تفسير رسالة رومية اصحاح 15 للقمص متى المسكين

الأصحاح الخامس عشر

القسم الأول من الأصحاح [15: 1-13]

المسيح مثلنا الأول
كونه لم يرض نفسه

أ ـ [ 15: 1و2] تكملة الوعظ السابق يُجمل كل ما سبق في الأصحاح (14) 

 

1:15 «فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نُرضي أنفسنا».

«نحن الأقوياء » :ἡμεῖς οἱ δυνατοὶ 

إن كان ق. بولس قد وضع نفسه في الأصحاح السابق مع الأقوياء في احتمال الضعفاء وعدم محاكمة أسباب ضعفهم، إلا أن ذلك كان بحسب المبدأ فقط : «فلا نحاكم أيضاً بعضنا بعضاً …» (13:14) ولـكـن هـنـا واضح أنه يضع نفسه مع الأقوياء من حيث المسئولية العملية

« فيجب علينا » .

« فيجب علينا Ὀφείλομεν نحن الأقوياء»: δυνατοὶ

الأقـويـاء الـذيـن يضع ق. بولس نفسه بينهم هم الأقوياء أخلاقياً بسبب قوة الإيمان الداخلي وثبات الضمير، ولكن هذه القوة الأخلاقية الإيمانية فرضت علينا مسئولية في الحال حسب قوانين الله : «فـكـل مـن أعـطي كثيراً يطلب منه كثير ومن يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر» (لو 12: 48). بمعنى أن الله أعطى خصيصاً للبعض نصيباً كبيراً من الإيمان ـ وهو في الحقيقة يـتـنـاسـب بحسب علم الله مع بنيتهم النفسية والفكرية وسعة وعيهم الروحي ـ ذلك لكي يكونوا مسئولين بالتالي عن الضعفاء بسبب نصيبهم الأقل إيمانياً والذي لا يعود إلى شح في عطاء الله ولكن البنية التي تحكمت فيها الظروف والمواريث فأضعفتها ، هذا هو قضاء عدل الله ورحمته، أي عمل بره الخاص في البشرية حتى لا يعود الضعيف يتذمر بخصوص ضعف نصيبه لأنه يكون محمولاً على قوة صاحب النصيب الأقوى . 

فـانـظـر أيـهـا الـقـارىء كـم تـكـون الـكـارثـة لو تخلي القوي عن مسئوليته ولم يحتمل ضعف الضعيف؟ إنه يقتل الضعيف نفسياً حزناً وكمدا، ويخون نعمة الله التي أغدقت عليه في العطاء ليعطي هو بسخاء، فإذ هو يستحوذ على عطية الله لنفسه ويتعالى ، يجور على صاحب النصيب الأضعف !!

من هنا تجيء ء كلمة ق. بولس الرنانة Ὀφείλομεν «يجب » ، يجب وجوباً قاطعاً تحتمه عطية الله التي تفرض هذا الوجوب ، حيث الذات لم تعط رصيداً لتتكرم به وتتمجد وتتعالى ، بل لـكـي يـتـحـول العطاء لمجد النعمة ومجد الله الذي أعطى . فالوجوب هنا ينشىء دينا ، والذي يدفع الدين الذي عليه كفاه أنه وفي الدين ولا سبيل للافتخار.

«أن نحتمل»: βαστάζειν

الترجمة العربية – في هذا الموضع ـ فقيرة وعاجزة، فالكلمة اليونانية لا تفيد هنا «يحتمل » احتمالاً بل «يحمل » حملاً. فالذي يحتمل يحتمل الضعيف  (رو1:14) أو كما جاءت هنا في الأصحاح (15) ، ولكن هنا ليس الضعيف كشخص نحتمله بل « الضعف» بالجمع، الضعفات. فالإنسان القوي مفروض عليه ، لا أن يحتمل ضعفات الآخرين، بل أن يحملها !! لأني إن كنت أحتملها فيمكن أن أحتملها في داخلي وأنا صامت في حالي لا أتحرك ، ولـكـن أن أحملها عنه فقد صارت ضعفات أخي ضعفاتي!! أعيشها وأبذل كل جهدي لأ تلافى عثرتها ، وأرضي أخي كأني أنا الضعيف وهو القوي . أنظر، عزيزي القارىء، كيف لم يوفق المترجم فتسبب ذلك في الابتعاد عن المعنى الصحيح !!

وإن كان ق. بولس سيقدم المسيح حالاً كنموذج ومثل يحتذى ، فالمسيح لم يحتمل خطايانا بل حملها ( مت 8: 17)، حملها في جسده على الخشبة ( 1بط 2: 24) !! لذلك يقول ق . بولس في موضع آخر: «احملوا بعضكم أثقال بعض .» (غل 6: 2)

«أضعاف الضعفاء » : ἀσθενήματα τῶν ἀδυνάτων

لقد جمع ق. بولس هنا ضعف الضعفاء ليركز على كل ما يظهر على الضعيف من فهم وسلوك نتيجة قصور إيمانه عن بلوغ سعة فكر المسيح وروحه في التعامل مع الزمنيات والماديات ، وإن كان ق. بولس لم يتوسّع أكثر في اعتبارات الأكل والشرب وعوايد اليهود اللاصقة فيهم : الذي حفر في وجدانهم وشعورهم ولاشعورهم أموراً يصعب جداً أن تمحى في جيل أو اثنين ، ولكن على نفس قياس ضعفات اليهود ، نفهم ما يجب أن نفهمه بالنسبة لضعفات الأجيال وضعف هذا الجيل الذي نعيشه . نحن الذين عوض أن نحمل ضعف إيمان وأفكار الضعفاء نحاكمهم ونجرح الناموس ضـمـيـرهـم ولا نريد أن نـجـمـل عـنهم ضعفهم ولا حتى نحركه بأحد أصابعنا لتلقيه عنهم ! بل بالعكس نحملهم وزر ضعفهم ونحملهم مسئولية ضعفهم، بل ونتهم ضعفهم كأنه عدم إيمان فنذك أنفسهم وشعورهم ونشككهم في إيمانهم ! ثم نقف لنعظ ونتقمص كلام ق . بولس على غير صدق : «من يضعف وأنا لا أضعف ؟ من يعثر وأنا لا ألتهب » ( 2کو 11: 29). ولكن حقا و بالحقيقة إن القوي ـ إيمانياً ونفسياً وخلقياً ـ لا يمكن أن يحسب قويا إلا إذا حمل ضعف الضعيف فالخدمة في المسيحية هي رمز القوة والصحة بالروح والإيمان . فهنا تكون القوة لا قوة إيمان نظري بل قوة إيمان عامل بالمحبة له برهانه ! و بانحنائك لتغسل أرجل المتعبين وتضمد جراح المجروحين لا بالجسد فقط بل وبالضمير والشعور تجاه المسيحية المهانة :

+ « فـإنـي إذ كـنـت حـرأ من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين … صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء … وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكاً فيه. » ( 1کو 9: 19و 22 و23)

« ولا نرضي أنفسنا » :

تعميق لمعنى «نحتمل ضعفات الضعفاء»، لأن حمل ضعفات الضعفاء ثقيل يكلف النفس أكـثـر مـن وشيها، يحـرمـهـا الـراحـة ، يوقظها الليل ، يشقيها بالنهار، يستهلك أعصابها ، ومالها ، وكـرامـتـهـا. إذا فـالـذي يـريـد أن يرضي نفسه كيف يحمل هم الضعفاء؟ لذلك أوضح ق . بولس الأمر، لـيـكـون الـقـوي على بينة من واجبه أن لا ينتظر من وراء امتيازاته الإيمانية أن يستمتع بها ويرضي ذاته .

هذه هي المعادلة ولكن العقل والمنطق الجسدي يقول : وكيف أحتمل أو كيف أحمل ما لا قوة لي به ؟ هنا خداع بصر الإنسان حينما يتمسك بفكر جسداني ليهرب من ضريبة القوة الإيمانية . فالقوة هي من فوق من السماء ، فقوة الإيمان عطية متجددة ترفع الجسد فوق مستواه الجسدي ، تحلق به في الروح لينعم بـقـوى الأقـويـاء الـروحـانـيين حتى ولو كان الجسد في حطيط القوة فارغ العافية . المحيـرة الـتـي يـضـعها ق. بولس أمامك: «لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي » (2کو 12: 10). كيف ؟ «تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل» (2کو 12: 9)، بمعنى أنك في الحقيقة لا تحمل هم ضعفك إذا حملت هم ضعف غيرك ، لأن الله سيتكفل بضعفك من أجل ضعفه! والله يوبخك : « أما عرفت أم لم تسمع ، إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا ، ليس عن فهمه فحص . يعطي المغيي قدرة، ولعديم القوة يكثر شدة. الغلمان يـعـيـون ويـتـعـبـون والـفـتـيان يتعثرون تعثراً، وأما منتظرو الرب فيجددون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون » ( إش 40: 28-31). جرب !

ولـيـنـتبه القارىء، فإذا لم نستمع لقول ق. بولس: «لا تُرضي أنفسنا » ونضعه موضعاً كريماً في قلوبنا ، فسوف نقف أمام الضعفاء والمحتاجين للسند والمعونة وللستر والبذل موقفاً مخزيا مشيئاً ، سوف ننساق وراء أنـانـيـتنا وننتهرهم ليبتعدوا عنا ، أو سوف نهرب منهم ونختفي عنهم ، سوف ندعي الغياب ونـحـن حـاضرون، سوف ندعي النوم ونحن يقظون، سوف ندعي الضعف ونحن أقوياء، سوف ندعي المرض ونحن أصحاء، سوف ندعي الخلوة ونحن لا نختلي ، كل ذلك هرباً من حمل هم المتعبين . فالذي يعيش بإيمانه لذاته ليرضي ذاته سوف يهلك ذاته ويهلك إيمانه : « والمحبة لا تطلب ما لنفسها » ! ( 1کو 13: 5)

2:15 «فليرض كل واحد منا قريبة للخير لأجل البنيان» .

ق. بولس يضعها بحكمة وذكاء روحي على التساوي والتوازي معاً مع «تحب فريبك کنفسك»، وهذا يأتي رداً على الآية السابقة : «لا نرضي أنفسنا » . فمحبة الله تتعارض مع إهمال الآخـريـن ومع إرضاء الذات سواء بسواء. أما أولئك الذين أحبوا الله وأحبوا الآخرين فهؤلاء « لم يحبوا حياتهم حتى الموت . » (رؤ 12: 11)

ق. بولس يقدم نفسه بتواضع ليكون نموذج تطبيق كعينة صادقة لتنفيذ وصية الرب: «كما أنا أيضاً أرضي الجميع في كل شيء غير طـالـب مـا يـوافـق نـفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا . » (1کو 10: 33)

« للخير لأجل البنيان»: οἰκοδομήν

أما الخير هنا ἀγαθὸν فهو كل ما هو صالح ومرضي ومقبول أمام الله ، والذي يحدد نوع الخير هنا أو ما هو الصالح هو أن يكون « للبنيان»، بمعنى أن يأخذ وضعه الكامل في الإيمان المسيحي لبناء نفوس الضعفاء و بالنسبة للكنيسة ككل. والقصد النهائي من كل البنيان هو البنيان العام، لأن الكلام هنا عن الضعفاء في الكنيسة. فالبناء أول ما يكون هو سد الثغرات التي تنشأ عن هذا الضعف ومحاولة استكماله لكي لا يتعطل العضو عن ملاحقة نمو الكنيسة، بل يدخل في حساب هذا النمو ويستزيده : « الذي ننادي به منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة لكي نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع، الأمر الذي لأجله أتعب أيضاً مجاهداً بحسب عمله الذي يعمل في بقوة . » (كو 1: 28و29) 

لقد كان فخر الكنيسة على مدى العصور أولئك الآباء المعلمين الذين بالصبر في الوعظ والتعليم والعمل الصالح أنشأوا جيلاً وراء جيل، اجتذبوا نفوساً من الحضيض، نشأوا أولاداً في النعمة، بنوا علماء وأتقياء في الكتاب ، قدسوا شباباً للخدمة، أقاموا كهنة وأساقفة كانوا فخر الكنيسة على مدى التاريخ ولا يـزالـون . هؤلاء أضـاءوا بـنـورهـم أمام الناس بحسب قول الرب والآن هم يضيئون السماء:

+ « والصالحون يضيئون كضياء الجلد ( السماء) والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور. » (دا 13: 3)

هذا هو قصده ق. بولس من « البنيان» الذي نعيشه ونشهد له.

ب ـ [ 15 : 3و4 ] أساس الوعظ السابق

 

3:15 «لأن المسيح أيضـاً لـم يـرض نفسه بل كما هو مكتوب تعييرات معيريك وقعت علي» .

هنا بولس الرسول يرفع أمر التكليف الذي فرضه علينا أن «لا نرضي أنفسنا » وأن «كل واحد فليرض قريبه » إلى مستواه المسيحي في مواجهة النموذج الحي الذي نستقي منه حياتنا وتصرفاتنا ، بل ونستمد منه كل قدراتنا على تنفيذ وصاياه . فليست وصية من وصايا الرب يسوع ـ أو عنه ـ إلا وتحمل سر تنفيذها من داخلها . فالرب نموذجنا الحي وهو الذي يرسم شكله فينا وقد رفع ق . بولس الأمر في وصيته إلى مصدرها لكي لا نعود نستفسر من ق. بولس بل نستفسر من المسيح ، والروح القدس وسيط السؤال والجواب : «يأخذ مما لي ويخبركم . » (يو 16: 14)

وق. بولس يـسـتـشهد بنبوة المزمور: «لأن غيرة بيتك أكلتني وتعييرات معيريك وقعت علي » (مز9:69)، فالمسيح تقبل ما تقبل لحساب الخطاة .

فـكـون «المسيح لم يرض نفسه » فها هوذا الصليب قائم أمامنا ، بل في قلوبنا، يحكي كيف أهان الرب نفسه وأذل شخصه وتقبل كل الإساءات والتعييرات لكي يفوز بخلاص الخطاة. لقد كـان يطيب لقلب ق. بولس دائماً أن يجد في المسيح النموذج الأعلى لكل الواجبات المستحقة على الإنسان ولـكـل المبادىء التي تعوز البناء النفسي والأخلاقي. وكان ق. بولس لا يرى في نموذج المسيح هذا البعد الذي نحشه نحن الآن، بل كان يشعر شعوراً حياً واقعياً أن المسيح منفتح حقيقة عـلـيـنـا بالروح القدس وله القدرة، بل والمشيئة، بل والمسرة أن يجعلنا حسب قلبه . والذين وثقوا من کلام ق. بولس، الـذيـن أحـبـوا المسيح فعلا وارتموا عليه بإخلاص وشجاعة ودالة وجدوه فعلاً كذلك، فتعلموا منه وتغيروا بمقدار قربهم منه وانفتح ذهنهم وفهموا أقواله وأحبوها وتثقفوا بإنجيله وصاروا رجال الله . هؤلاء لم يرضوا أنفسهم بل باعوها للذي اشتراهم وصاروا «عبيداً لكم من أجل يسوع . » ( 2كو 4: 5 )

4:15 «لأن كل ما سبق فكتب لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء» .

