تفسير سفر التكوين أصحاح 6 للأرشيذياكون نجيب جرجس


زواج أولاد الله ببنات الناس (ع1-2)

«وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات. أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فأتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا.» (التكوين 6: 1-2)

«أبناء الله» المقصود بهم الصديقون من نسل شيث ومن غيرهم إن وجد. و«بنات الناس» هن بنات الأشرار البعيدين عن الله، ويغلب أنهن من نسل قايين. والله يعتبر الصديقين أولاده، بينما الخطاة لا يعتبرون إلا أبناء الناس.

نرى في هذه الآيات أن الرجال كانوا لا يحسنون اختيار الزوجات. فكانوا يتزوجون من كل ما اختاروا، واكتفوا بأن زوجاتهم حسنات، بدون تمييز بين الزوجة الصالحة والزوجة الشريرة. كان بعض اليهود يظنون أن أبناء الله هنا هم الملائكة، ونهج نهجهم شهود يهوه. وهذا خطأ لأن «الملائكة لا يزوجون ولا يتزوجون» (متى 22: 30).

غضب الله على الإنسان (ع3)

«فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد. لزيغانه هو بشر، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة.» (التكوين 6:3)

«لا يدين روحي» بمعنى لا يجاهد معه أو يحل ويسكن فيه، والمقصود أن روح الله لا يعود يبكت أشرار العالم الذين أصروا على خطاياهم. والإنسان دائماً يوبخه روح الله ويعمل فيه ليتوب، فإذا ما أبدى الإنسان عناداً وإصراراً وغلظة، تخلى عنه تبكيت الروح وأسلمه الله لذهن مرفوض (رومية 1: 28). «هو بشر» أو هو لحم أو هو جسد، ويعني أن الإنسان ليس إلا بشراً يميل إلى العصيان، ويليق أن تنطبق عليه قاعدة قصر الحياة كباقي الحيوانات. «وتكون أيامه مائة وعشرين سنة» المقصود بذلك:

(۱) أن الله يعاقب الإنسان بأن يجعل الحد الأعلى لعمره لا يزيد عن مائة وعشرين سنة في الغالب، وقد ابتدأ الله ينفذ في الإنسان هذا الحكم بعد الطوفان بالتدريج.

(۲) كما أن الله أعطى للبشرية فرصة للتوبة قدرها مائة وعشرون سنة، أي بقدر الحد الأعلى الذي جعله الله لعمر الإنسان، وهي المدة التي أنذر فيها نوح الناس إلى أن دخل الفلك.

ظهور الجبابرة (ع4)

«كان في الأرض طغاة في تلك الأيام. وبعد ذلك أيضاً إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولاداً. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم.» (التكوين 6: 4)

«كان في الأرض طغاة» والمقصود بهم الجبابرة المعتزون بقوتهم، خصوصاً من أبناء قايين، ومن أمثلتهم لامك (التكوين 4: 23-24). رغم وجود جبابرة ظالمين من نسل قايين، فإن بني الله الأبرار تزوجوا من بناتهم فولدوا هم أيضاً جبابرة.

«الذين منذ الدهر ذوو اسم»: منذ الدهر أي منذ الأجيال القديمة، وذوو اسم أي لهم سمعة وصيت. ومن هذا نستخلص أن الإنسان في هذه الأجيال قد أخطأ بوجوه كثيرة:

(۱) لأن الرجال لم يحسنوا اختيار الزوجات.

(۲) وأصبح فكر الإنسان متجهاً نحو الحسن الجسدي.

(۳) ونحو القوة الجسدية.

(٤) ثم نحو الصيت العالمي. بينما أهملت النواحي الروحية والأمور المتعلقة بالحياة الأبدية.

حزن الله لخلقه الإنسان (ع 5-6)

«ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض. وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه.» (التكوين 6: 5-6)

مما يؤسف له أن شر الإنسان قد كثر على الأرض، ولم يعمل الإنسان الشرور الظاهرة فقط، بل كانت تصوراته وأفكاره أيضاً شريرة. والله مطلع على أعمال الناس الظاهرة والمستترة، وحتى على تصور أفكارهم.

