من هذه الطالعة من البرية

«من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان،
معطّرة بالمر واللبان، 
وبكل أذرة التاجر»
(3: 6)

 

«من هذه الطالعة» 

هذه الآية تتكلم عن الكنيسة. فالكنيسة في حالة صعود مستمر، منذ أن وعدنا الرب قائلاً: «وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليَّ الجميع» (یو ۱۲: ۳۲). فهي في حالة انجذاب مستمر إلى المسيح، إلى فوق في حركة ديناميكية للصعود المستمر نحو الآب. 

«الطالعة من البرية» 

أي من برية هذا العالم، أو من الضيقة العظيمة كما جاء في سفر الرؤيا: «هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم الخروف » (رؤ ٧: ١٤). ويمكن أن تُفهم «البرية» أيضًا بمعنى الخروج من العالم أي بمعنى الرهبنة فالكنيسة في سفر الرؤيا اعتصمت في البرية أي في الرهبنة: «فأُعطيت المرأة جناحَي النسر العظيم لكي تطير إلى البرية» (رؤ ١٢: ١٤). 

فالرهبنة ليست فئة معيَّنة من الكنيسة، ولكنها هي هي الكنيسة في صورتها الأصيلة الأولى. وهذا ما أوضحه أبونا الروحي في عظة عيد الرسل (۱۹۸۷)، حيث بيَّن أن الرهبنة ليست سوى صورة أصيلة للكنيسة الأولى كما يصفها سفر أعمال الرسل (أع ٢: ٤٢-٤٧ ، ٣٢:٤-٣٥). 

«كأعمدة من دخان» 

بخور صاعد إلى فوق . والبخور هو «صلوات القديسين» (رؤ ٥: ۸) صلوات صاعدة من البرية، صلوات الرهبان الصاعدة من البرية. وعن أعمدة الدخان هذه يقول الرب في نبوة يوئيل النبي التي استشهد بها ق بطرس في يوم الخمسين: «وأُعطي عجائب في السماء من فوق وآياتٍ على الأرض من أسفل: دما ونارا وبخار دخان» (أع ۲: ۱۹). هذه هي مفاعيل الروح القدس في الكنيسة: فالدم هو دم الشهداء والنار هي نار الحب الإلهي في القلوب، وبخار الدخان هو الصلاة المستمرة، أو هي حركة الرهبنة كمثال للصلاة المستمرة، وقد جاءت لتحل محل الاستشهاد. 

«معطرة بالمرّ واللُّبان» 

المر نوع من الحنوط له رائحة طيبة ولكن طعمه مرّ جدًا. فهو كناية عن كل أنواع النسك من صوم وإماتة وإنكار للذات. أما اللُّبان فهو البخور الذي نضعه في الشورية وله رائحة زكية. والبخور هو كما قلنا «صلوات القديسين»، أو هو الحب الصاعد من القلوب نحو الحبيب على الدوام ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته» (نش ۱: ۱۲) وباختصار فإن «المر واللبان» يُشيران إلى الصوم والصلاة، أو إلى النسك والحب المُقدَّم لله

«وبكل أذرة التاجر » 

أي بكل أنواع الفضيلة بكل ضروب التقوى، كما يقول: « وأمَّا التقوى مـ القناعة، فهي تجارة عظيمة» (١تي ٦: ٦)، وأيضًا التقوى «لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة »( ١تي ٤: ٨). كذلك قيل عنها في سفر الأمثال: «لأن تجارتها خير من تجارة الفضة وربحها خيرٌ من الذهب الخالص. هي أثمن من اللآلئ وكل جواهرك لا تساويها» (أم ٣: ١٤-١٥). 

هذه هي زينة الكنيسة التي بها تتقدم إلى عريسها «طالعة من البرية كأعمدة من دخان معطّرة بالمُرّ واللبان، وبكل أذرة التاجر». 

وهذه هي قيمة الكنيسة في عيني المسيح الذي يقول لها: «قد سبَيتِ قلبي يا أختي العروس…» (نش ٤: ٩).  

زر الذهاب إلى الأعلى