تفسير سفر التكوين أصحاح 6 لمار أفرام السرياني
[1] بعد ان أحصى موسى منذ آدم لغاية نوح عشرة أجيال قال عن نوح بانه كان ابن خمس مئة سنة لما ولد ساما وحاما و يافت. وكان نوحاً في كل هذه المدة مثالا لابنائه بفضيلته لأنه حفظ بتوليته خمس مئة سنة بين أولئك الذين قال عنهم: افسد كل بشر سبيله.
[2] بعد ان تحدث عن بتولية نوح عاد موسى ليروي عن الشهوة الشريرة التي كانت متفشية بين ابناء جيله عندما قال :هكذا وحدث انه لما كثر الناس وولد لهم بنات… ليُري ان تواصل نسل جيلهم قد انقطع كما ذكرنا اعلاه.
[3] ورأى ابناء الالهة ان بنات الناس جميلات فاخذوا ما اختاروا منهن. انه يسمي ابناء شيت “ابناء الالهة” الذين سموا “شعب “الله” مثل ابناء شيت البررة. اما بنات الناس الجميلات اللواتي شاهدهن فهن بنات قايين اللواتي تزينن
واصبحن شركا الاغواء] عيون ابناء شيت و ما قاله موسى بانهم اتخذوا لهم نساء من كل ما اختاروه لأنهم عندما اخذوهن كانوا يتكبرون على من يختارون. فالفقير [مثلا] كان يتكبر على الغنية والشيخ يزني مع من كانت صبية، والانكى انه كان يتعجرف على التي كانت اجمل من الجميع.
لم يهتم ابناء قايين بغنى او بمظهر هؤلاء اللواتي كن يرغبن بفلاحين لاراضيهن البائرة من الزرع لما كانت بداية هذه القضية بواسطة العهرة والفقراء العهرة كانوا ينقادون للجمال والفقراء يتوقون للغنى، اضطربت بعدهم كل قبيلة في آل شيت.
ولما كان ابناء شيت يدخلون على بنات قايين، أهملوا نساءهم الاوليات اللواتي اتخذوهن من قبل. وتهاونت تلك النساء ايضا بحفظ انفسهن، وبسبب ازواجهن سار عن للتخلي عن عفتهن التي كن يحفظنها لغاية ذلك الوقت لاجل ازواجهن ومع ازواجهن ، وبسبب هذه العهارة التي حلت على ازواجهم ونسائهم قال الكتاب المقدس: افسد كل بشر سبيله.
[4] وقال الرب لن تسكن روحي في انسان الى الابد لأنه بشر، وتكون ايامه مئة وعشرين سنة. لن يعيش هذه الجيل تسع مئة سنة كما عاشت الاجيال التي قبله، لأنه بشر وبافعال البشر يملأ ايامه، لكن ستصبح ايامه مئة وعشرين سنة ؛ فان تابوا فسينجون من الغضب الذي سيحل عليهم، وان لم يتوبوا فان اعمالهم ستدعو الغضب كي يحل عليهم. لقد منحت النعمة [الالهية] مئة وعشرين سنة لاجل التوبة للجيل الذي حسب العدالة لم يستحق التوبة.
[5] بعد هذه الامور كتب عن الاطفال الذين ولدوا لبنات قايين من ابناء شيت قائلا: هكذا بانهم اصبحوا جبابرة في تلك الايام، وحتى بعدها، لأن القضاة دخلوا على بنات الناس وولد لهم جبابرة، ومنذ الابد جبابرة اصحاب شهرة ؛ اما الرجال الذين ولدوا فقد ولدوا لقبيلة قايين الهزيلة، وليس لقبيلة شيت القوية. لأن الارض لعنت كي لا تعطي قوتها لقبيلة قايين بل كانت تعطيهم غلالاً صغيرة مجردة من القوة، كما يوجد اليوم بعض المزروعات والفواكه والاعشاب التي تمنح قوة [غذائية] وبعضها لا تعطي قوة. ولأنه في ذلك الزمن كانوا كالملعونين وابناء الملعونين الذين يسكنون في ارض اللعنات يخزنون ويأكلون الغلال المجردة من القوة حتى اصبح الذين يأكلونها بدون قوة على شاكلة الاطعمة التى يأكلون. اما ابناء شيت فلانهم ابناء المبارك ويجلسون في الارض التي على جانب سياج الفردوس، فمثلما كانت غلالهم وفيرة وقوية كذلك كانت اجساد الذين يأكلونها قوية ومجبولة.
اما ابناء شيت الاقوياء هؤلاء فقد دخلوا على بنات قايين الخائف وولدوا لقبيلة قايين جبابرة مشهورين منذ الابد، يقول موسى. كما ولد لقبيلة قايين مثل شيت وانوش جبابرة اولون ومشهورون.
[6] بعد ان تحدث عن الجبابرة الذين ولدوا في قبيلة آل قايين، التي برغم جمال نسائها ، كانوا اهزل من ابناء شيت.
عاد ليقول: ورأى الرب ان شر الناس كثر في الأرض، وكانت ميول افكارهم دائما شريرة وازدادت أخطاؤهم في السنوات التي منحت لهم للتوبة. وعم شر الناس في الأرض، اي ان الشر امتد وانتشر في كلا القبيلتين. اما ميول افكارهم فكانت دائماً شريرة لأن خطاياهم لم تكن ترتكب احيانا بل كانت خطايا مستمرة في كل لحظة، ولم تغادر فكرهم الشرير ابدا ليلا نهارا.
[7] ولأنهم اخطأوا الى هذا الحد لذلك قال الرب: سأمحو الانسان والبهائم والزواحف والطيور من وجه الارض لانني ندمت اني صنعتهم. ان [ عبارة] الله “ندم” لا تعني انه لم يكن يعرف [مسبقاً] بانهم سيصلون لهذا المستوى، لكنه رغب في ان يجعل شرهم الكبير امام [نصب أعين] الاجيال القادمة انهم عهروا الى هذا الحد وجعلوا الله الذي لا يندم ان يندم ودافع الله عن عدالته لأنه ليس بدون سبب أغرقهم بالطوفان. ان تلك الطبيعة [الله] التي لا تندم تنازلت لتقول “ندمت” لكي يسمع ذلك الجيل الوقح ويرتعش، ويُزرع الندم في اولئك الذين تمرد قلبهم ضد الندم.
لو كان هناك عيب في اعمال الله لكان قد خلق خليقة جديدة، وما كان حفظ في الفلك العمل الذي جعل صانعه يندم تأمل بأن ما قاله: اني ندمت أبان بأنه لم يندم فان ندم بسب الخطاة فلماذا يندم على خلقه البهائم والزواحف والطيور التي لم تخطىء؟ وان لم يندم عليها فلماذا قال ندمت وهو لم يندم؟
ان الندم امتد بسبب الخطاة الى اولئك الذين لم يخطأوا يبرر قول الله الذي قال اني ندمت لقد قالها بسبب حبه لهؤلاء الخطاة الذين كانوا سيهلكون ولم يعلنها بسبب عدم معرفته ان وصولهم للهلاك بسبب افعالهم كان يولد حزنا كبيرا للنعمة [الالهية] التي خلقتهم، وإن لم يهلكوا فان الاجيال القادمة ستخطىء بسببهم.
[8] ولما لم يخافوا ويتوبوا بسبب اضطرابات حياتهم، ولا من قوله: اني ندمت، قال لنوح : أن نهاية كل البشر جاءت امامي اصنع لك سفينة من خشب العرعر، طولها ثلاث مئة ذراعاً، وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين ذراعاً، واجعل حدها من الاعلى ذراعاً [واحداً]، واجعلها ثلاثة طوابق، وغلفها بالقير من الخارج. لقد كلف الله البار [نوح] بهذا العمل الشاق لئلا يجلب الطوفان عليهم.
لكن من اين لنوح ان يجلب خشب العرعر من اين القير والحديد والقنب؟ وبمساعدة اي حرفيين سيبني السفينة، ومن اين سيجلب الفعلة ليساعدوه؟ من سيسمعه في ذلك الجيل الذي افسد كل بشر سبيله؟ فان كان هو وابناء بيته سيصنعون السفينة، فمَن من بين كل الذين يشاهدونه لن يستهزىء بها؟ بدأ نوح في بناء السفينة في السنة الاولى التي مُنحت لهم من أجل التوبة، وأنهى بناءها في مئة سنة.
[9] وبالرغم من انه [نوح] اصبح قدوة لهم في الصلاح والاستقامة اسطة عدالته اعلن لهم عن الطوفان خلال المئة سنة الا انهم لم يتوبوا. وقال لهم :نوح سيخلص معي في الفلك البعض من كل ذي جسد. لكنهم استهزأوا به [قائلين]: كيف ستأتي من كل الجهات الحيوانات والطيور التي هي منتشرة في مختلف الاصقاع؟
وقال له ربه: ادخل الى الفلك انت وكل عائلتك لأني رأيت بانك بار في هذا الجيل وخذ معك من البهائم الطاهرة سبعة ازواج، ومن البهائم غير الطاهرة زوجين. انه يسمي الحيوانات الاليفة طاهرة ويسمي المفترسة غير طاهرة. ومنذ البداية اكثر الله الحيوانات الطاهرة. ان رؤية الحيوانات قد تقنع من لم تقنعه الكلمة، وبعد سبعة ايام سأمطر على الارض اربعين يوما واربعين ليلة ، وأمحو كل شيء صنعته. 2 وفي ذلك اليوم جاءت الافيال من الشرق، وتوجهت القردة والطواويس من الجنوب، واجتمعت حيوانات اخرى من الغرب، واخرى سارعت للمجيء من الشمال، وجاءت الاسود من الغابات، وتوجهت الحيوانات المفترسة من جحورها، وجاءت الغزلان وحمار الوحش من براريها ، واجتمعت حيوانات الجبال من جبالها.
واجتمع ابناء ذلك الجيل الرؤية المشهد الجديد، ليس لأجل ان يتوبوا لكن للتفرج. اذ دخلت الاسود امامهم الى السفينة، وسارعت الثيران في اعقابهم دون خوف للاحتماء مع الاسود. ودخلت الذئاب والخراف معا، والبواشق والعصافير مع الحمام والنسور.
[10] ولما لم يقتنع ابناء ذلك الجيل ليتوبوا، لا من تجمع الحيوانات معاً ولا من الحب الذي نشأ بينها، قال الرب لنوح: في سبعة ايام سأمحو كل كائن صنعته.
أن ذلك [الله] الذي اعطاهم مئة سنة لبناء السفينة ولم يتوبوا، ووجه الحيوانات التي لم يروها [من قبل] ولم يندموا، وأقام عهد سلام بين الحيوانات الضارة والحيوانات الاليفة ولم يخافوا، وحتى بعد دخول نوح وكل كائن معه الى السفينة أمهلهم الله سبعة ايام [أخرى] حيث بقي باب السفينة مفتوحاً لهم والعجب ان الاسود لم تتذكر غاباتها ولا انواع الحيوانات والطيور عاداتها ؛ وهكذا ابناء ذلك الجيل فلما شاهدوا الحيوانات التي خارج السفينة وفي داخلها، لم يقتنعوا ان يهجروا افعالهم الشريرة.
ان صبر مئة وعشرين سنة عليهم كان اولا لأجل ان يتوبوا، ولكي يمكث الابرار بينهم ليُحكموا منهم، وكي يشبعوا من حياتهم لئلا يقال: لماذا لم يترك اؤلئك الذين لم يخطؤا؟ ولأن الله احتمل تجربة ذلك الجيل لمدة مئة سنة، لذلك قصرها عشرين سنة، لكن الايام السبعة التي امهلهم بعد دخول الحيوانات السفينة كانت اكثر من العشرين سنة التي قصرها.
[11] ان لم يكونوا قد تابوا بسبب العلامات التي تمت في الايام السبعة فمن الجلي بانهم لن يتوبوا في العشرين سنة المجردة من العلامات. لذلك جعل الله عدة خطايا صغيرة لاولئك الذين قصر حياتهم عشرين سنة.
لأجل هذا، وفي نهاية الايام السبعة، في سنة ستمائة من عمر نوح، وفي اليوم السابع عشر من الشهر الثاني تفجرت ينابيع الغمر العظيم، وتفتحت مزاريب السماء واغلق الرب [باب السفينة] في وجه نوح، لئلا يأتي [الناس] اثناء السيول ويحطمون باب السفينة. وحصل الطوفان الذي أباد كل كائن بينما بقي نوح والذين معه [فقط] في السفينة 3 أن ينابيع الغمر ومزاريب السماء فتحت اربعين يوما واربعين ليلة؛ وظلت السفينة طافية [على المياه] مئة وخمسين يوما.
[12] بعد مئة وخمسين يوما بدأت المياه تنخفض حتى استقرت السفينة على جبال قردو . وفي الشهر العاشر ظهرت رؤوس الجبال. وفي سنة ستمائة وسنة في الاول من الشهر الاول جفت مياه [الطوفان] من الأرض، وفي الشهر الثاني اي أيار في السابع والعشرين منه جفت الارض.
لقد مكث نوح والذين معه في السفينة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، منذ السابع عشر من الشهر الثاني اي أيار ولغاية السابع والعشرين منه من السنة التالية في الحساب القمري؛ ثلاثمائة وخمسة وستين يوما لاحظ بانه حتى جيل آل نوح كان يستعمل عدد الثلاثمائة والخمسة وستين يوما في السنة. فلماذا القول بان الكلدان والمصريين هم الذين نظموا واوجدوا هذا [النظام]؟
وقال الله لنوح: اخرج انت وامرأتك وبنوك ونسوة بنيك؛ ان الذين ادخلهم [ للسفينة واحداً واحداً لحفظ العفة في داخل السفينة، اخرجهم أزواجاً [ازواجا] كي يزيدوا ويكثروا في العالم وايضا بشأن الحيوانات التي حفظت العفة في داخل السفينة قال الله : اخرج معك كل الحيوانات التي معك من كل كائن ليلدوا وينموا ويتكاثروا في الارض.
[13] بعد ان خرج نوح وجميع من معه أخذ من كل البهائم الطاهرة وأصعَدَ محرقة سالمة على المذبح . 3 ان كل الطيور والحيوانات الطاهرة أما قد اطاعته عندما خرجت من السفينة، أو انه في يوم خروجهم اخذ من كل كائن طاهر وقدم ذبيحة مقبولة الله فازال الطوفان من الارض.
وتنسم الرب رائحة؛ لم تكن رائحة لحم الحيوانات او دخان الاخشاب، لكنه نظر وشاهد صفاء نية ذلك الذي قدم الذبيحة من الكل [الذين معه] وبدلا من الكل. وقال له ربه كما كان يرغب ان يسمع [القول] بسبب استقامتك حفظت البقية وما ابيدت في الطوفان الذي حصل، ولأن ذبيحتك كانت من الكل وبدلا عن الكل، لن اجلب طوفانا على الأرض من بعد. وبذلك ألزم الله نفسه بهذا الوعد سابقا فحتى لو انساق الانسان لفكره الشرير كل يوم لما اقام الله طوفانا [آخرا] على الانسان.
ولأن تلك السنة حُرمت من الزرع والحصاد، واضطربت انظمتها بخصوص الفصول الاربعة أعاد الله للارض ما كان قد اخذه منها أثناء غضبه وقال: تكون كل ايام الارض زرعاً وحصاداً برداً وحراً صيفاً وشتاءً، نهاراً وليلا لن تبطل من الأرض. لأنه اثناء الاربعين يوما الممطرة كان ليلا، وكانت السنة كلها شتاء بدون صيف لغاية جفاف الارض.
[14] لقد بارك الله نوحا وابناءه لينموا ويكثروا وان تقع رهبتهم على كل كائن ذي جسد في البحر والبر، وسوى اللحم الذي نفسه فيه لا تأكلوه، اي اللحم الذي لم يُذبح ويسيل دمه منه. ان الله اقام ثلاثة عهود مع نوح الاول ان لا يأكلوا الدم، والثاني الانتقام، اي ان الله سيطلب دماء هم من الحيوانات والثالث ان الذي يقتل سيُقتل.
[15] وسأطلب دمكم من كل حيوان ومن يد الانسان. وهنا ايضا سيطلبه في المستقبل طلب هنا بواسطة القتل الذي اصدره على القاتل، والرجم الذي يُرجم الثور الناطح وفي الآخرة سيطلب من الحيوانات ان تعيد في وقت القيامة كل ما اكلته من اجساد الانسان. وقال الله: من يد الانسان او اخيه [الانسان] أطلب [حسابا عن] نفس الانسان كما اطلب من قايين ثأر دم هابيل، اي من سفك دم انسان يُسفك دمه على يد انسان ان قوله على صورة الله صنعه قاله عن سلطانه المتسلط كإله يعطي الحياة ويأخذها.
بعد ذلك اقام الله عهدا مع نوح ومع كل من خرج من السفينة قائلا: لن يهلك كل بشر من مياه ،الطوفان جعلت قوس قزحي في السحاب، لتكون علامة عهد للابد بين الله وبين سائر البشر على الارض.