«فحزن الرب… وتأسف في قلبه»: ليس معنى هذا أن الله يقع تحت الانفعالات البشرية، ولكنه تعبير بلغة البشر يقصد به عدم مسرة الله بأعمال الإنسان وعدم رضاه عنها، لأن الإنسان لم يحقق بأعماله مقاصد الله من خلقه.

يعترض بعض الناقدين مثل وِل ديورانت (Will Durant) على نسبة الأعمال والصفات الخاصة بالإنسان إلى الله. ونجيب على هذا بأن الكتاب المقدس قد نزل بلغة البشر ولنفعهم الروحي، ومن المعروف أن لغة البشر قد جعلت لتكون في مستوى العقول والمدارك البشرية، وأنها لغة محدودة بالنسبة للأمور الخاصة بالله. فلكي يوصل الله إليهم الحقائق الإلهية يستخدم لهم لغتهم وأساليبهم، كما يتمشى المعلم مع الطفل ويحدثه بلغته في تلقينه العلوم والمعارف. ولذلك عندما يعبر الوحي مثلاً عن علم الله المطلق واطلاعه على كل شيء يقول أن عينيه تخترقان أستار الظلام، وعند التعبير عن استجابته أو عدم استجابته للصلاة يقول أن الله يصغي بأذنيه أو يسد أذنيه حتى لا يسمع. وللتعبير عن محبة الله لشعبه يقول: أنه خطبه لذاته كعروس لرجلها، وللتعبير عن انتهاء الله من خلق جميع أنواع المخلوقات يقول أنه استراح من أعماله. وهكذا الحال في التعبير هنا عن عدم رضاه ومسرته بأعمال الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله، أنه حزن وندم وتأسف في قلبه.

والمؤمنون في كل الأجيال يستعملون هذه التعبيرات في عبادتهم وحديثهم عن الأمور الخاصة بالله، فبالرغم من إيمانهم بعدم محدودية الله يطلبون إليه في صلواتهم أن يأتي ويحل في وسطهم، ويسكن في قلوبهم، وبالرغم من إيمانهم بأن الله روح يطلبون إليه أن ينظر إليهم بعينه، ويصغي بأذنيه إلى صلواتهم، وهكذا.

عزم الله على إهلاك العالم والحديث عن نوح (ع7-8)

«فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات الأرض وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب.» (التكوين 6: 7-8)

نرى هنا أن الله مزمع أن يهلك الناس والحيوانات والطيور بسبب شرور الإنسان، ولكنه يميز عبده نوحاً البار الذي وجد نعمة في عينيه لتقواه.

وقد سمح الله بهلاك الحيوانات مع الإنسان لأنها خلقت لتكون تحت سلطة الإنسان وسيادته، وبعضها كان يخدمه. وإذ قضى الله بإهلاك جنس الإنسان، رأى بحكمته أن يعاقبه بإبادة الأحياء التي كانت تحت سيادته أيضاً. كما أنه بتدبيره رأى أن القدر الذي سيحفظ من هذه الأحياء كان كافياً لتعمير الأرض من جديد ولخدمة النفر القليل من جنس البشر الذي سينجو من الطوفان. ومن المعروف أن الله تعالى هو رب الخليقة وسلطانها، يفعل بحكمته وتدبيره ما يراه صالحاً.

«لأني حزنت أني عملتهم»: بعد خلق الإنسان نظر الله إلى ما عمله وإذا هو حسن جداً، لأن الإنسان خلق على أحسن تصوير على صورة الله ومثاله. ولكن حينما سلك الإنسان حسب هواه الفاسد، تبدل سرور الله بحزن وأسف. ألا نرى من هذا أن أعمال الله كاملة دائماً وحسنة، ولكن الإنسان كثيراً ما يتصرف تصرفات سيئة فيشوه جمال أعمال الله، وكثيراً ما يمد يده فيعوج المستقيم، ويمسخ الأشياء الجميلة ويزيل معالمها الحسنة ورونقها؟!

مواليد نوح (ع9-10)

«هذه مواليد نوح. كان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله. وسار نوح مع الله. وولد نوح ثلاثة بنين: ساماً وحاماً ويافث.» (التكوين 6: 9-10)

نرى هنا:

(۱) مواليد نوح وهم سام وحام ويافث، وقد مر الحديث عنهم في شرح (التكوين 5:32).

(۲) الحديث عن نوح بأنه كان باراً كاملاً، وبهذا سار مع الله أي سار في طريقه وفي طاعته مثل أخنوخ. وقوله «في أجياله» أي طوال عمره وبين معاصريه. وبالرغم من أن نوحاً عاشر أجيالاً معظمها من الأشرار، إلا أنه حافظ على بره وكماله. وأولاد الله يحفظون أنفسهم من شرور العالم، ويتباعدون عن أدناسه ليكونوا شهوداً صادقين لله في أي وسط يعيشون فيه.

التعبير عن فساد الأرض (ع11-12)

«وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلماً. ورأى الله الأرض إذا هي قد فسدت. إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض.» (التكوين 6: 11-12)

«فسدت الأرض» لفساد أهلها، إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه. ويعبر الوحي هنا عن اطلاع الله على مفاسد الناس وشرورهم.

إعلان الله لنوح بإهلاك العالم (ع13)

«فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي. لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض.» (التكوين 6: 13)

كشف الله لعبده نوح ما كان مزمعاً أن يفعله لأن «سر الرب لخائفيه» (مزمور 25: 14). وقد أعلنه بعزمه تعالى على إهلاك الأرض بسبب ظلم الناس وفسادهم.

«نهاية كل بشر قد أتت أمامي» أي اقتربت. وقوله «كل بشر» من باب التغليب، يقصد به الأشرار.

«فها أنا مهلكهم مع الأرض» أي مع كل ما على الأرض من الكائنات الحية.

الأمر بعمل الفلك (ع14-16)

«اصنع لنفسك فلكاً من خشب جفر. تجعل الفلك مساكن. وتطليه من داخل ومن خارج بالقار. وهكذا تصنعه: ثلاث مائة ذراع يكون طول الفلك، وخمسين ذراعاً عرضه، وثلاثين ذراعاً ارتفاعه. وتصنع كوا للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق. وتضع باب الفلك في جانبه. مساكن سفليه ومتوسطة وعلوية تجعله.» (التكوين 6: 14-16)

يأمر الله نوحاً بعمل الفلك ليقيه هو ومن معه من مياه الطوفان. والفلك أو التابوت وهو سفينة في هيئة صندوق كبير له سقف (غطاء) (التكوين 8: 13). ربما كان من الخشب أو من جلود الحيوانات. ونلاحظ الأمور الآتية بخصوص الفلك:

أولاً مادته: من خشب جفر، وترجم أيضاً خشب قطراني، ويغلب أنه خشب شجر السرو أو شجر الكافور لمقاربة كلمة “جفر” العبرية من كلمة “الكافور” العربية، ويعرف كل من السرو والكافور بطول سيقانه ومتانته وعدم قبوله التسوس. وقد أمر الله نوحاً بأن يطلي الفلك من الداخل ومن الخارج بالقار أي الزفت، وتكثر منابعه في بلاد آشور حيث كان نوح يسكن، والقصد من طلائه أن لا ينفذ الماء داخله.

ثانياً أبعاد الفلك: كان طول الفلك ٣٠٠ ذراع، وعرضه ٥٠ ذراعاً، وارتفاعه ٣٠ ذراعاً. والذراع هو ذراع الإنسان، وكان يقاس من المرفق حتى نهاية الأصبع الوسطى، ويعادل نحو ٤٥ سنتيمتراً. فتكون أبعاد الفلك نحو ١٣٥ متراً طولاً، و٢٢.٥ متراً عرضاً، و١٣.٥ متراً ارتفاعاً.

