تفسير سفر اشعياء ٦٦ للقمص تادرس يعقوب

الأصحاح السادس والستون

أورشليم الجديدة

اختتم هذا السفر الإنجيلي بالكشف عن أورشليم الجديدة التي أقيمت بالسيد المسيح بعدما هدم الحرف القاتل الذي ارتبط بالشكليات المفسدة لحياتنا الداخلية وعلاقتنا مع الله.

فساد العبادة الشكلية     [1-4].

كثيرًا ما اتكل اليهود على وجود الهيكل في أورشليم كمصدر أمان لهم، مهما كانت حياتهم أو علاقتهم بالرب. لهذا يوبخهم الرب قائلا: “السموات كرسيّ والأرض موطئ قدمي، أين البيت الذي تبنون ليّ؟ وأين مكان راحتي؟[1].

إن كان الله في محبته للإنسان سمح أن يبنى له بيتًا، إنما من قبيل تنازل الله ليعلن حلوله في وسطنا. الله لا تهمه الحجارة والمباني الضخمة إنما يسكن في “المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامه[راجع 2]. لقد أدرك سليمان الحكيم هذه الحقيقة لهذا صلى في يوم تدشين الهيكل، قائلاً: “لأنه هل يسكن الله حقًا على الأرض؟! هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت” (1 مل 8: 27).

v   لقد قبل بالحقيقة الهيكل الذي دُعى “هيكل أورشليم” بيتًا له أو محلته، ليس عن احتياج إليه وإنما لكي إذ تنظرون إليه تقدمون نفوسكم له.

القديس يوستين[679]

v تُرى ما هو هذا المسكن الذي يتذكره داود فيسكب نفسه عليه (مز 42: 2)، مشتهيًا هذا البيت في حب قوي حتى الموت؟ هل هو المسكن المصنوع من جلد وبوص واسمانجوني وارجوان؟! لاشك أن نظرة داود مختلفة عن ذلك تمامًا…

أنزع عنك كل فكر أرضي، وتعال سرْ، في الطريق الذي يفتحه لك الأنبياء والرسل وفوق الكل سِر في كلمة الله من كل قلبك وبكل فهمك، لتصعد إلى السماء وتتأمل روعة المسكن الأبدي الذي أوضح لك موسى مجرد ظله.

العلامة أوريجانوس [680]

v   كنيسة الله هي السماء![681]

v   “نفس البار كرسي الحكمة”… الأبرار هم الكراسي[682] .

v   لقد صرت سماءً، فهل تخاف الأرض؟…

لذلك متى صار لك كمال المعرفة، وصار لك الحب، تصبح عرش الله وسماءً. فإن السماء التي نتطلع إليها بأعيننا هذه ليست بثمينة جدًا أمام الله. نفوسنا المقدسة هي سماء الله؛ أذهان الملائكة وكل الخدام هي سماء الله[683].

القديس أغسطينوس

الكنيسة هي الدخول في الصخرة كما فعل موسى النبي لكي يرى مجد الله، هذه الصخرة هي المسيح. نثبت فيه بروح الاتضاع مع الانسحاق فننعم بالسكنى الإلهية، لهذا قيل: “وإلى هذا أنظر إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي” [2].

v   أتريد أن تكون موضعًا للرب؟ كن مسكينا بالروح ومنسحقًا ومرتعدًا عند كلمة الله، فيتحقق لك ما تطلبه[684].

v   لترتعب قلوبنا عندما يتطلع الله إلينا فيستقر فيها[685].

القديس أغسطينوس

v   لنرتعب من كلماته لكي يبنينا على الدوام.

القديس يوحنا الذهبي الفم[686]

v يليق بنا أن نحرص بأن نكون في الطريق الضيق المستقيم، طريق التسبيح والمجد، حيث يليق بكل المسيحيين أن يمارسوا السلام والإتضاع وهدوء الحياة الصالحة حسب كلمة الرب الذي لا ينظر إلاَّ إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامه [2].

القديس كبريانوس[687]

هكذا بالاتضاع وانسحاق القلب وخشية كلماته يتطلع إلينا الرب، ويسكن فينا، ويحولنا إلى سمواته المقدسة. أما من ينشغل بالشكليات في العبادة بروح الرياء والكبرياء، فإن الله لا يجد فيه راحة وتصير عبادته مكرهة أمامه. يَشتم الله الذبائح رائحة قتل ونجاسة وعبادة أوثان، إذ يقول: “من يذبح ثورًا فهو قاتل إنسان. من يذبح شاة فهو ناحر كلب، من يُصعِد تقدمة يصعد دم خنزير. من أحرق لبانًا فهو مُباركٌ وثنًا[3]. وكما يقول الحكيم: “ذبيحة الأشرار مكرهة الرب وصلاة المستقيمين مرضاته” (أم 15: 8).

v الذبائح (الحيوانية) لا تقدس الإنسان، لأن الله لا يحتاج إلى ذبيحة، إنما ضمير مقدمها هو الذي يُقدس الذبيحة متى كان طاهرًا، وبهذا يحرك الله ليقبل التقدمة.

القديس إيريناؤس[688]

أما ثمرة الانشغال في الشكليات بلا روح فهو الدخول في متاعب بلا تعزية، وعوض أن يُطمئنهم الرب قائلاً لكل واحد منهم: “لا تخف لأني معك؛ دعوتك باسمك أنت ليّ” (إش 43: 1)، يقول لهم: “هم اختاروا طرقهم وبمكرهاتهم سُرت أنفسهم، فأنا أيضًا أختار مصائبهم، ومخاوفهم أجلبها عليهم، من أجل أني دعوتُ فلم يكن مجيب، تكلمتُ فلم يسمعوا بل عملوا القبيح في عينيَّ واختاروا ما لم أُسرَّ به” [3-4].

هم يختارون الطريق الشرير ويسرون بالرجاسات المكروهة من الرب، لذلك يتركهم الله لاختيارهم فيسقطون تحت مصائب يجلبها عليهم… هي ثمرة طبيعية لتصرفاتهم. يرفضون دعوته ولا يسمعون لصوته لذلك لا يسمع إلى صلواتهم ولا يستجيب إلى طلباتهم. يشربون من ذات الكأس التي ملأوها.

فاصل

التمييز بين الشكليين والجادِّين في العبادة   [5-9].

إن كان الشكليون في العبادة يعانون من المتاعب بلا تعزية، فأنه على العكس الجادون في حياتهم، المرتعدون من كلمة الرب يتعرضون للاضطهاد حتى الطـرد لكنهم

يتمتعون بفرح حقيقي.

اسمعوا كلام الرب أيها المرتعدون من كلامه. قال إخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من أجل اسمي: ليتمجد الرب، فيظهر لفرحكم، وأما هم فيَخْزَوْنَ[5]. هذا ما حدث عندما أبغض اليهود تلاميذ الرب ورسله وطردوهم تحت ستار الغيرة على مجد الله والناموس الموسوي، لكن فرح التلاميذ وخزى المضطهدون. أشار السيد المسيح إلى ذلك بقوله: “سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله” (يو 16: 2).

أما ثمر الضيق الذي حل على رجال كنيسة العهد الجديد من إخوتهم فهو خراب الهيكل على يدي تيطس، إذ قيل هنا: “صوت ضجيج من المدينة، صوت من الهيكل، صوت الرب مجازيًا أعداءه[6].

انتهت المقاومة بخراب الهيكل، أما هيكل كنيسة العهد الجديد فأُقيم في كل قلب يحمل ثمرًا هو تجلي رب المجد يسوع في الحياة الداخلية لكل مؤمن. يحدثنا النبي هنا عن نشأة هذه الكنيسة بطريقة فائقة، قائلاً: “قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا. من سمع مثل هذا؟ من رأى مثل هذا؟[7-8]. ما هذه الولادة إلاَّ تجلي السيد المسيح في حياة المؤمنين.

يتطلع آباء الكنيسة إلى حياة المسيحي الروحية بعد عماده كحالة نمو للمسيح نفسه في داخل قلوبهم التي تتسم بالأمومة له[689].

v  كما يتشكل الطفل في الرحم، هكذا يبدو ليّ أن كلمة الله يتشكل في قلب النفس التي تقبلت نعمة المعمودية لتدرك في داخلها كلمة الإيمان الأكثر مجدًا وأكثر وضوحًا[690].

v  يبدو أنه من الخطأ أن نتحدث عن تجسد ابن الله من القديسة العذراء ولا نُشير إلى تجسده أيضًا في الكنيسة… إذ يليق بكل واحد منا أن يعرف مجيء ابن الله في الجسد بواسطة العذراء الطاهرة، وفي نفس الوقت أن يدرك مجيئه بالروح في كل واحد منا[691].

العلامة أوريجانوس

v  ما حدث لمريم التي بلا عيب حين أشرق فيها كمال اللاهوت الذي في المسيح يتحقق في كل نفس تمارس البتولية كمنهج لها. حقًا لا يعود يأتي السيد ليحل حلولاً جسديًا “فإننا لسنا نعرفه بعد حسب الجسد” (2 كو 5: 6)، إنما يسكن فينا روحيًا، ويحضر معه أباه كما أخبرنا في الإنجيل…

v  بهذا يستطيع كل مسيحي أن يصير أمًا لذاك الذي هو جوهريًا كل شيء، إذ يقول ربنا نفسه: “من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات فهذا هو أمي” (مر 3: 25، مت 12: 5).

القديس غيرغوريوس اسقف نيصص[692]

v      (كل مسيحي) يحبل بالله في قلبه.

القديس أغسطينوس[693]

v  يُنادي النفس التي تبدأ في الاتجاه نحو السيد المسيح هكذا: “يا مريم”، أي تتقبل اسم المرأة التي حملت به في أحشائها، إذ تلده النفس بمفهوم روحي[694].

v     احرص أن تُتمم مشيئة الآب لكي تكون أمًا للمسيح (مر 3: 25)[695].

القديس أمبروسيوس

لقد وُلدت الكنيسة الجامعة بقوة كما في يوم واحد، إذ قيل: “هل تمخَضُ بلادٌ في يومٍ واحدٍ؟ أو تولد أمةٌ دفعةً واحدةٌ؟[8]، إذ وُلدت في يوم العنصرة ونمت بسرعة عجيبة.

فاصل

أورشليم الجديدة       [10-24].

يختتم النبي حديثه بالكشف عن أورشليم الجديدة:

أ. تفيض فرحًا وبهجة على محبيها النائحين عليها بسبب ما تُعانيه من ضيقات [10]. من الخارج آلام ومتاعب، ومن الداخل فيض فرح حتى على الغير.

ب. تفيض شبعًا للجميع، تهب الأطفال تعزيات كما من لبن ثدييها، بينما تهب الكبار من عصير ولذة دُرّة مجدها.

ج. فيض سلام كنهر، ومجد عظيم كسيل جارف. “لأنه هكذا قال الرب: هأنذا أدير عليها سلامًا كنهر ومجد الأمم كسيل جارف فترضَعُون، وعلى الأيدي تُحملون، وعلى الركبتين تُدللون[12].

الله نفسه يدير السلام على كنيسته كما يسقي الفلاح حقله، يرويه من ينابيع سلامه كما من نهر لا ينضب، ويفيض عليها المجد.

v  في وعده للصالحين يقول أنه سيفيض عليهم نهر سلام، بمعنى يفيض عليهم بأعظم إمكانية. بهذا السلام ننتعش… ويشبع الكل منه، لانه سيفيض حتى على الأجساد الأرضية بسلام عدم الفساد والخلود… كأن الله يسكب (نفسه) من الأمور العلوية إلى الدنيا، ويجعل البشر مساوين للملائكة.

القديس أغسطينوس[696]

د. مصدر تعزية إلهية: “كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا وفي أورشليم تعزون[13]. الله أب يهب الكنيسة أمومة ليس فقط نحو المؤمنين أبنائها وإنما نحو كل بشر، تحمل قلبًا متسعًا كعريسها لتفيض حبًا على الجميع.

بكونها أمًا تقدم تعزية لأبنائها خاصة المتألمين وحاملي الصليب، هذه التعزية ليست من عندياتها، إنما هي عطية الروح القدس الساكن فيها… لذا يقول الرب “هكذا أعزيكم أنا[3].

بالنسبة لرجال العهد القديم وجدوا تعزيتهم في أورشليم من جانبين: أنهم رجعوا عن السبي، وأن الله يسكن في وسطهم. أما في العهد الجديد فيهبنا الروح القدس تعزياته بالغلبة على العدو محطم حريتنا وقبولنا مسكنًا للثالوث القدوس.

فتَروْنَ وتفرح قلوبكم وتزهو عظامكم كالعشب وتُعرف يد الرب عند عبيده ويحنَق على أعدائه[14]. نرى الصليب، إذ فيه ظهرت الحياة، وتُعرف يد الرب أي يُكشف عن شخص السيد المسيح بكونه يد الآب… إذ به تحقق حب الله الآب عمليًا خلال ذبيحة الصليب. في الكنيسة ننعم بهذا فتتهلل قلوبنا فرحًا، وتزهو عظام إيماننا. هذه هي تعزيتنا في الرب خلال كنيسته: يهبنا فرح القلب  السماوي واتساعه بالحب وينمي إيماننا (العظام بكونها مركز الجسم).

هـ. مصدر للطهارة: “الذين يقدسون ويطهرون أنفسهم في الجنات وراء واحدٍ في الوسط آكلين لحم الخنزير والرجس والجُرَذ يفنون معًا يقول الرب[17]؛ “كما يُحضِرُ بنو إسرائيل تقدمة في إناء طاهر إلى بيت الرب[20].

و. تعلن مجد الله وسط الأمم [18-20].

ز. مدينة كهنوتية: “وأتخذ أيضًا منهم كهنة ولاويين قال الرب[21].

ح. مدينة أبدية: “هكذا يَثبُتُ نسلكم واسمكم[22].

ط. شعب دائم التعبد: “ويكون من هلال إلى هلال ومن سبت إلى سبت أن كل ذي جسد يأتي ليسجد أمامي قال الرب[23].

ى. ليس بينهم هالك… إنما يتحقق الهلاك خارج أورشليم الحقيقية. “ويخرجون ويَروْنَ جثث الناس الذين عصوا عليّ لأن دودهم لا يموت ونارهم لا تُطفأ، ويكونون رَذالةٌ لكل ذي جسد[24].

زر الذهاب إلى الأعلى