المنارة والأجراس
المنارة للكنيسة كالسارية للسفينة. وقد شبه هرماس الكنيسة في كتابه “الراعي” بأنها “برج مقام وسط المياه” والمنارة في حقيقتها هي برج لأجراس الكنيسة، يعلق في أعلاها صليب غالبا ما يكون مضينا في الليل، فتظل الكنيسة مرئية في النهار كما في الليل، تشفي كل الناظرين إليها بإيمان.
والأصل في المنارة أن تحمل النور، أي أن يوضع في أعلاها مصباح يرشد السائرين في الظلام. وهو تعبير سري عن وضع الكنيسة في العالم باعتبارها مركز النور ومصدر روح الله الذي يرشد الساعين في ظلمة هذا العالم يقصدون المسيح له المجد والواقع أن بعض الكنائس الأولى استخدمت فيها المنارة فعلا لإرشاد الناس كما نعلم من قصة قنديل كنيسة مارمرقس في الإسكندرية الذي أرشد سفينة الخليفة وهي تائهة في أعماق البحر حتى أوصلها إلى الميناء، الأمر الذي جعله يخصص وقفا بحجة رسمية للصرف على إنارة هذا القنديل مدى الحياة.
أما أبراج الأجراس فلم تُعرف في الشرق قبل العصور الوسطى. ويقول بتلر A. Butler الذي زار كنائس مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر : ”…. لا توجد في القاهرة أية كنائس لها برج أو منارة بطرف مدبَّب. ولا يوجد في العمارة القبطية العادية ما يماثل برج الأجراس البيزنطي أو المئذنة الإسلامية، ولكن تظهر هذه الخاصية ليس عن كراهية من جانب الأقباط للأجراس، ولكن لأن المسلمين يحظرون استخدامها. وطبقاً لذلك فإننا نجد منائر الأجراس مازالت موجودة ومستخدمة في أديرة الصحراء بوادي النطرون وغيرها من الأماكن البعيدة حيث لا توجد فرصة للتدخل الإسلامي والموقع الذي تحتله المنارة بالنسبة للكنيسة فهو غير محدد تماماً، ولكنه منفصل عن المبنى دائماً.
ويذكر ابن سباع في كتابه “الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة”، وعنه نقل من أتى بعده أن الأجراس أخذت عن نوح، إذ كان يضرب النواقيس ثلاث مرات في اليوم لأجل اجتماع الصناع للعمل في السفينة، وكذلك لمواعيد الأكل. وهو أمر يعوزه الدليل.
ولقد حلت الأجراس في الكنيسة محل أبواق العهد القديم. والثابت من كتب الآباء أن البوق كان هو الوسيلة الأولى قبل استخدام الأجراس. فتقول قوانين القديس باخوميوس أب الشركة: “على كل راهب أن يترك قلايته فور سماع البوق للذهاب إلى الكنيسة“ (القانون الثالث في اليوناني). وقد استمرت هذه العادة حتى زمن القديس يوحنا الدرجي رئيس أديرة طور سينا في القرن السادس.
ولقد أشار القدّيس يوحنا كاسيان إلى مطرقة من خشب لقرع أبواب القلالي، وكذلك أيضا المؤرخ بلاديوس. وبحسب شهادة القدّيس جيروم (٣٤٢-٤٢٠م)، ففي أديرة الراهبات في فلسطين كانت الأم باولا Paula قد استحدثت وسيلة أخرى وهي أن تتولى إحدى الراهبات ترتيل ”هلليلويا” أمام باب كل قلاية للدعوة للصلاة.
وعموما لم يكن في الكنيسة حتى القرن الخامس أجراس تدق للدعوة للعبادة حسبما هو ثابت من الكتب والآثار المسيحية القديمة مثل مباني الكنائس القديمة.
وتعتبر الكنيسة القبطية من أقدم الكنائس في استخدام الأجراس، ويذكر المقريزي (١٣٦٥- ١٤٤١م) أن أبوليناريوس Apollinarios مبعوث الإمبراطور جوستنيان Justinian (٥٦٥٥٢٧) كان يدق الأجراس في اليوم الأول من الأسبوع بالإسكندرية لدعوة الناس لسماع خطاب الملك.
وبدأت الكنيسة الغربية في استخدام الأجراس منذ القرن السادس أو السابع حيث يبدو من دراسة المؤرخ الكاثوليكي بارونيوس Baronius أن استخدام الأجراس في الغرب كان في عهد البابا سابيانوس حوالي سنة ٦٠٤م. أما غريغوريوس أسقف تورس Gregory of Tours (٥٩٤٥٤٠م) فهو أول كاتب مسيحي يذكر أجراس الكنيسة في كتاباته، وكان ذلك في سنة ٥٨٥م. ومع حلول القرن الثامن تعمم تقريبا استخدام الأجراس في كل كنائس الغرب. ومنذ هذا التاريخ صار الأسقف يبارك الأجراس حيث يرش عليها ماء مُصلى عليه، ويمسحها بالميرون.
واستخدمت الأجراس في اسكتلندا بدءًا من القرن السادس، وفي إنجلترا في القرن السابع، ولكنها انتشرت في الكنيسة الغربية ابتداء من القرن الثامن. أما الكنيسة اليونانية فاستخدمت الأجراس في نهاية القرن التاسع حيث أن بناء أبراج للأجراس قد بدأ في عهد الإمبراطور ميخائيل سنة ٨٦٥م، والذي بني برج الجرس (المنارة) في كنيسة أجيا صوفيا، وعلق فيه اثني عشر ناقوساً. أما الموارنة فإنهم يستخدمون لوحين على شكل لسان جرس كبير.
وفي مصر صدر أمر سنة ٨٥٠م بمنع دق أجراس المنارة. وفي سنة ١٠٠٠م صدر أمر آخر بمنع بناء المنارات، فاستعمل الأقباط لوحا من الحديد يُضرب بمطرقة وحتى هذا أيضا منعوا من استخدامه في سنة ۱۳۲۵م. وفي زمن البابا مرقس الثالث (۱۱۵۷ – ۱۱۸۰م) البطريرك الـ ۷۳، نُزعت الصلبان من فوق الكنائس وطليت قبابها وأسوارها باللون الأسود، ومنع دق الأجراس. ولم يُسمح ببناء المنارات ودق الأجراس إلا في عهد محمد على باشا. ولكن يقول بتلر A Butler : “واليوم (أواخر القرن التاسع عشر ) فإن صوت هذه الأجراس لا يُسمع إلا في براري الصحراء“.
وتدق الأجراس لدعوة المؤمنين للصلاة، وفي الأعياد ابتهاجا، وفي الأحزان اشتراكاً، وعند تقديم الحمل إعلاناً لملك المسيح على قلوبنا، وبعد التناول لإعلان انتهاء الوليمة السماوية على الأرض كأعظم عيد تقيمه الكنيسة كل يوم.