ق. بولس بحسب دراستنا لمنهجه الفكري يرى في الكتب مصدراً حياً للتعليم بل للبناء الأخلاقي. لأن وصـيـة الـرب التي كتبت ، كتبت خصيصاً لأجلنا وعلى مدى كل الدهور لتصير وتنفذ. فنحن حينما نقرأ وصايا الله في القديم وتلك التي للرب يسوع المسيح في الجديد، فإننا نجدها مصادر لـيـس لـتـعليمنا فحسب بل ولتقويمنا وبنائنا وانفتاح وعينا الروحي وتجديد ذهننا وضبط سلوكنا وأخلاقنا . كما قالها ق. بولس: «لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حـديـن وخـارقة إلى مفرق الـنـفـس والـروح والمفـاصـل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته » ( عـب 4: 12). فالتعلم على الكتب باستجلاء كلمات الله يتم على أوجه عدة، فالكلمة حية تسري كروح في قلب الإنسان وفكره فهي تحيي من موت ـ ولا ترتد فارغة أبدأ ـ وفعالة، أي مؤثرة ، تصبغ الفكر وتغير الإرادة وتصحح ، والكلمة تخترق أشد المناطق انغلاقاً والتي لا تدركها قوة بشرية وهي المنطقة بين النفس والروح ، فلا علم النفس يدركها ولا روح الإنسان تبلغها ولكن كلمة الرب تكشفها وتوضح ميلها وانحيازها إن لذات الإنسان أو لروح الرب ، وتخترق المفاصل التي تفصل وتربط بين أجزاء النفس المجهولة . أما المخاخ فهي ما استقر في الخفاء من أسرار وكأنها داخل عظام الإنسان، هذه تعزيها الكلمة وتوبخ وتؤذب وتبتر ما فسد وتجدد ما عتق وشاخ، وأفكار القلب ونياته تقيسها على قياس النعمة وتميز الصالح والرديء منها .

ولكن هذا كله ما أشد حاجته إلى الصبر، ولكن الصبر لا يأتي من فراغ بل من التعزية الحاصلة كل يوم من الدراسة والحفظ والتأمل في كلمة الله . وهكذا ينبت الرجاء في حياة الإنسان ، الرجاء الذي به ننتظر غير المنظور وكأنه منظور، للضعيف وقد لبس قوة، وللكنيسة وقد عبرت كل محنة وكل خصام وشقاق وانقسام لأننا بالرجاء نعيش ونخلص .

ج – [ 15 : 5-7 ] دعاء ليتورجي وتعقيب 

 

5:15 «وليعطكم إله الصبر والتعزية أن تهتموا اهتماماً واحداً فيما بينكم بحسب المسيح يسوع » .

والآن من الإنجيل إلى صاحب الإنجيل ، من الكلمة المكتوبة إلى «الكلمة الله »، من التعزية بما في الكتب إلى التعزية بقوة المعزي ، من الصبر المكتسب من عبرة التاريخ المقدس إلى إله الصبر وروح المسيح. وكأن ق. بولس يقول : وأنت إذا سهرت على الكلمة لتتهذب بها وتتعلم فسيطل عـلـيـك الساهر القدوس الذي لا يغفل ولا ينام، يعطي مع كل كلمة نعمة كل قراءة فهماً، ويحول كل تعليم وكل صبر وكل عزاء فينا إلى اهتمام واحد تقوده مشيئة الرب نحو تكميل عمل ومع الخلاص .

«تهتموا اهتماماً واحداً »: Harmony = τὸ αὐτὸ φρονεῖν

تـوجـد كلمة إفرنجية شائعة في العالم كله تعني تماماً ما يريده ق. بولس من هذه الكلمة وهي « الهـارمـونـي » ، وهي نفس الكلمة التي ترجمت بها إلى الإنجليزية، وتعني انسجام الفكر بحيث لا يطغى فكـر على فكر، ولا يظهر فكر ويختفي فكر. ومعروف في هارموني الأصوات أن ثلاثة أو أربعة أو عـشـرة أصـوات إذا بلغت التوافق مهما كان فيها من النغمات الحادة فإنها تصبح كلها صـوتـاً واحداً منسجماً غاية الانسجام . هكذا يصنع الله على أساس تهذيب الكلمة الروحي السابق في الإنسان إذ يجعل وحدة الفكر ووحدة الاهتمام في الإنسان تابعة أو مضبوطة على مشيئته وكأنها آلة ضبط الأفكار والمشيئات والاهتمامات . وهذا في الحقيقة هو «فكر الكنيسة » الذي هو نفسه « فـكـر المسيح » ، وهذا بعينه هو معنى «وحدانية الروح » و « الكنيسة الواحدة الجامعة»، وهذا هو المنظور من «سر الاتحاد بالمسيح » .

قـانـظـر كـيـف يستطيع الإنجيل ، ثم إله الصبر والتعزية (بما في الكتب) أن يأخذ من القوي ويشدد الضعيف ، يرفع من قامة العاجز لتتساوى مع قامة القادر، ويصنع من الجميع اهتماماً واحـداً مـسـتـمـدا مـن مشيئة الله وحدها . هذا هو هارموني الجسد الواحد، جسد المسيح السري ، و بقيادته الذي فيه تعمل الأعضاء بانسجام تحت تدبير الرأس وتوجيهها لغاية واحدة وحيدة .

6:10 « لكي تمجدوا الله أبا ربنا يسوع المسيح بنفس واحدة وفم واحد » .

هذه هي غاية النهاية عندما يلتحم القوي بالضعيف ، وبالكلمة والصبر والتعزية يصنع إله الـصـبـر والتعزية الرب يسوع المسيح من هذه المتنافرات وحدة روح وفكر واهتمام لكي تعطي المجد لله.

 وهـنـا المـجـد لـيـس غـايـة وحـسـب لـوحـدة الجماعة المسيحية في المسيح ، بل يتثبت لها كياناً ووجـوداً. فإن كانت الجماعة المسيحية تمجد الله بالفكر الواحد والقلب الواحد فهي إذا قد دخلت في حيّز الكيان الأخروي، دخلت في خورس السمائيين، صار لها وجود أبدي أمام الله . لأنه إن كان فيلسوف الغرب يقول : «أنا أفكر فأنا موجود»، ، فالمسيحي يقول : « أنا أسبح فـأنـا مـوجـود » . أمـا وجـود الإنسان «المـفـكـر» فـزائـل ، ككل فكر، فهو وجود صوري مآله إلى الانحلال ثم الزوال. أما وجود الإنسان « المسبح » فهو وجود لا يحده وجود ، لأنه وجود في حضرة الله مستمد منه ، فالذي يمجد الله يتمجد بالله ، والذي يمجده الله لا يخلخله الزمن ، فقد صار أعلى من الـزمـن ومتفوقاً عليه . الإنسان المسيحي خليقة جديدة مسبحة ، طقسه من طقس السمائيين وهو عتيد أن يرافقهم .

«بنفس واحدة وفم واحد » :  ἵνα ὁμοθυμαδὸν ἐν ἑνὶ στόματι

الترجمة العربية تصرفت بزيادة « و» kai وهي ليست موجودة في الأصل اليوناني، وصحة الـتـرجمـة «لكي بنفس واحدة تمجدوا بفم واحد الله أبا ربنا يسوع المسيح » . فهنا «لكي» تجيء مسببة للنفس الواحدة : «لكي بنفس واحدة تمجدوا» ، وليس للتمجيد كما جاء في الترجمة هي العربية .

ثم «بفم واحد» تجيء معتمدة على «النفس الواحدة» وليست مضافة إليها : «لكي بنفس واحدة تمجدوا بفم واحد » .

والمعنى يجيء كالآتي : وليعطكم إله الصبر والتعزية أن تهتموا اهتماماً واحداً فيما بينكم لكي بنفس واحدة تمجدوا الله بفم واحد ! فهنا دعاء ق . بولس الليتورجي ( ويلاحظ أن الرسالة تقرأ داخل الكنيسة أثناء الصلاة) ينصب أولا وقبل كل شيء على الوحدة : اهتمام واحد ، نفس واحدة، فم واحد. وهذه الوحدة تصبح في الحال مهيأة ومستحقة أن تقف في خورس واحد تسبح الله !

هـنـا يلزم أن ننبه أنه يستحيل أن يصبح التمجيد الله بفم واحد كمجرد خورس غناء وإلا يكون مجرد تمثيل ريائي. إذا لابد أن يكون التسبيح من الفم الواحد مصدره النفس الواحدة !

«نفس واحدة»: ὁμοθυμαδὸν

الكلمة اليونانية من مقطعين، المقطع الأول يفيد « الواحد» Same والمقطع الثاني يفيد العاطفة أو الوجدان . ووحدة العاطفة أو الوجدان أو الفكر (العقل) إذا أنت من خارج الإنسان تنشىء وحـدة أهداف دنيوية، سياسية كانت أو غيرها. ولكن ق. بولس يقصد وحدة داخـلـيـة فـأعـطـاها تعبير وحدة النفس، وهي الوحدة المسيحية. والوحدة المسيحية هي استجابة لعمل الله في الإنسان. ويهدف ق. بولس من هذا الاصطلاح ضمان ذوبان الفوارق بين مسيحيي الـيـهـود ومسيحيي الأمم في الكنيسة ، بفضل صبر وعزاء واحتمال الأقوى للأضعف ، وعمل المسيح فيهما معاً، حتى يصلا إلى خورس واحد صادق الوحدة من أعماق النفس ليسبحوا الله ويمجدوه بفم واحد . هذا كان حلم ق. بولس الذي دعا له من كل قلبه .

وهـوذا سـر نـقـولـه : إن الوقوف في خورس المسبحين في الكني اسم المسيح وحضرته مع اسـتـعـداد الحـاضـريـن لـعـمل روح الله بخشوع ، قادر بحد ذاته أن يؤآلف النفوس على النفوس ، ويطيب القلوب المتنافرة، ويصالح الأرواح المتباعدة، ويخلق من النفوس المستعدة حقيقية لها قدرة بتسبيحها أن تهز القلوب وتجمعها حتى يرتفع دعاؤها إلى حضرة ا الله صـداهـا الأبد! فالله غير محتـاج إلى أصـوات أو نغم أيها المسيحون ؛ بل قلوب متحدة يتمجد فيها وحدة ويردد فيها وبها.

« بفم واحد»: ἐν ἑνὶ στόματι

هنا يقصد ق . بولس فعلاً خورس الكنيسة الذي يقدم التسبيح اليومي الله . والـفـم الـواحـد تـعـبير يعني سيمفونية الصوت للتسبيح، هذا الذي ورثته الكنيسة عن خوارس اللاويين الذين كانوا يسبحون بالمزامير على القيثارات في الهيكل في سـواعـي الخدمة والمواسم والأعياد. ويكفي لفهم قداسة هذه الخدمة وسرها العجيب الخفي أن داود حينمـا كـان يـبـدأ التسبيح بقيثارته كان يحل عليه روح الله فيؤلف مزاميره بالروح التي شهد لها الرب بقوله: «داود نفسه قال بالروح» (مر12: 35). هذا هو سر التسبيح بالمزامير حتى الآن في الكنيسة، فهناك علاقة سرية حقيقية مختبرة بين التسبيح بالمزامير وحلول الروح القدس، لتقديم خـدمـة بـالـروح: « ولـكـن الـروح نـفـه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها» (رو 8: 26)، « امتلثوا بالروح ، مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب . » ( أف 5: 18و19)

واعـتـبـار التسبيح في الكنيسة خدمة أساسية، ناتج من كونه رد فعل مباشر لوحدة الروح بين المؤمنين. فلأن الكنيسة واحدة على مستوى الوحدة الكاملة بين المؤمنين كان من الضروري أن تسبح، فالتسبيح هو إعلان عملي لصدق وحدتها . فضبط النغم والهزات لا قيمة له إلا بعد أن تنضبط القلوب على القلوب ، فتهتف الروح هتاف الفرح للمجد !! فيكون التسبيح !!

7:15 «لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح أيضاً قبلنا لمجد الله » .

لقد انتهى ق. بولس من كل التوجيهات التي وجهها للقسم الأقوى في كنيسة روما ـ أي مسيحيي الأمم ـ لكي يعتبروا أن القسم الأضعف أي مسيحيي اليهود هو مسئوليتهم التي يجب أن يحـمـلـوهـا قبل أن يكون موضوع تصالح أو تفاهم ، وأخيراً يلقي هنا في هذه الآية الأمر بصورة عامة للاثنين أن يـقـبـل الـواحـد منهما الآخر، لا كمجرد تفاهم أو تصالح بل قبول الدخول في وحدة الكنيسة كوحدة حياة وهدف . فهارموني الأصوات لا قيمة إلا بعد هارموني النفوس : لاستعلان وحدة الروح وليس لاستعلان حذق المايسترو.

«لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً» :

«لذلك» διὸ

أنت للتعقيب المسبب على الآية السابقة : « لكي تمجدوا الله بنفس واحدة لذلك اقبلوا بعضكم بعضاً » . فالسبب الأعلى هنا هو تمجيد الله ، وهو غاية المسيحية وغاية الحياة في المسيح التي تحتم أن تقبلوا بعضكم بعضاً .

« اقبلوا » : προσλαμβάνεσθε

الـتـرجمـة الـعـربـية قد تعني مجرد قبول ولكن الكلمة اليونانية تفيد اقبلوا بترحاب بعضكم بعضاً Take to you one another ، بمعنى أدخلوا معاً في شركة الأخوة، وقد ترجمتها النسخة الإنجليزية بكلمة رحبوا welcome . ولكي نفهم مدى الشاعرية في تعبير اقبلوا بعضكم بعضاً يأتي العالم مـایـر بـالـكـلـمة الضد وهي « يصدكم » (غل 17:4). فالصد عكسه الترحاب . لذلك فكلمة “اقبلوا في اليونانية تحمل معنى العزومة، أو الجذب . وقد عبر عنها القديس ذهبي الفم بمعنى شاعري آخر إذ جعلها تعني : ” لتكن مسرتكم لبعضكم البعض”، ولو أنه معنى بعيد نوعاً بحسب تحليل ماير.

