ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع

 

” ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع الذي احتمل الصليب” (عب ۲ : ۱۲)

الذين قبلوا أن يكون صليب المسيح هو صليبهم ؛ لا يعودون يخافون شيئا في هذا العالم ، لا فقر ولا مرض ولا عداوة إنسان ولا ظلم بشر ، ولا وقلة أيام ولا موت مفاجئ ، ولا حوادث تبدو مزعجة أو أخبار تبدو معاكسة . لأن كل شيء يذوب ذوباناً في صليب المسيح ويتحول إلى قيامة ومجد أبدي .

والذين دخلوا في عهد الله ، أي الصليب ؛ استهانوا بالحياة على الأرض جملة واحدة ، استهانوا بالأكل والشرب واللبس والراحة والمال والكرامة والعزاء البشري ومطالب العاطفة . وعوض ذلك يأخذون ما هو أعظم وما هو أهم جداً وما هو حق وليس فيه غش أو خداع أو زوال أو موت . يأخذون اسم الله الحي الذي به يعيشون ويتعزون ، وعليه يسندون إيمانهم .

الذي ارتضى أن يكمل وصية المسيح الأولى والعظمى ، أي أن يحمل صليبه ويتبعه؛ عليه أن يفتش باهتمام شديد في كل خطوة يخطوها ، حتى لا يبتعد قط عن المسيح وإياه مصلوباً ، لئلا يحمل الصليب عبثاً إن هو سار حسب مشيئته ، ولم يتبع المسيح تماماً. ولكي نتبع المسيح تماماً؛ يلزم أن يكون العالم خلفنا على الدوام ، وصورة الصليب لا تفارق قلبنا ، وشوك العالم يُكلل رأسنا.

دعوة المسيح سرية ، لا يلتقطها القلب المشغول بآخر ، أما منتظرو والرب فيسمعون همس صوته من بعيد ويفرحون ، لأنه حينما يتكلم المسيح مع الإنسان تبتهج روحه ، بل وحتى عظامه تفرح .

 إن وجد قديسون وشهداء قد احتملوا أفظع الآلام ؛ إلا أن نموذج الرب يسوع المسيح يظل فريداً من نوعه حقاً ، لأن آلامه وتعاذيبه أكثر وأشد .

إن من ينظر إلى صليب المسيح ثم يتفكر فيما جازه من آلام ؛ يصبح ما هو يعانيه هو من آلام وكأنها شركة معه . فكل ألم نجوزه على طريق الخلاص والجهاد في الإيمان لحفظ الوديعة قد أصبح محسوباً لنا في شركة الامه . مع العلم أن الشركة في الآلام لا تبقى محصورة في الآلام بل تمتد إلى النور والسلام لتصبح شركة في مجد نعاينها كلما نظرنا إليه ، وتملأ قلبنا وفكرنا كلما تفكرنا فيه .

حينما نُثبت نظرنا الروحي القلبي في يسوع المتألم وهو على الصليب ويحيطه الخزي والعار والمهانة والبصاق واللعنات ، يرتد إليك نظرك بنظره هو ليفحص قضيتك ، فقد صارت قضيته هي قضيتك ، وآلامك آلامه ، لأنه إنما صلب واحتمل الخزي والعار من أجلك ، وأنت الآن تطابق المثيل على المثيل فتحمل الآلام والخزي والطرد والمذلة من أجله ، فكيف لا يهبك إيمانه ؟ كيف لا يهبك صبره وقوة احتماله وسر نصرته ؟ “في كل ضيقهم تضايق” ، ” وبحبره شفينا “. ألا نصلي في الأجبية اقتل أوجاعنا بالامك الشافية المحيية ؟

وحينما يقول : « ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله” ، فهذا يعطينا الرجاء الحي المبارك أن ما نقص من إيماننا هو يكمله ، فالذي نخاطبه في القداس : ” أكملت ناموسك عني ، فبالأولى جداً أن يكمل إيماننا .

 

فاصل

من كتاب الإنجيل في واقع حياتنا للأب متى المسكين

زر الذهاب إلى الأعلى