التعاليم الآبائية عن المسيح
مقدمة
لقد ارتبطت التعاليم الخريستولوجية بعقيدة الثالوث منذ القرون الأولى للمسيحية. ولم تكن هذه التعاليم مقبولة لأولئك الذين نادوا بالوحدانية المطلقة في الله – أي الرافضون لعقيدة الثالوث – الذين لم يقبلوا الظهورات الإلهية في العهد القديم كإعلان عن الثالوث. وادَّعوا أن الثالوث ليس إلا أقنومًا واحدًا ظهر في ثلاثة أشكال (الآب والابن والروح). وهذا يعني حسب رؤيتهم أنه لا يوجد تمايز بين الأقانيم، ولا وحدة جوهر، بل هناك أشكال ثلاثة لله الواحد تحمل ثلاثة أسماء: الآب لأنه خالق الكون وهو المبدأ، والابن والروح القدس.

هذه الهرطقة انتشرت في روما، وشمال إفريقيا وآسيا الصغرى، وذلك في أواخر القرن الثاني والنصف الأول من القرن الثالث. وأشهر من دعا لهذه الهرطقة هم:
نوئيتوس الذي بَشَّر في أزمير بين سنة 180-200م.
براكسياس الذي نشر تعاليمه في روما وقرطاجنة.
سابيليوس البطلمائي، ودُعيت الهرطقة باسمه (الهرطقة السابيلية).
هذه البدعة السابيلية ورد ذكرها في القانون الأول من قوانين مجمع القسطنطينية سنة 381، كبدعة يجب نبذها، وكانت في ذلك الحين قد فقدت قوتها كتنظيم خاص له وجود، لكنها كانت لا تزال شائعة عند بعض الناس. يذكر القانون الأول من هذا المجمع: «إن الآباء الذين اجتمعوا في القسطنطينية قرروا بأن لا يحيدوا عن إيمان الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر المجتمعين بنيقية، بل يبقى هذا الإيمان حيًا وصحيحًا، وأن تُحرم كل هرطقة، وعلى وجه الخخص الأفنومية (نسبة إلى تعاليم أفنوميوس)، والأفذوكسية (نسبة إلى تعاليم أفذوكيوس)، والسابيلية، وأتباع أبوليناريوس».
وفي كتاب «دحض الهرطقات» المنسوب إلى هيبوليتوس الروماني (170-235) نجد دحضًا لتعاليم نوئيتوس. وفي كتاب «ضد براكسياس» لترتليانوس، نجد دحضًا لتعاليم براكسياس. ويذكر يوسابيوس القيصري في كتابه «تاريخ الكنيسة» (7:6) أن ديونيسيوس أسقف الإسكندرية (190-264) كان يصف أتباع هذه الهرطقة بالتجديف، وعدم التوقير الواجب (للآب والابن والروح القدس).
الهرطقة السابيلية: إنكار التمايز الأقنومي
وتكمن خطورة هذه الهرطة في أنها لم تفرق بين وحدة الجوهر وتمايز الأقانيم في الله، وإن كانت قد اعترفت بألوهية الابن، لكنها أكدت على أن الابن هو نفسه الآب.
هذا الرأي ينتهي إلى نتيجة مفادها أن الآب نفسه هو الذي تجسد من العذراء وتألم وصُلب وقام. هذا التعليم بالطبع يتناقض مع تعليم العهد الجديد عن الله الآب وعن ابنه يسوع المسيح الذي وُلِد من العذراء مريم ليتمم مشيئة الآب. فالآب والابن أقنومان متمايزان.
هرطقة التبني: إنكار ألوهية المسيح
بعد ذلك ظهرت هرطقة أخرى تنكر ألوهية المسيح، وانطلقت أيضًا من مبدأ وحدانية الله، حيث تخيل أصحاب هذه الهرطقة أن المسيح ليس سوى إنسان تبناه الله. أصحاب هذه الرؤية هم بعض اليهود الذين تنصروا في بدايات القرن الأول وآمنوا بالمسيح، لكنهم رفضوا أنه مولود من الآب قبل كل الدهور.
ويذكر إيريناؤس، أن من بين هؤلاء اليهود جاء الأيبونيون[1] الذين قالوا إن يسوع هو مجرد إنسان وُلد من العذراء. كما أنهم لم يعترفوا بإنجيل متى، ورفضوا تعاليم الرسول بولس وكل رسائله، والتزموا بتعاليم الناموس وحفظ الوصايا.
وعلى الرغم من أنهم قد حفظوا الختان وعملوا بالناموس، إلا أنهم أظهروا توجهًا فلسفيًا في آرائهم، بل أنهم قطعوا الخيط الذي يربط بين العهدين القديم والجديد، وقالوا إن هناك هوة عميقة تفصل بين العهدين. وهذا ما رفضه القديس إبيفانيوس بشدة وأكد على وحدة العهدين القديم والجديد وعدم جواز الفصل بينهما.
أشهر من دعا لهذه الهرطقة هو بولس الساموساطي، الذي كان أسقفًا لأنطاكية سنة 260م وكانت تعاليمه ضد عقيدة الثالوث. وقد اعتبر المسيح له المجد مجرد إنسان أعطاه الله قوة وحكمة أكثر من جميع الأنبياء. وعلَّم بإمكانية أن ندعو المسيح إلها، ولكن ليس بالمعنى الحقيقي. ولذلك كان أتباع بولس الساموساطي يستخدمون عبارة «باسم الآب والابن والروح القدس» عند إتمام سر المعمودية، لكنهم لم يستخدموا تلك الكلمات بمعناها الحقيقي. من أجل هذا فقد ألزم القانون التاسع عشر من قوانين مجمع نيقية سنة 325م [أتباع بولس الساموساطي الذين عادوا إلى الكنيسة الجامعة أن تُعاد معموديتهم].
الرفض الكامل للعهد القديم
من بين أولئك الذين اتخذوا موقفًا رافضًا للعهد القديم، مجموعة النيقولاويين التي ورد ذكرهم في سفر الرؤيا (2:6). وأيضًا مرقيون الذي كوَّن حركة كبيرة في روما، وقد رفض العهد القديم بعناد، ورفض الحديث عن «العالم» بالشكل والأسلوب الذي عرضه العهد القديم. فقد رفض العهد القديم، وعلى وجه التحديد الظهورات الإلهية التي تمت في تلك الفترة. وهو بذلك يرفض عقيدة الثالوث، ويقاوم التعليم الصحيح عن عقيدة الخريستولوجي، كما وردت بالعهد الجديد. وهذا يتناقض مع تعاليم الآباء التي ترى في العهد الجديد استمرارًا لهذه المسيرة (مسيرة التدبير الإلهي)، التي اكتملت بتجسد الابن الوحيد. وهنا ينبغي الإشارة إلى حديث استفانوس أول الشهداء أمام تجمع يهودي كبير، حينما قال: «موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم، له تسمعون. هذا هو الذي كان يكلمه في جبل سيناء ومع آبائنا، الذي قَبِلَ أقوالاً حية ليعطينا إياها» (أع 7:37-38). أي أن موسى أخذ من الله كلامًا حيًا، الكتاب هو هذا الكلام الحي وموسى قد اختبر وتذوق هذه الحياة. ووفقًا لهذه الروح، فإن القديس إبيفانيوس وهو بصدد مقاومته لانحرافات وافتراءات الهراطقة، يؤكد ويشدد على أن «الله واحد مثلث الأقانيم، وأن الروح واحد في العهدين القديم والجديد».
إنكار ألوهية الروح القدس
بينما رأت مجموعة أخرى، تُسمى بالتروبيكيين وقد سبق الإشارة إليها، أن الكلمة هو نمط استعلان لله الواحد. هذه المجموعة أنكرت ألوهية الروح القدس أيضًا، ونادوا بأن الروح القدس مخلوق من العدم، وأنه ملاك أعلى في الرتبة من بقية الملائكة، وإن كانوا يحسبونه ضمن الأرواح الخادمة (عب 1:14). ونتيجة لذلك فهو من جوهر مختلف عن جوهر الآب والابن، كما أنه لا يشبه الابن.
الارتباط العملي بين الخريستولوجيا والثالوث
إن الارتباط بين عقيدة الثالوث والتعاليم الخريستولوجية، لم يكن ارتباطًا نظريًا فقط، لكنه أخذ بُعدًا تطبيقيًا في حياة الكنيسة، وهي بصدد الرد على الهرطقات. فالتقليد الكتابي يؤكد على حقيقة أن المسيح هو ابن الله: «أنت هو المسيح ابن الله الحي» (مت 16:16)، فهو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس، وهو الكلمة الذي أخذ جسدًا. هكذا يعلن القديس يوحنا الإنجيلي بشكل واضح لا لبس فيه: «أن الكلمة صار جسدًا وحل بيننا» (يو 1:14). وعبارة «جسد» هنا تعني الإنسان بكامله وليس فقط جسد الإنسان بدون نفس. وهذا السبب الذي من أجله شدد قانون الإيمان النيقاوي على عبارة «تجسد وتأنس».
لقد انشغل التاريخ الكنسي في قسم كبير منه بالأحداث والصراعات والانقسامات، التي حدثت لفترات طويلة داخل الحقل الكنسي، بسبب تعاليم الهراطقة غير المستقيمة ضد طبيعة المسيح. لكن ظهور الهرطقات من ناحية أخرى جعل الآباء يكرسون جهدهم ووقتهم في الرد على هذه التعاليم المضلَّة، الأمر الذي أدى إلى نمو واتساع ونضوج التعاليم الأرثوذكسية القويمة.
وهذا نجده واضحًا في إنجيل القديس يوحنا ورسائله، فقد واجه هرطقة خاصة ارتبطت بتيار فلسفي شرقي في ذلك العصر، وهي هرطقة الدوستيين أو الخياليين.
الهرطقة الدوستية (الخياليون)
هؤلاء كانوا فئة من الغنوسيين (أصحاب المعرفة) الذين انتشروا بين المسيحيين منذ نهاية القرن الأول، والذين كانوا يؤمنون بأن المعرفة هي الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة. والمعرفة بحسب رؤيتهم، لا يصل إليها الإنسان إلا إذا تخلى عن عالم المادة والجسد، وهذا العالم كانوا يعتبرونه عالمًا فاسدًا في جذوره. وعليه رفضوا الإيمان بأن المسيح كان له جسدًا حقيقيًا، بل تصوَّروا أن المسيح أخذ «شكل جسد» أو «شبه جسد». هذه الجماعة تبنت فكر الفلسفة الثنائية الذي كان ينادي بأن هناك عالم محسوس، وآخر غير محسوس وغير مرئي، وهذان العالمان لا يمكن أن يتلاقيا؛ فالمادة والروح لا يمكن أن يتصالحا أبدًا حيث إن الواحد لا يتناسب ولا يتوافق مع الآخر بأي طريقة كانت.
وبناءً على هذا فقد اعتبروا أن تجسد الكلمة هو أمر مستحيل، بحسب هذه الرؤية الفلسفية. وقبلوا فقط استعلانه الظاهري، أي ظهوره في شبه جسد – وليس في جسد حقيقي – أي في جسد خيالي.
تعاليم الآباء ترفض مثل هذه الآراء، وتؤكد على حقيقة جسد المسيح. فالقديس أثناسيوس قد أكد على هذه الحقيقة بقوله: «عندما تألم المسيح بالجسد لم يكن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يُقال إن الآلام خاصة بالكلمة. وعندما عمل أعمال الآب لاهوتيًا، لم يكن الجسد خارجًا عنه، لكن الرب عمل هذه الأعمال في هذا الجسد نفسه. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا، لأنه قد اتخذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا».
من الخياليين إلى الهرطقات الجديدة
هذه الهرطقة مع هرطقات أخرى مشابهة لها أو مختلفة عنها، استمرت في نشر تعاليمها المضللة، تارة بالعنف وتارة بالحيلة والخداع في محاولة للتأثير على مسيرة الكنيسة وتعاليمها الأرثوذكسية.
ومع بدايات القرن الرابع لم تعد هذه الهرطقة تشكل الأهمية التي كانت لها من قبل، حيث بدأت بعض الهرطقات الأخرى في الظهور. وهذه الهرطقات الجديدة قامت على أسس مغايرة، وبالتالي قادت إلى نتائج مختلفة تمامًا عن هرطقة الخياليين؛ فبينما يرفض الخياليون تجسد «الكلمة»، نجد أن هذه الهرطقات تقبل فكرة التجسد، لكنها شرعت في شرح وتفسير طريقة الاتحاد بين الطبيعتين في المسيح (أي الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية) بطريقة مشوهة، بسبب عدم القدرة على الفهم الدقيق للمصطلحات الآتية: جوهر، طبيعة، شخص، أقنوم، كما سبق وأشرنا. لقد كانت التعاليم غير الصائبة والمنحرفة للهراطقة ترجع في كثير من الأحيان إلى عدم فهم وعدم وضوح معنى هذه المصطلحات.
المناقشات اللاهوتية: بين النظرية والخبرة الحية
ومع هذا فإن المناقشات حول طبيعة المسيح لم تكن مناقشات نظرية خالصة. فالهراطقة كانوا يتحركون من واقع اجتماعي وحياتي معاش. فغالبية الهراطقة في شرحهم لسر التجسد، ينطلقون من رؤية تعتمد على أسس أخلاقية. فبحسب التفسير الأخلاقي للخلاص، يصبح أمرًا طبيعيًا وواردًا أن يخطئ المسيح أيضًا، لكنه لم يخطئ، لأنه سلك باستقامة وإرادة نقية.
الرؤية الأرثوذكسية تؤكد على الطابع الشفائي للخلاص. كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي: «أي شيء فينا لا يمكن أن يُشفى ويخلص إلا باتحاده بالله»، أي ما لم يُؤخذ لا يُشفى. وهكذا، بينما كان للنقاشات والحوارات والمساجلات التي دارت من قبل الهراطقة والخاصة بطريقة الاتحاد بين الطبيعتين في المسيح، منذ بدايات القرن الرابع وخلال القرن الخامس، أسس فكرية فلسفية مجردة، إلا أنها تحددت وتبلورت بشكل واضح من خلال الخبرة الحياتية الاجتماعية. كما أن الرد على هذه الهرطقات لم يكن نظريًا فقط لكنه كان يعكس خبرة حية للكنيسة في صلواتها وطقوسها وممارساتها، فالكنيسة هي أيقونة الثالوث إذ كانت ولا تزال تحيا الشركة على مثال الثالوث. لقد أدركت الكنيسة منذ تأسيسها أن المسيح الحي حاضرًا فيها، لأن الخلاص وغفران الخطايا وعطية الحياة الإلهية، ليست أعمالاً إنسانية تستطيع الكنيسة القيام بها، بل هو عمل المسيح نفسه الذي قام من الأموات وهو الآن حي فيها، يُحييها ويكمل عمله فيها بالروح القدس؛ لأن المسيح أيضًا هو «رأس الكنيسة ومخلص الجسد» (أف 5:23). هكذا يقول القديس إيريناؤس: «حينما تجسد المسيح وصار إنسانًا، جمع في نفسه كل تاريخ الإنسان الممتد، جامعًا إيانا ومعطيًا لنا الخلاص لكي ننال مرة أخرى في المسيح يسوع ما قد فقدناه في آدم».
[1] يصعب شرح هذا الاسم، وربما هو اسم لأحد الأشخاص يُدعى أيبون ومنه أخذ الاسم. وربما يعني «الفقراء». والأيبونيون بحسب إبيفانيوس قد رفضوا بشكل قاطع ألوهية المسيح، وبطبيعة الحال رفضوا ميلاده المعجزي واعتبروه ابن يوسف النجار على الرغم من أنهم كانوا يعتمدون في الماء على اسم المسيح.