«كما أن المسيح أيضاً قبلنا» :

«کما» καθὼς 

لا تأتي للمقارنة أو التساوي ، ولكن للتشبيه من على بعد .

« قبلنا »: (قبلكم في التصحيح) προσελάβετο ὑμᾶς

لقد صححتها النسخة الجديدة لتكون «قبلكم » بناء على مراجعة دقيقة على أقدم وأوثق النسخ ، كذلك على المعنى، لأنه لا يصح هنا في هذا الموضع وبينما هو يخاطب مسيحيي اليونانيين ومسيحيي الأمم، وأن يقال : «قبلنا»، لأنه معروف أن ق. بولس اعتاد أن يضع : القسم الأقوى : «فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا، فليرض كل واحـد مـنـا قـريـبـه». لذلك فـالـصـحيح بحسب المعنى أن يكون الخطاب هنا لليهود والأمم المتنصرين معاً : «كما أن المسيح قبلكم » .

أمـا قـبـول المسيح الذي يـقـصـده ق. بولس وقد اعتنى أن يشرحه على مدى الأصحاحات (1-8) السالفة ، فهو قبول عن حب وتنازل و بذل، كلفه كل ما عرفناه عن الفداء . فهنا حينما يـقـول ق. بولس أن اقـبـلـوا بـعـضـكـم بعضاً كما قبلكم المسيح ، فإنه يضع في الميزان كفتين غير مـتـوازنتين قط حيث يظهر قبول المسيح لهم مكلفاً كلفة لا يطيقها إنسان . فإن كان يطلب إزاء هذا أن يـقـبـلـوا هـم بعضهم بعضاً، فهذا أمر زهيد بل أمر لا يحتمل الرفض أو المراجعة، إنه إلزام يهدد بالحرمان : «إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلا تكم . » (مت 6: 15)

« لمجد الله » :

تمجيد الله هنا «كما أن المسيح أيضاً قبلكم لمجد الله » هو نتيجة قبول المسيح لنا وليس قبولنا بعضنا لبعض ، وهذا بحسب المعيار اللاهوتي الدقيق ، لأن قبولنا بعضنا لبعض أمر حتمي، وكنتيجة حتمية للخلاص وللإيمان الواحد والمعمودية الواحدة والكنيسة الواحدة، فهو تحصيل حاصل كفرض واجب الأداء، إذا لم يؤد يخرم صاحبه من حقوقه ، وإذا أذاه فبالكاد ينال حقوقه .

أما تمجيد الله فقد تم بقبول المسيح لنا، ويتم تمجيد الله بواسطتنا حينما نعترف بالمسيح :

 + « ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب» (في 2: 11)،
+ « إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح ، لنفسه ، حسب مسرة مشيئته ، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب . » (أف 1: 5و6)،
+ « لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح . » ( أف 1: 12)
فالإنسان، كان من كان ، يستحيل عليه أن يمجد الله بدون المسيح !!! ولكن بالمسيح صار لنا القدرة ليس لتمجيد الله وحسب بل وللدخول إليه والتراثي أمامه بجراءة إيمان المسيح !
+ « ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح . » ( أف 2: 13
+ «لأن به لنا كلينا (يهود وأمم ) قدوماً في روح واحد إلى الآب . » ( أف 2: 18)

د ـ [ 15 : 8-12] المسيح جاء من أجل اليهود والأمم معاً

 

ق. بولس يقدم في هذه الآيات الأساس العظيم ، الدهري والأبدي معاً، الذي سبق وأن صوره جميع الأنبياء بكل وضوح ودون أي تحيز أو نشاز، وهو أن المسيح جاء من أجل اليهود والأمم معاً دون تـفـريـق أو تمايز، غير أنه جاء من اليهود وليس من الأمم فإن “الخلاص هو من اليهود، كما عبر المسيح عن ذلك للمرأة السامرية وكأنه يخاطب الأمم (يو 4: 22). هذا يجعل اليهود والأمم واحداً في المسيح تحت نعمة الخلاص والتزام الإيمان وقوة المحبة .

8:15و9 « وأقول إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان “من أجل صدق الله ” حتى يثبت مـواعـيـد الآباء. وأما الأمـم فـمـجـدوا الله ” من أجل الرحمة، كما هو مكتوب من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك».

«من أجل صدق الله » : ὑπὲρ ἀληθείας

«من أجل الـرحـمة»: ὑπὲρ ἐλέους

ق. بولس يضع المقابلة بين سبب مجيء المسيح لليهود في مواجهة سبب مجيء المسيح للأمم أخاذة مبدعة إنتقاها من النبوات هكذا :
لليهود جاء «من أجل صدق الله » : « ومن أجل الرحمة» جاء للأمم !! فإن كان ممكناً بصورة لصدق الله أن يتعارض مع رحمة الله فليتعارض مسيحيو اليهود مع مسيحيي الأمم !! وإن كانت رحمة الله تتسع لكل إنسان فهي ؛ بالأولى جدأ تتسع للمتمسكين بصدق الله .

وإن كان أهل صدق الله يفتخرون بالختان، فأهل رحمة الله يفتخرون بعدم الختان !!!

وإن كان أهـل الخـتـان قـلة، وجب على أهل عدم الختان وهم الكثرة أن يقبلوا القلة، كما وجب على أهـل صـدق الله أن يقبلوا أهل عدم الختان من أجل الرحمة. لقد أطبق ق . بولس على الـيـهـود المؤمنين وعلى الأمـم المـؤمنين حتى لم يعد لهم منفذ للخصام أو الشقاق أو الدينونة أو الازدراء .

« يسوع المسيح قد صار خادم الختان»: διάκονον

ولو أن كلمة «خادم» تأتي نشازاً نوعاً ما على الأذن اللاهوتية ، إلا أن المسيح نفسه افتخر بهذا النشاز على الأذن ، أن يكون خادماً ليذل كبرياء الإنسان ويخفض من غلواء المترئسين !!
+ «لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين . » (مر10: 45)
+ «لأن مـن هـو أكـبـر؟ الذي يتكىء أم الذي يخدم ، أليس الذي يتكىء، ولكني أنا بينكم كالذي يخدم.» (لو 22: 27)

لاحظ أن ق. بولس في قوله أن المسيح صار خادم الختان لا يقصد موضوع الفداء لا من قريب ولا من بعيد ولا حتى الناموس، لأن الختان طقس ما قبل الناموس استلمه إبراهيم قبل أن يعرفه إسـرائـيـل ومـوسى ، لذلك أسرع ق . بولس وقال حتى يثبت مواعيد الآباء أي الوعد لإبراهيم أنه ” مـن نـسـلـك يـأتـي مـن تتبارك به أمم الأرض”. وهكذا اختتن المسيح ليثبت صدق وعد الله لإبـراهـيـم وأولاده أنـه بـالـفـعـل من نسل إبراهيم وأنه حامل عهد الختان في جسده !! ثم الجزء الباقي من الوعد وإن كان ق. بولس أغفله فهو هنا يهمنا : أنه صار خادم الختان ليثبت صدق وعد الله للآباء، لماذا ؟ لكي به تتبارك الأمم ، فهو خادم الختان ليعبر من الختان لغير الختان ، يعبر للأمم الـذيـن انـتـظـروا هذه الألفي سنة منذ إبراهيم ليتقبلوا بركة إبراهيم في المسيح « النسل » الحامل للـوعـد! المسيح هو بحسب واقع الوعد خادم الختان لحساب الأمم. فإن كان ق . بولس قصد مـن قـولـه أن المسيح قـد صـار خادم الخـتـان ـ ثم توقف ـ فلكي يسترضي اليهود بأن المسيح « خـادمـهـم » باعتبارهم أهل الختان ، ولكن لا يخفى الآن على أحد أن المسيح عبر بالختان من بين أهل الختان إلى وسط الأمم ليعطيهم البركة الدهرية والأبدية .

«قد صار» : γεγενῆσθαι 

فهنا قول ق. بولس «صار خادم الختان » يفيد الغاية من الختان وليس دوام فعله ! والغاية هـي تـوصـيـل البركة = الرحمة للأمم عبر الصليب ! « وكان مكتوباً يسوع الناصري ملك اليهود . » ( یو 19: 19)

«ليثبت » βεβαιῶσαι 

ق. بولس يضغط على هذه الكلمة لأهميتها ، فتصور أن المسيح رضي أن يصير خادماً للختان «ليثبت » صدق مواعيد الله ، هنا كلمة « يثبت » تساوي في ثقلها ثقل «خدمة الختان »، بمعنى أن المسيح رضي بهذا الوضع أن يختتن ويصير يهودياً وأن يعتبر أنه خادم الختان، بل وأن يهان من أهـل الخـتـان لكي يثبت لأجيال الدهور أن الله صادق في مواعيده . لذلك ، فبحسب ق . بولس أن يكون المسيح هو لليهود ـ كخادم ختان ـ فهذا بمثابة صدق لمواعيد الله !! «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة . » (مت 24:15)

« وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة،
كما هو مكتوب من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك» :

الآية هنا موصولة بشدة مع الآية السابقة، والمعنى يجيء كالآتي: إن كان المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله فقد صار كذلك بأن واحد من أجل رحمة (نعمة) الأمم أيضاً .

لذلك يمكن على وجه الأصح أن نقرأ الآيتين معاً كالآتي: «أن المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله بالنسبة لمواعيد الآباء ومن أجل الرحمة للأمم » .

لذلك يجب إعادة صياغة الآية (9) كالآتي : « ومن أجل الرحمة للأمم فيمجدوا الله كما هو مكتوب من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك » .

« كما هو مكتوب : من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك»: (مز49:18، 2صم 50:22).

هـذا مـزمـور لداود، والمتكلم هنا حسب الثقاة من الشراح هو المسيح نفسه على لسان داود . أمـا كـيـف يـكـون ذلك والمسيح لم يذهب للأمم ؟ فالرد واضح أن المسيح الآن لا يسبح بتسابيح اليهود بل الأمم هم الذين يسبحونه ، الذين قبلهم وقبلوه يسبحون لصليبه ولموته وقيامته وللآب الذي جعله ذبيحة إثم . فقول النبوة يرمي إلى المعنى الدائم والأخروي أيضاً . فالمسيح اليوم يسبح باسمه ، وهو في وسط شعوب الأرض كلها يشاركهم التسبيح لمجد الله : « وكل ما عملتم بقول أو فعل فاعملوا الكل باسم الرب يسوع شاكرين الله والآب به . » ( کو 3: 17)

ويلاحظ أن ق. بولس دغم قوله بالنبوة، حتى يوضح أن دخول الأمم وتسبيحهم الله لم يأت عفوياً وكأنه فضلة من بعد اليهود ، ولكنه أمر محدد منذ الأزل ومثبت بالنبوة . فالحادث الآن هو تتميم لتدبير الله السابق.

10:15 « ويقول أيضاً تهللوا أيها الأمم مع شعبه » .

الـقـول هـنـا هـو لموسى في سفر التثنية : «تهللوا أيها الأمم مع شعبه» (تث 32: 43). صورة عـجـيـبـة لرؤية الله منذ موسى، كيف سيجمع الله إسرائيل مع الأمم في خورس واحد في عبادة وتسبيح .

والنص هنا من تسبحة موسى الثانية، ويلاحظ أن ق. بولس في هذه الرسالة يقتبس كثيراً من هذه التسبحة (10 : 19، 11:11، 19:12)، وهذا يكشف عن أن خلفية فكر ق . بولس متركزة على الخروج وبداية تأسيس العبادة، وهو هنا يستعلنها على ضوء الخلاص ويمتد بها ويكملها بصورة محكمة (أنظر صفحة 515-516).

أيضاً καὶ πάλιν » «تهللوا Εὐφράνθητε» :

وأيـضـاً تـتـرجـم « بالأكثر» أو «فوق هذا أيضاً». أما كلمة “تهللوا “ فهي في اليونانية تعني المسرة الفائقة المرفوعة بالتسبيح أثناء العبادة، أي من داخل الهيكل أو الكنيسة. فهي كلمة رسمية جماعية على أساس الفرح الأخروي العتيد أن يكون. 

هنا النبوات التي انتقاها ق. بولس تنكشف فيها وحدة التسبيح والعبادة «اليهود مع الأمم » بأقصى بيان . و بذلك فعلاً تكون هذه النبوات أوضح تعبير عما يقصده ق. بولس لكنيسة روما من جهة قبول اليهود للأمم وقبول الأمم لليهود في الإيمان بالواحد يسوع المسيح ليرتفع تسبيح واحد من نفس واحدة وفم واحد يمجد الله .

أنـظـر، أيها القارىء العزيز، كيف أن وحدانية الكنيسة مقررة هكذا منذ أن بدأ الله يضع أول خـطـوط عبادتها وتسبيحها ، فكل عظمة تسابيح الهيكل باللاويين الذين كانوا يقفون صفوفاً صفوفاً ومعهم قيثاراتهم وآلا تهم يسبحون في الهيكل بمزامير روحية و بأجمل النغم ، كل هذا كان نشازاً في أذن الرب لأن هذه الخوارس الجـمـيـلـة كـان ينقصها صوت الأمم !! «بيتي بيت صلاة يدعى …» (مر11: 17)، وهي منقولة من (إش7:56) : « بيتي بيت الصلاة يدعى لكل لجميع الأمم . الشعوب » .

11:15 « وأيضاً سبحوا الرب يا جميع الأمم وامدحوه يا جميع الشعوب » .

الاقتباس هنا من (مز1:117): «سبحوا الرب يا كل الأمم، حمدوه يا كل الشعوب».

«الأمم τὰ ἔθνη » «الشعوب οἱ λαοί »

والعجيب أن كلمة شعب بالعبرية تأتي ” ummah“ = أمة . والأمم في مفهوم الإنجيل وعند ق. بولس هي الأمـم الـتـي تـنـصـرت أي المسيحيون ، أما الشعوب فهي بقية الشعوب الأخرى . والـقـصـد مـن جمع الاثنين في النبوة أن الخلاص سيعم كافة شعوب وأمم الأرض فيسبح الجميع ، وحيث «الجميع » جاءت هـنـا مـكررة، فهي تأكيد أن كافة شعوب الأرض سيبلغها الإيمان وينطلق منها التسبيح ولن يستثنى شعب ما ولا جنس ما ولا أمة على وجه الأرض !

هنا يتراءى لنا صوت سفر الرؤيا واضحاً : «مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا الله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة » ( رؤ 5: 9). هنا المتهللون في هذه الـتـرنـيـمـة هم الذين يفرحون بالرب وقد أخذ سفر الدينونة عن جدارة . فالذي ذبح ، اشترى بدمه المخـتـاريـن من كل شعوب وأمم الأرض . والذي اشترى وافتدى وغفر الخطايا ، له وحده أن يحمل سـفـر الدينونة ويدين . هنا التسبيح الذي نسمعه في سفر الرؤيا من المختارين من كل شعوب وأمم الأرض بالابتهاج الأبدي هو رجع صدى الصوت الذي ارتفع يوماً من خوارس كنائس العالم بترنيم وتسبيح يشوبه الأنين .

لقد وهب للقديس بولس واكتحلت عيناه وتهللت أذناه بسماع خوارس الأمم في أول هجائها قد يكون قد الفها لها بنفسه عن المسيح والله ! أما نحن الذين انتهت بنا أواخر بالتسابيح التي الدهور فنضع ختام ( الكودة) هذه التسابيح بصوت خفيض مجروح فقد كثر الإثم و برد الحب وزاد الأنين : كفى ـ «ماران أثا » !!

12:15 « وأيضاً يقول إشعياء سيكون أصل يسى والقائم ليسود على الأمم، عليه سيكون رجاء الأمم» .

ولـكـن ق. بولس اقتبسها من السبعينية ( إش 1:11): « ويكون في ذلك اليوم سيكون أصل (جذر) يسَّى والذي سيقوم ليسود على الأمم والذي فيه يكون رجاء الأمم وبقيته تتعظم » .

ق. بولس يفـسـر الـنـبوة بقوله : « والقائم» التي تعني المرتفع، حيث معنى الصليب والقيامة والصعود معاً التي بها ساد فعلاً على كل الأمم، وصار بها رجاء كل الشعوب . وهنا لفتة لمسيحيي الـيـهـود أن ينتبهوا أن الأمم الذين كانوا موضع احتقار ودينونة ، دخلوا في عهد المسيا واشتركوا في رجاء الله الـواحـد بـالقيامة من الأموات التي بها ساد المسيح على الأحياء والأموات جميعاً !! وصار بدخول الأمم تكميل الإرادة الإلهية منذ البدء التي طالما هتف بها الأنبياء.

هنا يستعلن لنا أيضاً لماذا تعثرت إسرائيل في إدراك المسيا، وأخطأته وفات عليها معرفته ، بل وأساءت إليه ، لأن إسرائيل أرادت المسيا لها وحدها مع أن كافة النبوات نضت بالحرف الواحد أنه يجيء «نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل » ( لو 2: 32):
+ « ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه … و يرفع راية للأمم … إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً. » (إش 11: 11و 12و10)

لهذا لم تتعرف إسرائيل على المسيا لما جاء، لأنه جاء وفي فمه كلمة قبول للأمم ظهرت عـيـانـاً بـيـاناً في قوله أنه جاء ليكمل الناموس، لأن الناموس كان لإسرائيل فقط، وهو جاء لـيـكـمـل نـقـص الناموس الذي استثنى الأمم ورفضهم، كما ظهرت دعوته للأمم بتجاوزه للسبت ـ سبت الناموس واليهود ـ فعبر من السبت إلى الأحد ليجمع أصحاب كل يوم . كما ظهرت دعوته للأمم في تجاوزه للنجس والدنس، وأكل بأيد غير مغسولة حتى يتصادق مع الأمم الذين اعتبرهم اليهود نجسين ودنسين، كما ظهرت دعوته للأمم في قوله للسامرية أن لا في هذا الجبل ولا في أورشليم ينبغي السجود لأن الله طالب الساجدين له (من الأمم أيضاً) بالروح والحق، وهكذا وكأنه بهذا رفع الراية للأمم من بعيد ليأتوا سهلاً وبترحاب، ولهذا أيضاً رفضه اليهود لأن صبغته كانت في أعينهم أممية !

«ألم نقل أنك سامري وبك شيطان» (يو 8: 48)!! والسامرة كانت محسوبة عند اليهود أنها من الأمم، ولكن بدعوته السرية للأمم هكذا، كان يكرم أباه الذي أرسله لهذا وهم كانوا يهينونه ( يو 8: 49) !!

ولكن بقدر ما أهانه اليهود مجدته الأمم آلاف الأضعاف!
وصار عليه رجاء كل الأمم !!

هـ ـ [ 13:15 ] دعـاء

 

13:15 « ولـيـمـلاكـم إلـه الـرجاء كل سرور وسلام في الإيمان لتزدادوا في الرجاء بقوة الروح القدس» .

آية دعاء تشمل مكونات الإيمان : كل فرح وسلام، ومكونات الرجاء : الذي ينمو ويزداد ، وعمل الروح القدس : في القوة، وذلك في كل الملء!! بعمل إله الرجاء!

«إله الرجاء»:

يقصد به ق. بولس الله الذي يعطينا رجاء يره الذي نعيشه الآن بالإيمان، لا ننظره ولكن نحشه ونتهلل به، الذي هو شركة المجد المعد لمختاريه في الحياة الأبدية التي يخلو منها كل أحزان وهموم وآلام وأمراض الحاضر الـذي نـعـانـيه . فحينما يطل علينا إله المجد في داخل قلوبنا، نحس بالفعل ما هو رجاء دعوته وما هو غنى البر الذي وهبه لنا. والله لا يعطي الرجاء بكيل بل حتى الملء .

«کل سرور وسلام في الإيمان » :

هذا ذكره ق. بولس سابقاً: «فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذي بـ به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون . » (رو 5: 1و2)

وقد سبق ق. بولس وجمع السلام والفرح معاً كدعائم تتكون منها هيئة ملكوت الله الذي إليه دعينا ونلنا حق تذوقه بالروح القدس : «لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس» (رو17:14). وكـل الـذين دخلوا الإيمان بيقين القلب والفكر والضمير إنما يـعـيـشـونـهـا ويخدمونها : «لأن من خدم المسيح في هذه (أي خدم البر والسلام والفرح في الروح القدس ) فهو مرضي عند الله ومزكي – عند الناس . » (رو14 : 18).

والذي يخدم المسيح في سرور وسلام الإيمان يزداد حتماً في الرجاء .

« لتزدادوا في الرجاء » :

كل مكاسـب الإيمان تتحول إلى رجاء، كل فرح وسلام نعيشه ونخدم به ونوصله للناس إنما يولد فينا رجاء بالملء الآتي، لأننا نحيا الآن بالإيمان عربون ما هو معدّ لنا ، فرجاؤنا ثابت في نصيب محفوظ لنا في السموات لا يتزعزع ولا يضمحل بل يزداد قرباً لنا كلما ازددنا إيماناً به .

«بقوة الروح القدس » :

الروح القدس هو أقنوم العزاء الكلي الذي يحول لنا حقيقة الرجاء الآتي إلى يقين الإحساس الذي يشيع فينا عزاء لا يحد. فنحن نعيش الرجاء الآتي بالعزاء الحاضر الذي يعوضنا عن كل ما نـعـانـيـه مـن نقص وإخفاق بسبب مقاومة أركان العالم المظلمة . وهذا الازدياد المستمر في إدراكنا للـرجـاء بـالـنـصـيـب المـعـد يجعلنا نحش وكأننا خلصنا، لأن خلاص الإيمان الذي تمارسه بالعمل والاجتهاد في الإيمان إنما يؤهلنا بحد ذاته إلى خلاص بالرجاء يفوق إيماننا ويفوق أعمالنا وجهادنا .

هذا الذي جعل ق. بولس يتحدى الحاضر والمستقبل معاً بإيمان متحد بالرجاء، ويقول من سيفصلنا عن محبة المسيح التي لنا في الله ؟ فكل مؤذيات العالم الحاضر وكل قوى المستقبل لا تزحزحـنـا عـن حب المسيح الذي نعيشه الآن وسوف نعيشه في المستقبل. هذا هو الإيمان عندما يلتحم بالرجاء فينشىء خلاصاً ممتدأ حتى الكمال !

القسم الثاني من الأصحاح : [14:15-33 ]

كلمة مختصرة يختم بها القديس بولس موضوع الرسالة
موجهة لأهل رومية . تلتحم مباشرة بما جاء
في الأصحاح الأول (8:1-15) 

العد التنازلي لإنهاء الرسالة

لكي نفهم صيغة الكلام الذي يحاول ق. بولس أن ينهي به الرسالة، يلزمنا أن نورد تسلسل بدء الرسالة عند الوقفة التي يمكن أن يلتحم بها هذا الكلام هنا .

فعند قوله في الأصحاح الأول : «ثم لست أريد أن تجهلوا أيها الإخوة أنني مراراً كثيرة قصدت أن آتي إليكم ـ ومنعت حتى الآن ـ ليكون لي ثمر فيكم أيضاً كما في سائر الأمم . إني مديون للـيـونـانـيين والـبـرابـرة للحكماء والجهلاء . فهكذا ما هو لي مستعد أنتم الذين في رومية أيضاً.» (رو1: 13-15)؛ أكمل ق . بولس كل تعليمه بحسب إنجيله للأمم بدون ناموس ولا سبت ولا ختان، ثم بدأ يختم الرسالة هكذا :

أ ـ [ 14:15-16 ] يبرر الكتابة إليهم بصفته رسولاً للأمم

14:15 « وأنا نفسي أيضاً متيقن من جهتكم يا إخوتي أنكم أنتم مشحونون صلاحاً ومملوؤون كل علم، قادرون أن ينذر بعضكم بعضاً».

واضح هنا من الكلام أن ق. بولس بعد ما أكمل تعليمه لهم أنه تجرأ وعلمهم كمعلم، ولـكـنـه لـم يضع في ذهنه أنهم غير قادرين على تعليم بعضهم بعضاً ـ من جهة التقوى والصلاح والمعرفة الأخلاقية، وإنما رسالته هذه هي في حقيقتها على قياس ما ( جزئياً) ـ فوق معرفتهم ، لتذكيرهم بأمور يعتبرها هو أنها خطيرة وأنها أساس ثبات إيمانهم كما أوضحها منذ أول الرسالة : «لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم » (رو1: 11). وهذه الهبة طبعاً ، هي التي تحتويها الرسالة المحسوبة أن جوهرها وقلبها النابض هو الإيمان ببر الله بدون أعمال الناموس وبدون سبت و بدون ختان، وهذه أمور كانوا يجهلونها تماماً، والتي يعزو معرفته الشخصية لها أنها بسبب نعمة خـاصـة أعطيت له دون كافة الرسل للكرازة بإنجيل المسيح للأمم ، بحسب دعوة المسيح له شخصياً من السماء. وطبعاً هذه الحقائق الجديدة عليهم من جهة عدم نفع الناموس والسبت والختان التي أنشأت الشقاق ـ يهوداً وأمماً ـ والازدراء والدينونة بعضهم لبعض، هي التي انشغل ق. بولس بعلاجها لهم في آخر رسالته . وهو يستخدم الرقة والدبلوماسية في الاعتذار عن تجرؤه في الكتابة إليهم، الأمر الذي لم يفعله إطلاقاً قبل ذلك مع أية كنيسة أخرى ، وهذا ما حير المفسّرين الذين أجهدتهم هذه الاعتذارات المتوالية من ق. بولس في هذه الرسالة دون أن يفهموا سببها، حتى انبرى بعض المفسّرين الكاثوليك وقالوا لأن كنيسة رومية كان قد أسّسها القديس بطرس، لهذا يـكـتـب لهم عن استحياء، ولكن هذا خطأ لا تؤيده وقائع الرسالة ولا حال كنيسة رومية. والحقيقة كما سبق أن شرحناها صفحة 53 ـ 57 أن ق. بولس يكتب لكنيسة لها حالة خاصة، فالأمميون المسيحيون، وهم أكثرية في رومية، لم يستلموا المسيحية على يدي ق . بولس بل استلموها من يهود متنصرين، وهم أقلية في كنيسة رومية ، فكان موضوع الناموس والختان والسبت والعوايد أموراً داخلة كلها في الإيمان بنوع التشدد من جهة اليهود المتنصرين التي قابلها الأمم بتراخ وتململ .

فالقديس بولس في هذه الرسالة كان كعادته قاطعاً شديد القطع ضد الناموس . وإذ كانت الخبرات السابقة قد علمته أن هذا الموضوع شائك ومزبك جدا لليهود المتنصرين بقدر ما هو مفرح ومنعش لإيمان الأمم، لذلك كان حريصاً جداً أن لا يثير اليهود المتنصرين ، من جهة، ومن جهة أخرى لا يعطي الأمميين المتنصرين فرصة للاستعلاء بهذا الاستغناء الكامل عن الناموس . لهذا وجـدنـاه منذ بدء الرسالة يستخدم هذا الأسلوب الرقيق الدبلوماسي الاعتذاري، وفي نفس الوقت يستخدم سلطان الرسول المعين من الله والمسيح لإملاء شروط الإيمان الصحيح بلا مواربة أو بحسب اللغة التقليدية يقطع بكلمة الحق باستقامة ( 2تي 2: 15)

ثم استطرد ق . بولس في الآية (16) وكشف لهم لماذا تجرأ وكتب لهم، مع أنه ليس هو الذي أنشأ كنيسة رومية. فالسبب واضح أنه تعين بتكليف من قبل الله والمسيح رسولاً لكافة الأمم ، ورومـيـة محسوبة من الأمم. لذلك كان يشعر منذ أن استلم تكليف خدمة إنجيل المسيح بين الأمم بأنه مديون لرومية أيضاً. لذلك حاول كثيراً الذهاب إليهم تحت وطأة إحساسه بالمسئولية ولكنه منع لظروف خارجة عن إرادته . وها هو يكتب رسالته بعد أكثر من عشرين سنة في خدمة الأمم ، لذلك اعتبر نفسه مقصراً في حقهم .

15:15 « ولـكـن بـأكـثـر جسارة كتبتُ إليكم جزئيا أيها الإخوة كمذكر لكم بسبب النعمة التي وهبت لي من الله» .

« بأكثر جسارة»: τολμηρότερον 

الجسارة هنا ليست من نوع القوة الأخلاقية، ولكنها نابعة من شدة الغيرة على الإيمان المسيحي، فهي جراءة الحق، ولكن في إحساس بالمودة والصراحة. وكلمة «بأكثر جسارة » لا تعني أكثر من «جراءة زائدة»، لأن حرص ق. بولس على صحة الإيمان المسيحي زاد فعلاً من جراءته، ليس على كنيسة رومية وحسب بل وعلى القديس بطرس نفسه !

والمعروف في التاريخ الكنسي أن الذين كانوا على هذه الزيادة في الجراءة الإيمانية والتعليمية الـرسـولية و بلا حدود هم القديسون أثناسيوس وذهبي الفم ، وطبعاً كافة الشهداء بلا استثناء. ويا لیت جراءة الإيمان تزداد في كنيسة الله وتزداد الشهادة للحق والقطع بكلمة الحق باستقامة .

