاول أن يعارض مرة أخرى بينما استمر رجل الله يطلب تقديم اللحاف . وأثناء مطالبة الأسقف بالعطاء ومحاولة التلميذ إقناعه بالرفض إذ بعربة « کارو » تقف أمام باب الدار الأسقفية ثم تدخل سيدة مسرعة نحو الراعي الحنون وتخبره بأنها أحضرت عشرة ألحفة وفاء النذر عليها . فالتفت الأنبا ابرام إلى تلميذه وقال : أرأيت أن الله أعطانا عشرة أضعاف ما كنا سنعطيه ؟ بل لقد أعطانا أكثر لأن
اللحاف الذي كنا سنوزعه قديم في حين أن الألحفة العشرة جديدة ، فأعط السائل الآن لحافاً جديدا وأمتلأ التلميذ خجلا وذهب في صمت وأعطى لحافا لطالبه وحمل التسعة الأخرى إلى الداخل.
ولقد ذاع صيت الأنبا ابرام خارج الحدود المصرية فأراد الكاتب الانجليزي لیدر ان يراه ، فتفاهم مع بعض أصدقائه من محبي رجل الله لكي يوصلوه اليه . وبعد أن تحدد موعد الزيارة حاول الأصدقاء القبط أن يقنعوا الأنبا ابرام بمقابلته في بيت أحد الوجهاء في الفيوم . لأن الغرفة التي يقطنها على جانب كبير من التقشف : سريره والى جانبه مائدة خشبية وبعض الكراسي ثم دولاب في زاوية منها . ولكن الأسقف الجلیل رفض باصرار أن يغادر غرفته . وعلى ذلك جاء لیدر وزوجته إليه في مقره . ويحكي هذا الرجل عما ملأه من مشاعر الرهبة والدهشة والخشوع عند مرأى رجل الله جالساً على سريره . وبعد حديث قصير صلى الأنبا ابرام . وقرب نهاية صلاته ردد “كيرياليسون” إحدى وأربعين مرة . وبما قاله ليدر أنه حين بدأ الأسقف الوقور يقول كيرياليسون كان يحس بأن رحمة الله تهبط عليه بالفعل وتظلله هو وزوجته.
ولقد انطلق هذا القديس من أسر الجسد في 25 نوفمبر سنة ۱۹۲۱م . وقد ضم البابا كيرلس السادس اسم الأنبا ايرآم إلى سجل القديسين الذين تقال أسماؤهم ضمن صلوات القداس ، ومذاك وهو بذكر معهم .
من كتاب قصة الكنيسة القبطية ج5 أ إيريس حبيب المصري