ثالثاً مساكن الفلك: جعل الفلك من ثلاثة طوابق: سفليه ومتوسطة وعلوية، وكان كل طابق يشتمل على عدة مساكن أي أقسام وحجرات.

رابعاً كوّى الفلك وبابه: كان للفلك كوّى أو طاق، وهو نافذة كبيرة تدور حول الفلك لدخول الضوء والهواء، وكان على بعد نحو ذراع من أعلى الفلك. أما الباب فكان في الجانب ويفتح على الطوابق الثلاثة، كما كان للفلك طاقات أخرى تغلق وتفتح.

إعلان الله لنوح بإنزال الطوفان (ع 17-18)

«فها أنا آت بطوفان على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت. ولكن أقيم عهدي معك. فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك.» (التكوين 6: 17-18)

نرى هنا:
(أ) إعلان الله عن عزمه بإهلاك العالم بالطوفان.
(ب) وعد الله لنوح بإقامة عهده معه، وأمره أن يدخل الفلك مع امرأته وأولاده الثلاثة ونسائهم لينجوا من الطوفان، فيكون مجموع النفوس التي دخلت الفلك ثماني أنفس.

«ولكن أقيم عهدي معك»: العهد أو الميثاق هو اتفاق يقوم بين طرفين برضائهما. وقد يقوم العهد بين أشخاص من الناس، أو بين الله تعالى وشخص أو جماعة من الناس. ويتضمن العهد بين الله وبين المؤمنين وعداً من قبله تعالى، وكثيراً ما يكون الوعد مشروطاً بالتزامات من نحو الإنسان. وقد يقترن العهد أيضاً بعلامة خاصة. ومن أمثلة العهود المقدسة: عهد الله مع آدم بأن يحيا خالداً وسعيداً إذا لم يأكل من شجرة معرفة الخير والشر (التكوين 2: 17)، وعهد الله مع إبراهيم (التكوين 17: 13) ومع موسى (تثنية 4: 12). أما عهده مع نوح هنا فكان أن ينجيه هو ومن معه من الطوفان، ثم قطع الله معه عهداً أوسع من ذلك بعد الطوفان (التكوين 9: 8-17).

الحيوانات والطيور التي تدخل الفلك (ع19-22)

«ومن كل حي من كل ذي جسد، اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكراً وأنثى. من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها. وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل وأجمعه عندك. فيكون لك ولها طعاماً. ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل.» (التكوين 6: 19-22)

نرى هنا:

(۱) أن الله يأمر نوحاً بأن يدخل معه إلى الفلك اثنين اثنين من الحيوانات والطيور، والمقصود بالاثنين الذكر والأنثى. أما تحديد العدد من كل من الحيوانات الطاهرة والنجسة فسيوضحه الله له فيما بعد. وقوله «لاستبقائها» أي لحفظ أنواعها. يتعجب البعض كيف أدخل نوح الحيوانات المفترسة مع الحيوانات الأليفة إلى الفلك، ولكن يزول عجبنا إذا عرفنا أن الله بقدرته وبطريق المعجزة منع الحيوانات المفترسة عن افتراس الحيوانات الأليفة في الفلك لحفظ أنواعها.

(۲) وأمره الله أن يأخذ طعاماً له ولمن معه من الناس ومن الحيوانات والطيور. ولا شك في أن الله بقدرته أيضاً جعل الحيوانات المفترسة تأكل مما خزنه نوح في الفلك من حبوب وغيرها إلى أن خرج الجميع من الفلك.

(۳) «ففعل نوح حسب كل ما أمره به الرب» وهذا دليل على:

(أ) إيمانه بأقوال الله مهما بدت صعبة.
(ب) وخوفه وتقواه.
(ج) وطاعته الكاملة.

زر الذهاب إلى الأعلى