«كتبت إليكم جزئياً »: ἀπὸ μέρους

كلمة «جزئياً» بالعربية لا تتناسب مع رسالة رومية لأنها الرسالة الوحيدة التي أكمل فيها ق. بولس تعليمه اللاهوتي، فهي ليست جزئية في شيء. وقد احتار فيها المفسّرون وفسّروا فيها تفسيرات كثيرة واستقروا أخيراً على أنها تعني أنه كان متجاسراً في بعض الأجزاء. ولكن نعتقد أن الكلمة اليونانية «ميروس» تعني بوضوح : بقياس ما، و يقصد ق . بولس أنه كتب لهم بجسارة على قدر قياس احتمالهم سواء إيمانياً أو نفسياً لأن هذا يتناسب مع روح الاعتذار عن شدة القطع بالاستقامة التي صيغت بها الرسالة .

«کمذكر لكم»: ἐπαναμιμνῄσκων 

كلمة «مذكر لـكـم» باللغة العربية ذات لياقة أدبية ولكنها لا توفي الواقع الحقيقي الذي يقصـده ق. بولس حقه. فقد اتفق العلماء على أنها تعني فنياً تكرار تقليد راسخ في الكنيسة ، وفي الـتـكـرار إفادة، ومن هنا جاءت الكلمة العلمانية «مذكر». والكلمة لا تمت في أصلها اللغوي لمعنى الوعظ.

« بسبب النعمة التي وهبت لي من الله » :

هنـا تـوضـيـح مـا بـعده توضيح أن الجسارة التي كتب بها هي جسارة النعمة، جسارة الرسولية التي نالها من المسيح يسوع التي صاغت الإيمان المسيحي في قلبه وفكره ولسانه ، فهو بعد أن اعتذر برقة عن الجسارة التي كتب بها، عاد وألقاها على النعمة لكي تبلغ الجسارة الرسولية أقصى قوتها وفعلها فيهم .

وليست هذه أول مرة في رسالة رومية يصدر فيها ق. بولس النعمة ويحتمي وراءها ليقول قولة الحق. ففي (12: 3) يقول : «فإني أقول بالنعمة المعطاة لي لكل من هو بينكم أن لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقل كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان » .

16:15 «حتى أكـون خـادمـا لـيـسـوع المسيح لأجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس » .

«حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم » :

كان من الطبيعي أن لا يكون هنا فاصل بين الآية 15 و16 فهما آية واحدة، فالقراءة مستمرة ولا تحـتـمـل وقـفـة، وتقرأ هكذا: « بسبب النعمة التي وهبت لي من الله حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم » .

هكذا الرسولية نعمة، وهكذا النعمة خدمة ! وخدمة الله ذبيحة، ومقدم الذبيحة كاهن .

«خادماً λειτουργὸν ليسوع المسيح » :

هذه الكلمة بحسب تحقيقات جميع العلماء تعني « کاهن priest » بحسب ما جاءت في النسخة السبعينية للتوراة. وإن كانت قد جاءت في رسالة رومية نفسها لتفيد خدمة علماني بالنسبة للأمـور الـدنـيـوية (ر و13: 4)، ولكن الذي يحدد المعنى الاصطلاحي الفني الكهنوتي هنا هو أنها خدمة مقدمة للمسيح : «خادماً ليسوع المسيح » ، بمعنى «كاهن ذبيحة » أو «كاهن مقدم ذبائح ليسوع المسيح » . 

«مباشراً لإنجيل الله ككاهن»: ἱερουργοῦντα τὸ εὐαγγέλιον τοῦ θεοῦ

ومعناها بحسب اللغة اليونانية «كاهن ذبيحة» لإنجيل الله أو كاهن مقدم ذبائح لإنجيل الله . لأن معنى ἱερουργέω هو مُقدم ذبائح التي عبر عنها بالكاهن . فالاسم « كاهن» ، واسـم الـفـاعـل «مقدم ذبائح » مأخوذان أصلاً من الفعل ἱερουργοῦντα ، أي أن الفعل «ذبح » هو الذي حدد الاسم واسم الفاعل . وهذا يتضح من باقي معنى الآيةز

« ليكون قربان الأمم»: προσφορὰ 

«قربان» مركز الأفعال الليتورجية كلها وهي « الذبيحة » المقدمة الله . فقربان الأمم تعني ذبائح الأمم المقدمة لله .

« مقبولاً »: εὐπρόσδεκτος

أي على مـسـتـوى قبول ورضى الله . والقربان أي الذبيحة لا تكون مقبولة لدى الله إلا بشروط هامة جداً، وهي بحسب العهد القديم أن تكون بلا لوم ، وحديثاً مقدسة بالروح القدس.

في هذه الآية يرفع ق . بولس خدمته الرسولية بالكرازة بإنجيل الله بين الأمم بحسب دعوة الرب يسوع المسيح له إلى أعلى مستوى تقديسي عرفته البشرية، وذلك بالمطابقة مع خدمة العهد القديم القائمة على «ذبائح » حـيـوانـيـة على يد «كاهن » مخصص للذبائح ، يغسلها ثم «يقدمها » «قرباناً» الله «فيقبلها » الله .

ومعروف أن عهد الذبائح الحيوانية قد ولى، بكهنوته الذبائحي، وجاء العهد الجديد بذبائح ، وكهنة، وقرابين أخرى كلها بشرية ناطقة حية بالله .

وهـكـذا يـؤسس ق. بولس بهذه الآية أول مفهوم لمعنى الليتورجية بمفرداتها في العهد الجديد .

فالـقـديس بولس يؤسس بالحقيقة طقساً إنجيلياً على مستوى طقس ذبائح العهد القديم ، ولكن يرتفع به إلى مـسـتـوى الطقس الروحي الصرف القائم على ذبيحة ناطقة بالروح ، وسكين الكلمة الـنـاطـقـة بـالروح، وكاهن النعمة الناطق بالروح . حيث الإنجيل هو القوة الروحية المركزية، وهو الذي تنطلق منه كل مفردات الليتورجية الإلهية الجديدة، وحيث خدمة الإنجيل هي خدمة كهنوتية أي ذبائحية بالدرجة الأولى. والكاهن هو خادم ذبائح إنجيلية، والذبيحة الإنجيلية المقدسة هي التي تقدست بالكلمة وبالروح القدس وتخصصت لله الحي، أي المؤمنون. 

ق. بولس اعتبر نفسه تعين، أي رُسم حادماً لحساب إنجيل الله، وذلك من فم المسيح وبتأييد الروح القدس وعمل النعمة. والأمم هم ذبائح الإنجيل ، بمعنى أن كلمة الإنجيل – المعبر عنها بالسيف ذي الحدين (أف 17:6 وعب 4: 12) ـ تعمل عملها في الإنسان فتحوله إلى ذبيحة حية مرضية ومقبولة لدى الله بتقديس الروح القدس، بمعنى أن تفصله عن العالم، وتصيره الله. القديس بولس اعتبر نفسه واقفاً أمام مذبح الله الناطق السمائي يقدم ذبائح الأمم قرابين مقدسة لله.

ولنا في الكنيسة، وفي صميم طقسها ، التطبيق العملي لكهنوت ق. بولس وذبائحه الناطقة وقـرابـيـنـه المقدسة لله . فعندنا في الكنيسة القبطية قداس الموعوظين المسمى بقداس الكلمة، حيث يجتمع المـوعـوظـون في خـورسـهـم الصباحي و يبدأ الكاهن الإنجيلي ـ دون أن يكون لابساً ثيابه الـرسـمـيـة ــ خـدمة = ذبيحة «قداس الكلمة» بقراءة الإنجيل والرسائل وشرحها مع صلوات وابـتـهـالات ، ثم اعترافات . و بعد استكمال مراحل التعليم اللازمة، التي تستغرق سنتين أو ثلاثاً حسب الأصول الأولى «يقدم» الموعوظ في اليوم الموعود وهو لابس ثيابه البيضاء ويموت في جرن المعمودية ويقوم وقد تقدس بالروح القدس. وهكذا يكمل «القربان» المقدس ليقدم الله، ويشترك بعد ذلك في قداس الذبيحة العظمى بالتناول منها .

ق. بولس يحدد لنفسه هذا الطقس الكهنوتي الذبائحي الإنجيلي كخادم ذبائح الإنجيل لتقديم الأمم أفراداً قرابين حية ناطقة مقدسة ومقبولة الله .

وطبعاً هذا الطقس الإنجيلي الكهنوتي الذي تخصص له ق. بولس هو باختصاص التقديس بالكلمة، أي بالبشارة بالإنجيل : « المسيح لم يرسلني لأعمد بل لابشر. » (1کو 1: 7).

وقفة قصيرة لتوضيح
«صدق وواقعية معنى الكهنوت في العهد الجديد »

إلى أي مدى يـعـتـبـر وصف ق. بولس للنفس الإنسانية كذبيحة لله صحيحاً ؟ هل هي مجرد خيال خصب كما يقول بعض العلماء، أو أنه على مستوى المجاز أي مجرد وصف تشبيهي وتمثيلي أو رمزي حسب قول الآخرين ؟

ولـكـن ألـيـسـت ذبائح العهد القديم الحيوانية وكهنوتها الذبائحي في تخصصه الحيواني هو هو الـرمـزي والتشبيهي، وليس ذبائح ق. بولس الروحية التي جاءت كرد فعل صادق وحتي وواقعي لذبيحة المسيح العظمى؟ أيهما الصادق والحقيقي والواقعي والمؤثر الفعال ذبيحة الفصح اليهودية بالخروف الصحيح الذي يغسل ليكون بلا لوم، أم ذبيحة المسيح القدوس المذبوح على الصليب ؟

أي الـفـصـحين يقبله الله حقاً ؟ أي الفصحين له بالفعل أثر الخروج الحقيقي والواقعي ؟ أي الذبيحتين هي القادرة أن تؤثر في الإنسان وتغير فكره وتجدد ضميره؟ 

ثم أي الذبيحتين يقبلها الله وعليها يرضى ، ذبيحة خروف يقدمه الإنسان من غنمه عن خطاياه أم نفسه هو الـتـي يذبحها بإرادته فرحاً بسكين الكلمة ونعمة الله لتموت عن الخطية والعالم موتاً حقيقياً نفسياً وفكرياً ويقدمها الله مطهرة بروحه القدوس ؟

ثم أي الكاهنين الذبائحيين يحسب حقيقياً أنه كاهن الله العلي : مقدم ذبائح الخرفان والمـاعـز والـبـقـر لله أم مـقـدم النفوس المذبوحة بإرادتها حية ناطقة الله ، شاهدة لقوة سيف كلمته وعـظـمـة إنجيله والخلاص المعد والفداء الذي أكمل ؟ أيهما كاهن الرمز والصورة والتشبيه وأيهما كاهن الحق بالحق والواقع الحي؟ وأيهما يكون صاحب الأولوية في التسمية الكهنوتية ، مقدم الرمز أم مقدم الحق ؟

ثم بعد ذلك ألا ترى معي عن حق، أن «الكاهن» في العهد القديم كان مجرد رمز ولا يمتُ للواقع الروحي الحي وقد زال بـالـفـعل، أما كاهن العهد الجديد فهو صاحب الكهنوت الروحي السمائي الحقيقي المنطوق، والمعين من الله ليكون ويبقى ويدوم أمام الله بعد أن زال الأول وها هو لا يوجد ولا يبقى له أثر بعد بعد .

وق. بولس يـتـكـلـم عـن كهنة ذبائح العهد القديم ، كيف كانوا يموتون فيقام غيرهم ليبقى الكهنوت ولا يموت، إلى أن يأتي الكهنوت الذي لا يموت : « وأولئك قد صاروا كهنة كثيرين من أجـل منعهم بالموت عن البقاء، وأما هذا ( المسيح ) فمن أجل أنه يبقى إلى الأبد له كهنوت لا يزول، فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله (ذبائح )، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم» (عب 7 23-25). إذاً، هذا هو الكهنوت الحقيقي القائم في ذهن الله منذ الأزل، والذي صوره تصويراً بالرمز بكهنوت العهد القديم ليقرب معنى الكهنوت والذبائح المقدمة الله بالصورة فقط ، حتى إذا جاء الكهنوت الحقيقي بالمسيح يبقى في ذهننا مشروحاً ومفهوماً وحياً وفعالاً جديداً على الدوام. «فإذ قال جديداً، عتق الأول ، وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال . » ( عب 13:8)

إذا ما حكمك، أيها القارىء، في كهنوت المسيح وكهنوت من أقامهم الله مثل القديس بولس ليقدموا له من نفوس مختاريه ذبائح حيه ناطقة مسبحة لله كل يوم بل كل مساء وصباح ؟ هل كهنوت المسيح وكهنة المسيح قد عتق وشاخ حتى نخلعه عن المسيح وعن مقدمي ذبائح المسيح والإنجيل ونلقيه مرة أخرى في سفر اللاويين ؟ أم أنه يتحتم «أنه يبقى إلى الأبد كهنوت لا يزول» (عب 7: 24)؟

ب- [15: 17-21] من وافع خدمته العريضة الممتدة

17:15 «فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله » .

القديس بولس يعقب عل الآية السالفة. القديس بولس يفتخر بكهنوته، واضحاً صريحاً بل واثقا ما لله. نعم! فالذي كان له فيما للعالم قد حسبه خسارة؛ أما الذي أعطاه له الله، أي كهنوته، فهو للافتخار.

«فى افتخار في المسيح»: 
افتخار ق. بولس ليس فيما لنفسه بل فيما للمسيح، أي أن افتخاره هو لحساب المسيح حيث يستمد من المسيح عمله الذي أعطاه المسيح ووكله عليه، فهو يؤديه بإحساس أنه عمل فائق على كل ما مكن أن يعمله الإنسان من أجل الإنسان. الافتخار هنا يكشف عن سمو نوع العمل الذي يعمله، فبقدر ما يفصل مجد العمل عن نفسه بقدر ما يكون العمل صحيحا وصادقا، و بقدر ما ينسب العمل لصاحبه، أي المسيح، يصبح العمل مجيدا وذا افتخار.

