الخلاص متى يبدأ ومتى ينتهي
الخلاص عمل إلهي، وكل عمل إلهي هو فوق الزمن ولا ينحصر فيه قط. ولكن لأنه فعل يسري من الله في جبلتنا الآدمية الخاضعة للتغيير، فهو حتماً يلتحم بالزمن من أحد أطرافه، ولكنه ينطلق بالإنسان، عندما يستجيب له الإنسان، بقوة فائقة مستمرة الفعل من خلال التغيير؛ ليخرج بالإنسان من دائرة الزمن وكل العالم الحاضر.
– «أنـا قـد أعطيتهم كلامك والعالم يبغضهم لأنهم ليسوا من هذا العالم، كما أني لست من هذا العالم» ( يو 17: 14).
لذلك ، فالخلاص له شقان:
شق سلبي، يُعبَّر عنه بالموت عن العالم الحاضر « قد صُلب العالم لي وأنا للعالم » (غل 6: 14) ؛ أو خلع الإنسان العتيق «إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله» ( كو 3: 9) ، الذي نحصل على فعله الإلهي – كسرَّ غير منظور ولا محسوس ـ من داخل المعمودية بالدفن في الماء حتى ولو كنا أطفالاً، ونحتفظ بهذا السر الفعّال في كياننا، باستعداد العمل، حتى آخر نسمة من حياتنا، ومن حيث الزمن ينتهي بالموت.
وشق إيجابي، يُعبّر عنه بالحياة الجديدة أو القيامة «إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب» (كو 3: 1) . كما يعبر عنه بلبس الإنسان الجديد « ولبستم الجديد، الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه » ( كولوسي 3: 10) . وهذا نحصل عليه كفعل إلهي ، بسرَّ غير منظور ولا محسوس في المعمودية أيضاً بالخروج من دفن الماء ثم بوضع اليد ( بدهن الميرون )، وهذا السر الفعّال نأخذه في كياننا ليعمل فينا من حيث الزمن حتى آخر نسمة من حياتنا و يستمر في الأبدية.
والشق السلبي هو:
- الخلاص من الهلاك الأبدي.
- الخلاص من سلطان الشيطان والظلمة والخوف من الموت.
- الخلاص من شهوات الجسد العاملة للفساد.
- الخلاص من ناموس الخطية الساكن في الأعضاء.
- الخلاص من السيرة الردية والماضي بكل أعماله الشريرة
والشق الإيجابي هو :
+ نوال صفات «الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق » ، التي تسمى “ثمر الروح”: « محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف» (غل 5: 22) .
+ نوال « فكر المسيح» في الإتضاع الذي أوصله إلى موت الصليب ( في 2: 5-8).
+ نوال نعمة الروح القدس للسلوك في جدة الحياة.
+ نوال قوة خاصة من الروح القدس للشهادة للمسيح، ليس بالقول فقط، ولكن بالأعمال أيضاً وبحكمة ومنطق وشجاعة حتى الإستشهاد .
و واضح أن كلاً من الشق السلبي والشق الإيجابي يبدأ بالمعمودية. وهنا أول إلتحام ــ أو إقتحام ـــ لفعل الخلاص بالنسبة للزمن. وعندما ينضج وعي الإنسان بنفسه و بخلاصه ، يبدأ كل من فعل الموت عن العالم وما يقابله من فعل الحياة الله يأخذ نشاطه الروحي على مدى العمر.
ولكن قد يحدث عند بعض الناس إنفتاح فجائي لوعي الخلاص الذي هو كائن بالسر و بالفعل سلباً وإيجاباً في كيان الإنسان منذ المعمودية، هذا الإنفتاح الفجائي يسمى في التدبير الروحي « يقظة النفس » أو « يقظة الوعي الروحي» في الإنسان.
وحتى هذه اليقظة قد تبلغ شدتها في فترة قصيرة جداً، وقد تستمر مدة طويلة لكي تبلغ أوجها، وهذا يعتمد على عوامل نفسية وروحية دقيقة.
ولكن سواء استمر وعي الخلاص ينمو على مدى العمر أو أن يبلغ شدته في فترة محددة قصيرة أو طويلة، فالذي يتحتم أن ندركه أن فعل الخلاص في جوهره هو فعل لازمني لأنه فعل إلهي، يغطي حياة الإنسان بأكملها و يشمل كيان الإنسان برمته، لأنه سيستمر فينا بفعله الإيجابي حتى في الأبدية .
فالإنسان الروحي يعيش دائماً «الوقت المقبول »، وكل يوم بالنسبة له هو « يوم خلاص »؛ حيث «الوقت المقبول » و « يوم الخلاص » لا يدخل ولا ينحصر بعد في مفهوم الزمن، بل هو في الحقيقة تفريغ للزمن من سلطانه «موت عن العالم الحاضر» ودخول في جدة الحياة ، أي دخول حقيقي في مجال الروح والحياة الأبدية.
ولكن أول اقتحام لفعل الخلاص بالنسبة للزمن ، أي نقطة التلاقي بين الأبدي والزمني ، يتم في المعمودية . وهذا الإقتحام لصميم الزمان والمكان إنما يتم لكي يفرغ كلّ من الزمن والمكان من مضمونها أو من سلطانهما على الإنسان «كمائتين وها نحن نحيا»( 2كو 7: 8). لأنه على هذا الأساس، أي على أساس فعل الخلاص الذي يفرغ الزمن من سلطانه والمكان أيضاً من سلطانه، يُدعى الإنسان خليقة أخرى جديدة وإنساناً جديداً مولوداً ثانية من فوق!!
على أن الخلاص بشقيه السلبي والإيجابي، يستحيل إتمامه بدون عمل النعمة وحضور الروح القدس وقوة الكلمة وفعل الدم الإلهي لتكميل :
+ الموت والحياة معاً ، فبقدر الموت تكون الحياة : وذلك بالإرادة «والنعمة».
+ خلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد، وبقدر الخلع يكون اللبس: وذلك بالجسد
«والروح».
+ الخروج من الظلمة للدخول في النور، و بقدر التخلص من الظلمة يكون الدخول في النور: وذلك بالذهن « والكلمة».
+ ثم الثبوت المتبادل « أثبتوا في وأنا فيكم»، فبقدر ما نثبت فيه يثبت هو فينا: وذلك بالإعتراف «والدم».