كتاب قصة الإنسان - القمص متى المسكين

النبوات التي جاءت عن المسيا

1 ـ الله في جنة عدن:

المسيا المخلص في الوحي المقدس بلغة أنبياء العهد القديم [ شخصية غامضة، موجودة ولكن غير منظورة، سوف تتراءى يوماً من الأيام لتكمل كل مشتهى الإنسان].

أول إشارة عن المسيا تجيء من الله رأساً بالنسبة للعداوة المتأصلة بين الشيطان، ممثلاً في الحية، وبين نسل المرأة. ولكن الحرب غير متكافئة ، خاصة حينما يجيء «أبن الإنسان» نسل المرأة الموعود « هو يسحق رأسك ( أي يقضي عليها وعلى نسلها)، وأنتِ تسحقين عقبه » ( تك 3: 15) (العقب يمثل الجسد في أضعف مواضعه).

هنا الرب الإله يكشف عن النهاية المحتومة، بعد عداوة ممتدة للشيطان مع بني الإنسان .

كذلك يكشف الرب عن جزاء النقمة، الذي سيناله الشيطان من أبن الإنسان، عوض ما فعله بالحيلة والمكر والخداع ، مع آدم رأس الخليقة. وواضح هنا أن الله وضع نفسه في صورة قوة في صف نسل المرأة ، ضد الشيطان ممثلاً في الحية.

2 – إبراهيم مختار الله :

أعطي وعداً أنه سيصير من نسل إبراهيم من « يتبارك به جميع أمم الأرض» (تك 18: 18)، إشارة إلى المسيا الموعود به : «وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (تك 12: 3). أما البركة الثانية التي نالها إبراهيم، فهي البركة الكهنوتية من ملكيصادق، أي ملك البر، «كاهن الله العلي » ( تك 14: 8)، وهو شخصية تحيط بها أسرار كثيرة، وأخطر ما قيل فيه أنه : «مشبه بإبن الله » (عب 7: 3)، فهو شـخـصـيـة تـمـثل «المسيا» في ظهوراته في العهد القديم. وثالث بركة قالها له الله : « لأني أجعلك أباً لجمهور من الأمم ، وأثمرك كثيراً جداً وأجعلك أمماً، وملوك منك يخرجون . » (تك 17: 5 و 6).

كل هذه المواعيد والبركات تمت بالفعل في نسل إبراهيم الذي منه خرج الرب يسوع حسب الجسد، وصار بتعبير سفر الرؤيا: «ملك الملوك ورب الأرباب» (رؤ 19: 16) بالمفهوم الروحي الأخروي.

أما البركة الرئيسية التي نالها إبراهيم من فم الله بقسم، وهذه أول وآخر مرة يقسم فيها الله بذاته، فبعد طاعة إبراهيم الله في تقديم أبنه وحيده محبوبه إسحق، الذي كان في طاعته وتقديمه للذبح نموذجاً فريداً رمزياً لتقديم المسيح أبن الله ذبيحة. وكما رجع إسحق حياً كذلك قام المسيح حياً ؛ لكن إسحق افتدي بخروف ، أما المسيح فكان هو حمل الله الذي صنع به فداءً للعالم كله .

3ـ يعقوب :

وفي يعقوب كرر الله عهده بالبركة الشاملة ، لا لشعب إسرائيل أي اليهود فقط ، بل لكل أمم الأرض كما وعـد يـعـقـوب : « و يتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض.» (تك 28: 14)

4 ـ (أ) موسى :

أما موسى، فيشير إشارة مقتضبة، ولكنها غاية في الأهمية، إذ يعلق عليها كاتب سفر الأعمال بأنه كان يشير بها إلى المسيا الآتى ، مسيح الرب، يسوع الذي سيقوم، مثل موسى، بعملية خروج أخرى أعمق وأشمل وأبلغ ، من تحت نير فرعون آخر أشد شراسة وحيلة وعناداً وعداوة حقيقية لكل متغرّب على الأرض كلها، الذي يسخّر أسراه إلى أن يُدخلهم القبور ـ هذا هو نبي الخروج ، والثاني الذي أشار إليه موسى : «هذا موسى الذي أنكروه قائلين من أ أقامك رئيساً وقاضياً، هذا أرسله الله رئيساً وفـاديـاً بـيـد الملاك الذي ظهر له في العليقة، هذا أخرجهم صانعاً عجائب وآيات ( إشارة جديدة إلى المسيح ) في أرض مصر وفي البحر الأحمر وفي البرية أربعين سنة، هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل : نبياً مثلي ( نبي الخروج) سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون.» (أع 7: 35-37)

4- (ب) بلعام بن بعور:

هذا عراف استدعاه ملك موآب ، وهو أعدى أعداء إسرائيل، ولكن كانت لبلعام عين مكشوفة ، يرى الرؤى وهو يقظ ، و يتكلم بما يرى ، هذا دعاه بالاق ملك موآب ليلعن إسرائيل، فظهر له الرب وحذره من أن يلعن إسرائيل، وكاد يوقع به الله بسيف الملاك المسلول على رقبته وهو راكب أتانه ، التي نطقت تو بخه ، فتكلم أخيراً بعد ثلاث مرات من محاولات بالاق، وفي كل مرة يبارك ولا يلعن ، لكن في آخر بركة يتراءى له المسيا » الآتى ، قوة إسرائيل الحقيقية، المخفية وراء مظاهر سلوكياته الجيدة والرديئة : « وحي بلعام بن بعور، وحي الرجل المفتوح العينين ، وحي الذي يسمع أقوال الله و يعرف معرفة العلي، والذي يرى رؤيا القدير ساقطاً وهو مكشوف العينين: أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريباً، يبرز كوكب من يعقوب «أنا هو كوكب الصبح المنير » (رؤ 22: 16)، « ويقوم قضيب (ملك) من إسرائيل فيحطم طرفي موآب و يُهلك كل بني الوغى» (عد 24: 15-17). هذه صورة المسيا مسيح الرب التي رآها عراف أجنبي، ليس من بني إسرائيل، ولكن الوضوح الذي يحيط بالرؤيا والكلمات المحكمة غاية في  الغرابة والعجب، وخاصة أنها حدثت في أيام موسى وهو لا يزال حياً !! ولو يتذكر القارىء أنه على أساس هذه الرؤيا المحسوبة، قام حكماء المجوس المنجمون من بلاد المشرق، عندما رأوا هذا الكوكب بأوصافه وأزمنته المحسوبة ، وجاءوا حيث كان مولد الصبي، وسجدوا له، وقدموا له هدايا الملوك ، ذهباً ولباناً ومراً، باعتبار أنه ، حسب هذه الرؤيا ، حامل «قضيب» يعقوب .

5 – (أ) إشعياء :

«لأنه يولد لنا ولد ، وتُعطى ابناً ، وتكون الرئاسة على كتفه ، و يدعى أسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً… على كرسي داود ومملكته ليثبتها و يعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا. » (إش ٩ : ٦و٧).

+ هـنـا بـعـد وصول الوحي إلى أقصى نقطة في التعبير عن من هو المسيا «إلهاً » يعود إلى بيت داود مرة أخرى :

+ «ويخرج قضيب من جذع يسى، و ينبت غصن من أصوله ، ويحل عليه روح الرب… و يكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم رايةً للشعوب إياه تطلب الأمم و يكون محله مجداً.» (إش 11: 1 و 2 و 10)

+ هنا المسيا يعمل بروح الرب ، ولكن لحساب أصل يسى .

5 – (ب) إشعياء :

أكثر نبوءات إشعياء تداولاً عن ميلاد المسيا الميلاد الإعجازي الذي جعله الله آية المسيا للتاريخ ، أو معجزة تاريخ الإنسان لبيان أهمية وضخامة خلاصه ، كيف أوقف التناسل من آدم وتدخل هو بروحه القدوس ليغير من مسار التسلسل الآدمي والميراث البشري، فتلد العذراء بدون رجل :

– «يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو أسمه عمانوئيل.» (إش 7: 14)

وفي موضع آخر يكمل أوصاف المسيا، وكيف سيحل عليه الروح القدس المتعدد الصفات، هكذا :

– «ويخرج قضيب من جذع يسى، و ينبت غصن من أصوله ، ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة ، روح المعرفة ومخافة الرب.» (إش 11: 1 و 2)

– «هوذا عبدي الذي أعضُده، مختاري الذي سرَّت به نفسي، وضعت روحي عـلـيـه فيخرج الحق للأمم ، لا يصيح ولا يرفع، ولا يُسمع في الشوارع صوته ، قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفىء.» (إش 42: 1-3)

و يصف إشعياء النبي يوحنا المعمدان كنبي يتقدم طريق الرب ليعده أمامه :

-«صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الـرب قـوموا في القفر سبيلاً لإلهنا . » (إش 40: 3)

-«هوذا إلهك ، هوذا السيد الرب بقوة يأتى …» (إش 40: 9 و 10)

وعن يوحنا المعمدان الصابغ السابق لمجيء المسيا يتكلم ملاخي النبي بغاية الوضوح في آخر نبوته :

– «هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء (المعمودية) وقلب الأبناء على آبائهم ( التوبة ) . » ( مل 4: 5 و 6 )

5 – (ج ) إشعياء :

يشرح طريق الخلاص المرير الذي أكمل به المسيا حمل خطايا البشرية في روعة وبهاء ومجد، في إش 50: 6 .

+ هنا صورة أخرى مكملة للمسيا العبد المهان الذي سوف يجعل عبادة الله تصل إلى أقصى المسكونة ، ويجعل حق الله ووصاياه كالنور والهواء ، تراه وتستنشقه كل نسمة، ولكن ليس مجاناً، لكنه سيبلغ غاية إرساليته من خلال المعاناة والآلام والعار والفضيحة إلى أقصى حد حتى الموت، لكي يبرر الفاجر ويحمل إثم الجميع ؛ و يصف إشعياء كل حوادث الصلب والموت :

-«السيد الرب فتح لي أذناً ثقب الأذن علامة رضى العبد بالعبودية) وأنا لم أعاند ، إلى الوراء لم أرتد ، بذلت ظهري للضار بين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن خزي البصاق . » (إش 50: 5 و 6)

-«كان منظره مفسداً أكثر من أي إنسان ، وصورته أكثر من كل بني آدم .» (إش 52: 14)

-«لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن ، نشيح بوجوهنا عنه ، محتقر فلم نعتد به . لكن أحـزانـنـا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصاباً ومضروباً من الله ومذلولاً . وهو جُرح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه وبضرباته (جلداته) شفينا .

كلنا كغنم ضللنا ، ملنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا . ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح ،فاه كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام الذي يجزها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء.

إنه ضُرب من أجل ذنب شعبي . وجعل مع الأشرار ،قبره ومع غني عند موته . على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش !! أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن ، إذ الرب جعل نفسه ذبيحة إثم . وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها . سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة، وهو حمل خطيئة كثيرين، وشفع في المذنبين !! » (إش أصحاح ٥٣ كله).

6ـ إرميا :

-«ها أيام تأتى ، يقول الرب ، وأقيم لداود غصن بر، فيملك ملك و ينجح ، و يُجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا و يسكن إسرائيل آمناً ، وهذا هو أسمه الذي يدعونه به : الرب برنا.» (إر 23: 5 و6 )

+ هنا يحدد الوحي اسم المسيا الوظيفي ، ولكن لحساب داود !!!

7- حزقيال :

-«وأقيم عليها راعياً واحداً، فيرعاها عبدي داود، هو يرعاها وهو يكون لها راعياً، وأنا الرب أكون لهم إلهاً ، وعبدي داود رئيساً في وسطهم أنا الرب تكلمت ، وأقطع معهم عهد سلام… فيسكنون في البرية مطمئنين . » (حز 34: 23-25)

+ هنا المسيا يظهر في هيئة الراعي، ولكن لحساب يهوذا.

8- (أ) زكريا :

-«إبتهجي يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم ، هوذا ملكك يأتى إليكِ . هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش أبن أتان… أنهضتُ أبناءكِ يا صهيون … وجعلتك كسيف جبار» ( زك 9: 9و13) . في هذه يكون تواضع المسيا لحساب صهيون .

+ في هذه النبوات كلها يبرز الوحي صورة المسيا كشخص إلهي مهيب، له رسالة خلاص وحب ووداعة ورعاية وسلطان، تفوق تصورات اليهود، لكن الكلمات تضع هذه الصورة غير المحدودة الأزلية والأبدية معاً لحساب إسرائيل و وطن إسرائيل، وأمان ورجاء وانتقام لمجد الشعب اليهودي، في حين أن الوحي يرى في إسرائيل ويهوذا وأورشليم وصهيون وداود والملك ، يرى في هذا كله وضعاً جديداً روحياً على مستوى ما رآه بولس الرسول في الرسالة إلى العبرانيين :

– «بل قد أتيتم إلى جبل صهيون، وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار . » (عب 12: 22 و 23) .

8- (ب) زکریا

هنا يكمل النبي آخر منظر من مناظر المخلص على الصليب، و يصف الطعنة التي تلقاها جسد المسيا في جنبه و يشرحها شرحاً عجيباً حقاً على مستوى واقعي سري ، ولكن من وراء حُجب الزمان، فكما فاض من جنبه المطعون دم وماء ، يرى النبي أنه قد فاض بالمقابل – وكأنه الثمن المثمّن – روح النعمة وقوة الصلاة المستجابة :

-«وأفـيـض على بـيـت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات، فينظرون إلي ( أنا ) الذي طعنوه و ينوحون …» (زك 12: 10)؛

-«في ذلك اليوم يكون ينبوع مفتوحاً لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية والنجاسة» (زك 13: 1).

إن رؤيا زكريا تحمل تكديساً من المعاني العميقة المخفاة في اقتضاب شديد ، ولكن غنى الروح لا يحتاج إلى كثرة كلام.

أما المعنى المستتر فهو أن بيت داود وسكان أورشليم، الرؤساء والمعتبرين والكهنة العظام وأكابر مشرعي الناموس الذين كان عليهم أن يستقبلوا المسيا لـيـجـلـسـوه على كرسي داود ، إذ بهم قد فتحوا لأنفسهم بأيديهم في جنب المسيح – جنقاً لا حباً ـ بطعنة الحربة ، ينبوعاً فاض عليهم لا للنقمة ولكن لغسل خطاياهم وتطهير نجاساتهم . صحيح أن العالم عندما سيراه بجنبه المفتوح سيخر بالتهليل ساجداً، والملوك بالفرح سيطرحون تيجانهم مع الشيوخ ، وغطى العالم بروح النعمة والتضرعات فعلاً ، وأما الذين طعنوه فسينوحون وأي لأن ينـ ، ينبوع جنبه فاض نوح !!

كذلك وفي نفس الرؤيا، ومن وراء هذه الكلمات، يتضح أن بمجيء المسيح وجروحه ظاهرة، يبدأ ملكوته بمنظر الدينونة، والنائحون وكأنهم كالجداء على الشمال، وذو و النعمة والتضرعات كالخراف عن اليمين.

وهكذا كان صوت الوحي واضحاً على مدى الأسفار والأجيال، يبشر بمجيء الذي سيتكفل بإبطال الخطية وتحرير الإنسان من عبودية من له سلطان الخطية والموت ، لأن أنين الإنسان لم يكف أمام الله منذ آدم حتى المسيح ، وأنين الإنسان هو الذي من خلاله كان يتكلم الآباء بالروح :

-«وحينما أقام الرب لهم قضاة ( وأنبياء ) ، كان الرب مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي ، لأن الرب ندم من أجل أنينهم بـ بسبب مضايقيهم ومزاحميهم . وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر من آبائهم وراء آلهة أخرى لـيـعـبـدوها ويسجدوا لها، لم يكفوا عن أفعالهم وطريقهم القاسية . » (قض 12: 18 و 19)

وقد عرفنا أن الله ، إذا استبد بالإنسان الألم والمعاناة، فإنه ينزل بنفسه ليرى ويسمع ويخلص كما حدث في مصر. كما عرفنا عن الله أيضاً أنه إذا استبد الإنسان بالإثم والفجور فإنه ينزل أيضاً ليحرق و يدمر ، لا الإنسان فقط ، بل والأرض وكل ما عليها كما في سدوم وعمورة .

فالله لم يكن ولن يكون بعيداً عن الإنسان المتألم والمهان، كما قد يعتقد الإنسان المظلوم ، ولا عين الله بعيدة أبداً عن الفاجر والمتمادي في غيه كما قد يظن .

لكن الحقيقة البشرية التي كانت تنخر في عظام الإنسان منذ آدم، هي أنه لا خلاص من الخطية بكل الإمكانيات التي أُتيحت للإنسان، فالإنسان ظل يكتم في أعماقه حالة من الفصام مقلقة للغاية، بين واقعه الأليم وآماله وتطلعاته العريضة نحو حياة أفضل مع الله : «لأن الإرادة حاضرة عندي ، وأما أن أعمل الحسنى فلست أجد» (رو 7: 18)، بالرغم من حرية إرادته التي يعتز بها. وهكذا انغرس مع الخطيئة في ضمير الإنسان صراخ مكتوم نحو طلب الفادي الذي يستطيع أن يستبدل ميراث الإنسان الجسدي المحظم، وبهبه ميراثاً آخر يعيش على ضمير بلا خطية ، لا جزافاً ولا مجرد إيهام، بل على واقع روحي يشهد له السلوك والتصرف والعمل اليومي، شهادة تتساوى مع طموح الإنسان في الخير والسعادة والسلام والفرح والطهارة والتعفف مع الله.

و باختصار، وبمنطق بولس الرسول ، كان الإنسان يود لو أن يُستبدل آدم رأس ومصدر ميراثه الإنساني بآدم آخر ، ليرى نفسه إنساناً جديداً : « ويحي أنا الإنسان الشقي ، من ينقذني من جسد هذا الموت ؟؟» (رو 7: 24)

9-  دانیال :

يرى دانيال في رؤياه هذا الذي رآه الأنبياء أنه «أبن الإنسان» وهذه أول إشارة إلى مـهـمـتـه المباشرة لبني البشر جميعاً . والأمر الثاني أنه يرى ملكه وسيادته وسلطانه على كل الشعوب والأمم بلا تفريق ، ولا يأتي على ذكر داود أو بيت داود أو كرسي داود، أو حتى إسرائيل، لا من قريب ولا من بعيد. و بالرغم من تأكيده أنه أبن الإنسان، إلا أن مجيئه لا يذكر شيئاً عن كيف يكون ميلاد أبن الإنسان. وإنما يرى مجيئه من فوق، من السماء ، وزمرته هم «قديسو العلي» الذين سيأخذون المملكة ( راجع دا 7: 13و 18و 27و 28).

+ وكأن دانيال هنا يرى المسيا بعد كمال رسالته ، في مجيئه الثاني آتياً على سحاب السماء: «كنت أرى في رؤى الليل ، وإذا مع سحاب السماء مثل أبن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقر بوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لن ينقرض…
وأمـا قـديـسـو الـعلي فيأخذون المملكة ويمتلكون المملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين… والمملكة والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تُعطى لشعب قديسي العلي ، ملكوته ملكوت أبدي ، وجميع السلاطين إياه يعبدون و يطيعون . إلى هنا نهاية الأمر . » (دا 7: 13و 14و 18و 27 و28).

+ هنا دانيال يكشف في رؤياه رسالة المسيا بشقيها، و يوضح بشيء من السرية أنه ولو أنه أبن الإنسان»، إلا أن مجيئه مع سحاب السماء مشيراً إلى أن المسيا له صلة مباشرة بالله في مجيئه وفي دوامه . ولكن أخطر ما تكشف عنه نبوة دانيال عن المسيا هو نصرته الكاملة والشاملة والأبدية، على كافة أعدائه وسيادته وسلطانه وملكوته على كافة شعوب العالم وإلى مالانهاية .

۱۰ ـ میخا :

-«أما أنت يا بيت لحم ،أفراتة، وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنكِ يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل… إذا دخل أشور في أرضنا، وإذا داس في قصورنا ، نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس ، فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها … إذا دخل أرضنا وإذا داس تخـومـنا … وتكون بقية يعقوب، كالأسد بين وحوش الوعر، وكشبل أسد بين قطعان الغنم… لترتفع يدك على مبغضيك ، و ينقرض كل أعدائك.» ( مي 5: 2-9)

+ هنا يشير الوحي إلى أزلية المسيح وإلى دوامه الأبدي، ولكن الحراسة إسرائيل ! ! !

11 ـ السامرية :

كما تجيئنا من السامرة رؤيا متلهفة واقعية لمجيء المسيح ( والسامريون في عداوة مع اليهود منذ أيام نحميا في القرن الخامس ق . م . لأنهم بنوا لأنفسهم هيكلاً ومذبحاً). لكن السامرة كانت موضعاً لكرازة الإنجيل أيام المسيح و بعده … وفي أورشليم وكل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض . » (أع 1: 8)

وبالرغم من الإنشقاق والعداوة القائمة بين اليهود والسامر يين ، إلا أنهم كانوا يعيشون على رجاء المسيا !! علماً بأن المسيح لم يعلن جهاراً وبصراحة أنه هو المسيا، ولأول مرة، إلا للسامرية : «قالت له المرأة السامرية : أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتى فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء . قال لها يسوع : أنا الذي أكلمك هو. » ( يو 4: 25 و 26)

سقوط الشيطان

كتب القمص متى المسكين

ظهور المسيا

كتاب قصة الإنسان
المكتبة المسيحية

 

زر الذهاب إلى الأعلى