«من جهة ما لله »: 

ق. بولس هنا ينسب «عمله» لله نفسه بعد أن أخذه من المسيح، فهو وإن كان يفتخر به بقدر ما هو من المسيح إلا أنه  يعود وينسبه لله، أي خدمته بتقديم ذبائح الأمم (أي العمل الكهنوتي بالتعبير الطقسي الليتورجي كما قال ق. بولس). فالعمل هنا هو خدمة الإنجيل ككاهن: بمعنى استخدام الإنجيل في اصطياد خراف الأمم الضالة، ثم ربطها بالكلمة، وتكميل موتها مع المسيح بفعل الفداء، وتقديسها بالروح القدس، وتقديمها في النهاية قرابين فاخرة ناطقه لله . فهو من جهة عمل الكهنوت، يبدأ من المسيح وينتهي لله . فالقديس بولس ككاهن يأخذ عمله – تقديم ذبائح الأمـم كـكـاهـن ـ لـيـس مـن نفسه بل من المسيح والإنجيل، ويقدم ذبائحه ليس لنفسه بل الله ! القديس بولس يشعر بفخر ما بعده فخر أنه هكذا استؤمن ككاهن العلي، يأخذ من المسيح والإنجيل السلطان ككاهن ويقدم الله نفوساً هي ذبائح على مستوى الإنجيل والمسيح حية مقدسة مقبولة لدى الله بخدمة ناطقة وتسبيح أبدي .

ق. بولس في هذا التعبير الليتورجي العالي كان أصيلاً في مشاعره وتفكيره، عظيماً حقاً في كهنوته الذي قدم به الأمم جميعاً بأثر ممتد عبر الأجيال وعلى مذبح الله الناطق السمائي . وكيف لا يفتخر ق . بولس بكهنوته الحقيقي الذي أخذه من المسيح بقوة سر الفداء العامل فيه بالروح القدس الذي قدسه للـعـمـل بـالـقـول والفعل ؟ وهل ننسى قول المسيح : « لي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد . » (يو16:10)

أنـظـر، عزيزي القارىء، كيف كان قد تعين ق. بولس قبل الصليب ليجمع خراف الأمم في الزمن المعين لتدخل حظيرة المسيح الواحدة : «آتي ( أنا ) بتلك أيضاً فتسمع صوتي» . العجيب هنا هو توافق ما يقوله ق. بولس عن نفسه توافقاً بديعاً لما سبق وقاله المسيح . فالمسيح يعتبر ق . بولس هنا كنفسه، يعمل عمله الخصوصي جدأ الذي وعد به : يجمع له خرافاً بالقول والعمل . وهكذا تم قول المسيح على يد ق. بولس إذ جمع له الخراف الأخر وقدمها له ككاهن الله العلي وكراع لحساب شخص المسيح الراعي الوحيد . لأن لا كاهن إلا المسيح، ولا راعي إلا المسيح ، وكل من يكهن لحساب المسيح والله فهو كاهن في المسيح وراع لحسابه، وكل من يكهن لنفسه وليس لحساب المسيح فهو لص ، دخل ليسرق الخراف ويذبحها لنفسه .

ومرة أخرى هل يمكن أن نفهم من قول الرب : « لي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة » شيئاً غير أنها خراف الأمم ؟ وهي الذبائح الناطقة الله الحي؟ وأن ق. بولس استؤمن على الأمم لكي يقدمها ذبائح حية للمسيح : «فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية ( الناطقة).» (رو 12: 1)

18:15 «لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل » .

«لأني» :

حرف علة يعلل به ؟ بولس ما قاله في الآية السالفة، أي عن افتخاره بكهنوته الذي أخذه من المسيح ! فهو هنا ينفي أن يكون قد تجاوز ما منحه الله .

«لا أجسر»: τολμήσω (في وضع المستقبل) = لن أجسر.

«لا أجسر» هنا جاءت في اليونانية كفعل مستقبلي ، وذلك لمزيد من التأكيد والتحفظ  سـواء لما فات أو لما هو آت . بمعنى كأنه قد أخذ عهداً على نفسه : : «لأني سوف لا أتجاسر أن أعطي بياناً عن أي شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي». وفي الآية القادمة سيقدم تقريراً وافياً واسعاً ومذهلاً حقاً عما فعله .

ق. بولس يعكس القول فيما تجاسر به سابقاً : فهو تجاسر على أهل رومية بتعليم قد أخذه من المسيح كرسول بحسب النعمة التي أعطاه الله : «بأكثر جسارة كتبت إليكم … بسبب النعمة التي وهبت لي» (رو 15: 15)؛ أما هنـا فـيـنفي أية جسارة أن يتكلم عن أي شيء لم يعمله المسيح بـواسـطـتـه فـيما يخص خدمة الأمم ونجاحه المذهل في إقامة الكنائس في كافة أنحاء العالم الوثني آنئد .

«لأجل إطاعة الأمم»:

أي طاعـة الإنجيل الـتي بدأت على يدي ق . بولس من حول أورشليم إلى كل نواحي آسيا واليونان وإلى الآن وإلى باقي الدهر. وها هي طاعة الإنجيل تملأ وجه الأرض تردد صدى قول ق . بـولـس بـالحق. فـطـاعـة الأمم لإنجيل الله كانت تملأ كل رجاء ق . بولس ، بل فكره بل حياته ، و بدون طـاعـة الأمـم كـان ق. بولس يرى أن لا طعم للحياة ولا لزوم لها : «لأننا الآن نعيش إن تيتُم أنتم في الرب» (1تس 3: 8). لهذا كان همه الأول إخضاع فكر الأمم لفكر المسيح بكل قوة وكل وسيلة، «مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح، ومستعدين لأن ننتقم (لأن نعاقب ) على كل عصيان (عدم طاعة ) متى كملت طاعتكم . » ( 2کو 10: 5 و6)

« بالقول والفعل » :

إشارة إلى «ما كان يفعله المسيح بواسطته » ، والقصد أن خدمة ق . بولس الكهنوتية بتقديم ذبائح الأمـم المـقـدسة قربانا على مذبح الله الناطق السمائي لم تكن فلسفة كلام بل كلاماً مؤيداً بالفعل، بشارة بالخبر أخذت مجراها حتى كملت الطاعة وقدمت الذبائح مرفوعة بالحق . فكهنوت ق. بولس لم يكن وعظ كلام بل تقديس أرواح ونفوس بالفعل وتقديمها ذبائح كاملة الله في طاعة الإنجيل .

فرق عـظـيـم بين واعظ يعظ بالكلمة الملتهبة ثم يذهب إلى بيته يستريح وينام، وبين كاهن یکـهـن بـالإنـجـيـل بـقصد صيد النفوس وإدخالها الحظيرة وإعدادها بطاعة الإنجيل وتعهدها حتى تصبح ذبائح حية مسبحة لمجد الله .

+ « في جوع وعطش في أصوام، مراراً كثيرة في برد وعري ؛ عدا ما هو دون ذلك التراكم علي كـل يـوم، الاهتمام بجميع الكنائس. من يضعف وأنا لا أضعف من يعثر وأنا لا ألتهب . » (2کو 11: 27-29)

إن خدمة الإنجيل الآن في هذا الزمان ليست هي التي كان يراها ق. بولس ولا التي عاشها ق. بولس . لأنـنـا نـراهـا الآن خدمة كلمة، أما بولس الرسول فيراها خدمة فعل كهنوتي ذبائحي بالدرجة الأولى. فخدمة الكلمة عند ق. بولس إن لم تنته بالذبيحة فهي مجرد كلام كما دخل يذهب: «يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم» (غل 4: 19)، « فإني أغـار عـلـيـكـم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عقيقة للمسيح » (2کو 11: 2) حيث كلمة «يقدم» هنا هي نفس الكلمة المستخدمة في تقديم الذبائح .

كلمة هي ونحن نعتقد أن هذا الانهيار الحادث الآن في معنى خدمة الإنجيل نشأ من تحويل كلمة «كاهـن» لكلمة «خادم» بمفهومها العالمي، وليس بمفهومها الطقسي «الليتورجوس » ؛ ومن «یکهن» بمعنى يقدم ذبيحة للإنجيل، إلى كلمة « يخدم » الإنجيل بالمفهوم الاجتماعي المتخصص . ولـكـن خـدمـة الإنـجـيـل كـتـقديم النفوس ذبائح للمسيح هي خدمة الله الليتورجية بمفهومها ومعناها التقليدي قديماً وحديثاً، بمعنى أن خادم الله هو مقدم ذبائح ـ كاهن ـ على أساس أن المسيح أعلن مفهوم خدمته بذبيحة نفسه على الصليب (مت 20: 28)، فبغير ذبيحة النفس الله لا يخدم الله أي لا يكهن أمامه، فالله محبة ولا يخدم إلا بفعل محبة ولا فعل محبة إلا ببذل النفس أي ذبحها : «أحبني وأسلم نفسه لأجلي » (غل 2: 20)، ونحن صرنا فيه إما ذبائح أو مقدمي ذبائح : «من أجلك ثمات كل النهار، قد حسبنا مثل غنم للذبح . » (رو 8: 26)

19:15 «بقوة آيات وعجـائـب بـقـوة روح الله حتى إني من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح » .

هنا يثبت ق. بولس أنه ليس بالكلام فقط كان يخدم الإنجيل كواعظ بل و بفعل قوة الروح الـقـدس الـعـامـل بـالإقناع والـتـجـديد كآيات أحسها المؤمنون وعجائب صنعها الله في ق. بولس و بواسطته لتستعلي كلمة الإنجيل على فمه وتأخذ قوتها ومفعولها ، لأن الكلمة بحد ذاتها حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حـديـن (عـب 4: 12)، بـقـوة الروح القدس المؤازر للكلمة. فبولس الـرسـول لـم يـكـن كـاهـن كـلام لـذيـذ نـاعـم؛ بل كاهناً في يده سيف الكلمة بالروح القدس (أف 6: 17)، «سيف الروح الذي هو كلمة الله »[1]، ليحول السامع إلى طائع يضع رقبته تحت سلطان المسيح، كذبيحة طيعة ، كشاة تحت يد ذابحها لا تتحرك . و بولس الرسول يرد على الذين ادعـوا عليه أنه قوال كلام وفي الحضرة ضعيف : «مثل هذا فليحسب هذا أننا كما نحن في الكلام بالرسائل ونحن غائبون هكذا نكون أيضاً بالفعل ونحن حاضرون . » (2کو 10: 11)

«قد أكملت التبشير»:   πεπληρωκέναι τὸ εὐαγγέλιον

بـالـيـونـانـيـة : «أكملت الإنجيل ». والمعنى أن القديس بولس ، من نقطة انطلاق البشارة حول أورشـلـيـم حتـى أقصى حـدود الـيـونـان ، أكمل الإنجيل بمعنى أكمل المناداة والخدمة معاً : «سلم الخبر» بـالـكـلمة، « واستلم النفوس » ليقدمها ذبائح إنجيلية الله في المسيح . فالإنجيل لا يكمل بالمناداة فقط بل يتحتم تقديم الثمر لصاحب الإنجيل ، «ليفرح الزارع والحاصد معاً» (يو 4: 36)، لتمتلىء الحظيرة بذبائح البر قرباناً، ويمتلىء البيت بالمدعوين ويفرح العريس بعروسه من أورشليم إلى إللـيـر يـكـون . والسؤال المحير الذي حير الكثيرين هو: أين مصر وأين الإسكندرية من بولس ؟ وهي التي ناطحت أورشليم كمركز عبادة وثقافة وتقوى إنجيلية. أما السبب فهو أن مصر ” تقبلت رسالة الإنجيل بعد القيامة مباشرة، فالسكة (أي الطريق ) بين أورشليم ومصر لم تتوقف قط عن الحركة، والكنيسة في الإسكندرية رفعت فيها الصلوات باسم المسيح وارتفع فيها الصليب مبكراً جداً قبل أن يبدأ بولس الرسول خدمته ، فتاريخ المسيحية في مصر يبدأ رسميا من سنة 45 ميلادية، فهي من أقدم كنائس العالم طرا، وأخذت إيمانها أول ما أخذت عن يعقوب الرسول قبل أن تـأخـذه من فم مار مرقس، لذلك سميت في التاريخ أحياناً بكنيسة اليعقوبيين ، وسمي الأقباط في البداية باليعاقبة نسبة ليعقوب الرسول . ونحن لا ننسى أن القديس يعقوب الجليل في الرسل كان يرسل بعثات من كنيسة أورشليم لإفتقاد الكنائس البعيدة كما عرفناها في أنطاكية « ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملوماً ، لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب ، كان يأكل كانت مع الأمم …» (غل 2: 11)

والمـعـتـقـد أن نقطة انتشار الإيمان المسيحي في مصر انطلقت من الإسكندرية، وبالتحديد من غرب الإسكندرية من وسط جماعة الثرابيوتا (أي الأطباء) الذين كانوا يعيشون حول بحيرة مريوط ، وهـم الأقرب في الـتـراث الـتقليدي إلى جماعة الأسينيين بشرق فلسطين، والمراجع في ذلك شحيحة ولكن يفهم هذا من كتابات فيلو، وتاريخ يوسابيوس القيصري.

20:15 « ولكن كنت محترصاً أن أبشر هكذا، ليس حيث سمي المسيح لئلا أبني على أساس لآخر».

« محترصاً »: φιλοτιμούμενον

وتعني باليونانية : «اشتياقي في الاجتهاد»، أن لا أبشر في مكان بشر فيه غيري باسم المسيح . كان هذا القانون جزءاً لا يتجزأ من افتخار بولس الرسول : «فلي افتخار في المسيح من جهة ما الله » (رو 15: 17). وقد وضعها ق. بولس في موضع آخر أنه قد أعطي من الله أن يضع الأساس وغيره يبني عليه وليس العكس : «حسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم قد وضعت أساساً وآخر يبني عليه. ولكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح . » ( 1کو 3: 10و11).

هذا الكلام من ق. بولس يحمل أعماقاً لاهوتية هامة . فبولس الرسول أعطي نعمة واستعلاناً خـاصـاً لـيكون رسول الإيمان للأمم ليكرز بالبر الذي بالإيمان بدون أعمال الناموس، ومعروف أنه لم يعط رسـول آخر من الاثني عشر هذه النعمة الفائقة أن يكرز بالإيمان بدون أعمال الناموس . لذلك لم يكـن ق. بولس هو وحده محترصاً أن لا يبشر في مكان بشر فيه رسول آخر، بل الرب نفسه أرسله « بعيداً » (أع 22: 21) ـ للأمم ـ لأن الرب كان حريصاً أن يضع على يد ق . بولس الإيمان المسيحي للأمم بدون أعمال الناموس ، وذلك بنعمة خاصة وفائقة كلفت ق. بولس عذاباً ألـيـمـا وتـدريـبـاً مستمراً ليتخلص هو أولاً من الناموس ليخلص آخرين معه . « والأساس الآخر» الذي كان يخشى بـولـس محـتـرصاً أن لا يبني عليه، هو أساس الناموس اليهودي والسبت والختان وكل عوايد اليهود .

 

15: 21 «بل كما هو مكتوب الـذيـن لـم يـخـبـروا بـه سيبصرون والذين لم يسمعوا سيفهمون » .

المـكـتـوب هنا هو لإشعياء النبي : «لأنهم أبصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه » ( إش 52: 15). واضح أن النبوة تشير إلى قبول الأمم لخبر الإنجيل وإيمانهم بالمسيح وكأنهم رأوه ، وتم فيهم قول المسيح : «طوبى للذين آمنوا ولم يروا . » (یو 20: 29)

والـقـديـس بـولـس الذي كان يسير بالروح والذي اقتاده الروح إلى الأمم ، أدرك عمق النبوة وتهللت روحه فيه، إذ على يديه تم الخبر وتم السماع وتم الفهم وتمت الرؤيا بغير المنظور .

ولـكـن ق. بولس يستشهد بهذه النبوة لتحقيق صدق دعواه أنه احترص أن لا يبشر في مكان بشر فيـه بـاسـم المسيح ، أو أن يبني على أساس غيره . فهذه ليست إرساليته في الكرازة بل هي ما سبقت النبوة وأعلنته، وهو إنما يمشي على لهدى ما سبق الروح وخططه لتكميل أمر كان مقضيا به على الأرض (رو 9: 28)

ج – [22:15-24] الذي منعه هذه المدة كلها من زيارته لهم

 

15: 22 «لذلك كنت أعاق المزار الكثيرة عن المجيء إليكم».

أي بسبب اتساع محيط الخدمة، وما يستلزمها من وضع أساس الإيمان في كل هذه النواحي ، مع اضـطـرار الارتباط بتغطية احتياجات كل الكنائس بما يلزمها من رعاية مستمرة، كنت حينما أعـزم على المجيء إلـيـكـم أعـاق مرات كثيرة رغماً عني. وهكذا يعود ق . بولس على بدء وكأنه يطابق النهاية بالبداية إذ قال سابقاً نفس الشيء: «ثم لست أريد أن تجهلوا أيها الإخوة أنني مراراً كثيرة قصدت أن آتي إليكم ومنعت حتى الآن …» (رو 1: 13)

 

23:15 و24 « وأما الآن فإذ ليس لي مكان بعد في هذه الأقاليم ولي اشتياق إلى المجيء إليكم منذ سنين كثيرة فعندما أذهب إلى أسبانيا آتي إليكم . لأني أرجو أن أراكم في مروري وتشيعوني إلى هناك إن تملأت أولاً منكم جزئياً » .

ق. بولس يكتب هذا وهو في كورنثوس ويعد نفسه للرحلة الأخيرة إلى أورشليم ، وقد استودع الأقـالـيـم كلها ليد المسيح ليرعاها بمعرفته . فقد انتهى ق . بولس مع نفسه من خدمة هذه الأقاليم ، ولم يعد يشعر بأن عليه دينا من جهتها . هذا ما يقصده ق . بولس أنه «ليس لي مكان بعد في هذه الأقـالـيـم»، منذ وجه نظره نحو أورشليم ، تماماً كما فعل الرب في رحلته الأخيرة ليصلب هناك (لو9: 51)، وكـانـت سحب قائمة قد ظهرت في سماء أورشليم تنذر بخطر مستطير: « والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفني هناك . غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلاً إن وثقاً وشدائد تنتظرني . » (أع 20: 22و23)

فإذا تذكرنـا مـا سـبـق وقـاله الرب يسوع وهو في نفس الموقف نتعجب من شدة المطابقة ، من حيث ما سيعمله رؤساء الكهنة والكتبة وكيف سيسلم إلى الأمم : « ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابـن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ، و يسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلـدوه و يصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم » (مت 20: 18و19). والفرق أن ق. بولس كان يشعر بما هو آت عليه ولكن لا يعلمه ، أما المسيح فكان عالماً بكل ما سيأتي عليه .

ولكن كانت الخدمة عند ق . بولس أقوى من سحب الظلام التي تكاثفت فوق أورشليم تنتظر وصـولـه ، لقد تخطاها باشتياقه إلى أن تمتد الرحلة أطول ، صوب أسبانيا عبوراً بروما التي كان يحلم بزيارتها كثيراً. لقد ارتبطت روحه بأهل روما حتى صارت زيارتها هكذا أمنية العمر مع أن العمر كـان قـد أوشك أن تفرغ ذخيرته ولم يعد يتبقى إلا سلاسل وسجون ، سجن وراء سجن !! إنه وجه يسوع الذي أطل عليه من السماء كان ينطبع في مخيلته على الأشخاص ، فيحن إليهم حنينه إلى وجه السيد. وحـيـنـما نبلغ الأصحاح السادس عشر، سوف نقابل هذه الوجوه وهذه التحيات المخلصة الكثيرة جداً التي جعلت روحه تحلق دائماً في سماء روما . كانت شهوة روحه أن يفرغ فيهم كل معرفته بالمسيح وكل خبراته معه في الإيمان، التي صورها جزئياً في رسالة فجاءت أطول رسالة في عـالـم الـكـتـب والـرسـائـل التي خلفها الإنسان ؛ بل وأقوى وأعمق سفر يحمل خلاصة اللاهوت والإنجيل . 

الـقـديـس بـولس أحب روما جدأ لأن من سمائها سوف ينفتح له الباب لينطلق ليكون مع من أحبه: «ذاك أفـضـل جـداً» (في 1: 23). أما أسبانيا فلا ندري من أين أتت له أخبارها ، كيف تعرف عليها، كيف خطط لزيارتها ، هل زينت له اشتياقاته للخدمة أن ينطلق بعيداً بعيداً عن مركز آلامه في أورشليم ؟ مستحيل . فلا هو على مستوى من تتزين له الأفكار ولا هو على مستوى مـن يهاب الأخطار. وهل زارها فعلاً وأسس فيها كنائس؟ أو لماذا صارت أسبانيا مركزاً للإشعاع الـروحـي والـلاهـوتـي وفـاقت روما بعلو وعمق روحياتها وقداسة أساقفتها ؟ ولكن لماذا إذا ضاعت أخبارها وانقطع تاريخ الخدمة فيها فجأة في سفر الأعمال ؟ هل فُقد الجزء الخاص بأسبانيا من سفر الأعـمـال كما يقول بعض المؤرخين الأوائل ( وثيقة موراتوري ) ؟ ولكن شكراً الله فرسالة رومية احـتـفـظـت لنا بكل ما كان يود ق . بولس أن يستودعه أعز أحبائه ، إن في روما أو أسبانيا أو كل الأرض .

د ـ [ 15: 25-29] الوعد بالزيارة بعد تكميل خدمته لفقراء أورشليم

15: 25و26 « ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين. لأن أهل مكدونية وأخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعاً لفقراء القديسين الذين في أورشليم».

كـانـت رحلة ق. بولس من أقاليم مكدونية وأخائية إلى أورشليم قد ذاع خبرها مع معلومات أنها الرحلة الأخيرة لبولس الرسول في هذه الأقاليم وأنهم لن يروا وجهه مرة أخرى . فكان حماس الكنائس على أشـده لجـمـع تـبـرعـات للقديسين في أورشليم وكان الدافع، بالإضافة إلى تعلقهم بـأورشـلـيـم كمركز لكنيسة الأمم والمكان الذي تقدس : المسيح، فإنهم فعلوا ذلك حبا في ق . بولس الذي أحبوه أكثر من «عيونهم » (غل 4: 15)، و بالأكثر جداً أحسوا أنه فعلا يود أن يحمل عـطـايـا سخية لأورشليم لأسباب لم تكن مجهولة عندهم، لأنهم علموا ما كان يكنه للقديس بولس الـيـهـود واليهود المتنصرون. والقديس بولس كان يود أن يطيب خاطرهم ، واليهود يحبون المال !!! ولـكـن هيهات ، فالعداوة المبيتة في قلب اليهودي ثأراً ونقمة لمن يمس عقيدتهم تفوق الخيال وليس المال .

خرج ق. بولس من هذه الأقاليم حاملاً عطايا الكنائس السخية ولكن كان يحمل في قلبه ثقلاً لا يمكن أن يغيب عن تصورنا وشعورنا ، فالروح كان قد كشف له كل ما كان ينتظره من الأم ـ « المستعبدة مع بنيها» (غل 4: 25) ـ أورشليم . هذا بالإضافة إلى أنه ذاهب في رحلة الوداع ، فهو الخروج الأخير من الكنائس التي أحبها وأحبته حباً يسلب القلب ، وكان شعوره لا يفترق كثيراً عن شعور الرب نحو تلاميذه ليلة الوداع الأخير: «أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لبـنـتـقـل من هذا العالم إلى الآب إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى» (يو 13: 1)، هذا نسمعه من ق. بولس ولكن على مستوى إنسان لإنسان : « والآن ها أنا أعلم أنكم لا ترون وجهي أيضاً أنتم جميعاً الذين مررت بينكم كارزاً بملكوت الله … ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى وكان بكاء عظيم من الجميع ووقعوا على عنق بولس يقبلونه ، متوجعين ولا سيما من الكلمة التي قالها إنهم لن يروا وجهه أيضاً . » (أع 20: 25و36-38)

هكذا انطلقت السفينة في رحلتها الأخيرة من تلك النواحي مقلة بولس والرفاق صوب أورشليم حاملين العطية وحاملين وجعاً في القلب لا ينقطع .

 «فقراء القديسين الذين في أورشليم » :

كان ق. بولس ينظر إلى المسيحيين في أورشليم نظرة متميزة يملأها الحب والوقار كأول رائحة عـطـرة للمسيح، ولكن بالأكثر الفقراء منهم . وكان عددهم كبيراً مما مما اضطر جماعة المتيسّرين منهم أن يـبـيـعـوا كـل أمـوالهـم ويسلموها للرسل للصرف على هذه الجماعة الفقيرة للغاية، لأنه معلوم – الذين اتبعوا الرب يسوع منذ بدء خدمته كان معظمهم إما من الفقراء جداً أو من العبيد المطحونين الذين وجدوا في المسيح مـا يـعـزيهم ويفرحهم ويفرج كربهم ويشفي مرضاهم . ولا ننسى قول المسيح للذين تبعوه : «طوبى للمساكين»، و «طوبى للحزانی»، و «طوبى للجياع والعطاش » ، وإن كان المطلوب منهم أن يكونوا مساكين «بالروح » وجياعاً وعطاشاً « إلى البر» ، فذلك لكي يشبعوا ويغتنوا بالله (لو 6: 20).

ولقد زادت طبقة الفقراء في الكنيسة الأولى وازداد فقرها جداً بسبب العزلة القاسية والاضطهاد المربع الذي عـانـوه بـعـد خـروجهم من المجمع وفقدان كل حقوقهم اليهودية مضافاً إليها تعيير ومطاردة :

+  «… قبلتم سلب أموالكم بفرح » ( عب 10: 34)،
« ومتى طردوكم في هذه المدينة (أورشليم ) فاهربوا إلى الأخرى » (مت 10: 23)،
+ «طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين . » (مت 5: 11)
+ «صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم . » (مت 5: 44)

ولا يغيب عن بالنا أن أساس موائد المحبة التي كان يتبارى الأغنياء في إقامتها ، هو في الحقيقة خلق فرصة للفقراء في الكنيسة ليأكلوا ويشر بوا مما حرموا منه . وكان فعل المحبة هذا يصنع في ستر ولكنه كان شديد الوقع على نفوس الفقراء تعزية ورجاء وسروراً. ولم يكن فقراء أورشليم ولا الفقر في أورشـلـيـم خـافياً على أحد بل كان يقض مضاجع الرسل، لذلك فحينما علموا باختيارهم بولس رسـولا للأمـم مـن قـبـل الـرب ، وجدوا أنها فرصة العمر أن يجمع لهم العطايا من الكنائس لسد أعـوازهـم. «فإذ عـلـم بـالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا و يوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة ، أعطوني و بـرنـابـا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان، غير أن نذكر الفقراء وهذا عينه اعتنيت أن أفعله . » (غل 2: 9)

ولكن هي ولـكـن المعروف أن ق. بولس لم يلزم الكنائس بجمع المال ، ولكن هيالكنائس التي كانت تلزم نفسها بهذه الخدمة التي كانت محسوبة أنها على أعلى مستوى من الأهمية. وكان ق . بولس يعتبرها أنها على مستوى الذبيحة ، وكان يطيب قلبه جداً حينما يرى سخاء الكنائس في العطاء . اسمعه وهو يقول : « ولـكـنـي قـد اسـتـوفـيـت كل شيء واستفضلت . قد امتلأت إذ قبلت من أبـفـرودتس (حامل العطية) الأشياء التي من عندكم نسيم رائحة طيبة ذبيحة مقبولة مرضية عند الله . فيملأ إلهي كل احتياجكم بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع . » (في 4: 18و19)

15: 27 «استحسنوا ذلك وإنـهـم هـم مـديـونـون. لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا في روحياتهم يجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات أيضاً».

 ق. بولس يـكـرر بوضوح عبارة «استحسنوا ذلك» ليؤكد حرية إرادتهم في الجمع . فليس عن رجاء من ق. بولس ولا حتى إيحاء منه ؛ بل هو أمر كان مستحسناً لديهم عن شعور دائم بالدين لهؤلاء القديسين الذين قبلوا نعمة الله للخلاص وعنهم انحدرت إلى الأمم . والقديس بولس يعقب على هذا الشعور باستحسانه هو أيضاً، ويضع قانوناً جديداً في النظام الكنسي أن فقراء الكنيسة لهم عند الأغنياء حق دائم متبادل ، فهؤلاء يصلون ويطلبون عنهم ، والأغنياء يبذلون من مالهم لتغطية حـاجـاتـهـم الجسدية ؛ بل إن ق. بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس رفع هذه المعادلة إلى مستوى اللاهوت بنوع التبكيت والحث على الشركة مع الفقراء :

« فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا أنتم بفقره . أعطي رأياً (شخصياً) في هذا أيضاً لأن هذا ينفعكم أنتم الذين سبقتم فابتدأتم منذ العام الماضي ليس أن تـفـعـلـوا فـقـط بـل أن تريدوا أيضاً» (ق. بولس يطلب أن يكون التبرع ليس مجرد عمل مفروض بل عملاً مراداً ومحبوباً) … ثم يعود ق. بولس ويطلب أن يكون التبرع في الحدود التي يحتملها رأس مال كل شخص قائلاً: « فإنه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق بل بحسب المساواة. لـكـي تـكـون في هذا الوقت فضالتكم ( المالية والمادية ) لإعوازهم ، كي تصير فضالتهم ( الروحية وصلواتهم ) لاعوازكم ، حتى تحصل المساواة، كما هو مكتوب ، الذي جمع كثيراً لم يفضل والذي جمع قليلاً لم ينقص . » ( 2کو 8: 9-15)

ثم عاد في نفس الـرسـالـة يحث على السخاء في العطاء، لا حباً منه للمال، بل لغرس روح العطاء والمشاركة مع الفقراء، واعداً بالروح أن الله يوازن بين عطاياه وعطايا البشر. فبقدر ما يسخو الإنسان يسخو الله :

+ «من جهة الخدمة للقديسين هو فضول مني أن أكتب إليكم لأني أعلم نشاطكم الذي أفتخر به من جهتكم لدى المكدونيين … وغيرتكم قد حرَّضت الأكثرين … فرأيت لازما أن أطلب إلى الإخوة أن يسبقوا إلـيكم ويهيئوا قبلا بركتكم التي سبق التخبير بها لتكون هي معدة هكذا كأنها بركة لا كأنها بُخل .» (2كو 9: 1و2 و5)

ثم وضع معياراً لعطاء الله إزاء معيار عطاء الإنسان هكذا: «هذا وإن من يزرع بالشح (يعطي  قليلا) فبالشح أيضا يحصد (من الله) ومن يزرع بالبركات (سخاء العطاء) فبالبركات أيضا يحصد (من الله)، كل واحد كما ينوي بقلبه ليس عن حزن أو اضطرار. لأن المعطي المسرور يحبه الله… كما هو مكتوب فرق وأعطى المساكين، بره يبقى إلى الأبد.» (2 كو 9: 6و7و9)

ثم يتقدم ق. بولس أيضا في النهاية بدعاء: «(والله) الذي يقدم بذاراً للزارع وخبزاً لاكل سيقدم و يكثر بذاركم وينمي غلات بركم. مستغنين في كل شيء لكل سخاء، ينشىء بنا شكرا لله، لأن افتعال هذه الخدمة ليس يسد إعواز القديسين فقط بل يزيد بشكر كثير لله، إذ هم باختبار هذه الخدمة يمجدون الله على طاعة اعترافكم لإنجيل المسيح وسخاء التوزيع لهم وللجميع، وبدعائهم لأجلكم مشتاقين إليكم من أجل نعمة الله الفائقه لديكم. فشكرا لله على عطيته التي لا يعبر عنها.» (2كو 9: 10-15)

وهكذا صار لبولس الرسول الفضل في غرس هذه الروح في الكنائس التي نمت على مر الاجيال وصارت في الحاضر في شكل حركات مسكونية (مثل جمعية Caritas كاريتاس الدولية) تقوم بها الكنيسة لإنقاد فقراء العالم وشعوبا برمتها.

15: 28 «فمتى أكملت ذلك وختمت لهم (على) هذا الثمر فسأمضي ماراً بكم إلى أسبانيا» .

وهنا يعود ق. بولس إلى حديث الرحلة الموعودة .

«وختمت لهم (على) هذا الثمر»: 
المعنى هو «الختم» الذي يضعه الإنسان عل الوثيقة أو خلافه. ولكن معنى الآية كان موضوع بحث لدى العلماء ولم ينتهوا إلى شيء يتمشى مع الواقع. ولكن المفهوم أن ق. بولس عند تسليم المسئولين في أورشليم لهذه العطايا من أيدي المندوبين عن الكنائس كان عليه أن يختم لهم على وثيقة أنهم تسلموها أمامه وبمعرفته . فيكون بذلك قد أوفى بمسئوليته في توصيل العطايا إلى أصحابها كاملة .

كان هذا هو آخر رباط يربط ق. بولس بكنائس تلك الأقاليم ، والذي بعده يكون حراً يمكن أن ينطلق في رحلـتـه المـوعـودة إلى أسبانيا، على أن يحط رحاله في روما لفترة مناسبة من الزمن يتعرف فيها على أحوالهم ويهبهم ، كما يقول ، « هبة روحية لثباتهم » في الإيمان المسيحي المتحرر من قيود الناموس

29:15 « وأنا أعلم أني إذا جئتُ إليكم سأجيء في ملء بركة إنجيل المسيح » .

في الآية (24) السابقة نجد لغة ق. بولس في التعبير عن مدى وثوقه من الرحلة إلى أسبانيا وحتى إلى روما يتخلله شيء من عدم اليقين ، فهو لا يقول بالقطع أنه سيراهم ولكن مجرد رجاء: « فـإنـي أرجو أن أراكم»، وهنا يبدأ الآية بشرط محمول ليس على شيء من اليقين بل متروكاً للمجهول : « إني إذا جئت إليكم » . وهكذا كان إحساس ق. بولس الداخلي أن هذه الرحلة التي طالما تمناها، وطالما تعوق تحقيق هذا التمني، يحفها شيء من عدم التوفيق، فهو يكرر: «عسى أن يتيسّر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم» (رو 1: 10)، «مراراً كثيرة قصدت أن آتي إليكم ومنعت حتى الآن» (رو 1: 13)، « لذلك كنت أعاق المرار الكثيرة عن المجيء إليكم.» ( رو 15: 22)

«في ملء بركة إنجيل المسيح» : εὐλογίας Χριστοῦ

الترجمة العربية أخذت عن مخطوطة بيزنطية وضعت « الإنجيل » بدل « المسيح» ، ولكن حسب أوثق المـخـطـوطـات تقرأ: «سأجيء في ملء بركة المسيح» ، وكما في الترجمة الإنجليزية المعتمدة ، وحسب قول الرب : «فأي بيت دخلتموه فقولوا أولأ سلام لهذا البيت فإن كان هناك ابن السلام يحل سلامكم عليه وإلا فيرجع إليكم» (لو 10: 5و6)، فالسلام سلام المسيح ومعه بركة المسيح ، والـبـركـة تحمل الموهبة (خاريزما ) : «لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة (خاريزما ) روحية لثباتكم . » ( رو 1: 11)

« وبـركـة الإنـجـيـل» دخلت في الـطـقـس الليتورجي في كافة مواقف القراءة في الإنجيل ، والـكـاهـن والـشـمـاس قـبـل أن يـقـرأ فـصـل الإنجيل في خدمة القداس يوغي الشعب باسم فصل الإنجيل، ثم يقول والشعب كله يشترك معه : [ بركاته على جميعنا آمين ]. وبركة الإنجيل تشمل أول ما تشمل:

1 ـ انفتاح الذهن لفهم كلام الإنجيل لأن المكتوب مكتوب بالروح ولا يكشف معنى المـكـتـوب بالروح إلا ذهن مفتوح بالروح القدس « حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب » (لو 24: 45). فهتاف الكاهن الشعب أن تحل بركة الإنجيل على الجميع هو دعاء لحلول الروح القدس في الذهن لكشف الاستعلان المتضمن في كلام الإنجيل. ويقيناً إذا تغافل الإنسان عن قبول نعمة وبركة الإنجيل فلن يفهم منه ه شيئا .

2 – فاعلية الكلمة : حينما يتفتح الذهن بالروح لسماع كلمات الإنجيل يكون على مستوى فاعلية الكلمة، لأن الكلمة تحمل قوة الروح والحياة : «الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحـيـاة» (لو6 : 63)، وهكذا تتفاعل الكلمة مع روح الإنسان وفكره وضميره فتكشف واقع الإنسان بالنسبة لمتطلبات الكلمة. وهنا يتحرك كل الكيان الداخلي لمواجهة حقيقة المقابلة بين أخطاء الإنسان وقداسة الله المعلنة في كلمته . وهنا يبدأ دور الدينونة الذاتية والتبكيت والاعتراف وطلب العفو والتصحيح، لتأخذ الكلمة سلطانها على النفس وتسود بـقـوتـهـا وقداستها، فيتغير الذهن ويتجدد ويتغير شكل الإنسان بالتالي ليتوافق مع الحياة المـدعـو لهـا. أما إذا لم يكن الإنسان مستعداً لقبول بركة الإنجيل، فستضيع عليه قوته ، وليس فقط لن يفهم شيئاً بل وسيتململ وربما ينتقد الكلام .

3 – فهم وإدراك قوة الفداء والخلاص والمصالحة والتبني : فالإنجيل يحمل رسالة الخلاص بـكـل مـشتملاتها . وحينما يدرك الإنسان عمل المسيح الذي أكمله لخلاص الخاطيء ، يرتفع الإيمان ويـتـشـدد الـرجاء وتتقوى العزيمة على مواجهة صعاب العالم التي أعطي للإنسان أن يتغلب عليها جميعاً بالإيمان :
+ « ثقوا أنا قد غلبت العالم . » (يو 16: 33)
+ « وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا . » ( 1يو 5: 4)
+ «من هو الذي يغلب الـعـالـم إلا الذي يؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله . » ( 1يو5: 4و5 )

شكراً لله على بولس الرسول الذي فتح علينا طاقات بركة الإنجيل التي تابعته أينما سار وأينما حل، وطوبى لأهل كافة الكنائس التي استقبلته وقبلته وتقبلت منه بركة الإنجيل التي استودعها خـزانـة الكنيسة الروحية لتفيح رائحتها وقوتها كلما قرىء الإنجيل وكلما ذكر اسم ق. بولس من جيل إلى جيل .

 

 

 

 

ولـكـن ألـم يـنـصـح الرب أن: «لا تـطـرحـوا در ركـم قدام الخنازير لثلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم . » (مت 7: 6)

« ولكي تكون خدمتي مقبولة عند القديسين»:

«خدمتي » : ἡ διακονία μου

لقد رفع ق. بولس كما سبق وقلنا مستوى العطاء للفقراء إلى مستوى الخدمة الله فأعطاها لفظ « الـذيـا كـونية »، وهي اللفظ الليتورجي المستخدم في الكنيسة لخدمة الله . و بولس انتظر ردا له من الـنـاس وقـبـولاً، فكان انتظاره على غير ما كان ينتظر. صحيح أن الكنيسة في أورشليم قبلته وفرح الإخـوة به ، ولـكـن الـذيـن يتربصون به كانوا ساهرين ، وق. بولس كان على حق تماماً فيما صنع وفـيـمـا انتظر جواباً على ما صنع ، ولكن الناس ليسوا دائماً على حق فيما يردون به وفيما يجازون : فـالـشـريـر لا يـعـرف أن يجازي إلا أن : «يجازونني عن الخير شرا» (مز 35: 12). أما أن المال هو حقاً خدمة ذياكونية الله ـ إن أعطي للفقراء عن فرح وسعة ـ فهذا حق تماماً بحسب ما قئن المسيح وأوصى: «الحق أقـول لـكـم بمـا أنـكـم فـعـلـتـمـوه بـأحـد إخـوتـي هؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم » (مت 25: 40). وبهذا الـنـطـق المـلكـي صـار وتحقق قول النبي قديماً : « من يرحم الفقير يقرض الرب » (أم 19: 17). فالله لا ينسى كأس ماء بارد يعطى حتى باسم تلميذ : « الحق أقول لكم إنه لا يضيع أجره» (مت 10: 42). ولكن لم تقبل خدمة ق. بولس، بل رذلوه كما فعلوا بسيده : « أبغضوني بلا سبب . » (يو 15: 25)

«حتى أجيء إليكم بفرج بإرادة الله وأستريح معكم»:

لقد جاء إلـيـهـم ق. بولس فعلاً بفرح في الضيق . أليس هو القائل : «فرحين في الرجاء . صـابـريـن في الـضـيـق » ( رو 12: 12)، وأيضاً: «في ضيق كثير بـفـرح الـروح الـقـدس» (1تس 1: 6)، دخل إليهم ويسلاسل في يديه والجندي يقتاده !! وهو الذي فك المكبلين بسلاسل الـنـامـوس وطوق السبت وحديد الختان، دخل عليهم مقيداً «وكلمة الله ـ في فمه ـ لا تُقيد» (2تي 2: 9)، ذلك الذي نادى بالحرية « التي قد حررنا المسيح بها » (غل 5: 1) كل أيام حياته ولكن أخيراً مات في القيود!!

على أي حال، لقد تمت إرادة الله كما طلبها واشتهاها ، وذهب فعلاً إلى روما محمولاً على إرادة الله الواضحة الصريحة الموعودة في حينها : « وفي الليلة التالية وقف به الرب وقال : ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضاً.» (أع 23: 11)

– لقد وضع ق. بولس إرادة الله أمامه وتهديد أورشليم خلف ظهره، لهذا ذهب فرحاً – كما تمنى ـ إلى روما مدينة أحلامه ، وحقق أمنية حياته !

« وأستريح معكم » : συναναπαύσωμαι ὑμῖν

كانت روما هي المحط الأخير في رحلات بولس الرسول ، وكانت ختام التراجيديا الطويلة التي استغرقت من عمره 33 سنة منذ أن رأى الرب حتى غربت شمس آخر يوم عن عينيه . كانت روما هي سبت بولس الرسول الأخير، الراحة التي اشتهاها بالروح وتمناها بين من أحبهم وهو لا يعرف معظمهم ! وبعد أن ألغي ق. بولس كل السبوت ، اشتهت نفسه سبتأ يستريح فيه، فكان سبت بولس كسبت المسيح، فكما استراح المسيح سبته في القبر خارج أسوار أورشليم ، استراح ق . بولس بعد سيف نيرون وأسند رأسه على طريق أوستيا خارج أسوار روما !

 

و ـ [ 15: 33] بركة مختصرة

 

33:15 « وإله السلام معكم . آمين » .

كان ق. بولس في أشد الحاجة إلى السلام الداخلي فأعطاه الله ، فكانت صورة الله التي ملأت فكره المضطرب وروحه الحائرة هي صورة الله كمانح السلام . والقديس بولس كان يحيا الشركة مع كنائسه، فكان هذا الدعاء الأخير صورة واضحة عن قرب ، تكشف عن حقيقة نفس هذا الرسول الذي عاش السلام في أحلك أيام حياته و بشر ودعا به .

وأخـيـراً، وبـ «آمين» ، نكون قد بلغنا نهاية رسالة ق . بولس إلى أهل رومية أو نهاية رحلة بر الله الذي أظهر «بدون الناموس، مشهوداً له من الناموس والأنبياء، بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون لأنه لا فرق . » ( رو3: 21و22)

  1. لا يندهش القارىء إذا اقلع على • بولس الرسول وتماثيله عند الغرب وهو حامل السيف في يده ، فهو ليس السيف الذي دیح به بل سيف الكلمة الذي ذبح به د هي نفوس أتقياء تكرسوا الله فصاروا سحابة شهود في السماء

تفسير رومية 14 تفسير رسالة رومية تفسير العهد الجديد تفسير رومية 16
 القمص متى المسكين
تفاسير رسالة رومية تفاسير العهد الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى