لماذا تجسد المسيح؟

يقولون أن التجسد فكرة غير معقولة أساساً، أن الله يتجسد، كيف؟!! لماذا؟!! ألا يتعارض ذلك مع مكانة وعظمة الله؟!! هل نقبلها بالإيمان دون وعي أو إدراك؟ بل ربما حتى بدون تصديق؟ هل بعد التجسد يكون المسيح إثنان (إله + إنسان) أم واحد فقط؟

كان يسير معي حاملاً خاتم سولتير ثمين جداً، نتأمله بإعجاب وتقدير بالغ، فجاة سقط الخاتم منه في الطين وتلوث، بتلقائية واهتمام بالغ انحنى بسرعة يبحث عنه. فسألته: ماذا تفعل؟

 أجابني مندهشاً: إنه خاتم سولتير وليس قطعة صفيح!!

قلت له: فعلاً لو لم تفعل ذلك لتشككت في قيمته في نظرك، إن كان له قيمة.

التجسد الإلهي

سألته: الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، خلقه كتتويج لكل الخليقة، الإنسان غالي جداً على قلب الله. الإنسان هو أنا وأنت. فما هي قيمتك في نظر الله هل تعرف؟

أجابني في تباطؤ : نعم … أنا … غالي.

قلت :  تباطؤك هو سبب عدم فهمك لحقيقة التجسد، التجسد يبرهن لنا إشتياق الله نحونا. أنت إنحنيت تبحث عن الخاتم الثمين وفرحت جداً حين وجدته.. نحن أيضاً سقطنا من الحياة الأبدية, ونفينا من فردوس النعيم, إلي عالم الشقاء والأحزان والآلام، فجاء الله المحب ليرفعنا ويردنا إليه: “حبك أنزلك إلي هبوطنا .. نعمتك تصعدنا إلي علوك” ( صلوات القسمة بالقداس الإلهي)….

عندئذ كنا قد وصلنا إلي شقته في الطابق الأخير، في ناطحة سحاب شاهقة ودعاني للصعود … سألته في جزع : أين المصعد؟

أجاب ببساطة: لابد للأسانسير أن ينزل من فوق ليرفعنا بقوته إلي مسكننا الأعلى…

وهنا ادركت وضوح فكرة التجسد الإلهي ونزول ابن الله من السماء ليرفعنا بقوته إلي مسكنه السماوي حين جاء ليتحد بطبيعتنا البشرية ليصعد بنا إلي حضن الآب.. كل البشرية في كل العصور كانت تشتاق لذلك ، فقد عبر إشعياء النبي بلسان الجميع: ” ليتك تشق السماوات وتنزل“(إش 64: 1) هكذا قال الله لموسى النبي:” إني .. فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأصعدهم” (خر3: 8,7).

حقاً كما تقول قسمة القداس الإلهي:

عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد” ( 1تي 3: 16)

سأل: كيف يمكن أن يترك الله السماء وينزل؟!! كيف يمكن أن يتجسد ويظهر بيننا كإنسان ، والأعجب أنه مات! كيف يمكن أن يموت؟! من كان يدبر العالم آنذاك؟!!
أجبت: كل الاديان تؤمن أن الله ظهر لموسى في سيناء واستلم منه الوصايا العشر. وجبل موسى المحروق يشرح لنا الموقف، لأن الجبل كله كان يدخن بالنار كالأتون(خر19: 18). 
وسألته:  حينما ظهر الله لموسى في الشجرة أو على الجبل هل ترك الله سماه؟ وهل عندما يصلي شخص في أي مكان أخر .. هل كان الله يسمعه؟
وبرقت في ذهني صورة واضحة: الله مالئ الكون ولا يحويه مكان، لكنه ظهر لموسى النبي في العليقة وعلى الجبل. الله لم ينحصر في إنسان ولم يتحول إلى إنسان …. هكذا التجسد الإلهي…أضفت: قدرة الله أن يتواجد بشخصه في كل الوجود، ويظهر في الجسد (يتجسد) لا كصورة رمزية بل أن الله بجوهر لاهوته …. يا لعظمة التجسد .. الله لم ينحصر في بطن العذراء مريم، ولم يتحول إلي إنسان، لكن حل الروح القدس عليها لكي يقدسها ويطهرها ويملأها نعمة، فتكون أحشاؤها مهيئة لإستقبال كلمة الله الذي أخذ منها ناسوتاً كاملاً بلا خطية. بفعل الروح القدس (كما أخذنا نحن أجسادنا من رحم أمهاتنا) واتحد فيها اللاهوت والناسوت “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً”. ثم ولد منها ناسوتاً متحداً باللاهوت … إنها معمل الاتحاد المقدس (التسبحة). الله دخل وخرج منها والباب مغلق، فهي دائمة البتولية (حز44: 1, 2) فهي والدة الإله. إنها معجزة الميلاد البتولي لم ولن تحدث ثانية.
وهنا قال: نعم لهذا قالت اليصابات بالروح القدس “فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي؟” (لو1: 43) بينما كانتا كلتها (السيدة العذراء واليصابات) في فترة الحمل.

بين آدم والسيد المسيح 

سألني: يقولون أن آدم أكثر عظمة من السيد المسيح، إذ ليس له أب ولا أم؟!
أجبت:  آدم أول إنسان، وكان مخلوقاً غير مولود، فطبيعي يخلقه الله. أما السيد المسيح “فشابهنا في كل شئ ما عدا الخطية وحدها”(القداس الغريغوري). في كل شئ في حياة الإنسانية ومعجزة الميلاد أنه بلا أب جسدي، وأم بقيت عذراء، وناسوت متحد بالاهوت، لذلك فالفرق شاسع بين آدم (مجرد إنسان مخلوق) ، والسيد المسيح (الإله المتجسد).
لقد دخلت الخطية إلى العالم عن طريق حواء الاولى حيث وجدت الخطية مدخلاً بواسطتها… لانها أغويت….
أما حواء الجديدة الثانية العذراء مريم فقد صارت أعلى من كل الملائكة، ورؤساء الملائكة والاباء والانبياء وكل الخليقة، إنها السماء الثانية، العرش، قدس الأقداس، لذلك نسبح معاً للإله الحنون المتجسد ليرفعنا إليه: “أشرق جسدياً من العذراء بغير زرع بشر حتى خلصنا،،،هو أخذ الذي لنا واعطانا الذي له”(التسبحة).
سألني: يقولون لقد أخطأ آدم .. لذا يجب أن يموت آدم وحده، فالنفس التي تخطئ هي التي تعاقب وتموت؟! ولماذا يموت كل الناس، لقد حكم الله على آدم فقط؟! وكيف يحمل المسيح موتنا؟
أجبته: أنا أيضاً مطرود من جنة عدن وأنا أيضاً محكوم عليَّ بالموت، أنا أخطئ أكثر من آدم بكثير، وأحتاج ليد الله لترفعني، من موتي إلي الحياة الابدية، ” من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع“(رو5: 12)”فإنه إذ الموت بإنسان بإنسان أيضاً قيامة الأموات. لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع”(1كو15: 21, 22).
– إن الفساد الذي أصاب طبيعة آدم بالخطية أنتقل إلى كل نسله.
وسألته : هل رأيت طفل يغرق؟
أجابني: للأسف نعم .. جرى طفل نحو الماء عمره حوالي 4 سنوات وابتدأ يغوص في البحر الهائج، فما كان من أبيه إلا أنه خلع كل مظاهر عظمته وغناه، وإندفع منطلقاً قافزاً في البحر يواجه الموت مخاطراً بنفسه لينقذ ابنه، وأنقذ طفله من موت محقق.
سألته : ألا ترى معي أن الآب السماوي في فيض محبته للبشر .. ” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”(يو3: 16) 

وقلت له: هكذا جاء المسيح ابن الله بالجسد، يحمل عنا حكم الموت بموته على الصليب، وقام حياً من الأموات ليحيينا. لقد مات فعلاً بناسوته لكنه في ذات اللحظة هو واهب الحياة الابدية – بلاهوته – وانفصلت نفسه من جسده إذ لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده “بالموت داس الموت والذين في القبور (تحت حكم الموت والدينونة) أنعم لهم (لنا) بالحياة الابدية”. إذ اشترك معنا في اللحم والدم لكي يبيد بالموت ذلك الذي كان له سلطان الموت أى ابليس، ويعتقنا نحن (عب2: 14, 15).
لذلك تسبحه الكنيسة قائلة: قدوس الله.. قدوس القوي.. قدوس الحي الذي لا يموت الذي قام من الأموات .. إرحمنا.

بغير اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة

سألني: هل معنى التجسد أن الله حدثت له إضافة أو تغيير!! أو بتجسده صار كائناً متوسطاً أي ليس هو إلهاً كاملاً، هل يمكن اعتباره نبياً متميزاً أو حتى فائقاً عن الانبياء، كائن متوسط فوق البشر وتحت الله؟!
أجبت: حاشا لله أن يكون كذلك.. الله لا يتغير، فبالتجسد إتحد اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، وبقيَّ اللاهوت لاهوتاً والناسوت ناسوتاً في كامل صفاتهما، وفي اتحاد جوهري يستحيل إنفصالهما، لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. لقد شبه البابا كيرلس الكبير التجسد الالهي بقطعة حديد محمّاه في النار حتى درجة الاحمرار والتوهج. لقد اتحد الاثنان، النار (مثال اللاهوت) والحديد( مثال الناسوت) معاً، وبلا شك لم يفقد أيهما حقيقته ولا تغير جوهره.

“عمانوئيل الله معنا” نتهلل بـ “غنى نعمته الفائق باللطف علينا”(أف2: 7)، “بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المُشرق من العلاء”(لو1: 78). يا لحبه العجيب الذي “قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك”(لو19: 10).”لم يزل إلها أتى وصار ابن البشر لكنه الإله الحقيقي جاء وخلصنا”(التسبحة). فهو الله الظاهر في الجسد، المسيح يسوع ربنا.. الذي صالح السمائيين مع الأرضيين.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى