عظات على سفر التكوين للقديس يوحنا ذهبي الفم – العظة الخامسة 

في أننا لا تُعَاقَب بسبب آدم وفي أن الصالحات أكبر من الصعاب التي قد سببها لنا آدم إن كنا مدققين. وأيضا يتحدث ضد أولئك الذين يحتقرون الفقراء. 

تمهيد عن أهمية تقصى الكلمة بتدقيق. 

1- ربما تظنون أننا قد أكملنا حديثنا بما يكفي عن السلطة، غير إنني أرى أنه يوجد كثير من الثمار في ذات الموضوع، لكن من فضلكم لا تضجروا حتى نجني كل الثمار. كما أن المحنكين من المزارعين عندما يرون الكرمة وقد أورقت بشكل كثيف وصارت محملة بالثمار فانهم لا يقطفون فقط عناقيد العنب الموجودة بالخارج بل يتقدمون نحو الأجزاء الداخلية ويحنون الأغصان ويثنون الأوراق حتى لا تهرب منهم أي عناقيد صغيرة مخبأة تحت الأوراق. فلا تبدوا إذن غير مبالين على خلاف هؤلاء، ولا أن ترحلوا قبل أن تنالوا كل شيء، لأن التعب فهو لي، وأما الثمر فهو لكم. 

لماذا نُعَاقَب على ذنب آدم؟

بالأمس قد شكونا من النساء، وبالحري ليس كل النساء بل حواء، لأنها قد أدخلت العبودية بسبب الخطية، وربما تقول لى النساء: “فلماذا إذن نُدان نحن طالما هي التي أخطأت؟” ولماذا يتسبب تعدي شخص واحد في إدانة كل الطبيعة (البشرية) بأكملها ؟ وهذا عين ما يمكن أن يدعيه أيضا العبيد: “لماذا إذن بالرغم من أن حام هو الذي أهان أبيه فإن نتائج العقوبة قد انتقلت إلى كل “جنسنا ؟” وكذلك أولئك الذين يخشون الرؤساء فأنهم أيضا ربما يدعون: “لماذا إذن بينما آخرين عاشوا في الشر فإن هؤلاء هم الذين سلموا إلى نير الرئاسة؟” فبماذا يمكننا أن نرد على كل هؤلاء؟ غير أن إجابتنا سوف تكون واحد على كل هذه التساؤلات وهي أنه حقا قد دخلت العبودية بواسطة الأولين بسبب عصيانهم غير أنه بعد دخولها بواسطتهم قد تسيدت هذه العبودية بواسطة اللاحقين عليهم بسبب خطاياهم الخاصة. لأنهم إن كانوا قد استطاعوا أن يحفظوا أنفسهم من أي خطية، فإنه يمكن اعتبار اعتراضهم على حق، ولكن إن كانوا هم أنفسهم مسئولين عن كثير من العقوبات، فان كل تلك الحجج لا لزوم لها. 

ارتباط الخطية بمختلف أنواع العبودية

أما من جهتي، فلم أقل أن الخطية لم تُسبب العبودية، بل أن كل خطية مرتبطة بالعبودية وطبيعة الخطية فقط هي التي تسببها وليس نوعها، كمثل كل الأمراض العضال تؤدي للوفاة، ولكن ليس كل هذه الأمراض لها نفس الطبيعة. هكذا الخطايا، فكلها أنجبت العبودية ولكن ليس كلها من نفس الطبيعة. أخطأت حواء لأنها أكلت من ثمرة الشجرة المحرمة، وقد أدينت لذلك، لذلك فلا تخطيئى أنتِ أيضا لئلا تقبلي مع الخطية ما هو أسوء مما قبلته حواء وهذا ما يجب أن نقوله أيضا بشأن العبيد وفيما يخص الرؤساء، إنه قد أدخل الأولون الخطية ولكن اللاحقين عليهم استمسكوا بقوة السلطة عليهم بسبب ما اقترفوه (من معاصي). 

ويمكنني أن أقدم حجج أخرى، فكل الذين قد سلكوا في الفضيلة قد تحرروا من سيادة السلطة عليهم. 

المرأة وحريتها 

وإن تحدثنا أولاً عن النساء فإنك تجد أن بولس الذي قد أحاطهن بالقيود، فإنه عاد وبررهن من ذلك قائلاً ” وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا ، فَلا تَتْرُكْهُ . ” ” لماذا ؟ ” لأَنَّهُ كَيْفَ  تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، هَلْ  تُخَلِّصُ الْمَرْأَةَ؟”. ويقول كيف يمكن للمرأة أن تخلصه؟ بأن تُعلمه، وتعظه، وأن تقوده إلى كلمة التقوى. على الرغم من أنك قلت لنا البارحة أيها الطوباوي بولس ” وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَة” فكيف إذن تجعلها معلمًا للرجل، ولكني لا أطرح ذلك مناقضا نفسي، بل أنني أتفق كثيرًا جدًا مع ما أقول ، اسمع إذن، عن أي شيء قد أبعدها عن كرسي التعاليم ولأي سبب قد أعادها مجددًا إليه؟ كي تعرف حكمة بولس، لأنه يقول، فيُعلم الرجلُ ، لماذا؟ لأنه لم يُغوى بل هكذا يقول “آدم لَمْ يُغو”. ويقول أيضاً “لِتَتَعَلَّم الْمَرْأَةُ” لأنها قد غويت وهكذا يقول “لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي”. ولكن عندما يتحدث عن الرجل غير المؤمن بينما المرأة مؤمنة فإنه هنا يقول على النقيض فلتعلم المرأةُ ، لماذا؟ لأنها – في هذه الحالة – لم تُغوى بل إنها مؤمنة، فيتعلم إذن الرجل لأنه قد أغوى حيث أنه غير مؤمن، (وكأنه) يقول انعكس التعليم، فلينعكس إذن من له السيادة.  

أرايت كيف أن العبودية في كل مكان ليست من نتاج الطبيعة بل الغواية والخطية، فقد أتت الغواية في البدء أولا على المرأة وتبع الغواية الخضوع، وبعد ذلك تحولت الغواية على الرجل وانتقل عليه بالتبعية الخضوع، ومثلما صار منذ البدء خلاص المرأة معهوداً للرجل، لأنه لم يغوى إذ يقول الآتي: “وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اعتمادك وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ”. وهكذا ففي هذه الحالة صارت المرأة المؤمنة تتعهد هي بخلاص الرجل غير المؤمن إذ يقول: ” لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيْتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟” فماذا يمكن أن يكون أكثر وضوحًا من هذا البرهان، بأن العبودية ليست من نتاج الطبيعة بل الخطية؟ وهذا ما يمكن قوله عن العبيد. “دُعِيت وَأنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ.” فأنظر كيف يظهر ثانياً أن العبودية مجرد اسم بدون أي أهمية عندما توجد فضيلة، ” بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرًّا فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِي. أي لتبقي في العبودية. لماذا؟ لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذلِكَ أَيْضًا الْحُرُ الْمَدْعُو هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيح. أترى كيف أن العبودية هنا مجرد اسم ولكن في الواقع هي حرية؟ فلأي سبب إذن تركك أن تصير عبدًا؟ حتى تعرف امتياز الحرية، لأنه كما في حالة الثلاث فتية فإنه بدلاً من أن يطفئ الأتون فقد كان الأكثر إثارة للدهشة أنه حفظهم بلا ضرر بينما النار مازالت مشتعلة، هكذا أيضاً فالأكثر إثارة للعجب أنه بدل من أن يلغي العبودية أظهر الحرية بينما في الواقع لم تزل العبودية قائمة. 

الفتية الثلاثة كمثال للحرية 

2- هل تريد أن ترى نفس الأمر مع الرؤساء؟ فقد كان نبوخذ نصر ملكاً وأوقد الأتون بلهب ، شديد، وألقى الثلاثة فتية في وسطه، وبينما كانوا شباب وهادئين، لم يكن لهم أي حماية إذ كانوا عبيداً ومسبيين، وكانوا يعيشون في وطن غريب. وماذا كان يقول لهم: “(هل) تَعَمُّدًا يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ لَا تَعْبُدُونَ آلِهَتِي وَلَا تَسْجُدُونَ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتُ؟” فبماذا أجابوا ؟ ولكن لتنتبه كيف جعلتهم الفضيلة وهم مسبيين ملوكًا أكثر من الملك ذاته، وأظهرت مدي ارتفاع معنوياتهم، فلم يخاطبوه كمن يوجهوا حديثهم لملك بل كمن يحدثون مواطن عادي مثلهم، وهكذا بكل شجاعة قالوا : “يَا نَبُوخَذْنَصِّرُ، لَا يَلْزَمُنَا أَنْ تُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ.” سوف نرد عليك ليس بالكلام بل بالفعل “هُوَذَا يُوجَدُ الهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُونِ النَّارِ الْمُتَّفِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ”. مذكرين إياه بإحسان الله مع دانيال، مرددين نفس كلمات النبي التي قالها آنذاك، فماذا قال ذاك؟ ” السر الَّذِي طَلَبَهُ الْمَلِكُ لَا تَقْدِرُ الْحُكَمَاء وَلَا السَّحَرَةُ وَلَا الْمَجُوسُ وَلَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ لَكِنْ يُوجَدُ إِله فِي السَّمَاوَاتِ كَاشِفُ الأَسْرَارا هذه الكلمات قد ذكَّروه بها حتى يجعلوه أكثر تسامحاً ، ثم أضافوا “وَإِلَّا فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّنَا لَا نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلَا نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ”  

فلتنتبه لحكمة أولئك الفتيان، فإنهم لا ينسبون الضعف الله إذا حدث 

وماتوا طالما أنهم سيُلقون في الأتون المتقد، فانهم سبقوا واعترفوا بقوته قائلين “هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا ولكي لا يُظن أنهم طالما سينجوا من النار يعبدون الله نظير مقابل أو أجرة، لذلك أضافوا “ان لم يحدث هذا فاعلم ايها الْمَلِكُ أَنَّنَا لَا نَعْبُدُ الِهَتَكَ وَلَا نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ”. كارزين في نفس الوقت بقوة الله ومظهرين صلابة أنفسهم، كي لا يدعي أحدًا ما ادعاه الشيطان افتراء على أيوب، فماذا قال الشيطان عن أيوب ؟ : “هَلْ مَجَّاناً يَتَّقِي أَيُّوبُ اللَّهَ ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ”. فلكي لا يقدر أحدًا أن يدعي نفس الأمر فسبق الثلاث فتية وسدوا كل فم يتبجح. ولكن كما سبق وقلت إن كان هناك أحدًا مسبيًا أو كان عبدًا أو غريبًا يعيش في بلد أجنبي ولكن تحيا معه الفضيلة فسوف يكون ملكًا أكثر من الملوك. 

دانيال وبولس نموذجان لإخضاع الوحوش

أرأيت كيف أبطلت عبودية النساء والعبيد والمرؤوسين؟ تعال إذن حتى أُريك كيف يبطل الخوف من الوحوش، فقد ألقوا دانيال في الجب في نفس مدينة بابل، ولكن لم تتجاسر الأسود أن تمسه، لأنها كانت تشاهد فيه الصورة الأصلية الملوكية تتلألأ بتلك السمات التي رأوها في آدم قبل الخطية. وتلك الأسود بنفس الخضوع كانت قد أتت إلى آدم وقبلت منه أسمائها. وليس فى هذا الحدث فقط بل أيضا في حالة بولس لأنه عندما قذف به في جزيرة البربر، وكان جالسًا بجوار النار ليصطلي، قفز من وسط الأغصان الجافة أفعى ولدغت يده، فماذا حدث له؟ حالا سقط الوحش (أي الأفعى)، لأنه لم توجد في (القديس بولس) خطية، فلم تستطيع أن تعضه، فمثلما نريد أن نتسلق مرتفع صخري ولا يوجد شيء نتشبث به فأننا نهوى ساقطين سواء كان أسفلنا محيط أو خليج هكذا ذلك الوحش كان موجود تحته نار وحيث أنه لم يجد في القديس بولس خطية لم يقدر ولا حتى أن ينهشه بأسنانه فسقط في وسط النار وهلك. 

ثلاث أنواع من البراهين 

أتريد أن أخبرك عن نوع ثالث من البراهين فالبرهان الأول هو أنه ليس فقط الأسلاف قد اخطأوا بل نسلهم أيضا ، أما البرهان الثاني هو أولئك الذين نجحوا في تخفيف عبوديتهم مع أنهم يعيشون في الحياة الحاضرة أو بالحري نجحوا في أن يتحرروا نهائيا منها، كما قد أسلفنا الذكر كما في حالة النساء أو العبودية للرؤساء أو الوحوش. 

نعمة المسيح تجعل الإنسان في حال أفضل مما كان قبل السقوط

النوع الثالث من البراهين هو أن الذي وعدنا بالمسيح الآتي قد وعدنا الآن بخيرات أعظم من تلك الخيرات التي حرمنا منها أولئك الذين أخطئوا فقل لي ما الذي يجعلك تحزن وتتحسر؟ هل لأن خطية آدم قد أخرجتك من الفردوس؟ قدم أعمالاً صالحةً، ولتمارس الفضيلة بغيرة، عندئذ سوف أفتح لك ليس فقط الفردوس بل السماوات عينها ولن أتركك تعاني أي شر قد أتى عليك من مغبة معصية الأبوين الأولين. 

أو هل تتحسر لأنك فقدت سلطتك على الوحوش؟ ها الشياطين تخضع لك أن كنت حريصاً، لأنه يقول: “هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَاناً لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلُّ قُوَّة الْعَدُو وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْء. فلم يقل لهم “تسلطوا” كما قال من جهة الوحوش بل يقول “دوسوا” مقدما السلطة في أعلى درجاتها، لذلك لم يقل بولس أن الله سوف يخضع الشيطان تحت أقدامنا بل “سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ” ولا حتى كما قال في السابق: “هُوَ يَسْحَقُ رَاسَكِ وَانْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” بل إنه ظفر تام ونخب النصر خالص واضمحلال شامل للعدو، سحقاً ودماراً، فيا حواء يا من جعلكِ (العدو) تخضعين لرجلك، أما أنا فلم أجعلكِ فقط مساوية للرجل بل للملائكة أنفسهم إن أردتِ . لقد حرمكِ من الحياة الحاضرة لكن أنا أهبك الحياة الأخرى، الأبدية الخالدة، المملوءة من الخيرات التي لا تحصي. 

3- إذن لا يظن أحد أنه يتضرر بسبب (خطايا) الأولين، حيث أننا إن أردنا أن نفحص كل النعم التي وهبت لنا فإننا نجد أنها كثيرة وأعظم من تلك التي فقدناها. فمما تقدم صار جلياً ما تبقى، فقد أدخل آدم حياة الشقاء، أما المسيح وَعَد لنا بأن يمنحنا الحياة التي فيها يختفي التعب والحزن والتنهد، فقد وعدنا بانه سوف ينعم علينا بملكوت السماوات ” تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنذُ تَأْسِيس الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِ … مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ”. 

حديث عن عمل الخير مع الفقراء 

فهل يا تُرى سوف نسمع ذلك الصوت الطوباوي؟ أما من جهتي فلا أستطيع أن أوكد ذلك بقوة، لأن إحتقارنا للفقراء شديد. إنه وقت الصوم، وقت تقدم فيه عظات كثيرة وكذلك تعاليم عن الخلاص، وصلوات مستمرة، واجتماعات يومية، فما هى الفائدة من كل هذا الاهتمام الشديد؟ لا شئ! لأننا نرتحل من هنا ونحن ننظر جموع الفقراء في صفوف على الجانبين وكأننا ننظر أعمدة وليس أجسادًا بشرية، ونعبر بجوارهم دون أدنى شفقة، وكأنهم تماثيل (جامدة) بلا حياة، وليسوا بشراً أحياء، ونهرول مسرعين للوصول إلى بيتنا. 

ويبررون فعلهم هذا بأن الجوع هو الذي يجبرهم على ذلك (أي الارتحال سريعًا دون عمل الرحمة) ولكن في الحقيقة فإن جوعكم (بعد الاجتماع) كان يجب أن يدفعكم للبقاء (لعمل الرحمة مع الفقراء) – فكما يقال في الأمثال – إن البطون المتخمة لا تعرف البطون الجائعة ولكن تلك الجائعة فبسبب احتياجها تشعر أيضا بمثيلتها من البطون الخاوية للأخرين (من الفقراء)، ولكن على ما يبدو فأنه ولا حتى تلك البطون الجائعة تشعر بهم. 

فإنك تجري هكذا إلى مائدة الطعام المعدة ولا تستطيع الانتظار ولو حتى قليلاً، أما الفقير فإنه يقف منتظراً حتى المساء متلهفا بفارغ الصبر ومشتهيا أن يضمن لنفسه طعام اليوم، متطلعا أن اليوم ينتهي، أما المال الذي يكفي للطعام اليومي فإنه غير كافي مما يجعله يعاني ويغضب ويضطر أن يفعل ما هو فوق طاقته، وهذا هو السبب الذي يجعلهم يهاجموننا بشدة وقت المساء، يحلفون ويُحَلِفون الأخرين، يتحسرون وينحون ويمدون أيديهم، ويضطرون أن يفعلوا كثير من الأفعال المخزية، إذ يخافون لئلا يرتحل الجميع إلى بيوتهم وينتهي بهم الأمر إلى التجول في المدينة مثل مَنْ يتجول في برية قاحلة. كمثل مَنْ سقطوا في غرق أثناء النهار يتشبثون بأي لوح خشبي حتى يصلون لميناء السلامة قبل أن يمسي عليهم النهار، كي لا يداهمهم الليل وهم لا يزالون بعيدًا عن الميناء معانين الغرق بشكل مخيف. هكذا أيضا الفقراء، فهم يعانون الجوع مثل الغرق، يتلهفون بفارغ الصبر أن يجمعوا قبل المساء المال الكافي لقوتهم، حتى لا يبقوا خارج الميناء، وهم يشاهدون أن الجميع يرحلون إلى بيوتهم. إذ أن ميناء سلامتهم هي الأيادي الرحيمة. 

4- أما نحن فإننا عندما نوجد في الساحات العامة، لا نتأثر من سلوكهم ولا حتى عندما نعود لبيوتنا، ولكن عندما تكون مائدة الطعام بجوارنا ممتلئة من الخيرات الزائدة عن حاجتنا، – وذلك ان صح أن ندعوا تلك الأطعمة التي نأكلها خيرات وهي علامة تدين عدم إنسانيتنا- وحتى عندما تكون المائدة مُعدة ونسمع أصواتهم من أسفل وهو يسيرون في الأزقة الضيقة، يصرخون بأصوات عالية وهم سائرون بين المنازل، حتى أنهم يعانون من الظلام الحالك، وكأنهم في صحراء خاوية ونحن لا نبالي، وكذلك عندما نشبع ونذهب للنوم، نسمعهم وهم يصرخون مجدداً من أسفل وهم يعانون بشكل مخيف، ونسمعهم ليس كأصوات بشر بل ككلاب مسعورة. فإننا نظهر لامبالاة كبيرة، ولا حتى في ذلك الحين نغير موقفنا منهم، لأن الليل يكون بالأكثر قد تقدم والجميع قد نام، أما ذاك (الفقير) ينوح، ليس بسبب مطلبه البسيط، لأنه لا يسألنا سوى الخبز أو قليل من المال، ولا يطلب أمرا ضخماً، لأنه يعاني من الجوع المستمر، ولكن لا عطف على المتوسلين، لأنه وإن كان في أشد العوز إلا انه لا يجرؤ حتى أن يقترب من الأبواب بل يتوسل من أسفل ولوقت طويل. فإن نال شيئًا فانه لا يكف عن الدعاء وإن لم يأخذ فإنه لا يخرج من فمه كلمة سوء، ولا يَسب أو يلعن أولئك الذين في قدرتهم أن يعطوا ولا يقدمون شيئًا، ولكنه مثل شخص يساق بواسطة جلاد لعقوبة فوق طاقة الاحتمال واذ هو يتوسل من كل المارة ويستغيث بهم ولا يجد أي مساعدة من أحدٍ، يساق بوحشية، نحو العقوبة، هكذا أيضا ذاك (الفقير) كمن يسوقه جلاد الجوع في الليل والسهر الذي لا يحتمل، يمد يداه ويتوسل بصوت صارخ أولئك الذين يجلسون في بيتهم، ولا ينالون أي عمل رحمة يتم طردهم بلا شفقة وبقسوة شديدة. 

غير أن هذا الأمر لا يلين قلوبنا، بل بعد كل هذا التصرف اللاإنساني نتجاسر أن نبسط أيدينا نحو السماء لنتحدث إلى الله، طالبين غفران خطايانا، ولا نخاف بعد كل هذه القسوة والوحشية، أن تسقط علينا صواعق البرق بعد صلاة مثل هذه. فقل لي كيف نذهب لنخلد للنوم والراحة ولا نخاف لئلا يأتينا في منامنا ذلك الفقير، صارخًا، متسخاً، مرتديا الخرق يجهش بالدموع والنحيب، ويلقي باللائمة على قساوتنا؟ ولكني سمعتُ كثير من الناس يقولون أنهم بعد تلك الليلة التي تغاضوا فيها عن مساعدة الفقراء رأوا أنفسهم مربوطين بوثق والفقراء يجرونهم بأيديهم، وهم ممزقون ويعانون من أمور لا حصر لها. 

غير أن ذلك يتم في نومهم وفي أحلامهم، وهي عقوبة مؤقتة، ولكننا لا نخاف فقل لي ألعل ذلك الفقير الذي ينتحب ويصرخ وينوح ألعلنا نراه في حضن إبراهيم تماما كما رأي الغني لعازر ؟ كل ما حدث في هذا المثل بعد ذلك أتركه إلى ضمائركم ، أقصد مكان العذاب حيث الألآم التي لا تطاق والمرارة ، كيف طلب ماء ولم يعط له ولا حتى قطرة، وكيف جف لسانه وكيف أنه على الرغم من توسلاته الكثيرة لم ينل أي مغفرة، وكيف عوقب إلى الأبد. 

وأتمني ألا يحدث لنا ذلك عمليًا، بل أن يكون سماع حديثنا هذا سببًا في تجنب تلك المصائر التعسة، وأن نكون مستحقين لتقبل عطف أبينا إبراهيم، وأن نكون معه في نفس المكان. 

نعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب الكرامة والمجد والقوة مع الروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. 

زر الذهاب إلى الأعلى